أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد الزيري - تقرير TALIS 2024: حين تكشف الأرقام هشاشة المدرسة واختلالات الإصلاح - الجزء الاول-














المزيد.....

تقرير TALIS 2024: حين تكشف الأرقام هشاشة المدرسة واختلالات الإصلاح - الجزء الاول-


محمد الزيري
صحفي مهني وكاتب و باحث حاصل على شهادة الدكتوراه

(Ezziri Mohammed)


الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 16:13
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


يشكل تقرير الدراسة الدولية للتعليم والتعلم (TALIS 2024)، الذي أنجز في إطار منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، محطة مفصلية في فهم واقع المنظومة التربوية بالمغرب، ليس فقط لأنه يقدم معطيات كمية حول أوضاع المدرسين وظروف اشتغالهم، بل لأنه يكشف، بشكل غير مباشر، عن اختلالات بنيوية عميقة ظلت لسنوات موضوع نقاش عمومي دون أن تجد طريقها إلى المعالجة الجذرية. غير أن القراءة المتأنية لهذا التقرير لا يمكن أن تقف عند حدود عرض الأرقام والمؤشرات، بل تفرض مقاربة نقدية تتجاوز الظاهر الإحصائي إلى تفكيك دلالاته العميقة، خاصة وأن التقرير، في صيغته التقنية، يميل إلى الحياد المنهجي الذي يخفي في كثير من الأحيان قسوة الواقع.
أول ما يلفت الانتباه في التقرير هو الطابع “الشاب” للجسم التعليمي بالمغرب، وهو معطى قد يُقدَّم في سياق معين كمؤشر إيجابي يعكس دينامية التجديد داخل المنظومة. غير أن هذا المعطى، عند وضعه في سياقه الحقيقي، يكشف عن مفارقة مقلقة؛ إذ لا يتعلق الأمر بتجديد مخطط ومدروس بقدر ما يعكس نزيفاً في الكفاءات، ومغادرة مبكرة أو عزوفاً عن الاستمرار في المهنة، مما يجعل المدرسة المغربية تعيش على إيقاع تعويض مستمر بدل بناء خبرة تراكمية. فحين يغيب الاستقرار المهني وتضعف جاذبية المهنة، يتحول “شباب” الجسم التعليمي من فرصة إلى هشاشة، حيث يتم الزج بأطر حديثة التخرج في بيئة مهنية معقدة دون امتلاك الأدوات الكافية لمواجهتها.
وفي هذا السياق، يكشف التقرير عن أحد أخطر أعطاب المنظومة، والمتمثل في ضعف آليات التأطير والمواكبة المهنية للأساتذة الجدد. فغياب نظام فعال للتوجيه والتأطير لا يعني فقط نقصاً في الدعم، بل يعكس تصوراً اختزالياً لمهنة التدريس، وكأنها مهارة يمكن اكتسابها بشكل تلقائي داخل الفصل دون حاجة إلى مصاحبة بيداغوجية حقيقية. إن الأستاذ الذي يجد نفسه منذ الأيام الأولى في مواجهة واقع الاكتظاظ، وتحديات الانضباط، وضغط المقررات، دون سند مهني، لا يمكن إلا أن يطور آليات دفاعية قد تضمن له الاستمرار، لكنها لا تضمن بالضرورة جودة التعلمات. وهنا يتحول القسم من فضاء للتعلم إلى مجال لتدبير الأزمات اليومية.
ولا يقف الأمر عند حدود التأطير، بل يمتد إلى طبيعة المناخ التربوي داخل المؤسسات التعليمية، حيث يسجل التقرير مؤشرات مقلقة مرتبطة بتنامي مظاهر العنف اللفظي وتراجع الانضباط داخل الفصول الدراسية. هذه المعطيات لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع، لكنها في الآن ذاته تعكس فشلاً مؤسساتياً في حماية الفضاء المدرسي وإعادة الاعتبار للسلطة التربوية. فحين يفقد الأستاذ موقعه الرمزي داخل الفصل، تتآكل العلاقة التربوية، ويتحول التعلم إلى عملية مشروطة بمدى قدرة المدرس على فرض النظام أكثر من قدرته على نقل المعرفة.
ومن جهة أخرى، يسلط التقرير الضوء على التفاوتات المجالية الصارخة بين الوسطين الحضري والقروي، وهي مسألة لم تعد مجرد إشكال عرضي، بل أصبحت بنية قائمة بذاتها داخل المنظومة التعليمية. فاختلاف ظروف العمل، ونقص الموارد، وصعوبة الاستقرار في المناطق القروية، كلها عوامل تجعل من تجربة التعلم غير متكافئة، وتكرس ما يمكن وصفه بـ”مدرستين داخل مدرسة واحدة”. هذه الازدواجية لا تمس فقط مبدأ تكافؤ الفرص، بل تقوض أسس العدالة التربوية، وتعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية بدل تقليصها.
كما يبرز التقرير إشكالية الموارد البشرية، حيث تعاني العديد من المؤسسات من خصاص في الأطر التربوية والدعم التربوي، وهو ما يؤدي إلى الاكتظاظ وضعف المواكبة الفردية للتلاميذ. هذا الوضع لا يمكن اعتباره ظرفياً، بل هو نتيجة اختيارات تدبيرية لم تستطع التوفيق بين حاجيات المنظومة وإمكانياتها، مما يجعل الإصلاحات المعلنة تصطدم بواقع ميداني يحد من فعاليتها. فكل حديث عن جودة التعلمات يظل نظرياً في ظل أقسام مكتظة وأستاذ مثقل بأعباء تتجاوز طاقته.
أما على مستوى التحول الرقمي، فإن التقرير يكشف عن فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية. فرغم الحديث المتكرر عن إدماج التكنولوجيا في التعليم، فإن نسبة استعمال الأدوات الرقمية الحديثة تظل محدودة، وهو ما يعكس غياب رؤية متكاملة للتحول الرقمي داخل المنظومة. فالتكنولوجيا ليست مجرد وسائل، بل هي جزء من تصور جديد للتعلم، وإذا لم يتم إدماجها بشكل منهجي ومؤطر، فإنها تبقى مجرد شعارات تستهلك في الخطاب دون أثر ملموس في الواقع.
ومن بين المفارقات اللافتة التي يقدمها التقرير، تلك المتعلقة بمستوى الرضا المهني لدى المدرسين، حيث تشير المعطيات إلى نسبة مرتفعة من الرضا، رغم كل الإكراهات المسجلة. غير أن هذا المعطى، بدل أن يطمئن، يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة هذا الرضا، إذ قد يعكس نوعاً من التكيف القسري مع واقع صعب، أو غياب بدائل مهنية، أكثر مما يعكس فعلاً جودة ظروف العمل. فحين يصبح الرضا تعبيراً عن القدرة على التحمل وليس عن جودة البيئة المهنية، فإنه يفقد دلالته الإيجابية.
في المحصلة، لا يقدم تقرير TALIS صورة تقنية محايدة فحسب، بل يكشف، لمن يقرأ ما بين السطور، عن أزمة مركبة تمس مختلف مكونات المنظومة التربوية بالمغرب. إنها أزمة تأطير، وأزمة موارد، وأزمة عدالة مجالية، وأساساً أزمة رؤية، حيث يبدو أن الإصلاحات المتعاقبة لم تستطع تجاوز منطق التدبير الظرفي نحو بناء مشروع تربوي متكامل. فبدل أن تكون المدرسة فضاء لإنتاج المعرفة وبناء الإنسان، تتحول تدريجياً إلى مجال لتدبير اختلالات متراكمة.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي الذي يطرحه هذا التقرير لا يكمن في تحسين بعض المؤشرات أو تجميل الأرقام، بل في إعادة التفكير في موقع المدرسة داخل المشروع المجتمعي، وفي دور المدرس باعتباره فاعلا مركزيا في هذه المعادلة. لأن أي إصلاح لا ينطلق من إعادة الاعتبار للمدرس، وتأهيل بيئة عمله، وضمان تكافؤ الفرص بين المتعلمين، سيظل مجرد محاولة لتأجيل الأزمة، لا لحلها...



#محمد_الزيري (هاشتاغ)       Ezziri_Mohammed#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصحافة بين القرارات المرتبكة وإصلاح مؤجل، من يدبر المرحلة ا ...
- صورة المشهد السياسي في المغرب مؤسسات قائمة وثقة متآكلة...
- -وجوه تضحك… وظهور تُطعَن او حين تتحول الكلمة إلى سلاح هــدم ...
- الوطن يحتاج إلى إعلام قوي… لا إلى صراخ
- أزمة الصحافة المغربية ليست في القوانين… بل في الشجاعة
- الصحافة المغربية بدون بوصلة: فراغ المجلس الوطني وأسئلة الثقة ...
- يا معشر الصحافيين المغاربة… كفاكم تنابزا بالألقاب..
- فوضى داخل البيت الصحفي… وصراع من أجل كراس فارغة
- حتى لا تفقد صاحبة الجلالة ما تبقّى من هَيبتها داخل المجتمع ا ...
- المجلس الوطني للصحافة بالمغرب - -فضحية مصورة… ودروس أخلاق مس ...
- المشاورات الترابية بالمغرب… طقوس تشاركية أم فرصة ضائعة؟
- المجلس الوطني للصحافة... عندما تتحول مؤسسة المهنة إلى رهينة ...
- جيل Z… ضحايا فراغ لا صُنّاع فوضى-
- حينما تحولت الأحزاب المغربية إلى مقاولات والجمعيات إلى دكاكي ...
- من لا يخطئ لا يعمل-: الخطأ المهني في الصحافة السمعية البصرية ...
- برامج التنمية الترابية بالمغرب: -في حضرة العدالة المجالية... ...
- الإعفاءات تتوالى والتعليم العالي بالمغرب يغلي: أي مستقبل للد ...
- العدالة المجالية بالمغرب: بين الخطط الضخمة وإخفاقات التطبيق ...
- مقالين في قانون المجلس الوطني للصحافة تحت المجهر مقالة قصيرة ...
- خلاصة القول: هل أصبح الصحافي ضيفا في مجلسه؟


المزيد.....




- إيران تُوجه تحذيرًا للقوات الإسرائيلية المتمركزة في غزة وعلى ...
- اضطرابات سلاسل التوريد تلوح وسط صراع إيران.. ومراسل CNN ينقل ...
- من منزل إلفيس بريسلي... هكذا أعلن ترامب عن -محادثات مع إيران ...
- قادة قوميّون أوروبيون يعلنون دعمهم لأوربان قبل الانتخابات
- كواليس الزنزانة الانفرادية.. نجل مادورو يكشف تفاصيل حياة وال ...
- الرئيس السابق للكنيست يفجر مفاجأة: 5 محاولات إسرائيلية لتفجي ...
- بموافقة مجتبى خامنئي.. بزشكيان يعيّن قائداً بالحرس الثوري أم ...
- إيران: تعيين محمد باقر ذو القدر أمينا عاما لمجلس الأمن القوم ...
- لماذا قد لا تنهار كهرباء إيران بسهولة أمام صواريخ ترمب؟
- كيف يؤثر اسم طفلك على مستقبله؟ معلومات قد تغير اختيارك


المزيد.....

- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا
- التوثيق فى البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الصعوبات النمطية التعليمية في استيعاب المواد التاريخية والمو ... / مالك ابوعليا
- وسائل دراسة وتشكيل العلاقات الشخصية بين الطلاب / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد الزيري - تقرير TALIS 2024: حين تكشف الأرقام هشاشة المدرسة واختلالات الإصلاح - الجزء الاول-