أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة ( 5 )














المزيد.....

مذكرات الست سعيدة ( 5 )


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 02:50
المحور: الادب والفن
    


آيات..
حين ترتدي الهاوية قناع الحب

​ليست كل قصة حب وعداً بالحياة، فبعض القلوب الصغيرة تخلط بين الحنان والفخ، وبين الاهتمام والاستدراج. وما أخطر أن تكون البراءة في عمرٍ لا يعرف كيف يميّز الأقنعة. كانت آيات طالبة جميلة، مرهفة، تسكنها رقة غامضة وكثير من الشرود. لم تكن مثيرة للمشاكل داخل الصف، لكنها في الأشهر الأخيرة تحولت إلى لغز؛ تأخر صباحي متكرر، نظرات لا تغادر النافذة، وخروج مسرع من المدرسة كأن أحداً ينتظرها خلف الباب لسرقة الوقت.
​لاحظت المعاونة ليلى ذلك أولاً، ثم جاء الخبر اليقين من "أبو سليم"، حارس المدرسة الذي يمتلك فراسة تجعله يقرأ الوجوه قبل الأوراق. قال لي يوماً بلهجة مشوبة بالقلق:
— "ست سعيدة، اكو شاب بسيارة قديمة جاي يوكف براس الشارع يومية.. مو راحة هالولد، وعينه بس على بابنا. وشفت آيات تروح ويا أكثر من مرة."
في البداية، لم أشأ أن أبني موقفاً على الظنون، فقلت له بهدوء:
— "راقب يا أبو سليم، ولا تسوي مشكلة هسة.. أريد أتأكد بنفسي."
​لكن الأمور تسارعت؛ وقعت مشادة حادة بين الحارس وذلك الشاب عند الباب الخارجي بعدما حاول الأخير الاقتراب بشكل مريب وقت خروج الطالبات. انسحب الشاب وهو يرمي بكلمات مستفزة، ودخل أبو سليم غاضباً إلى الإدارة:
— "هذا مو ولد زين ست.. والله مو زين! دا ياخذ البنية من نهاية الشارع، والناس بدت تحچي."
​استدعيتُ آيات في الحال. دخلت البنت وهي تفرك يديها بارتباك، وعيناها تتهربان من المواجهة. سألتها بصوت ثابت يجمع بين الحزم والأمومة:
— "منو هذا الشاب الي ينتظرچ برة المدرسة يا آيات؟"
احمرّ وجهها وقالت بصوت واهن:
— "ابن خالتي ست.."
— "لا تكذبين يا بنتي.." قاطعتها بنظرة ثاقبة، "أني أعرف أكثر مما تتصورين، وأريد الحقيقة من لسانچ قبل لا تصير فضيحة أو مصيبة لا سامح الله."
​ارتجفت شفتاها، وصمتت طويلاً قبل أن تنهار باكية. اعترفت بأنها تعرفت عليه عبر إحدى قريباتها، وأنه كان يوصلها أحياناً "من باب المساعدة"، ثم صار يطلب لقاءات قصيرة بعد الدوام، ويغرقها بوعود الزواج والكلمات المعسولة. استمعتُ إليها دون مقاطعة، وحين انتهت سألتها:
— "وأمچ تدري؟"
— "مستحيل ست! والله تكتلني.."
— "زين.. گالچ شوكت يجي يخطبچ رسمي؟"
— "يگول بعدين.. بس تتحسن ظروفه ويشتري بيت."
​ابتسمتُ ابتسامة حزينة وقلت لها:
— "يا آيات.. هاي الـ (بعدين) هي المقبرة اللي تندفن بيها البنات المخدوعات."
​لم ألجأ للصراخ، بل وضعتُ "مبضع الجرّاح" في مكانه الصحيح. استدعيتُ الأم بهدوء، وحين حضرت رأيت امرأة بسيطة، أعياها التعب وعصفت بها تفاصيل الحياة الصعبة. خشيتُ أن تندفع نحو ابنتها بعنف فتكسر ما تبقى من جسور الثقة، لذا انفردتُ بها أولاً وقلت لها:
— "بنتچ بعدها بأول الطريق، وما سوت شي يغضب الله للنهاية.. إذا ردتي تنقذيها، فبالعقل مو بالفضيحة. كوني وياها لا ضدها."
​هدأت المرأة تدريجياً، وكانت تلك من أصعب الجلسات؛ بكاء، خوف، ثم تعهد بالاحتواء. لم ينتهِ الأمر هنا، فالشاب حاول إرسال رسائل أخرى، مما دفعني للحسم. استدعيتُه عبر شكوى رسمية في مركز الشرطة، مستندة إلى شهادة الحارس. لم يكن الهدف سجنه، بل إفهامه أن أسوار المدرسة ليست مكاناً سهلاً للصيد، وأن "الست سعيدة" لا تفرط في بناتها.
​انكمشت آيات على نفسها فترة، تمشي في الممرات مطأطئة الرأس من الخجل. هنا تدخلت "زينب" مدرسة العربية بلطف، بدأت تُشركها في الأنشطة وتعيد إليها ثقتها بنفسها. أما أنا، فكلما مررتُ بها، كنت أكتفي بعبارة واحدة:
— "الخطأ الي نتعلم منه ما يكتلنا يا بنتي.. بالعكس، يسوينا أقوى."
​وفي نهاية الفصل، عادت آيات إلى توازنها. ويوم طلبت منها معاملة رسمية، اقتربت مني وهمست بصوت خافت:
— "ست.. لو ما تدخلتِ بذيج اللحظة، يمكن چان ضعت."
نظرتُ إليها طويلاً وقلت:
— "المهم هسة عرفتي شلون ما تسلمين گلبچ للي ما يستحقه.. الهاوية يا آيات مرات تجي على شكل كلمة حلوة ووعد مؤجل."
​الهاوية لا تأتي دائماً بصوت عالٍ؛ أحياناً تقترب في هيئة قناع جميل. لكن القلب الذي يجد من يوقظه في الوقت المناسب، قد يعود من حافة السقوط أكثر حكمة وأشد نجاة.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات الست سعيدة (4)
- مذكرات الست سعيدة ( 3 )
- مذكرات الست سعيدة (2)
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2
- الضحية / 1
- خربشات قلم / 5 والاخيرة
- خربشات قلم / 4
- خربشات قلم / 3
- خربشات قلم / 2
- خربشات قلم
- أصحاب الأرض
- زلزال في كفة الميزان
- نزيف الصمت في مقهى الكرخ
- رسالة من وراء الحدود
- السطح يرى الجميع
- صحنُ الدولمة الأخير


المزيد.....




- الحرب كـ -لعبة فيديو-.. كيف يسوق البيت الأبيض الصراع مع إيرا ...
- التشيع العربي والفارسي تاريخياً
- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب
- وفاة نجم أفلام الحركة والفنون القتالية تشاك نوريس
- ماذا يفعل الأدباء في زمن الحرب؟
- حينما أنهض من موتي
- كسر العظام


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة ( 5 )