أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - ياسر قطيشات - الهويّة المنفيّة: -اليهود العرب- في مرآة المخيال الصهيوني














المزيد.....

الهويّة المنفيّة: -اليهود العرب- في مرآة المخيال الصهيوني


ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية

(Yasser Qtaishat)


الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 21:40
المحور: القضية الفلسطينية
    


في مذكراته "العوالم الثلاث: مذكرات يهودي عربي"، يكتب المؤرخ الإسرائيلي من أصول عراقية "آفي شلايم" نصاً يتجاوز السيرة الذاتية ليصبح وثيقة ضد النسيان، فالرجل الذي نشأ في بغداد، وهاجر قسراً إلى إسرائيل في طفولته، لا يسرد فقط قصة عائلته، بل يحاكم من خلال ذاكرته الشخصية سردية المشروع الصهيوني نفسه.
يقول "شلايم" ضمنياً إن مأساة اليهود العرب لم تكن في "خروجهم" من أوطانهم، بل في الطريقة التي جرى فيها اقتلاعهم من ذواتهم وهوياتهم، وتحويلهم إلى "يهود جدد" منسلخين عن ذاكرة عربية عميقة تمتد قروناً في الجغرافيا والثقافة.
ومن المفارقات الكبرى أن عبارة "يهودي عربي" التي يستخدمها "شلايم" في عنوان كتابه بدت –في العقل الصهيوني توليفة مستحيلة، لأن الصهيونية قامت على فرضية أن اليهودي لا يمكن أن يكون عربياً، وأن العروبة نقيض لليهودية!
غير أن شلايم يعيد تعريف هذه العلاقة، مؤكداً أن اليهودية في الشرق الأوسط كانت ديناً داخل فضاء حضاري عربي-إسلامي رحب، لا طائفة منغلقة أو غريبة عن محيطها، ففي بغداد، كما يصفها، كان اليهود يشاركون جيرانهم المسلمين والمسيحيين الأسواق والأغاني والمناسبات، وكانوا أبناء اللغة العربية وتاريخها، لا طارئين عليها.
هذه الحقيقة التاريخية هي ما حاول المشروع الصهيوني طمسها عمداً لصالح تصوّر استعماري يجعل اليهودية امتداداً للغرب لا للشرق!
يرى "شلايم" أن الصهيونية لم تكن فقط مشروعاً لإقامة دولة، بل كانت مشروعاً لإعادة تصنيع اليهود أنفسهم؛ فاليهود الشرقيون، القادمين من العراق والمغرب واليمن ومصر، لم يُستقبلوا في "الدولة اليهودية" بوصفهم أبناء وطن واحد، بل كغرباء يجب "إعادة تربيتهم" ليصبحوا على صورة اليهود الأوروبيين (الإشكناز).
لقد صُوِّر الشرق في المخيال الصهيوني باعتباره فضاءً للتخلف والخطر، وكان على اليهود العرب أن يتخلّوا عن لغتهم وثقافتهم وعاداتهم ليحصلوا على هوية إسرائيلية مقبولة، إنها عملية تغريب قسري للهوية، تشبه إلى حد كبير ما يسميه "فرانتز فانون" "التطهير الثقافي"، حيث يُطلب من المستعمَر أن يُعيد تشكيل ذاته على مقاس المستعمِر.
في مذكراته، يروي "شلايم" كيف تحوّل العرب، في الوعي الذي أنتجته الدولة الإسرائيلية، من جيران الأمس إلى "أعداء وجوديين"، فقد تولّت المدرسة، والإعلام، والمؤسسة الدينية الرسمية، مهمة إعادة برمجة الذاكرة، بحيث يصبح العربي رمزاً للتهديد والظلام، ويُعاد إنتاج صورة "اليهودي المنقذ من الشرق المتوحش"!
لكن المفارقة القاسية أن هذه الدعاية لم تفصل اليهود العرب عن محيطهم التاريخي فحسب، بل جعلتهم أيضاً أدوات في حرب أيديولوجية ضد ذواتهم السابقة. وهكذا، جرى تحويل ضحايا الاستعمار الصهيوني إلى شهود زور على سردية استعمارية جديدة.
يصف "شلايم" إسرائيل بأنها مجتمع منقسم على خطوط إثنية وثقافية حادة، فالإشكناز، الذين أسسّوا الدولة، احتكروا السلطة والثروة ومراكز القرار، بينما دُفع اليهود العرب (أو السفارديم والمزراحيم) إلى الهوامش الجغرافية والاجتماعية، وتم تهميشهم في الأطراف، وفي المهن الدنيا، وأُخضِعوا لعمليات "تغريب" قسري، طالت لغتهم ولهجاتهم وموسيقاهم وحتى أسماؤهم!
هذا التمييز لم يكن عرضياً، بل جزءاً من بنية الدولة نفسها التي قامت على التفوق الأوروبي واستبطان الاستعمار، لقد أرادت الصهيونية دولة لليهود، لكنها أقامت في الحقيقة دولة لليهود الأوروبيين ضد اليهود الشرقيين والعرب، فصار الداخل الإسرائيلي نسخة مصغّرة من التراتبية الاستعمارية التي لطالما ادّعت الصهيونية أنها تهرب منها!
ما يفعله "شلايم" في مذكراته هو فعل مقاومة بالذاكرة، إنه يعيد الاعتبار لتاريخ جرى طمسه عمداً: تاريخ اليهود العرب كجزء من الحضارة العربية الإسلامية، لا كجالية معزولة، ويؤكد إن الصهيونية لم تسرق فلسطين فقط، بل سرقت اليهود العرب أيضاً، حين نزعتهم من سياقهم الطبيعي وزرعتهم في مجتمع لا يعترف بهم.
إن استعادة هذا الوعي تمثل خطوة في تفكيك الأسطورة الصهيونية، وفتح أفق لتاريخ بديل يعترف بتعدد الهويات وتداخلها، لا بتناحرها.
تُعيد مذكرات "العوالم الثلاث" طرح سؤال مركزي على الوعي العربي والعالمي معاً: هل يمكن إعادة بناء سردية عن اليهودية خارج المشروع الصهيوني؟
يجيب شلايم، بوعيه التاريخي وتجربته الشخصية، بالإيجاب، فاليهود العرب لم يغادروا العروبة إلا قسراً، ولم يكن نفيهم سوى جزء من نفيٍ أكبر للعرب ككل في الوعي الغربي الاستعماري.
فالقضية، برأيه، لم تكن دينية بقدر ما كانت استعماراً حديثاً للذاكرة، يسعى لتقسيم الشرق من داخله، وتمزيق نسيجه الإنساني الذي عاش قروناً في تنوع وتعايش.
من هنا، تصبح مذكراته فعل تحرير مزدوج: تحرير لليهود العرب من أسر الصهيونية، وتحرير للعرب من الصورة النمطية التي رسمها الغرب عنهم. إنها شهادة مؤرخٍ على أن الهوية ليست قدرًا قومياً مغلقاً، بل حكاية إنسانية مفتوحة، تقاوم النسيان وتستعيد إنسانها الممزّق بين العوالم الثلاث.



#ياسر_نايف_قطيشات (هاشتاغ)       Yasser_Qtaishat#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نهاية الدولة أم ما بعدها؟
- -فلسفة الاستسلام وفقه الخنوع-.. ضرورةٌ مرحلية أم استقالةٌ من ...
- -النظام الدولي القائم على القواعد-.. عندما تصنع القوّة قواعد ...
- استقرار الأنظمة واضطراب المجتمعات!
- متى نجلسُ بجانب النافذة!؟
- لبنان والمعادلة المستحيلة: دولة بلا مقاومة أم مقاومة بلا دول ...
- انهيار وهم الحماية: درس الدوحة في منظومة الأمن الخليجي والعر ...
- ما بعد الإدانة .. وما قبل الانهيار: متى يغادر العرب دائرة ال ...
- قمة -شنغهاي- والاستعراض الجيوسياسي: هل ينكسر احتكار الغرب لل ...
- لبنان و-سلاح- حزب الله: بين معادلات الداخل ووصاية الخارج
- أمريكا -السنية والشيعية-: كيف حوّلت الطائفية إلى استراتيجية ...
- الأردن في مواجهة المشروع الصهيوني وخيارات التحدّي الوجودي
- ما بعد -مؤتمر نيويورك-: هل تتجه فلسطين نحو الدولة أم نحو الع ...
- -عقدة الثمانين- .. بين سرديّة الاعتراف وسرديّة الوجود!
- الصندوق الأسود العربي: محاولة لفهم لحظة السقوط
- -غزة- في مرآة الخذلان العربي
- الأمّةُ في زمن الانكسار: كيف نبني مستقبلاً يستحق الحياة؟
- ما بعد الدولة -المُتألّهة-: سرديّة المقدّس في عصر الحداثة!
- في قبضة المجانين: العالم بين انهيار القيم والشرعية وغطرسة ال ...
- الدولة المارقة: -إسرائيل- وإعادة إنتاج النازية بالصهيونية!


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-انفجار بركان هايلي غوبي في إثيوبيا-.. ما صحت ...
- كولومبيا ترفض خطوة ترامب بإغلاق المجال الجوي الفنزويلي
- التوتر في الكاريبي.. ماذا بعد إغلاق مجال فنزويلا الجوي؟
- مستوطنون يقتحمون الأقصى وقوات الاحتلال تواصل هدم منازل بالضف ...
- قوات الاحتلال تعلن قتل 40 مقاوما في رفح خلال أيام
- تأسيس رابطة الجالية العراقية وتكريم الكفاءات في بودابست
- الإدمان العائلي على الشاشات.. هروب جماعي إلى الضوء الأزرق
- جنرال إسرائيلي: لتل أبيب هدفان رئيسيان في سوريا
- لماذا يشتد القتال على جبهة مدينة بابنوسة السودانية؟
- أبرز محطات محاكمات الفساد ضد نتنياهو


المزيد.....

- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ااختلاق تاريخ إسرائيل القديمة / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - ياسر قطيشات - الهويّة المنفيّة: -اليهود العرب- في مرآة المخيال الصهيوني