أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - سعد محمد عبدالله - أربعينية الوالدة آمنة عمر محمد دِكُو (دولة).















المزيد.....

أربعينية الوالدة آمنة عمر محمد دِكُو (دولة).


سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي


الحوار المتمدن-العدد: 8591 - 2026 / 1 / 18 - 13:37
المحور: سيرة ذاتية
    


أربعينية الوالدة آمنة عمر محمد دِكُو (دولة)


قَوْسُ قُزَحٍ ،،، قَوْسُ قُزَحٍ
أَيْــنَ أَنْتَ؟
أُمِّـــي بِحَاجَةٍ إِلَى وِشَاحٍ
يُلَائِمُ بَشَرَتَهَا.
الشاعر: ريسوم هايلي

نقف اليوم، في مطلع العام الجديد، مع أنفسنا لنتأمّل العالم الفسيح من حولنا في ظِل الحرب وفقدان أحب الناس إلى قلوبنا، وبعد أربعين يومًا من فراق الوالدة الغالية آمنة عمر محمد دِكُو (دولة)، وما تزال القلوب مثقلةً بحزنٍ كبير يصعب على الإنسان وصف دويّ وقعه، وذلك الثقب الذي حفره في عمق الفؤاد، ولكن الذاكرة عامرة بسيرتها العطرة التي تُلوّن كل تفاصيل حياتنا اليومية، وهذه أربعون يومًا مضت، لكنها لم تغب عن أرواحنا لحظة واحدة؛ فما زال حضورها حيًّا في البال والفكر والضمير، وستبقى سيرتها إلي الأبد.

ما زلنا نتألم، ونتعلّم من الحياة دروسًا ما كنّا نعرفها من قبل، ولن ننساها بعد اليوم، وأجد نفسي بعد مرور أربعين يومًا على رحيل والدتي، لا أستطيع إخفاء إرتيابي من خفايا المستقبل، بيد أنّني مؤمن بضرورة الإستمرار في الطريق حتى النهاية؛ فينبغي علينا قبول المصير كيفما كان، وإذ نواصل هذه المسيرة القاسية، ندرك أنّ لكل إنسان قصة يجب أن يرويها للأجيال من خلال أفعاله وأقواله وآماله، منذ الميلاد، مرورًا بالحياة في الدنيا، وأخرى في عالم الخلود الأبدي.

إن من العادات العظيمة التي رسّخها شعبنا الكريم في وجدان الأجيال، سؤال الناس بعد إنقضاء أيام العزاء بكلمات دافئة: «كيف مع الصبر؟»، وهو سؤال بسيط في لفظه، عميق في معناه، يربط القلوب برباط من اليقين لا ينفصم، ويمنح قلب المفجوع شعورًا دافئًا وصادقًا بأن الجميع ما زالوا يقفون بقلوبهم وألسنتهم إلى جانبه، يتفقدونه، ويشدّون من أزره، ويحثّونه على التماسك والصمود في حزنه، وهذه مواساة لا تنقطع من اليوم الأول للفاجعة، مرورًا بالأربعين، وحتى نهاية العام.

تلك عادات حميدة ورثناها عن أسلافنا منذ الأزل، تعبّر عن إنسانية مجتمعنا وتماسكه في أوقات الشدّة، ومن واجبنا الحفاظ عليها وترسيخها في حياتنا، لأنها تشكّل أساسًا متينًا لبناء مجتمع متعاون، متراحم، متسامح، لا يترك أبناءه وحدهم في لحظات الألم التي تأتي بغتة، كأنها نارٌ مشتعلة لا تُبقي ولا تذر؛ فعند وقوع مثل هذه المصائب، تنفتح أعين الناس على هشاشة هذه الحياة وقصرها، وندرك ضرورة أن نعيشها بسلام، وأن نستلهِم العِبر والحِكم من القيم التي ورثناها، فنحيا بها، ونترك أثرًا طيبًا للأجيال القادمة.

كانت أمي العزيزة "رحمها الله" مثالًا للأم الصابرة، الصامدة، الحنون، الطيبة، الكريمة؛ التي أعطت بلا حساب، وضحّت بصمت، وربّت بالحب والكلمة الطيبة، وساهر طرفها الليالي من أجل أن ينام أبنائها بسلام، وقد عاشت حياتها بسيطة في ظاهرها، عظيمة في معناها، لا تعرف إلا الخير، ولا تنطق إلا صدقًا، وتسبح بحمد ربها، وتزيد الصبر صبرًا وسط تحولات سياسية وإجتماعية عاشتها أسرتها عبر الأزمنة، ولا تحمل في قلبها إلا الرحمة، وقد شهد لها كل من عرفها وعاصرها بأنها إنسانة طيبة، لطيفة، وقوية في المواقف الصعبة.

هنالك من الأشياء ما لا يمكنني نسيانها في حياتي؛ فحين أنظر إلى منزلنا أتذكر صوت أمي الغالية عندما تناديني باللقب الذي إختارته لي، ولكن لم يكن أحدًا يناديني به سواها "دُودُو"، وأذكر آخر ما إحتسيت من طعام، وكوب الشاي الذي صنعته بيديها الطاهرتين عند الصباح، قبل رحيلها، وأتذكّر تلك العلاقة الوطيدة بينها وبين شجرة الحِنّاء التي أحبها لحب أمي لها، وظلت تزرعها إلى جانب مزيرتها، وكانت ترعاها بلطف وحنية صباحًا ومساءً، وتتحدث عن طيبها، وتعتبرها مصدرًا للخير، وبعد رحيلها، باتت الشجرة وحيدة، بل بلا روح في بيت حاصرته الفواجع والمواجع.

علّمتني أمي العزيزة معنى الصبر عند الشدائد، والرضا بقضاء الله وقدرهِ؛ فكانت ترى أن الحياة مثّل المياه الجارية التي لا تتوقف، وأن الموت حق، وكانت ملجأً للضعيف، وسندًا لأسرتها، وبلسمًا للحزين، ونبعًا لنهر لا ينضب من الدعاء الصادق النابع من قلبٍ مُخلص، وما زلت أتذكر صوتها وهي تردد دعاء النبي زكريا عند كل صلاة: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾، وهي كلماتٍ عظيمة تحمل في طياتها حب الإنسان للأبناء، وقد تركت في قلبي أثرًا لا يمحوه الزمن مهما تغيّر.

الأم والأب، هما رمزان خالدان في صفحات الحياة، يحملان هوية الأبناء وذاكرة البيت والعائلة، نهران من الحكمة والعطف ينسابان بلطف غامر وكرم فياض عبر روايات عن تجارب رسختها مسارح الأدب الفولاني والإفريقي، ويحييان مثّل السماء والبحر، إذ أن الأب والأم يرويان ظمأ القلوب كما في هو أعماق الحكايات والأناشيد التي تناقلتها الأجيال عن الأسلاف، ودوّنها الشعراء والأدباء على مرّ العصور، وستظل هذه اللوحات الإنسانية الرائعة معلّقة على أبواب البيوت وقلوب الأبناء؛ فلكل إنسان قصة خاصة في هذه الحياة وذكريات عاشها مع أبويه، ولن ينساها أبدًا.

اليوم، بعد أن رحلا عنّا كما ترحل غيوم الشتاء بلا عودة، تركانا في فضاء ملبّدٍ بكل هموم الدنيا، وقد صارت الحياة أشد قسوة، في عالم غطّاه الظلام، بلا من يرشدنا إلى الطريق، ولا شعلة تُنِير دروبنا، ولكن مع ذلك، فقد غرسا فينا دروس الصبر والمثابرة والصمود، وعلّما قلوبنا أن نسير إلى الأمام رغم إنطفاء المصابيح، وأن نحتفظ بكلمة الأمل في قلب الليل، كما لو أنّهما لا يزالان يقودان خطواتنا من بعيد، بصمتهما، وذكراهما الحيّة والباقية فينا ما دمنا على قيد الحياة.

يا أمّنا الغالية، "دولة-أمنة" نودّعك اليوم بعيون دامعة؛ فقد كنا معًا في بيت واسع ضاق بعدك، ونعتك أزهاره وطيوره وشجرة الحِنّاء الحزينة، وفقدت الشمس لونها بعد رحيلك، وقد زرعتِ خيرًا فحصدتِ دعاءً، وغرستِ حبًّا فحصدتِ وفاءً، وكان الحب عهدًا ووعدًا، ونسأل الله عز وجل أن يجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وأن يبدلك دارًا خيرًا من دارك، وأهلًا خيرًا من أهلك، وأن يجمعنا بك في مستقر رحمته مع الصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقًا.

أتقدّم مجددًا بخالص الشكر والتقدير لكل من وقفوا إلى جانبنا في محنة فقدان والدتنا العزيزة الحاجة آمنة عمر دِكُو، التي رحلت إلى جوار ربها قبل أربعين يومًا خلت، وقد تلقّينا من أهلنا الأعزاء في مايرنو، ومن قادة الدولة، ومن السادة السياسيين والعسكريين والإعلاميين بمختلف مشاربهم ومقاماتهم الرفيعة، كلماتٍ صادقة ومعبرة في العزاء والمواساة والدعاء؛ فكان لحضوركم، وسؤالكم، ومواساتكم النبيلة بالغ الأثر في التخفيف من وطأة هذا الفقد الجلل، و وقع المصاب الأليم، ولله الحمد على كل حال.



#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وداعًا والدتي الحاجة أمنة عمر دِكُو ودولة إبنة الإمام الصادق ...
- خطاب القائد مالك عقار أمام ورشة التنمية الريفية
- حوار مع الأستاذ سعد محمد عبدالله الناطق الرسمي السابق باسم ا ...
- حوار مع الأستاذ سعد محمد عبدالله الناطق الرسمي السابق باسم ا ...
- قمة كينشاسا ونظرة على إستقرار إفريقيا وسلام الكونغو الديمقرا ...
- ماذا يجب فعله الآن؟
- حول قرار مجلس حقوق الإنسان
- تحويل المأساة إلي أداةٍ للتحرر والبناء الوطني
- وداع القائد بونا ملوال
- الحركة الشعبية: شكر ووداع وآمال للمستقبل
- الحركة الشعبية: إدانة للهجمات بالطائرات المسيّرة على المناطق ...
- الحركة الشعبية: رحيل الرفيق المناضل بكري عمر إلي رحاب الأمجا ...
- برقية عزاء في وداع القائد رايلا أودينغا
- الخركة الشعبية: حول إستهداف الخرطوم والشمالية من قِبَل مليشي ...
- الحركة الشعبية: حول قصف مركز إيواء دار الأرقم بمدينة الفاشر ...
- الحركة الشعبية: حول الفيديو المفبرك المنسوب للقائد مالك عقار
- الحركة الشعبية: حملة إعلام مضاد - موجة جديدة من الشائعات الم ...
- الحركة الشعبية: حملة إعلام مضاد: محاولة سياسية لتشويه صورة ا ...
- الحركة الشعبية: بمناسبة اليوم العالمي للمعلمين
- الحركة الشعبية: مليشيا الدعم السريع الإرهابية قصفت وقتلت الص ...


المزيد.....




- عراقجي يلتقي بنظيره العراقي.. اتفاق على تعزيز التعاون -الشام ...
- أوروبا في مواجهة تصعيد ترامب: ماكرون يطالب بتفعيل آلية الاتح ...
- اعتراض إسرائيلي على تركيبة الهيئة التنفيذية لمجلس السلام في ...
- الاحتجاجات في إيران: بين الفارين والعائدين...أنا قلق على عائ ...
- أوكرانيا: قتيلان وعشرات الجرحى في هجوم روسي على مناطق مختلفة ...
- مستوطنون يهاجمون خلة السدرة بالقدس.. هل هو جزء من مخطط -إي 1 ...
- استئناف حملة التطعيم الاستدراكية للأطفال في غزة
- دمشق توجه بتفعيل فوري للمؤسسات الحكومية في محافظة الرقة
- طائرة هندية تتأخر ساعات عن موعد الإقلاع بعد رفض الطيار العمل ...
- تحت سقوف متآكلة.. شتاء الخوف في مخيم شاتيلا بلبنان


المزيد.....

- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري
- يوميات الحرب والحب والخوف / حسين علي الحمداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - سعد محمد عبدالله - أربعينية الوالدة آمنة عمر محمد دِكُو (دولة).