أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - سعد محمد عبدالله - ماذا بعد توقف جريدة الفجر














المزيد.....

ماذا بعد توقف جريدة الفجر


سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي


الحوار المتمدن-العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 20:14
المحور: الصحافة والاعلام
    


غرقتُ بين زحمة الحياة ومشاغلها، لكنني لم أغمض جفني لحظة واحدة عن مطالعة الأخبار السياسية والإعلامية المتداولة على الوسائط المختلفة؛ ففي زمنٍ يتكاثف فيه رهج الأزمات وتتسارع التحولات في كل الاتجاهات، بات الخبر رفيق القلق اليومي، والشغل الشاغل للإنسان، وأضحى الإعلام نافذة الفهم الوحيدة وسط ضباب كثيف يكتنف الساحة برمتها، ويكاد يحجب الرؤية ويطمس معالم الحقائق حول العالم، وبينما كنت أقاوم الأحزان في حياتي، مررتُ بخبرٍ لم يكن عابرًا ولا عاديًا أبدًا، يتحدث عن توقف طباعة النسخ الورقية لجريدة الفجر في مصر، والحقيقة أنني تأثرتُ كثيرًا، ليس لأن الجريدة توقفت فحسب، بل لأن الحدث في جوهره يتجاوز مؤسسة صحفية بعينها، ليطال معنى الصحافة نفسها، ودورها، ومكانتها في نسج خيوط وعي المجتمعات، وعكس الرأي الحر في هذا العالم.

لقد سنحت لي الظروف أن أتعامل مع وسائل إعلام مختلفة خلال الفترة الماضية، من بينها جريدة الفجر، وعرفتُ قيمتها وتأثيرها في صناعة الرأي العام، غير أن ثِقل الفواجع والمواجع في حياتي حال دون أن أراسل صديقي الصحفي علي فوزي، الذي يعمل في هذه الجريدة، وقد أجرى معي حوارًا سياسيًا مثيرًا وشفافًا نشرته جريدة الفجر بتاريخ 23 مايو 2025م، وفتح لي وقتها نافذة عظيمة تحدثتُ فيها عن قضايا الحرب والسلام، في محاولة لتعريف المحيط الإقليمي والدولي بحقيقة النزاع في السودان، ومواقف ورؤية الحركة الشعبية-شمال تجاه المسألة السودانية، والآن أعبّر للأستاذ فوزي وزملائه عن تضامني الصادق معهم، ويظل شعوري بالخسارة باقيًا وحاضرًا، ثقيلًا، لا يغادر الذاكرة.

إن توقف جريدة عملاقة بهذا الشكل لا يعني مجرد توقف ماكينة طباعة، أو إختفاء صفحات ورق من الأكشاك والمقاهي ومجالس المثقفين في كل مكان، بل يعني في جوهره توقف إنسياب نهرٍ من الإستنارة أو جفاف العقول وإظلام العالم؛ فالصحافة الورقية، رغم كل ما يُقال عن أفول نجمها عن سماء كوكبنا في عصر الرقمنة بكل ما فيها، ظلت لعقود طويلة واحدة من أهم أدوات تشكيل الوعي الوطني، وصناعة الرأي العام، ومصدر مهم لتوثيق اللحظة التاريخية بعيدًا عن الإستهلاك السريع والعابر للمعلومة، وكانت تمثل نافذة مهمة لنشر العلوم والمعارف والفنون، ومنصة لإدارة الحوار الفكري والسياسي بين جميع مكونات المجتمع.

كانت الصحف الورقية تُعدّ مدارس حقيقية؛ تُدرّب القارئ على القراءة المتأنية، وإحسان الصبر في ملاحقة المعلومة والكلمة الصادقة عبر البحث الدائم عن ينابيع المعرفة، إضافةً إلى تحليل القضايا الوطنية بمناظير مختلفة، والتفكير النقدي والتنويري، وكانت تلك الأوراق المتناثرة تعكس هيبتها في المكتبات، وتعطي للعنوان معناه، وللمقالات مكانتها التي لا تُقاس بعدد الإعجابات أو المشاركات، بل بقدرتها على إثارة الأسئلة وخلخلة المسلّمات، والتأثير في توجهات الدول والشعوب؛ لذلك، عندما تتوقف صحيفة بحجم وتجربة الفجر، فإن الخسارة لا تقع على الصحفيين العاملين فيها وحدهم، بل تمتد إلى القُرّاء من مختلف الفئات والأمكنة، وإلى المشهد الثقافي والسياسي بأكمله.

لا يمكن، بأي حال من الأحوال، فصل هذا التوقف عن السياق العام الذي تعيشه الصحافة الآفروعربية، بل والعالمية؛ فالأزمات السياسية والإقتصادية، وتراجع الإعلانات، وصعود الإعلام الرقمي، وتغيّر عادات ووسائل القراءة، كلها عوامل تضافرت لتضع الصحافة الورقية في زاوية ضيقة ما بين الصمود أو الفناء؛ غير أن السؤال الأهم الذي يظل ماثلًا على السطح هو: هل يمكن للإعلام الرقمي، بصخبه وسرعته وجاذبيته، أن يعوّض القارئ في هذا العصر كليًا عن فكرة العمق والتحقق والمسؤولية التي مثّلتها الصحافة الورقية في أفضل تجاربها على إمتداد التاريخ؟ وفي إعتقادي، لا يكمن الخطر الحقيقي في الإنتقال من الورق إلى الشاشة، بل في التحول من الصحافة بوصفها رسالة تنويرية إلى «محتوى» خاضع لمنطق السوق والترند.

هنالك نقاشات تجري في الساحة حول هذه المسألة، مع النظر بعين الإعتبار إلى التدهور المريع للصحافة وأحوال الصحفيين في ظل واقع إقتصادي ضاغط؛ فحين تُختزل المهنة والمادة الإعلامية في إطار السبق السريع، وتُستبدل المعالجة العميقة بالسطحية، ويغيب الإهتمام بتطويرها، يصبح توقف صحيفة ورقية مجرد عرضٍ لمرضٍ أعمق يهدد المعنى ذاته للعمل الصحفي، ومن هنا، فإن التضامن مع جريدة الفجر هو تضامن مع فكرة وروح الصحافة الجادة والمسؤولة، ومع حقوق المجتمعات في الإطلاع على مواد مفيدة تمكّنهم من إكتساب معرفة متجددة ومتوازنة ومسؤولة.

هذه دعوة جادة لإعادة التفكير في نماذج جديدة تضمن بقاء الصحافة مستقلة وقادرة على أداء دورها، سواء على الورق أو في الفضاء الرقمي، وإيجاد طرق لدعمها وتوفير إمكانيات إستمرارها بما يجعلها ثابتة أمام التحديات المعاصرة والمحتملة مستقبلًا، وقد تتغير الوسيلة، لكن الحاجة إلى وجود صحافة حرة، ناقدة، ومستنيرة تظل قائمة في كل الأزمنة؛ ما دامت هناك مجتمعات تبحث عن مفاتيح الحقيقة والإستنارة، وقد يتوقف الورق، وتُطوى صفحات، لكن ما زرعته الصحف الجادة في عقول وأفئدة قرّائها لا يتوقف بسهولة؛ بل تبقى المقالات، والحوارات، والأفكار، والمواقف شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ البشرية. فمهما حدث، يجب أن نحلم بعودة النور من أقلام فرسان جريدة الفجر.



#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العالم على حافة الهاوية: الجشع الإستعماري وتحولات الصراع في ...
- قضايا التحرر والوحدة والتنمية في السودان الجديد
- أربعينية الوالدة آمنة عمر محمد دِكُو (دولة).
- وداعًا والدتي الحاجة أمنة عمر دِكُو ودولة إبنة الإمام الصادق ...
- خطاب القائد مالك عقار أمام ورشة التنمية الريفية
- حوار مع الأستاذ سعد محمد عبدالله الناطق الرسمي السابق باسم ا ...
- حوار مع الأستاذ سعد محمد عبدالله الناطق الرسمي السابق باسم ا ...
- قمة كينشاسا ونظرة على إستقرار إفريقيا وسلام الكونغو الديمقرا ...
- ماذا يجب فعله الآن؟
- حول قرار مجلس حقوق الإنسان
- تحويل المأساة إلي أداةٍ للتحرر والبناء الوطني
- وداع القائد بونا ملوال
- الحركة الشعبية: شكر ووداع وآمال للمستقبل
- الحركة الشعبية: إدانة للهجمات بالطائرات المسيّرة على المناطق ...
- الحركة الشعبية: رحيل الرفيق المناضل بكري عمر إلي رحاب الأمجا ...
- برقية عزاء في وداع القائد رايلا أودينغا
- الخركة الشعبية: حول إستهداف الخرطوم والشمالية من قِبَل مليشي ...
- الحركة الشعبية: حول قصف مركز إيواء دار الأرقم بمدينة الفاشر ...
- الحركة الشعبية: حول الفيديو المفبرك المنسوب للقائد مالك عقار
- الحركة الشعبية: حملة إعلام مضاد - موجة جديدة من الشائعات الم ...


المزيد.....




- ترمب: سأزور الصين في أبريل لمقابلة الرئيس شي
- تعرف على أهم 5 تغييرات في سياسة الهجرة إلى أمريكا
- إيران والهجوم المرتقب.. إسرائيل تتأهب وحاملات طائرات أمريكية ...
- كارني يرد على ترمب: كندا لا تعيش بفضل الولايات المتحدة
- الجمهوريون يحبطون قرار -صلاحيات الحرب- في مجلس النواب
- الجيش السوري يخلي سجنا من -قسد- تمهيدا لسيطرة الحكومة عليه
- تركيا مستعدة لإرسال قوات إلى غزة
- بكاء مزيف وبشرة أغمق.. البيت الأبيض ينشر صورة معدلة لمعتقلة ...
- ترامب يكشف سبب -أحدث كدمة- تظهر على يده
- انتهاء اجتماع بوتين وويتكوف بشأن حرب أوكرانيا


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - سعد محمد عبدالله - ماذا بعد توقف جريدة الفجر