أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - سعد محمد عبدالله - المسافة بين نظرة المستعمر للجرائم التاريخية والرؤية الإفريقية حول بناء المستقبل














المزيد.....

المسافة بين نظرة المستعمر للجرائم التاريخية والرؤية الإفريقية حول بناء المستقبل


سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي


الحوار المتمدن-العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 14:05
المحور: الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
    


أثارت المواقف المتباينة داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن مشروع القرار الذي تقدمت به دولة غانا، والذي يصف تجارة الرق عبر الأطلسي بأنها من أفظع الجرائم في تاريخ البشرية، نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية حول مدى إلتزام المجتمع الدولي بقيم العدالة وحقوق الإنسان؛ فرغم تأييد 123 دولة لهذا القرار، فإن معارضة ثلاث دول كبرى وإمتناع 52 دولة، معظمها من دول الإتحاد الأوروبي ذات الصلة التاريخية بتلك الجرائم، يطرح تساؤلات أخلاقية عميقة حول صدقية الخطاب الغربي في الدفاع عن الحقوق والحريات؛ وهذا التباين لا يعكس فقط إختلافًا في الروئ والمواقف السياسية، بل يكشف عن فجوة واضحة بين المبادئ المعلنة والممارسات الواقعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمساءلة التاريخ الإستعماري في إفريقيا، وهو ما يعكس للعيان نظرة المستعمر الحقيقية؛ كما يبرز هذا المشهد حاجة ملحّة لإعادة قراءة التاريخ من منظور أكثر إتساقًا وإنصافًا، بحيث يعترف بالمعاناة التي تعرضت لها الشعوب الإفريقية، ويقر بحقها الكامل في التعويض بمختلف أشكاله، بما يسهم في تأسيس مستقبل قائم على العدالة والإعتراف المتبادل، وهنا نستحضر مقولة القائد نيلسون مانديلا عقب خروجه من السجن «أيها السود، أنسوا ما فعله بكم البيض في الماضي، وأيها البيض، أنسوا ما فعله بكم السود في الحاضر؛ تعالوا جميعًا نفكر في المستقبل»، ولم تكن هذه الكلمات مجرد خطاب سياسي، بل تمثل مشروعًا أخلاقيًا وفكريًا يسعى إلى تجاوز إرث الظلم والكراهية وبناء عالم جديد يسوده السلام والتسامح والعدل والإحترام؛ غير أن تجاهل هذه القضايا أو التقليل من شأنها لا يؤدي إلا إلى تعميق الإحساس بالظلم التاريخي في عالم معاصر تتحكم في مصائره قوى الظلام والإستبداد، مما يعيق جهود بناء نظام دولي أكثر توازنًا؛ لذلك، تمثل هذه اللحظة فرصة للأفارقة وللعالم لإعادة طرح أسئلة العدالة وحقوق الإنسان، ليس فقط لإستعادة الحقوق، بل أيضًا لترسيخ قيم إنسانية مشتركة تقوم على الصدق والمساءلة.

لا شك أن الإستعمار يُعد من أسوأ الظواهر التي شهدها تاريخ الإنسانية، لما خلّفه من آثار نفسية ومادية مدمرة على الشعوب، خاصة في إفريقيا التي عانت من إستنزاف مواردها البشرية والطبيعية بشكل غير مسبوق، ورغم أن الإعتراف بهذه الجرائم بات حقيقة لا يمكن إنكارها، فإن كثيرًا من القوى المرتبطة بتاريخ الإستعمار لا تزال تتردد في تحمل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية، وتحاول في بعض الأحيان القفز على الحقائق والتهرب من تبعات الماضي عبر خطاب سياسي مزدوج؛ فهذه القوى، وإن تحدثت عن حقوق الإنسان والديمقراطية، فهي لا تزال في ممارساتها الدولية تعيد إنتاج أنماط الهيمنة القديمة بأدوات جديدة أكثر تعقيدًا؛ إذ لا تقف آثارها عند تجارة الرق ونهب الموارد، بل تمتد إلى ما خلّفته من إنقسامات عميقة قائمة على الجغرافيا والهوية، ومن هنا، فإن التعويل على إعتراف كامل أو تعويض شامل قد لا يكون واقعيًا في المدى القريب، لكنه لا يمحو الوصمة الأخلاقية المرتبطة بتلك الجرائم والمطبوعة على وجوه وأيادي من إرتكبوها، وهذا الواقع يستدعي من الدول الإفريقية تعزيز وحدتها، وإعتماد إستراتيجيات لبناء قوتها الذاتية، والإنخراط في تشكيل نظام دولي متعدد الأقطاب يقوم على التوازن والتعاون؛ فقارة إفريقيا، بما تمتلكه من موارد هائلة وطاقات بشرية شابة وعقول مبدعة، قادرة على تجاوز إرث الإستعمار إذا أحسنت إستثمار إمكاناتها وبنت شراكات ذكية قائمة على المصالح المشتركة بعيدًا عن التبعية.

رغم أهمية الإعتراف التاريخي بجرائم الإستعمار، فإن التركيز المفرط على الماضي قد يحجب عنا الفرص المتاحة في الحاضر، وهو ما يستدعي توجيه الجهود نحو بناء مستقبل أكثر تكاملًا وإستقرارًا داخل القارة الإفريقية، وإيجاد خارطة طريق متوازنة لعلاقاتها الخارجية، وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى تعزيز الوحدة الإفريقية من خلال دعم عودة الدول إلى مؤسسات العمل الإقليمي، بما يسهم في توحيد المواقف وتعزيز التعاون المشترك، وتنفيذ شعار «حلول إفريقية لمشكلات إفريقية»؛ كما يتطلب الأمر قراءة واعية للتطورات الإقليمية، مثل محاولات إعادة تشكيل العلاقة بين الإيكواس وتحالف دول الساحل، والتي قد تفتح آفاقًا جديدة لإعادة صياغة العلاقات الإفريقية على أسس أكثر إستقلالية، وقد سبقتها جهود مماثلة في القرن الإفريقي ضمن إطار الإيقاد، التي شهدت عودة السودان إليها بعد إنقطاع، وهو ما يعزز فرص التنسيق الإقليمي في القضايا المشتركة؛ فإحكام التعاون بين هذه الكيانات يمكن أن يشكل قاعدة صلبة لتحقيق التكامل الإقتصادي والسياسي والأمني، من خلال تبني مشاريع مشتركة، مثل توحيد جواز السفر وتسهيل حركة الأفراد، وإعتماد عملة نقدية موحدة وتعزيز التجارة البينية، ودعم برامج الإستقرار والتنمية، وتبادل الخبرات العلمية عبر مؤسسات الإستنارة، ولكن تحقيق كل هذه الأهداف يتطلب إرادة سياسية قوية ورؤية إستراتيجية بعيدة المدى، تضع مصلحة الشعوب الإفريقية في صدارة الأولويات، وتمهد الطريق لنهضة حقيقية تعيد للقارة مكانتها في النظام العالمي.



#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإجابة على أسئلة العدالة للأفارقة في واقع العالم المعاصر
- نقد الحكومة من أجل إصلاح حالها وحال المجتمع
- سمفونية القرن الإفريقي الجديد في ظِل المتغيرات العالمية
- نحو مشروع وطني لبناء الدولة والمجتمع
- أقنعة الإرهاب من منظور أقطاب العالم الجديد
- حوار مفتوح مع سعد محمد عبدالله، على منصة مجموعة أبناء مايرنو
- رحيل الزعيم السماني عقار إير
- الإستشعار والإدراك المشترك في الموقف السوداني والأفريقي تجاه ...
- قراءة حول الحرب في الخليج وموقع السودان
- هل سينصف العالم قضايا شعب السودان؟
- السياسة والإعلام في السودان
- مؤتمر ميونخ للأمن والتحول نحو نظام عالمي جديد
- عودة السودان إلى الإتحاد الإفريقي
- إستئناف مشاركة السودان في منظمة الإيقاد
- التعافي الوطني وبناء إقتصاد ما بعد الحرب
- قراءة حول عودة السودان إلى منظمة الإيقاد في ظِل التحديات الإ ...
- تحركات الحكومة نحو الخارج
- ماذا بعد توقف جريدة الفجر
- العالم على حافة الهاوية: الجشع الإستعماري وتحولات الصراع في ...
- قضايا التحرر والوحدة والتنمية في السودان الجديد


المزيد.....




- شاهد.. تايغر وودز يغادر السجن بعد اعتقاله بتهمة القيادة تحت ...
- إيران تكثف دعايتها.. تصريحات مثيرة للجدل حول خفض سن التجنيد ...
- وصول المزيد من القوات الأمريكية إلى الشرق الأوسط.. إليكم آخر ...
- -سيناريو بات أقرب للواقع-.. حمد بن جاسم محذرًا من انزلاق منط ...
- إسرائيل تقتل ثلاثة صحفيين في لبنان بينهم مراسل لقناة -المنار ...
- أنصار ترامب منقسمون بشأن حرب إيران مع تزايد الضغوط عليه لإيج ...
- رغم ادعاءات واشنطن.. تقرير يكشف أن معظم ترسانة إيران الصاروخ ...
- -لصوص من ذوي الذوق الرفيع-.. سرقة 400 ألف قطعة شوكولاتة -كيت ...
- جبهة جديدة في الصراع .. ماذا يعني دخول الحوثيين في الحرب مع ...
- حرب بلا محرمات.. أي سيناريو ينتظر علاقات إيران مع دول الخليج ...


المزيد.....

- علاقة السيد - التابع مع الغرب / مازن كم الماز
- روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي ... / أشرف إبراهيم زيدان
- روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس ... / أشرف إبراهيم زيدان
- انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي / فاروق الصيّاحي
- بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح / محمد علي مقلد
- حرب التحرير في البانيا / محمد شيخو
- التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء / خالد الكزولي
- عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر / أحمد القصير
- الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي / معز الراجحي
- البلشفية وقضايا الثورة الصينية / ستالين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - سعد محمد عبدالله - المسافة بين نظرة المستعمر للجرائم التاريخية والرؤية الإفريقية حول بناء المستقبل