أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - ياسر قطيشات - الحداثة و-الإرهاب-.. الوجه المُظلم للتنوير!














المزيد.....

الحداثة و-الإرهاب-.. الوجه المُظلم للتنوير!


ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية

(Yasser Qtaishat)


الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 21:13
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


يُعدُّ كتاب "العَلمانيّة والاستبداد الحديث" للباحث والكاتب "ممدوح الشيخ" محاولة فكرية جريئة لإعادة تفكيك السردية الغربية المهيمنة حول الحداثة، عبر مساءلة الأسس التي قامت عليها مفاهيم مثل الليبرالية والعَلمانيّة والدولة القومية.
فالكتاب، كما يتضح من مادته، لا يكتفي بنقد الخطاب السائد، بل يسعى إلى قلبه رأساً على عقب، من خلال الاستناد إلى نصوص غربية مترجمة تكشف عن الوجه الآخر لما يُقدَّم عادة بوصفه مشروعاً للتحررّ والتقدّم.
تنطلق أطروحة الكتاب من لحظة تأسيسية في التاريخ الحديث هي الثورة الفرنسية، وتحديداً عامي 1793 و1794م، التي لطالما صُوّرت بوصفها منبع الحرية والمساواة، غير أن القراءة التي يقدمها الكتاب تذهب إلى أن هذه الثورة- وفق الترجمات والأفكار الغربية- لم تؤسّس فقط لمفاهيم الحداثة السياسية، بل دشّنت أيضاً نمطاً جديداً من عنف الدولة المنظم، أو "إرهاب الدولة"، تجسد بوضوح فيما عُرف في فرنسا "بعهد الإرهاب" بقيادة "ماكسيميليان روبسبير" في منطقة فاندي"، حيث قُتل ربع مليون مدني باسم الثورة!
في هذه اللحظة، ولأول مرة في التاريخ الحديث، يصبح "الإرهاب" أداة مشروعة بيد الدولة، لا فعلاً هامشياً خارجها، وهو ما تؤكده حتى بعض الأدبيات الغربية، ومنها تعريفات صادرة عن حلف الناتو التي تربط ظهور المصطلح بهذه المرحلة تحديداً، هذه الإشارة ليست لغوية فقط، بل دلالية: إذ تعني أن الإرهاب، بوصفه ممارسة سياسية ممنهجة، نشأ داخل مشروع حداثي يدّعي العقلانية والتحرر!
هذه الفكرة ليست مجرد ملاحظة تاريخية، بل تمثل حجر الزاوية في التحليل الفلسفي للنصوص المترجمة في الكتاب؛ فالإرهاب الحديث، وفق هذا المنظور، ليس انحرافاً عن الحداثة، بل أحد منتجاتها، إذ إن مشروع الحداثة، حين يتحول إلى رؤية "يوتوبية" تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق نموذج مثالي، لا يجد بداً من اللجوء إلى العنف لفرض هذا النموذج.. وهنا تظهر مفارقة عميقة: فالمشروع الذي وُلد باسم الحرية، ينتهي إلى القمع؛ والذي رفع شعار التعدّد يتحوّل إلى إقصاء!
ويبدو هذا التحوّل جلياً في تطور الليبرالية نفسها، التي بدأت كدعوة لتحرير الإنسان من المطلقات، لكنها -في سياقات عديدة- تحوّلت إلى سلطة جديدة تفرض "صواباً" واحداً باسم الحرية، وكذلك الحال بالعَلمانيّة الأوروبية التي أقصت الدين عن حياة الشعوب وقدّست "الدولة" و"أنسنة المقدّس"!
فحين تُرفع القيود عن الحقيقة، وتصبح نسبية بالكامل، لا يعود هناك معيار يحكم الصواب والخطأ سوى القوة، فيصبح من السهل تبرير إقصاء المختلف أو حتى إبادته، إذا ما اعتُبر خارج إطار "الحضارة" أو "القيم الغربية"!
هذا المنطق، لم يبق حبيس التاريخ الأوروبي، بل امتد ليشكل بنية فكرية حاكمة في العصر الحديث، ففي القرن العشرين، الذي يُفترض أنه بلغ ذروة التقدم العلمي والسياسي، شهد العالم أشكالاً غير مسبوقة من الإبادة الجماعية، فأنظمة مثل الاتحاد السوفيتي، والصين في عهد "ماوتسي تونغ"، وتجربة كمبوديا تحت حكم "الخمير الحمر"، قدمت نماذج صارخة لكيف يمكن لمشاريع "التحديث" واليوتوبيا الاجتماعية" أن تتحول إلى كوارث إنسانية، حيث قُتل عشرات الملايين من المدنيين خارج ميادين الحروب، باسم بناء مجتمع جديد أو تحقيق قفزة حضارية!
في هذه التجارب، لم يكن العنف عرضاً طارئاً، بل أداة بنيوية في مشروع الحداثة ذاته عندما ينفصل عن أي مرجعية أخلاقية ثابتة، فحين تُختزل القيم إلى أدوات نسبية، يصبح من الممكن تبرير المجاعة المنظمة أو الإبادة أو التطهير الطبقي، باعتبارها "ثمنًا ضرورياً" للتقدّم، وهنا تتجلى الفكرة التي يؤكدها الكتاب: أن المشكلة ليست في غياب التقدم، بل في غياب الأخلاق التي تضبطه!
وهنا، تبدو العلمانية والليبرالية، ليستا بالضرورة أدوات للتحرر، بل قد تتحولان، في ظروف معينة، إلى غطاء أيديولوجي لممارسة الإرهاب، ونموذجنا الجاري هو الولايات المتحدة التي استباحت دول وشعوب وثروات العالم بالقوة، بحجة نشر الحرية والسلام والدفاع عن حضارة الغرب!
ولا يقف هذا التحليل عند حدود الماضي، بل يمتد ليقرأ الحاضر من خلاله، فما يُطرح اليوم في سياق الحرب على غزة، والخطاب الذي يقدمه "نتنياهو"، يعكس امتداداً لفكرة قديمة مفادها أن هناك شعوباً "خارج القانون"، فـ"اسرائيل" تزعم أنها تخوض حرباً وجودية ضد "برابرة" يهددّون قيم الغرب وحضارته! ويبررّ "نتنياهو" القتل الجماعي في غزة، وحربه ضد لبنان وإيران، بوصفه وسيلةً للدفاع عن الحداثة والحضارة الغربية بالقوة!
هذا التصوّر يجد جذوره في الفكر الاستعماري الأوروبي، فما دعا إليه الألماني "هاينريش ترايشكي" في القرن التاسع عشر حول عدم انطباق القانون الدولي على ما يسميها "الشعوب البربرية"! يجد صداه اليوم في صمت العالم إزاء جريمة الإبادة في غزة، فهو تعبيرٌ عن بنية فكرية أعمق تُستخدم مفاهيم الحداثة والقانون الدولي بصورة انتقائية، تُمنح فيها الشرعية للعنف حين يصدر عن الدولة، وتُسحب عن المقاومة التي تبحث عن تقرير المصير!
إن ما يقدمه الكتاب ليس مجرد إدانة للحداثة، بل دعوة إلى إعادة التفكير في أسسها، فهو يضعنا أمام سؤال فلسفي حاد: هل يمكن لمشروع يقوم على نسبية القيم أن يضع حدوداً لإرهاب الدولة؟ أم أن غياب معيار أخلاقي مطلق يجعل من "القوة" الحكم النهائي في كل صراع؟
وبين هذين الحدين، يبقى السؤال مفتوحاً حول إمكانية بناء حداثة أخلاقية انسانية بديلة، لا تنفصل فيها القوة عن الأخلاق، ولا يتحول فيها الحلم الإنساني إلى كابوس تاريخي.



#ياسر_نايف_قطيشات (هاشتاغ)       Yasser_Qtaishat#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صانعو الظِلال في فلسفة الطُغيان
- العلم والسلطة: معركة الحقيقة والقوة
- الزمن الفلسطيني بين المصادرة والترويض
- الخديعة الثانية!
- الهويّة المنفيّة: -اليهود العرب- في مرآة المخيال الصهيوني
- نهاية الدولة أم ما بعدها؟
- -فلسفة الاستسلام وفقه الخنوع-.. ضرورةٌ مرحلية أم استقالةٌ من ...
- -النظام الدولي القائم على القواعد-.. عندما تصنع القوّة قواعد ...
- استقرار الأنظمة واضطراب المجتمعات!
- متى نجلسُ بجانب النافذة!؟
- لبنان والمعادلة المستحيلة: دولة بلا مقاومة أم مقاومة بلا دول ...
- انهيار وهم الحماية: درس الدوحة في منظومة الأمن الخليجي والعر ...
- ما بعد الإدانة .. وما قبل الانهيار: متى يغادر العرب دائرة ال ...
- قمة -شنغهاي- والاستعراض الجيوسياسي: هل ينكسر احتكار الغرب لل ...
- لبنان و-سلاح- حزب الله: بين معادلات الداخل ووصاية الخارج
- أمريكا -السنية والشيعية-: كيف حوّلت الطائفية إلى استراتيجية ...
- الأردن في مواجهة المشروع الصهيوني وخيارات التحدّي الوجودي
- ما بعد -مؤتمر نيويورك-: هل تتجه فلسطين نحو الدولة أم نحو الع ...
- -عقدة الثمانين- .. بين سرديّة الاعتراف وسرديّة الوجود!
- الصندوق الأسود العربي: محاولة لفهم لحظة السقوط


المزيد.....




- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - ياسر قطيشات - الحداثة و-الإرهاب-.. الوجه المُظلم للتنوير!