سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي
الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 14:16
المحور:
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
بعد مرور سبعين عامًا على إستقلال السودان من حكم الإستعمار البريطاني، وبعد الحروب الداخلية الطويلة، وعدم إستقرار النظام السياسي عقب الإستقلال، يقف الكُتَّاب والمفكرون السياسيون اليوم عند محطة مثقلة بأسئلة مثيرة للقلق والتوتر، ويعدّون أيام حرب أبريل بساعاتها الشاهدة على مأساتها؛ والتي تجاوز إحصاء أيامها ألف يوم ونيف، بينما ما تزال الأسئلة الكبرى معلّقة في صفحات دفتر السودان الممزق، دون أن تجد إجابات شجاعة تنبع من عقل سياسي متحرر، وقادر على رسم خارطة واضحة للمستقبل، وتحديد كيفية بناء دولة جديدة، سيدة، حرة، وموحّدة، تقف أعمدتها على أرضية العدالة الإجتماعية والإقتصادية التي لا يمكن أن تتحقق إلا بوجود نظام حكم لا مركزي في إطار مشروع تأسيس دولة سودانية واحدة وموحدة، وهو ما نصت عليه إتفاقية جوبا لسلام السودان، وما نسعى لتحقيقه، ولكن يظل السؤال قائمًا: لماذا ظلت الحروب، كالأشباح، تطارد إنسان السودان منذ لحظة ميلاد دولته الحديثة دون حلول؟ وهل لا تزال هناك فرصة حقيقية أمامنا لإطلاق حوار سياسي سوداني جامع، يضم على طاولته كل ألوان الطيف السياسي والإجتماعي، للإجابة علي السؤال الأكثر إلحاحًا الآن: كيف يهزم السودان تحالف المستعمرين والمتمردين، والمحفاظة على الدولة، وتأسيس الحكم بمنهج جديد بعد إنتهاء الحرب؟، وهذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا ولا ذكاءًا للمناورة السياسية وسط أجواء ملبدة بدخان المعركة، بل تمثّل جوهر الحوار الجاري الآن علي الفضاء السياسي والإعلامي، وهو مفتاح حل الأزمة السودانية التي تراكمت عبر عقود من الفشل السياسي والإداري وغياب المشروع الوطني الجامع.
لقد ورث السودان، عقب الإستقلال، دولة هشة البنية، تعاني إختلالات عميقة في توزيع السلطة والثروة مع صراعات آخرى تتفاوت مستوياتها من مكان لأخر، غير أن شعب السودان قام بثورات كبيرة للتغيير والتحرر؛ لكن للأسف النخب الحاكمة لم تنجح في إيجاد علاج ناجع للداء الذي ظل ينخر في جسد الدولة السودانية، بل كانوا يحكمون بلا مبالاة ولا حكمة، وتوارثت الأزمة مع تفاقمها عبر ممارسات خاطئة للنخب المتعاقبة في ظِل حراك سياسي وشعبي مُقاوم عبر الأزمنة؛ فأكثر الأزمات تعقيدًا تقف خلفها مطامع الأشخاص الذين يتسللون إلي الحكم بطرائق غير شرعية ويتشبثون بها ويقصون الآخرين ولا يملكون مشاريع للتنمية والوحدة علي أساس التنوع، وكلما طُرحت هذه المسألة للنقاش، قفزوا بسرعة إلي الأمام دون مواجهة الأسئلة الحقيقية المطروحة على سطح المسرح الوطني، وهنا لا يغيب عن الذاكرة السياسية الكتاب الذي سطره الدكتور منصور خالد والموسوم بـ «النخب السودانية وإدمان الفشل»، وأيضًا يجب إستشعار حساسية الحوار الفكري والسياسي العميق الذي جمعه بالدكتور جون قرنق دي مبيور حول مشروع السودان الجديد، بوصفه المحاولة الأكثر جدية وجاذبية ضمن عمليات البحث عن وصفة ناجعة تمكنا من معالجة المشكلة السودانية التاريخية والمعاصرة؛ فقد وضع ذلك الجيل بصمات واضحة في مرحلة شهدت أعنف معارك كفاح التحرر مع سجال البناء الوطني، واليوم نخوض معركة مصيرية، نراها أشد من كل معارك الماضي، ولا خيار فيها غير إتباع منهج مختلف لتأسيس الدولة الجديدة، ولكن قبل كل شيئ يتوجب علينا جميعًا مواصلة النضال بكل الوسائل حتى الإنتصار علي الإستعمار وتحقيق الحرية والسلام والوحدة والتنمية بلا تمييز.
بعد هذه الرحلة الطويلة، ما زالت أبواب كفاح التحرر أو الحوار السياسي مشرعة أمام الجيل الجديد الذي يحلم بميلاد دولة حرة وذات سيادة، ويعمل من أجل الصعود علي كابينة القيادة للعبور نحو المستقبل، بينما تتضح على الجانب الآخر حقيقة الأزمة السودانية في ضعف نمو وتطور الدولة الحديثة بمختلف مستوياتها علي خلفية تشوهات ما بعد النشأة، وكان ذلك نتيجة غياب عقد إجتماعي وإقتصادي وثقافي عادل، يحقق الإعتراف بتعدد ألوان الهويات والثقافات، ويعزز من التماسك في كل أشكال وأنواع التنوع المجتمعي على جغرافيا ومناخ السودان، أيّ وجود قواعد دستورية تهدف لإرساء نظام حكم وإدارة وخطاب دولة مشبع بقيم الوحدة والسلام والعدالة يلائم الحالة السودانية وبمشاركة كافة أبناء وبنات السودان، وهنا نضع دائرة حول التجربة التي خاضتها "الحركة الشعبية-شمال"، ورؤيتها كتنظيم سياسي، وثوري تحرري منذ النشأة، ونقف عندها بتأملات نقدية في حوار سياسي تنويري لا ينفصل عن بحث الحل الأسلم للسودان، ولذلك نضع ما أنتجته الحركة من أفكار جيدة ومتجددة مع تجدد الحياة أمام الواقع السياسي المضطرب والمعقد للغاية، ونعلم أن تجارب التنظيمات فيها عثرات وثقرات حتى مع ثبات أساسيات المشروع الفكري ولكن ينبغي أن تخضع للتجديد المستمر، وللحركة الشعبية وثائق مهمة كُتبت باقلام نخبة مميزة من الخبراء والمختصين حول المسائل آنفة الذِكر، وكان بالإمكان الأخذ بها في حوار السير نحو تأسيس الدولة، وخلق مناخ الإستقرار، ولكن قبل فعل أيّ شيئ شاهدنا كيف إنزلقت البلاد إلى دائرة صراعات أوقفت عجلة الحياة، وهذه الحرب المشتعلة حاليًا أوقدتها أيادي مليشيا الدعم السريع الإرهابية وغذّتها السياسات الخاطئة التي يمارسها البعض من داخل وخارج السودان، وقد أنتجت دمارًا هائلاً في الممتلكات الخاصة والعامة، وأهدرت الأرواح والموارد، وأعاقت مسار التنمية، وفتحت باب التدخل الخارجي في شؤون الدولة، ورسّخت حالة من عدم الثقة بين مكونات المجتمع السوداني.
تظل قضايا العدالة الإجتماعية والإقتصادية والثقافية بمثابة حجر الزاوية في أيّ مشروع وطني حقيقي يُطرح لبناء السودان الجديد؛ فمثلاً لا يمكن الحديث عن تكوين دولة مستقلة وموحدة ومستقرة دون وجود وصفة لمعالجة جذور الفقر، وترميم التفاوت التنموي بين الأقاليم، وإنهاء حالة غياب الخدمات الأساسية من التعليم والصحة والمياه والكهرباء، مع ضمان المشاركة العادلة والفاعلة للجميع في كابينة الحكم والإدارة، والتوافق الوطني علي تحديد نظام الحكم ومستوياته وصلاحياته عبر القوانيين المنظمة له وللحياة العامة ككل، وأيضًا لا يمكن بناء وحدة وطنية حقيقية دون ترسيخ فكرة المواطنة المتساوية على أساس التنوع، وحماية الحقوق والحريات السياسية والمدنية، وأيضًا التعاون الوطني في صناعة مستقبل مزدهر عبر مسار للنضال بشجاعة ونزاهة في ميادين العلم والعمل، لا سيما في مجال السياسة والإقتصاد والثقافة والفنون المختلفة، ولعل تلك المقولة الخالدة التي قالها الدكتور جون قرنق: «فلنتقبل أنفسنا كسودانيين أولًا» تظل منطلقًا فكريًا مهمًا في فضاء السودان، ويجب علينا الوقوف عندها في سياق البحث عن كيفية بناء دولة السودان الجديد؛ وكذلك لا يمكن تجاوز الأزمة الحالية دون إيجاد أداة وطنية متفق عليها لإعادة هيكلة الإقتصاد الوطني في كل جوانبه على أسس الإنتاج لا الريع، والشفافية لا الفساد، وتوجيه الموارد الوطنية نحو تنمية الريف، والمُدن المريفة، والإعتماد علي رفع مهارات الإنسان وتمكينه من قيادة التغيير والتعميير من خلال خطة حكومية واضحة لإستعادة إنتاجية المشاريع الزراعية وتحديث التعدين، وتشجيع الصناعات المتعددة، وفتح أبواب الإستثمار الوطني والأجنبي، ولن يتحقق ذلك إلا بعد إيقاف دوامة الحرب والصراعات السياسية العقيمة والمعيقة للنهضة، وحين يتم إتخاذ قرار حازم حول سن قوانيين أكثر صرامة لمحاربة الفساد المالي والإداري، والعمل علي رسم مسارات جديدة للعلاقات السودانية مع الإقليم والعالم طبقًا للسياسات التي تخدم مصالح الدولة و أولوياتها.
من المهم اليوم، الإقرار بأن تلك الحروب ليست قدرًا محتومًا أو مصيرًا لا يتبدل، وهي أيضًا لم تكن تمثّل حالة مزاجية سيئة عشناها في وقت محدد ولا أساس لها في التاريخ؛ لو وضعنا المسألة علي ميزان المنطق، بل هذه الأزمات تعتبر نتيجة مباشرة لفشل الدولة في إدارة التنوع السوداني، والمحاولة المستمرة لتفكيك المؤسسات المدنية والعسكرية، وغياب الحكم الرشيد، وإنسداد الأفق السياسي، والإنحراف الخطير بالسياسة من أداة لبناء دولة السلام والحرية والتنمية والوحدة علي قاعدة المصير المشترك إلى وسيلة للتكسب من قِبل مجموعة رهنت إرادتها لجهات خارجية من أجل الحصول على الدعم والتمويل، على حساب الشعب السوداني، وتمرير الأجندة الإستعمارية تحت شعارات فضفاضة ومكشوفة لا يعرف مروّجوها أن الحقيقة لا يمكن إخفائها طوال الوقت، وقد أثبتت التجربة عبر التاريخ أن الحلول الخارجية وحدها تشعل ولا تنهي النزاعات مهما كانت، وأينما كانت، بل تعمّقها وتعيد إنتاجها بأشكال أكثر عنفًا وعمقًا، وأن قضايا الحرية والسلام المستدام لا يمكن أن تتحقق إلا عبر معالجة داخلية للأسباب الجذرية للصراع، وفي مقدمتها مسألة المظالم التاريخية، وغياب العدالة، وإنعدام المشاركة الحقيقية في السلطة وصنع القرار الوطني، وأيضًا بناء جيش وطني مهني واحد، تكون مهمته حماية الدستور والوطن، وقد سعت الدولة السودانية إلى هذا المسار قبل أن تُفرض عليها هذه الحرب الشعواء من قِبل قوى الإرهاب والإستعمار الجديد، ولكن رغم ذلك ما تزال قيادة حكومة السودان تتحمل المسؤولية الوطنية في البحث عن الحلول المناسبة للأزمة.
اليوم تبرز الحاجة الملحّة إلى إجراء حوار سودانوي شامل، لا يُقصي أحدًا إلا قوى الإرهاب والعدوان ممن إرتكبوا جرائم بشعة تستحق المحاسبة القانونية قبل الإنتقال إلي أيّ خيارات آخرى في المستقبل، ويجب أن لا يُدار الحوار بعقلية الغلبة أو الإنتقام أو بدافع مطامع ضيقة ونظرة محدودة، بل ينبغي أن يقوم على مبدأ الإعتراف والإحترام المتبادل، وتحمل المسؤولية الوطنية المشتركة، وتقديم مصلحة الوطن والشعب على المصالح الحزبية والجهوية والإيدلوجيات؛ بغية إيجاد مشروع جديد غير الذي كان يُطرح في السياسة الإنكفائية التي تمارسها النخب الفاشلة عبر التاريخ في مخاطبة الأزمة السودانية جزئيًا، ولا بد من أن يكون حوارًا سوانيًا خالصًا، وأن يتسم بالجدية والشفافية، وتُشرك فيه القوى السياسية، وحركات الكفاح المسلح، وفعاليات المجتمع المدني، والإدارات الأهلية، والشباب والنساء، وقطاعات الثقافة والإعلام، ويكون الهدف من الأساس إيصال السودانيين إلى التوافق حول مبادئ السلام والمواطنة، وحقوق وحريات الإنسان، وأسس الحكم، وشكل الدولة، ونظامها السياسي، ويُتوّج ذلك بعقد مؤتمر قومي دستوري يعكس أشواق وتطلعات شعب السودان، ويضع الإجابة الصحيحة عن سؤال: كيف يُحكم السودان بعد إنتهاء الحرب؟، ونحن الآن في الذكرى السبعين للإستقلال، وما فوق الألف يوم على حرب أبريل، يظل إكليل الأمل معقودًا على وعي السودانيين بقضاياهم المصيرية وقدرتهم على تحويل هذا الألم إلى طاقة لإحداث التغيير والتحرر، وصياغة مشروع وطني جامع يؤسس لبناء سودان جديد، آمن، مُوحّد، عادل، يليق بنضالات وتضحيات أبنائه وبناته وتطلعات أجياله القادمة.
#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟