سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي
الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 12:09
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
عرف العالم، قديمًا وحديثًا، صعودًا وأفولًا للعديد من التنظيمات السياسية والحركات التحررية بمختلف توجهاتها السياسية ومرجعياتها الأيديولوجية، إذ مثّلت بعض هذه الكيانات تعبيرًا عن تطلعات الشعوب نحو التغيير والتحرر، لكنها في كثير من الأحيان عجزت عن تحقيق أهدافها بصورة مستدامة، ورغم أن تراجع دور هذه التنظيمات يعكس حالة من تشظي الأفكار وضعف الفاعلية السياسية وتراجع حركة التنوير الفكري، إلا أن المشكلة الجوهرية لا تكمن في وجودها أو غيابها، بل في عجز الدول عن تحقيق السلام والإستقرار والتنمية المتوازنة للريف والمدينة، إضافة إلى غياب مفهوم المواطنة المتساوية في ظِل التعدد؛ فالدور الحقيقي لأي تنظيم سياسي يتمثل في صياغة رؤية وطنية واضحة للحوار السياسي، وتقديم برنامج عملي لبناء الدولة، مع القدرة على تعبئة الجماهير وقيادتها في رحلة سياسية لتحقيق التغيير، ويتطلب ذلك إنتاج خطاب سياسي جاذب يعكس تطلعات الشعب، ويمنح شعورًا بالأمل والتفاؤل بمستقبل أفضل قد يطل فجره، فضلًا عن تطوير أدوات جديدة وفعالة للعمل السياسي بما يتلاءم مع المتغيرات في الدولة والإقليم معًا، وفي سياق التاريخ السوداني؛ فقد شهدت هذه البلاد نشأة تنظيمات متعددة في ظروف زمانية ومكانية مختلفة، إلا أن معظمها أخفق في إدارة الدولة أو تقديم نموذج ناجح للحكم والإدارة، ما أدى إلى إستمرار الأزمات وتعقيد المشهد السياسي، وهو واقع مؤسف؛ فتح الباب أمام طرح تساؤلات جوهرية حول قدرة التنظيمات السياسية في إفريقيا، وخاصة في منطقة الساحل، وبشكل أخص في السودان، على تجاوز إخفاقاتها المتراكمة وبناء أعمدة مشروع وطني نهضوي جامع قادر على تحقيق الوحدة والإستقرار.
إن تراجع دور الفاعلين السياسيين والإعلاميين في العديد من دول الساحل الإفريقي يرتبط بعدة عوامل، من أبرزها ضعف الرغبة في الكتابة والحوار وممارسة العمل السياسي المنتج والمفيد، وغياب الفكر الإعلامي المتجدد القادر على مواكبة التحديات، هذا إضافة إلى البيئات الإستبدادية التي تقمع الحريات وتقصي القوى المختلفة من المشاركة في صناعة القرارات العمومية للدولة الحديثة، وقد أدى ذلك إلى تنامي مشاعر الإحباط لدى قطاعات واسعة من المجتمع، ودفع بعض القوى إلى الإنسحاب كليًا من الفضاء العام، أو التوجه نحو تبني مشاريع سياسية مفخخة بنظريات إنفصالية كبديل لفشل المشروع الوطني الجامع، ويتمظهر هذا الواقع بشكل واضح في إقليم أزواد شمال مالي، حيث تتقاطع النزاعات الطاحنة بين القوميين الإنفصاليين من مجتمعات الطوارق والفولان والسونغاي، في ظِل تاريخ طويل من التوترات الممتدة منذ ستينيات القرن الماضي، ولا يقتصر التحدي على النزعات الإنفصالية فحسب، بل يتفاقم ويمتد مع صعود الجماعات الدينية المتطرفة التي إستغلت هشاشة الدولة والتنافر القائم بين مكونات المجتمع لتوسيع نفوذها ونسج ونشر خطاب الكراهية، ورسخ ذلك مفهوم أثننة الدولة بدلاً أنسنتها، مما أدى إلى تعقيد المشهد الأمني والسياسي بشكل مقلق للغاية، ليس في مالي وحدها، بل في عموم منطقة الساحل الإفريقي، وقد يتبع ذلك عمليًا مسار طويل من التداخل بين العوامل السياسية والعرقية والدينية، ويطرح تحديات عميقة أمام أي مشروع للسلام والوحدة، ويستدعي مقاربات شاملة تعالج جذور الأزمة دون الإكتفاء بمعالجة مظاهرها.
تشهد منطقة الساحل الإفريقي حالة من عدم إستقرار سياسي وأمني مزمن، حيث تتصاعد حدة التمردات المسلحة في عدد من المناطق، وعلى رأسها منطقة أزواغ التي أصبحت مسرحًا لصراعات معقدة تاريخيًا، ويتزامن ذلك مع التوترات الإقليمية والدولية بين دول الجوار والعالم الخارجي، مثل تلك الخلافات التي تظهر فيها روسيا الإتحادية وفرنسا كجهات خارجية، أو مثلًا نقرأ الخلافات بين السودان وتشاد، والنيجر ونيجيريا، ومالي والجزائر، وتواجه هذه المنطقة تحديات داخلية مرتبطة بوجود أقاليم إنفصالية قوية، مثل حالة جنوب السودان المنفصل، وهناك أيضًا إقليم بيافرا الذي شهد حربًا أهلية دامية في أواخر ستينيات القرن الماضي، إضافة إلى منطقة دلتا النيجر الغنية بالنفط، والتي تنشط فيها حركات تطالب بالإستقلال أو السيطرة على الموارد بنظام حكم ذاتي؛ دون وجود تفاسير دستورية تُنظم فضاءاته وتزيل المخاوف حول أبعاده ومآلاته، وتعكس هذه النزاعات صورة أوسع لحالة التفكك التي تعاني منها عدد من الدول الإفريقية، حيث تتراجع فرص الحوار السياسي الموضوعي، وتغيب رؤى التكامل الثقافي والإقتصادي لصالح منطق الصراع المسلح الذي يُدمِر ولا يعمّر؛ كما أن التباينات السياسية الحادة بين بعض دول الإقليم أسهمت في إضعاف المنظمات الإقليمية، مثل المجموعة الإقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس)، التي إنقسمت بعد أن كانت تمثل إطارًا مهمًا للتعاون، لكنها تواجه اليوم تحديات تهدد فعاليتها ودورها في تحقيق الإستقرار والتنمية.
في محاولة لفهم تعقيدات الوضع في مالي، خاصة في إقليم أزواد الملتهب حاليًا، قرأت العديد من مقالات الرأي والتقارير الصحفية المنشورة على عدة مواقع، ويتضح أن الصراع هناك يتجاوز كونه نزاعًا داخليًا، ليأخذ أبعادًا إقليمية ودولية متشابكة في تفاصيلها؛ فهناك تداخل بين حركات إنفصالية مثل جبهة تحرير أزواد، وجماعات إرهابية متطرفة كتنظيمات مرتبطة بما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية، إلى جانب موقف الدولة المالية التي تسعى للحفاظ على وحدة أراضيها وإستقلال قرارها السيادي، وحسب تقارير إعلامية وحقوقية، فإن هذا النزاع الدامي يتقاطع مع قضايا إقليمية أخرى، مثل نزاع الصحراء الغربية بين جبهة البوليساريو والمملكة المغربية، رغم أن البعض يحاجج فيها بعدم كفاية الأدلة التي تثبت دور دول بعينها في التأثير على مجريات تلك الأحداث؛ فهذا الضباب الكثيف الذي يكتنف المشهد في الساحل يجعله أكثر تعقيدًا مما يتوقع المتابع والقارئ، ويحتاج الأمر إلى قراءة تحليلية دقيقة، كما تناولته الكثير من التحليلات السياسية والصحفية المتناثرة على الفضاء الإسفيري، مثل ما كتبه صديقي الصحفي حسين أغ عيسى، في مقال تحت عنوان: "مالي.. قراءة في خلفيات الهجوم وأسئلة المصير"، والذي نشرته وكالة الأخبار المستقلة الموريتانية بتاريخ 27/4/2026؛ حيث شرح فيه هذه التداخلات بعمق، مقدمًا قراءة تاريخية وتحليلًا جيدًا لمسارات الصراع وتوقعاته الآنية والمستقبلية، وأعتقد أن التشابك في المصالح والتوجهات يجعل من الصعب الوصول إلى حلول سريعة للأزمة، ويؤكد الحاجة إلى مقاربات شاملة تأخذ في الإعتبار جميع الأبعاد المؤثرة فيها حتى يكون الحل المتوقع متكاملًا.
إن تنامي الحركات الإنفصالية في الساحل الإفريقي يعكس حالة من ضعف الدولة الوطنية وتراجع قدرتها على إنتاج الحلول لأزماتها وإحتواء التنوع الإجتماعي والسياسي ضمن إطار وطني جامع؛ كما يكشف هذا الواقع بجلاء عن مدى تأثير التدخلات الخارجية التي تستغل هشاشة الأوضاع لتحقيق مصالحها في مختلف المجالات، سواء عبر دعم وتسليح أطراف معينة أو من خلال التحكم عنوةً في الموارد الإستراتيجية بعد السطو على الدولة وإستلاب قرارها تحت شعارات فضفاضة لا علاقة لها البتة بقضايا الشعوب، وحتمًا سيؤدي ذلك إلى تعميق الإنقسامات الداخلية وتقهقر نفوذ الدولة ونشوب صراعات حادة بلا هوادة، وفرض واقع جديد عنوانه إضعاف فرص بناء دول مستقرة وقادرة على تلبية تطلعات شعوبها، ومن هنا، تبرز أهمية تعزيز الوعي الوطني، والعمل على ترسيخ الحلم المشترك المستند إلى قيم الوحدة القائمة على التنوع والتعاون، وحياكة رؤية ثاقبة للسير المتزن على طريق المستقبل؛ فلا يوجد طرح غير ذلك يمكن أن يضمن تحقيق السلام والإستقرار ومشاركة عادلة لجميع المكونات في تقاسم السلطة والثروة وترسيخ التواصل الثقافي والإجتماعي؛ كما تتطلب تلك الأوضاع مواجهة التحديات بتبني سياسات تنموية شاملة تعالج جذور الفقر والتهميش وسباق التسلح، وتوفر فرصًا حقيقية لفئات الشباب والنساء، بما يسهم في الإنتماء للدولة والإحتماء بالقانون الوطني وتقليل جاذبية الحركات المتطرفة والإنفصالية.
على ضوء ما سبق، يظل مشروع الوحدة السياسية والإجتماعية في الساحل الإفريقي رهينًا بقدرة الدول على إدراك أهمية العمل من أجل إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والمدنية والقضائية، وتعزيز شرعيتها، وتبني رؤى إستراتيجية تستجيب بجدية لمتطلبات المرحلة بعيدًا عن أجندة المحاور الدولية ومطامعها التي لا تحدها حدود؛ فالوحدة لا يمكن فرضها بالقوة، كما لا يمكن التخلي عنها بسهولة، بل يجب أن تقوم على أسس العدالة والمساواة والإعتراف بالتنوع التاريخي والمعاصر والحقوق السياسية والمدنية للمجتمعات، بما يساهم في دفع عجلة تحقيق مشروع النهضة الشاملة؛ فنجاح هذا المشروع مهم للعبور الآمن نحو المستقبل؛ لكنه يتطلب فتح حوار وطني عريض يعتمد على الشفافية والوضوح ويتزامن مع تعاون إقليمي ودولي قائم على إحترام سيادة الدول ودعم جهودها المبذولة في عملية تحقيق الإستقرار والتنمية، وتقدم تجربة مالي اليوم نموذجًا معقدًا يعكس التحديات والفرص في آن واحد، حيث يمكن، رغم الصعوبات، تحويل مسار الصراع الجاري إلى فرصة حقيقية لبناء دولة أكثر تماسكًا إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الواضحة، وفي النهاية؛ فإن مستقبل الساحل الإفريقي سيعتمد إلى حد كبير على قدرة شعوبه وقادته على التفكير الجاد للإجابة أسئلة الواقع، والنضال من أجل تجاوز الإنقسامات، وفتح بوابة حوار واسع، والعمل معًا لتحقيق السلام والوحدة والتنمية المستدامة.
#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟