أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - ياسر قطيشات - الزمن الفلسطيني بين المصادرة والترويض














المزيد.....

الزمن الفلسطيني بين المصادرة والترويض


ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية

(Yasser Qtaishat)


الحوار المتمدن-العدد: 8549 - 2025 / 12 / 7 - 21:04
المحور: القضية الفلسطينية
    


منذ ثلاثة عقود يعيش الفلسطينيون في منطقة رمادية بين الحرب والسلام، بين الوعود المؤجلة وبين الوقائع التي تتقدم بلا استئذان، يأتي قرار مجلس الأمن الجديد بشأن غزة ليضيف طبقة أخرى من هذا الالتباس التاريخي؛ قرار يبدو في ظاهره دعوة إلى إيقاف النزف الإنساني، لكنه يحمل في عمقه محاولة لإعادة تعريف القضية الفلسطينية ضمن معادلة جديدة: لا حرب كاملة، ولا حرية كاملة، بل إدارة محكمة للزمن الفلسطيني حتى يستنفد طاقته السياسية.
منذ مدريد وأوسلو، تشكّل نموذج سياسي يقوم على فكرة "السلام بدلاً من الحق"؛ سلام يتطلب تغيّر الذات قبل تغيّر شروط الاحتلال، ويفترض أن الواقع يمكن تشكيله عبر أدوات تقنية وعمليات تفاوضية حتى لو كانت الجغرافيا تُبتلع والهوية تتشظى.
قرار مجلس الأمن الأخير ليس إلا امتداداً لهذا الإرث، لكنه يأتي في زمن انهارت فيه كل أقنعة التسوية وباتت الوقائع أشد فجاجة مما تحتمله لغة الدبلوماسية.
إن جوهر الخديعة الجديدة لا يكمن في البنود ولا المؤسسات ولا الهياكل التي يجري الحديث عنها، بل في الفلسفة التي تستبطنها: تحويل الشعب من صاحب حق إلى "موضوع إدارة"، وتحويل الصراع من قضية تحرر إلى "ملف استقرار"، وتحويل المستقبل من أفق مفتوح إلى جدول زمني مُراقَب من الخارج.
الفلسطينيون، عبر تاريخهم الحديث، لم يُهزموا فقط بالجيوش، بل أيضاً بالوقت، كل تسوية كانت تُدار لتأجيل الحق، وكل مبادرة كانت تُقدّم على أنها "الفرصة الأخيرة"!، القرار الجديد يعيد إنتاج اللحظة نفسها: تجميد الزمن الفلسطيني لسنوات إضافية، في انتظار إصلاحات أو ترتيبات أو توازنات لم تولد بعد، بينما الزمن الإسرائيلي يتقدم بخطى ثابتة على الأرض!
إذا كانت أوسلو قد صادرت الحاضر باسم "وعد الدولة"، فإن القرار الجديد يصادر المستقبل باسم "وعد الاستقرار"، وبين المصادرتين تضيع الإرادة السياسية ويتآكل المعنى الوجودي لقضية كانت تعريفاً للحرية في المنطقة.
كل وصاية تُقدّم نفسها كإنقاذ، هكذا فعل الاستعمار القديم حين تحدث عن "تمدين الشعوب"، وهكذا تفعل القرارات الدولية حين تتحدث عن "حماية المدنيين"، لكن ما يبدو إنقاذاً قد يتحول -إذا غابت الإرادة والمقاومة- إلى شكل جديد من الهيمنة: هيمنة لا تُمارس بالسلاح فحسب، بل عبر ضبط الحاجات، وتحديد المسموح من السياسة، وتحديد شكل المجتمع الممكن!
القرار الأممي الأخير يطرح سؤالًا فلسفياً أكثر منه سياسياً: هل يمكن لمشروع تحرري أن يستمر حين تُسلب منه القدرة على تعريف ذاته؟ حين يصبح مستقبله مرهوناً بإرادة القوى التي ساهمت في تشكيل أزمته؟
هذا هو جوهر الخوف الفلسطيني: ألا يتحول القرار إلى جسر نحو الحرية، بل إلى سقف نهائي لها.
العالم اليوم، مرهق من الحروب، يريد "نهاية للصراع"، لكن نهاية الصراع لا تعني بالضرورة بداية العدالة، هناك فارق جذري بين إغلاق ملف وبين فتح أفق، القوى الكبرى تريد نظاماً إقليمياً مستقراً، وإسرائيل تريد حسماً تاريخياً لموازين القوى، والدول المتردّدة تريد إخراج نفسها من الحرج الأخلاقي. وحده الشعب الفلسطيني يريد معنى لوجوده: كرامة، أرض، هوية، مستقبل.
والمفارقة أن اللحظة التي بدت فيها إسرائيل معزولة أخلاقياً على مستوى العالم قد تتحول، بفضل هندسة سياسية دقيقة، إلى لحظة إعادة تأهيل عبر قرارات دولية تُجمّل الواقع ولا تغيّره!
المستقبل القريب سيشهد صراعًاً بين رؤيتين للزمن: زمن خارجي يريد تثبيت واقع سياسي واجتماعي جديد، يقوم على ضبط الحركات، وإغلاق بيئات المقاومة، وتحويل غزة إلى مساحة يمكن التحكم بها من بعيد.
وزمن داخلي يريد استعادة المبادرة، ورفض أن يتحول الشعب إلى مجرد متلقٍّ لقرارات صيغت فوق رأسه.
هذا الصراع الوجودي هو ما سيحدد مآلات القرار، فإذا استطاع الفلسطينيون إعادة تعريف اللحظة التاريخية باعتبارها فرصة للحشد الوطني واستعادة الإرادة، فإن أي وصاية ستتآكل من داخلها، أما إذا جرى التعامل مع المرحلة بوصفها "عابر لا بدّ منه"، فقد تتشكل بنية سياسية جديدة تتعايش مع الانقسام، وتتعايش مع غياب الدولة، وتتعايش مع تأجيل الحرية إلى ما لا نهاية!
ليس الخطر في القرار ذاته، بل في رؤيته للسلام: سلام بلا مساواة، بلا ذاكرة، بلا مسؤولية تاريخية، سلام يطلب من الضحية أن تتكيف مع شروط القوة لا أن تنال حقها، والسؤال الجوهري اليوم ليس: ماذا ينص القرار؟ بل أي معنى يريد العالم أن يمنحه للسلام؟ وأي معنى يريد الفلسطينيون أن يمنحوه لوجودهم؟
إنها معركة على تعريف المستقبل، وليست خلافاً على بنود، وبين الخديعة والأمل، سيبقى السؤال مفتوحاً: هل سيكون هذا القرار لحظة انطفاء جديدة.. أم بداية استعادة الزمن الفلسطيني المسلوب؟



#ياسر_نايف_قطيشات (هاشتاغ)       Yasser_Qtaishat#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخديعة الثانية!
- الهويّة المنفيّة: -اليهود العرب- في مرآة المخيال الصهيوني
- نهاية الدولة أم ما بعدها؟
- -فلسفة الاستسلام وفقه الخنوع-.. ضرورةٌ مرحلية أم استقالةٌ من ...
- -النظام الدولي القائم على القواعد-.. عندما تصنع القوّة قواعد ...
- استقرار الأنظمة واضطراب المجتمعات!
- متى نجلسُ بجانب النافذة!؟
- لبنان والمعادلة المستحيلة: دولة بلا مقاومة أم مقاومة بلا دول ...
- انهيار وهم الحماية: درس الدوحة في منظومة الأمن الخليجي والعر ...
- ما بعد الإدانة .. وما قبل الانهيار: متى يغادر العرب دائرة ال ...
- قمة -شنغهاي- والاستعراض الجيوسياسي: هل ينكسر احتكار الغرب لل ...
- لبنان و-سلاح- حزب الله: بين معادلات الداخل ووصاية الخارج
- أمريكا -السنية والشيعية-: كيف حوّلت الطائفية إلى استراتيجية ...
- الأردن في مواجهة المشروع الصهيوني وخيارات التحدّي الوجودي
- ما بعد -مؤتمر نيويورك-: هل تتجه فلسطين نحو الدولة أم نحو الع ...
- -عقدة الثمانين- .. بين سرديّة الاعتراف وسرديّة الوجود!
- الصندوق الأسود العربي: محاولة لفهم لحظة السقوط
- -غزة- في مرآة الخذلان العربي
- الأمّةُ في زمن الانكسار: كيف نبني مستقبلاً يستحق الحياة؟
- ما بعد الدولة -المُتألّهة-: سرديّة المقدّس في عصر الحداثة!


المزيد.....




- ترامب لـCNN: -الجميع سعداء للغاية- بإطار الاتفاق بشأن غرينلا ...
- السخرية من ماكرون وأهم 3 كلمات عن غرينلاند.. خطاب ترامب في د ...
- سوريا.. رد رسمي بعد دعوات التكبير بالمساجد عند تحرير مناطق ش ...
- ماذا نعرف عن -مجلس السلام- الذي سيعلنه ترامب رسميا اليوم في ...
- زيارة مرتقبة لرئيسة فنزويلا بالوكالة إلى واشنطن هي الأولى لم ...
- أرملة شاه إيران: -لا عودة إلى الوراء- والمواطنون سينتصرون في ...
- أمين عام الناتو: لم أناقش مع ترامب -السيادة على غرينلاند-
- منظمة دولية: السودان يسجل أطول فترة إغلاق للمدارس في العالم ...
- ترامب: لن نسمح لإيران أن تمتلك سلاحا نوويا
- تمويل الناتو وملكية غرينلاند وانتخابات 2020.. ما حقيقة أقوال ...


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - ياسر قطيشات - الزمن الفلسطيني بين المصادرة والترويض