محمد الزيري
صحفي مهني وكاتب و باحث حاصل على شهادة الدكتوراه
(Ezziri Mohammed)
الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 15:34
المحور:
الصحافة والاعلام
ما جرى بخصوص قانون المجلس الوطني للصحافة ليس مجرد نقاش قانوني حول مواد سقطت وأخرى نجت. نحن أمام لحظة كاشفة: لحظة تفضح ارتباكا عميقا في طريقة تدبير ملف الصحافة بالمغرب، وتكشف أن الإشكال لم يعد في النصوص، بل في النية السياسية والاختيار المؤسساتي. في الظاهر، هناك إجماع على ضرورة “تنظيم” القطاع. لكن في العمق، يبدو أن هناك توجسا كبيرا من تنظيم ذاتي حقيقي. هناك قبول بمجلس بشرط ألا يكون قويا. قبول بالاستقلالية بشرط ألا تكون كاملة. وقبول بالانتخاب بشرط ألا يفرز توازنات غير مرغوب فيها. وهنا يبدأ التناقض الكبير .الجميع يريد صحافة مسؤولة ومهنية ومنضبطة”. لكن حين نقترب من الشروط الحقيقية لبناء هذه الصحافة – أي مؤسسات مستقلة، منتخبة، قوية الشرعية – يبدأ التراجع، ويبدأ البحث عن صيغ انتقالية، وهيئات مؤقتة، وحلول هجينة، لا هي تنظيم ذاتي فعلي ولا هي إدارة عمومية صريحة.
النتيجة؟ وضع رمادي مريح للبعض، ومدمر للقطاع.
الفراغ الذي نعيشه اليوم داخل المجلس الوطني للصحافة ليس حادثا عرضيا، بل هو ثمرة منطق كامل: منطق تأجيل الحسم، والتطبيع مع المؤقت، والخوف من تسليم المفاتيح كاملة للمهنيين. والسؤال البسيط الذي لا يريد أحد طرحه بوضوح هو: هل نثق فعلا في أن الصحافيين قادرون على تدبير شؤونهم بأنفسهم؟
إذا كان الجواب نعم، فلا معنى لكل هذا الالتفاف.
وإذا كان الجواب لا، فلنكن صرحاء ونقول إننا لا نؤمن أصلا بالتنظيم الذاتي.
المفارقة المؤلمة أننا نريد:
• محاربة الرداءة،
• ضبط الأخلاقيات،
• رفع الجودة،
• حماية المهنة
لكننا لا نريد:
• مجلسا قويا فعلا،
• ولا تمثيلية تعددية حقيقية،
• ولا شرعية انتخابية واضحة،
• ولا استقلالية كاملة عن منطق التحكم.
وهذا تناقض لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. لا توجد في العالم صحافة قوية بمؤسسات ضعيفة. ولا توجد مهنة محترمة بهيئات مشكوك في شرعيتها. ولا يمكن الحديث عن أخلاقيات بدون سلطة مهنية مستقلة تحظى بالثقة. الخطر الحقيقي اليوم ليس في سقوط مواد قانونية أو تعديلها. الخطر هو أننا ننحدر بهدوء نحو نموذج يحتفظ باسم التنظيم الذاتي، لكنه يفرغه من مضمونه نموذج شكلي، تقني، بلا روح.
وهذا أخطر من الإلغاء الصريح، لأنه يقتل الفكرة دون أن يعلن وفاتها.
نحن اليوم أمام مفترق طرق واضح: إما مجلس حقيقي، مستقل، منتخب، قوي. وإما استمرار في إدارة أزمة، لن تنتج سوى مجالس ضعيفة، وصراعات متكررة، وفقدان متزايد للثقة. وفي النهاية، السؤال ليس: أي قانون نريد؟
بل: أي صحافة نريد؟ وبأي قدر من الجرأة على استقلالها؟
#محمد_الزيري (هاشتاغ)
Ezziri_Mohammed#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟