محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 04:54
المحور:
قضايا ثقافية
مشغول…
سألتني، ببساطةٍ لا تُحتمل:
“مشغول؟”
أجبتُ فورًا، كمن يردد كلمةً تعلّمها منذ زمن:
“بالتأكيد… أنا دائمًا مشغول.”
كان الجواب جاهزًا أكثر مما ينبغي،
كأنني لم أفكّر فيه،
كأنني أعيشه.
اعتدتُ على العمل المتواصل،
على ملء الساعات حتى حافتها،
على الهروب من الفراغ
كما لو أنه عدوّ قديم يعرف نقاط ضعفي.
العمل…
لم يعد مجرد واجب،
صار ذريعة.
غطاءً أنيقًا أخبّئ تحته أشياء لا أريد أن أراها.
سكتتْ قليلًا،
ثم سألت:
“ومتى ينتهي هذا العمل؟”
نظرتُ إليها،
ثم إلى شيءٍ بعيد لا أذكره،
وقلتُ… بنبرةٍ لم أتعرف عليها:
“عندما ينشغل الآخرون بي…”
توقفتُ لحظة،
كأنني أستمع إلى الجملة وهي تكتمل من تلقاء نفسها:
“…ليلة أكون ممدّدًا في نعشي.”
لم أكن أمزح.
لكنني تمنّيتُ لو أنني كنت.
ضحكتْ ضحكةً خفيفة،
لا أعرف إن كانت فهمت،
أم أنها اختارت ألّا تفهم.
أما أنا…
فشعرتُ بشيءٍ بارد يمرّ في داخلي،
كأن الحقيقة، حين تُقال فجأة،
تفقد قسوتها… لكنها تترك أثرًا أعمق.
عدتُ إلى عملي.
الملفات، الرسائل، المواعيد…
كل شيء كان ينتظرني،
كما لو أن الحياة لا تقبل التأجيل.
لكن سؤالها بقي.
يتسلل بين سطرٍ وسطر،
بين مهمةٍ وأخرى،
كهمسٍ لا يمكن إسكاته.
هل أنا مشغول حقًا…
أم أنني فقط لا أريد أن أتوقف؟
متى كانت آخر مرة
جلستُ فيها مع نفسي
دون أن أبحث عن شيءٍ أفعله؟
متى نظرتُ إلى وجهي
دون أن أختصره في دورٍ أو وظيفة؟
أطفأتُ الشاشة للحظة.
سكت العالم.
أو ربما أنا الذي سكت أخيرًا.
أدركتُ أن الانشغال الدائم
قد يكون طريقةً مهذبة
لتأجيل مواجهةٍ لا مفرّ منها.
نحن لا نركض نحو الإنجاز فقط،
بل نهرب من الأسئلة:
من الفراغ،
من الوحدة،
من المعنى.
رفعتُ رأسي،
كأنني أبحث عن تلك الجملة التي قلتها قبل قليل.
“ليلة أكون ممددًا في نعشي…”
كم هي غريبة،
وكم هي صادقة.
لكن…
هل يجب أن ننتظر تلك الليلة
كي ينشغل بنا الآخرون؟
أم يمكن أن نتوقف الآن…
قليلًا،
فقط قليلًا،
ونسمح لأنفسنا أن نُرى،
أن نُحب،
أن نكون…
قبل أن نصير ذكرى؟
أغلقتُ الملفات.
ليس كلها…
لكن ما يكفي لأتنفس.
ربما،
للمرة الأولى منذ زمن،
لم أكن مشغولًا.
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟