أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - ياسر قطيشات - نهاية الدولة أم ما بعدها؟














المزيد.....

نهاية الدولة أم ما بعدها؟


ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية

(Yasser Qtaishat)


الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 19:21
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


هل يمكن أن تسقط "فكرة الدولة" نفسها كما سقطت حضارات وإمبراطوريات من قبل؟ هل الدولة الحديثة، التي تحوّلت إلى مرجعية فوقيّة قسريّة، ما تزال أداة خادمة للناس أم أصبحت سيدة عليهم؟ ما البدائل الواقعية أو الأخلاقية لتنظيم المجتمعات بعيداً عن نموذج الدولة المركزية المتجبّرة؟
وبالمقابل؛ لو تجاوزنا مسألة تحسين نموذج الدولة اجتماعياً واقتصادياً.. هل يمكن العيش دونها؟ أو بأقل قدر منها؟ هل يمكن الخروج من سردية الدولة بوصفها النموذج الأمثل لنهاية التاريخ البشري؟!
يتفق أهل الفلسفة وعلم الاجتماع أن الدولة ضرورة وجودية لحضور الإنسان في شتى العصور والأزمان، ولا يمكن النظر إليها بوصفها "تجريد تاريخي" لا صلة لها بالواقع البشري، أو مجرد نسق قانوني يضمن الحقوق والواجبات، بل هي أشبه بظاهرة معقدّة ومركّبة من سلسلة من الأفكار المختلفة، المتباينة تارة، والمتناقضة تارة أخرى.
ولا مناص من الاعتراف من أن فكرة وظاهرة الدولة سارية في التاريخ، لاسيما وأنها تتّصل بقضيتين حيويتين: الأولى حياة الإنسان، والثانية ظاهرة نظام تشّكل وتكوين الأفراد والجماعات ومصيرهم عبر التاريخ.
يقول المؤرخ الأمريكي "جوزيف شتراير" (1904 - 1987) "قد نشكو اليوم من متطلبات الدولة، ونحتج ضد تعدياتها المتزايدة، ولكن يستحيل علينا التفكير في الحياة بدونها".
لطالما شغلت مسألة نشأة الدولة الفكر السياسي منذ القدم، ومع ذلك، لم يعد سؤال "كيف نشأت الدولة؟" سؤالاً ملحاً بقدر ما هو اليوم سؤال "كيف نتجاوزها؟" في عالم يزداد فيه نفوذ الدول وتضخمها، لكن في الوقت نفسه تتآكل شرعيتها ووظائفها، فتبرز الحاجة إلى تفكيك هذا الكيان وإعادة تخيّل الاجتماع البشري خارج قوالبه.
نشأت الدولة الحديثة -في الفكر السياسي- بوصفها جهازاً للضبط أكثر من كونها تعبيراً عن تعاقد حر، وعبر أدوات: كالسجلات المدنية، والتعليم الإجباري، والجيوش النظامية، باتت الدولة ليست فقط سلطة سياسية، بل منظومة يومية لا فكاك منها، وهي بهذا ليست كياناً فوق المجتمع، بل جزءٌ من نسيجه، تتغذى على مراكزه وتعيد إنتاجه وفق معايير السيطرة.
لكن، هل بقيت الدولة الضامن الوحيد للتنظيم والعيش المشترك؟
في العقدين الأخيرين، نشهد ما يمكن تسميته "تعرية السيادة": فالدول التي كانت تُؤسِّس سلطتها على "الحماية مقابل الطاعة"، أصبحت عاجزة عن توفير أركان الحياة والأمان والحماية أمام (الفقر والبطالة، توزيع غير عادل للثروة، الأوبئة، الكوارث، الحروب) وتُطالب في المقابل بالمزيد من الطاعة!
أضف إلى ذلك صعود الهويات، الاقتصاد العابر للحدود، التكنولوجيا، والحوكمة العالمية – وكلها عوامل سحبت البساط من تحت الدولة الوطنية بوصفها الشكل الأوحد للتنظيم السياسي!
التاريخ لا يؤيد فكرة أن الدولة كانت حتمية، ويرى بعض المفكرين "أن البشر عاشوا آلاف السنين في مجتمعات لا-دولتية، غالباً أكثر حرية وعدالة"، وقد قاوم الكثيرون التحوّل إلى تنظيم سياسي كالدولة، وفضّلوا العيش في الجبال والكهوف والمرتفعات على الخضوع لمركز السلطة السياسية!
تسقط الدول حين تتحول من خادمة للناس إلى سيّدة عليهم، حين تصبح فوق القانون والأخلاق، وتُوظّف المؤسسات لتكريس هيمنة نخبة ضيقة، وتنهار الدول -أيضاً- حين تتآكل شرعيتها من الداخل، بفعل الظلم والفساد وغياب الرؤية، وتحللّ العقد الاجتماعي الذي يربطها بشعبها.
في ظل هذا الأفق المسدود، لا بد من التفكير في بدائل واقعية وإنسانية تعيد تنظيم حياة البشر دون الوقوع في فوضى أو استبداد جديد: مثل صياغة عقد اجتماعي عصري قِيمي يعيد تعريف السلطة على أساس الحقوق لا الامتيازات، ويضمن تداولها، ويُخضعها لمحاسبة دائمة.
يمكن أن تخضع فكرة الدولة برمتها لمراجعة قِيمية شاملة، تضع في الاعتبار "الرسالة الأخلاقية" للمجتمع، وتجعل من القانون خادماً للعدالة لا أداة للهيمنة، ويكون فيها القرار السياسي مرتبطاً بحماية الكرامة الإنسانية، لا بخدمة موازين القوى والنُخبة فقط.
لسنا بحاجة "لطوفان نوح" جديد لإعادة تشكيل العالم، بل إلى يقظة حضارية جديدة، و"صحوة" إنسانية توقظ الضمير، وتحررّ الإنسان من عبادة الكيانات وتقديس رموزها، فالمشكلة ليست في وجود الدولة؛ ككيان؛ بل في غياب معناها الأخلاقي، ومسخها الوجود البشري!
بلا شك، لسنا أمام حتمية سقوط الدولة كفكرة، بل أمام لحظة مراجعة شاملة: فقد تتطور الدولة إلى نماذج أكثر إنسانية وعدالة، وقد تنهار بعض الدول بفعل ظلمها الداخلي أو غطرستها الخارجية، فهل يمكن التفكير بتنظيمات اجتماعية خارج نموذج الدولة التقليدي: مثل مجتمعات تشاركية، لامركزية، تعتمد على التعاون لا الاحتكار، وعلى التفاوض لا الإخضاع؟
الدولة -بالنهاية- ليست قدراً... هي مجرد احتمال من بين احتمالات أخرى.



#ياسر_نايف_قطيشات (هاشتاغ)       Yasser_Qtaishat#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -فلسفة الاستسلام وفقه الخنوع-.. ضرورةٌ مرحلية أم استقالةٌ من ...
- -النظام الدولي القائم على القواعد-.. عندما تصنع القوّة قواعد ...
- استقرار الأنظمة واضطراب المجتمعات!
- متى نجلسُ بجانب النافذة!؟
- لبنان والمعادلة المستحيلة: دولة بلا مقاومة أم مقاومة بلا دول ...
- انهيار وهم الحماية: درس الدوحة في منظومة الأمن الخليجي والعر ...
- ما بعد الإدانة .. وما قبل الانهيار: متى يغادر العرب دائرة ال ...
- قمة -شنغهاي- والاستعراض الجيوسياسي: هل ينكسر احتكار الغرب لل ...
- لبنان و-سلاح- حزب الله: بين معادلات الداخل ووصاية الخارج
- أمريكا -السنية والشيعية-: كيف حوّلت الطائفية إلى استراتيجية ...
- الأردن في مواجهة المشروع الصهيوني وخيارات التحدّي الوجودي
- ما بعد -مؤتمر نيويورك-: هل تتجه فلسطين نحو الدولة أم نحو الع ...
- -عقدة الثمانين- .. بين سرديّة الاعتراف وسرديّة الوجود!
- الصندوق الأسود العربي: محاولة لفهم لحظة السقوط
- -غزة- في مرآة الخذلان العربي
- الأمّةُ في زمن الانكسار: كيف نبني مستقبلاً يستحق الحياة؟
- ما بعد الدولة -المُتألّهة-: سرديّة المقدّس في عصر الحداثة!
- في قبضة المجانين: العالم بين انهيار القيم والشرعية وغطرسة ال ...
- الدولة المارقة: -إسرائيل- وإعادة إنتاج النازية بالصهيونية!
- -المسألة اليهودية- .. لم تُحل!


المزيد.....




- صراخ يدفع رجلا لإنقاذ سيدة من هجوم وشق وحشي بينما تتنزه.. إل ...
- -أقوى إطار عقابي-.. وزير داخلية الكويت يكشف تفاصيل قانون مكا ...
- نتنياهو يطلب رسمياً العفو عنه في قضايا الفساد
- ما تبعات طلب نتنياهو العفو في قضايا الفساد؟
- إلياس الشواشي: الأحكام القضائية ضد معارضين تونسيين -جائرة-
- -ديب سيك- تكتب أكوادا بها ثغرات عندما يتعلق الأمر بمسلمي الإ ...
- القضاء المصري يلغي نتائج الانتخابات التشريعية في 26 دائرة
- بالأرقام.. دراسة مثيرة تقارن بين القدرات العسكرية لروسيا وأو ...
- إهانة مسلحي الهجري رجال دين ومسؤولين بالسويداء تشعل المنصات ...
- ساعة فاخرة وذهب لترامب من سويسرا ومغردون: ما مقابل -الرشوة-؟ ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - ياسر قطيشات - نهاية الدولة أم ما بعدها؟