أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - سعد محمد عبدالله - نحو مشروع وطني لبناء الدولة والمجتمع















المزيد.....

نحو مشروع وطني لبناء الدولة والمجتمع


سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي


الحوار المتمدن-العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 18:47
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


نحو مشروع وطني لبناء الدولة والمجتمع:


لقد أفرزت الحرب التي فُرضت على السودان واقعًا بالغ القسوة؛ إذ خلّفت دمارًا واسعًا في مؤسسات الدولة، وألقت بظلالها الثقيلة على المجتمع الريفي والحضري، الذي وجد نفسه يرزح تحت وطأة الفقر والنزوح واللجوء؛ فتفشّت مشاعر الإحباط واليأس في أوساط المواطنين، وهذا الوضع المأساوي لا يمكن التعامل معه البتة بحلول جزئية أو معالجات آنية، بل يتطلب رؤية وطنية شاملة تقودها إرادة سياسية واعية تسعى إلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، ومن هنا تبرز أهمية مساعدة أصدقاء السودان في إطلاق حوار سودانوي واسع تشارك فيه مختلف القوى السياسية والمجتمعية والفكرية، باستثناء من يسعون إلى تفكيك السودان ورهن قراره السيادي للآخرين؛ ليكون هذا الحوار منصة لصياغة مشروع وطني جامع يضع أسس موضوعية للتعافي السياسي والإقتصادي والثقافي، ويجب أن يتجاوز هذا الحوار الخلافات الضيقة والأدوات القديمة، ويتجه نحو معالجة جذور الأزمة وفق منهج صحيح، من خلال ترسيخ مبادئ الحكم الرشيد، وتعزيز سيادة القانون، وإعادة بناء وشائج الثقة بين مكونات المجتمع، وينبغي كذلك أن يفضي إلى وضع خطط علمية وعملية لإعادة إعمار السودان، وتحقيق العدالة الإنتقالية، وتهيئة المناخ لعودة النازحين واللاجئين، بما يعيد للمجتمع تماسكه، ويمنح الدولة فرصة للنهوض مجددًا على قاعدة من التوافق الوطني والإرادة المشتركة.

إن السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى مشروع وطني قائم على أعمدة خارطة الطريق الحكومية المطروحة من أجل معالجة الأزمة الحالية وتأسيس دولة تقوم على السلام والحرية والمواطنة المتساوية، حيث تتلاشى الفوارق القائمة على العرق أو اللون أو الجهة أو الإنتماء الإيدولوجي الضيق، ويتطلب ذلك مواجهة خطاب الكراهية والعنصرية بحزم، والعمل على بناء خطاب بديل يعزز قيم التعايش والتسامح والإحترام المتبادل بين المكونات الإجتماعية؛ كما تبرز ضرورة إطلاق عمليات مصالحة إجتماعية حقيقية تستند إلى الإرث الثقافي والإجتماعي العميق للمجتمع السوداني، الذي ظل عبر تاريخه الممتد قادرًا على أن يكون معبرًا لتجاوز الأزمات وتضميد الجراح الغائرة في أعماق الأنفس، وإستلهام هذه القيم الإنسانية يمثل المدخل الأساسي لإعادة بناء النسيج الإجتماعي، وإغلاق أبواب الفتنة التي تسعى بعض الجهات المعادية للوطن وشعبه إلى تأجيجها بخطاب الإثنية والتفرقة العنصرية؛ فحين يُبنى المجتمع على أساس إنساني جامع، يصبح أكثر قدرة على مقاومة النزعات التعصبية الضيقة وأقوى من شبح الحرب، وأكثر إستعدادًا للإنخراط في مشروع وطني يضع مصلحة البلاد فوق كل إعتبار، وهذه المهمة لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود العاملين في الفضاءات الفكرية والإعلامية، إلى جانب القيادات المجتمعية في الريف والمدينة، من أجل ترسيخ ثقافة جديدة تعيد الإعتبار للإنسان بوصفه القيمة العليا في معادلة البناء والإستقرار.

ما يشهده السودان اليوم من مظاهر العنف والإنفلات ليس إستثناءً في مسار التاريخ الإنساني؛ فقد عرفت العديد من الدول، خاصة في القارة الإفريقية، تجارب مشابهة من الحروب والصراعات التي خلّفت آثارًا عميقة في بنيتها الإجتماعية والسياسية والثقافية؛ غير أن تلك التجارب، على قسوتها، أفرزت دروسًا مهمة يمكن الإطلاع عليها وتقيمها والإستفادة منها في محاولات تجاوز المحن وبناء مستقبل أكثر استقرارًا، ومن هنا تتضح الحاجة إلى تبنّي خطاب سياسي وإعلامي تفاعلي وتفاؤلي، يعمل على تفكيك رواسب الماضي، ويحد من تأثيراتها السلبية على الحاضر، عبر تعزيز ثقافة التسامح والإعتراف المتبادل والعيش السلمي المشترك، والإنطلاق إلى المستقبل، وفي هذا السياق، يظل الإستثمار في الشباب والنساء أمرًا حاسمًا لا ريب فيه؛ إذ إن بناء دولة السلام والعدالة يتطلب صعود جيل جديد من القيادات الشابة المتعلمة والمستنيرة إلى مواقع صنع القرار، ولذلك يجب تمكينهم من الإسهام الفاعل في صياغة وتنفيذ السياسات العامة؛ فالشباب والنساء، بما يمتلكونه من طموحات وطاقات وأفكار متجددة، يمثلون ركيزة أساسية لأي مشروع وطني نهضوي، ولا يمكن تحقيق التنمية الشاملة دون مشاركتهم الحقيقية في مختلف المجالات، وهذا ما يتطلب تحقيق التوازن في الفرص والحقوق والمسؤوليات بين جميع فئات المجتمع، بما يشكل الأساس المتين لبناء دولة حديثة قادرة على مواجهة التحديات والإنطلاق بثقة وثبات نحو مستقبل يسوده الإستقرار والإزدهار.

هنا نطرح محاولة لقراءة المشهد العام وتقديم رؤية لمعالجة تداعيات الحرب في السودان، والتي تسببت في تدمير واسع لمؤسسات الدولة وأثّرت بعمق على المجتمع بكل فئاته، حيث تفاقمت معاناة المواطنين نتيجة الفقر والنزوح واللجوء، مما دفع كثيرين إلى حافة الإحباط واليأس، ويطرح هذا الواقع المعقد والمتشابك سؤالًا جوهريًا حول أهمية وقابلية تبنّي مشروع وطني شامل يهدف إلى إعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس جديدة، من خلال إطلاق حوار سوداني شامل يضم مختلف القوى الوطنية دون إقصاء أو فرز، باستثناء من يقفون في صف تقويض الدولة الوطنية، ويقود ذلك إلى وضع خطط متكاملة للتعافي السياسي والإقتصادي والثقافي، مع تعزيز الثقة بين مكونات المجتمع، في إطار دولة تقوم على قيم السلام والحرية والمواطنة المتساوية؛ كما تبرز ضرورة محاربة خطاب الكراهية والعنصرية، وهو أساس كوارث السودان، والعمل على تحقيق مصالحة إجتماعية حقيقية تستند إلى الإرث الثقافي السوداني، وهذه مسؤولية القيادة الوطنية التي يقع على عاتقها توفير دعائم التماسك الإجتماعي والحد من آثار النزاعات وإنهاء أسباب إندلاعها؛ وكما أشرنا آنفًا، فإن السودان ليس حالة إستثنائية، بل هو إمتداد لتجارب دول أخرى من حولنا، وعلينا الإستفادة من دروسها في إدارة شؤون المجتمعات بما يجنّبنا الإنزلاق نحو أزمات متجددة لا نهاية لها، ومن المؤكد أن بناء دولة مستقرة ومتطورة يتطلب تمكين الشباب والنساء من المشاركة الفاعلة والعادلة في كابينة القرار الوطني، باعتبارهم ركيزة أساسية للتنمية والنهضة، وأن تحقيق العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات هو الطريق الآمن للعبور نحو مستقبل أكثر إستقرارًا وازدهارًا.



#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أقنعة الإرهاب من منظور أقطاب العالم الجديد
- حوار مفتوح مع سعد محمد عبدالله، على منصة مجموعة أبناء مايرنو
- رحيل الزعيم السماني عقار إير
- الإستشعار والإدراك المشترك في الموقف السوداني والأفريقي تجاه ...
- قراءة حول الحرب في الخليج وموقع السودان
- هل سينصف العالم قضايا شعب السودان؟
- السياسة والإعلام في السودان
- مؤتمر ميونخ للأمن والتحول نحو نظام عالمي جديد
- عودة السودان إلى الإتحاد الإفريقي
- إستئناف مشاركة السودان في منظمة الإيقاد
- التعافي الوطني وبناء إقتصاد ما بعد الحرب
- قراءة حول عودة السودان إلى منظمة الإيقاد في ظِل التحديات الإ ...
- تحركات الحكومة نحو الخارج
- ماذا بعد توقف جريدة الفجر
- العالم على حافة الهاوية: الجشع الإستعماري وتحولات الصراع في ...
- قضايا التحرر والوحدة والتنمية في السودان الجديد
- أربعينية الوالدة آمنة عمر محمد دِكُو (دولة).
- وداعًا والدتي الحاجة أمنة عمر دِكُو ودولة إبنة الإمام الصادق ...
- خطاب القائد مالك عقار أمام ورشة التنمية الريفية
- حوار مع الأستاذ سعد محمد عبدالله الناطق الرسمي السابق باسم ا ...


المزيد.....




- الكشف الفعال عن التهديدات والاستجابة لها وإدارة إغلاق وفتح ا ...
- ملك الأردن يجري مباحثات مع قادة قطر والبحرين ضمن جولته الخلي ...
- وقف طبطباي بؤرة مقاومة جديدة ضد الإزالات الجماعية
- علي لاريجاني، مسيرة سياسية في قلب النظام الإيراني
- القصَّخون… حكاية المقاهي الرمضانية في الموصل العراقية
- باكستان تؤكد استهداف بنية عسكرية والصور تظهر هجوما على مستشف ...
- طال مدنيين.. ما خطورة استهداف باكستان لمستشفى أفغاني؟
- جزيرة قشم الإيرانية.. لماذا أصبحت هدفا أمريكيا محتملا في معر ...
- الكشف الفعال عن التهديدات والاستجابة لها وإدارة إغلاق وفتح ا ...
- -لا أستطيع بضمير مرتاح دعم حرب إيران-.. استقالة مسؤول استخبا ...


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - سعد محمد عبدالله - نحو مشروع وطني لبناء الدولة والمجتمع