أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - أحجار الشطرنج الصفر: في النفق















المزيد.....


أحجار الشطرنج الصفر: في النفق


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 02:50
المحور: الادب والفن
    


1
كاملُ قوات الجبهة في الجبل، كانت متجمّعة في حديقة كنيسة، ثمة على طرف مدينة عاليه. وقد وصلت مجموعة الرفيق موسى إلى المكان بسيارة الرانج روفر، التي أستوعبتهم مثلما يفعل المرطبانُ الصغير بثمار الباذنجان المخلل ( المكدوس ). أحد القادة، ما لبثَ أن ألقى كلمة مختصرة عن الوضع، فُهِمَ منها أنهم ينسحبون بناءً على تفاهم مع الإسرائيليين يحفظ سلامة الجبل. في حقيقة الأمر، أن الجبهة الديمقراطية كانت متّهمة ( وكذلك تنظيم فتح )، بأنها أقل تشدداً فيبما يخصّ إسرائيل؛ كونها أبدت استعداداً للاعتراف بها، مقابل تطبيق قرارات الأمم المتحدة. لكنّ ذلك القائد، أغفلَ ذكر الجهة التالية، المقصودة، لهؤلاء المقاتلين بالإضافة لرفاقهم في القوات المشتركة. الرائد تيناوي، كانَ أول من انسحبَ، مصطحباً معه في السيارة ثلاثة رفاق من المجموعة. بقيَ الخمسة الآخرون في مكانهم، فيما الهرجُ سادَ المكان مع بدء التحرّك. القنابلُ المضيئة، كانت ما تفتأ تترى في العتمة، محوّلة الليل نهاراً غامضاً بلون أزرق تقريباً ـ كما يبدو في أحلامِ المرء أو في أفلامٍ معاصرة.
انبلجَ الفجرُ حثيثاً، بينما المجموعة ما إنفكّت في مكانها على طرف تلك الكنيسة. ثم صارَ يُسمع على الأثر، هديرُ الطائرات الحربية دونَ أن تظهر بعدُ في سماء المنطقة. أخيراً عادت الرانج روفر، وكانَ السائقُ متوحّداً فيها. الصندوقُ الخلفيّ، كانَ مفتوحاً، فجلسَ فيه رستم ودلير. هذا الأخير، خلعَ عن منكبيه جعبة المقذوفات وجعلها في حضنه. موسى جلسَ إلى جانب السائق، بينما أحتل المقعد الخلفيّ كلٌ من كارلوس وسعيد. تحركت الرانج روفر بسرعةٍ كبيرة، بما أنّ السائقَ مغرمٌ بسباق السيارات ( رالي ). الطريقُ الرئيس، كانَ فسيحاً والمركبات المنسحبة تستعملُ إتجاهاً واحداً. من مكانه، كانَ دلير يرقبُ الأبنية والأشجار، كأنها أشباحٌ تختفي بسرعة لتظهر غيرها بلمح البصر وتعود لتغيب. إلى أن راحت السيارة تجتاز الشارع الرئيس في بحمدون، فيما هديرُ الطائرات قد أضحى يصدى بقوة أكبر. وهوَ ذا معسكرٌ للوحدات الخاصة، يصادفه البصرُ على طرف منحدر الشارع، وكانَ ضابط كبير الرتبة جالساً ثمة على مقعدٍ يحتسي على الأغلب شراب المتّة. نصف دقيقة على الأثر، أو نحو ذلك، وإذا إنفجارات عنيفة، متتالية، تطيحُ بالرانج روفر في الهواء، لتعود هذه وتسقط على الأرض. البابُ المزدوج لصندوق السيارة، إنفتحَ ثم أنصفقَ بقوّة مرتطماً برؤوس المقذوفات، التي بعهدة دلير. لكنّ السائقَ، هذه المرة، تابعَ السيرَ بسرعةٍ جنونية. بلمحةٍ، قُدّرَ لدلير أن يرى من مكانه ذلك المعسكر وقد غدا كأنه شجرة عملاقة، خرافية، من نار ودخان. كانَ هوَ مع الجميع، يصرخُ عندئذٍ بالسائق أن يتوقف.
لم تتوقف السيارة إلا بعدما ظهرت لوحة على جانب الطريق، كتبَ عليها " عبّادية ". وكانَ الطريقُ قد غدا مرتفعاً باضطراد، مذ أن أجتازوا ذلك الجحيم في بحمدون. وهذا الرائد تيناوي، يقفُ ثمة مع بقية الرفاق. ما أن نزلَ السائقُ، إلا وهرولَ إلى طرف الطريق كي ينشج بصمت. ظهرت أمارات الاستغراب على ملامح الرائد، فيما يرى الآخرين يدلفون أيضاً من السيارة بوجوهٍ ممتقعة، كامدة وواجمة. سألَ الرفيقَ موسى: " ماذا دهاكم؟ ما الأمر؟ "
" لقد أفلتنا من موتٍ محقق "، قالها وسكت. وإنه كارلوس، مَن راحَ بعدئذٍ يذكرُ التفاصيل. توجّه الرائدُ إلى موقف السائق الفتيّ، الملول، معانقاً إياه في حركة ودّ بهدف التسرية عنه. لما أشتكى بعضهم من سوء أداء السائق، فإنّ الرائد دافع عنه بالقول: " بل هوَ مَن كانَ تصرفه، صائباً. فلو أوقف السيارة، أو خففَ السرعة، كانت الصواريخ التالية ستصيبها بشكلٍ مباشر أو غير مباشر ". كانَ الرائدُ، ولا ريب، يمتلكُ خبرةً راسخة في مواقف مشابهة. سنواتُ الحرب الأهلية، وكانَ قد مضى عليها سبع سنين، قضى معظمها في بيروت، شهد خلالها أهوال القصف والقنص. لكن في هذه الحرب، وجدَ نفسه مسئولاً عن متطوعين شبّان، غالبيتهم طلبة بلا تجارب سوى مع فتيات الدول الإشتراكية الحليفة.

2
انتسبَ الرائدُ تيناوي للجبهة الديمقراطية مذ يفاعته، لما شاهدَ مع أهالي مدينة درعا، ذاتَ يوم، المدرعات السورية تتجه إلى الأردن للذود عن المقاومة الفلسطينية؛ فيما صارَ يُعرف بمجازر أيلول الأسود. رقّيَ إلى رتبة ملازم عقبَ نيله الشهادة الثانوية، كذلك منحَ رتبة إضافية لمشاركته في التصدي للإجتياح الإسرائيليّ الأول عام 1978. على الأثر، أرسل إلى موسكو كي يُنهي دورة قيادة في أكاديميتها العسكرية. زوجته فلسطينية مِمَن نجوا من مجزرة تل الزعتر، رزقَ منها بثلاثة أولاد. مع بداية الحرب هذه، استعصى عليهم الخروج من بيروت في الوقت المناسب. صلته الوحيدة بهم، هيَ مجموعة صوَر عائلية دأبَ على الإحتفاظ بها في حقيبة اليد.
وكانَ الرائدُ قد غادرَ مع السائق، مودّعاً الرفاقَ بالقول: " إلى اللقاء في مقر القيادة، هناك في بر الياس ". على الأثر، تساءل التنينُ الأسود، بامتعاض: " هل يدعنا نسيرُ يوماً كاملاً على أقدامنا، بوجود الرانج روفر؟ "
" السيارة، على أيّ حال، لن تتّسع لنا جميعاً. كما أنّ الرائدَ تيناوي، مسئولٌ عن مجموعاتٍ أخرى "، ردّ الرفيق موسى. ثم استدركَ بالقول، فيما كانَ يومئ لحرج من أشجار الصنوبر لاحَ عن بعد: " سنقضي النهارَ كله في ذلك المكان، لحين أن يحلّ الليل. فطائرات الاستطلاع ترصدُ الأرضَ مع بزوغ الشمس، كما أننا لا نبعدُ كثيراً عن مواقع حزب الكتائب ".
قال رستم لدلير، وكانا مع المجموعة السائرة على الأقدام: " أكثر ما سبّبَ ارتياعي، إمكانية أن تنفجر المقذوفات بنا حينَ انفتح بابُ صندوق السيارة ثم أغلقَ عليها بعنف ". قبل أنّ يعلّق صديقه، بادرَ الرفيق سعيد للتوضيح: " الآر بي جي، صاعقها لا ينفجر إلا بحركة ذاتية داخلية عند إطلاق المقذوف ".
فيما كانت المجموعة ترتقي الدربَ الوعر، المعشوشب، برزَ من فوق رؤوس أشجار الصنوبر برجُ كنيسةٍ، راحت نوافذه الأنيقة تحدّقُ بهم مليّاً. قال الرفيق موسى، بنبرةٍ تعبّر عن الطمأنينة: " المكانُ آمنٌ، لأنّ أحداً لا يفكّرُ بقصف كنيسة ". لكنه طلبَ من الرفاق الإنتشارَ في الحرج، بعيداً عن أسوار الكنيسة. دلير، شعرَ تحتَ قدميه بالأرض المغطاة بالنباتات، وهيَ طرية، مباركة بقطرات ندى الفجر. وكانَ عبقٌ مألوف، ينتشرُ من الأزهار البرية، فما عتمَ أن جذبَ النحلَ والفراشات. مع أنّ دلير مساعدٌ للرفيق سعيد، فضّلَ البقاءَ إلى جانب صديقه رستم. هكذا وضعَ إلى جانب، جعبةَ المقذوفات، التي أنهكته في خلال المسير. لاحَ أنّ الحرجَ كانَ فيما مضى أرضاً زراعية، بدليل وجود مدرجات متناسقة، مبنية من أحجار منحوتة بعناية. كذلك انتصابُ كنيسة في هذ المكان، دلّ على احتضانها من لدُن مجتمعٍ زراعيّ في زمنٍ ما، قريب أو بعيد. أما بلدة عبّادية، فإنها لم تظهر قط لأعين المجموعة إلا من خلال لوحة الطريق.
مع بزوغ الشمس، بدأت تترى قافلةٌ جديدة من المقاتلين المنسحبين، غالبية أفرادها من جيش التحرير الفسطيني. الرفيق موسى، صرخَ بأولئك المقاتلين، طالباً منهم السيرَ تحت الأشجار وتجنّب الدربَ المعبّد، المتصل مع بلدة رأس المتن. لقد سُمعَ أكثر من مرة عندئذٍ، الصوتُ المألوف لطائرة الإستطلاع؛ المعروفة ب " أم كامل ". ثم أضافَ، محذراً: " هذه المنطقة، سبقَ أن قصفتها طائراتُ العدو. وثمة احتمال أنها ألقت قنابل عنقودية، هيَ بمثابة ألغام ".
لم ينصت أولئك المقاتلون لنصيحة قائد المجموعة، أو أنهم كانوا من التعب بحيث لم يستوعبوها. هكذا مضوا على نفس الدرب، متنكّبين أسلحتهم، التي يتضاعفُ وزنها حينَ تُضاف إلى مشقّة السير في المناطق الوعرة. بإثرهم، ما لبثت مجموعة أخرى أن ظهرت، وكانت هذه تتبع تنظيم القيادة العامة. بسبب حساسية مع هذا التنظيم، مردّها خصامٌ قديم، لم يتم تقديم أيّ نصيحة لهم. إلا أنّ قائدَ المجموعة، دمدمَ باستياء: " يعتمرون الكوفيات الحمراء ويمشون بمنتصف الدرب، فيما أم كامل تطوف بالسماء فوقنا ". حينئذٍ، تذكّر دلير ذلك العجوز الأرمنيّ: " لا شكّ أنه يشعرُ الآنَ بالسعادة، بعدما شاهدَ أخيراً انسحابَ المقاتلين الغرباء من الجبل ". لكنّ أفكاره قطعت بصفير شيطانيّ، تبعه إنفجارات متتابعة، هزّت هدوءَ المكان المقدّس.

3
كان هذا أولُ هجومٍ مباشر، تتعرضُ له المجموعة منذ دخولها الأراضي اللبنانية قبل نحو عشرة أيام. الجميعُ كانَ في هرج وفوضى، بينما صراخهم ضاعَ مع دوي القنابل المتساقطة. للوهلة الأولى، ظنّ دلير أنها غارة من طيران العدو. إلى أن أمكنَ تمييزُ صوت الرفيق موسى، الذي صاحَ من مكانه: " هذه قذائفُ هاون، صادرة على الأغلب من قبل قوات الكتائب ". في أثناء ذلك، كانَ الجميعُ قد انبطحوا على بطونهم، لحين أن بدأت حرائق صغيرة تنبثق من الحرج. دقائق على الأثر، ثم سُمع أحدهم يصرخ: " يا رفاق، هنا نفقٌ في وسعنا أن نحتمي داخله ". حثّ رستم صديقه، فيما كانَ ينهضُ على شكل قوس، تجنباً لإنفجارات القنابل: " هيا بنا إلى ذلك المكان ".
دلفا إلى حفرةٍ بعمق يزيدُ عن المتر، ومن ثم فتحة النفق بعرض مترين تقريباً. في نهاية النفق، الذي أمكنَ تقديرُ طوله بثلاثين متراً، كانَ ثمة مضاءة تخللتها نباتاتٌ كثيفة. جلسَ الصديقان وجهاً لوجه، وكانت سحنةُ كلٍ منهما مرآة للأخرى، لناحية أمارات الوجوم والصدمة. بقيا دقائق ملتزمَيْن الصمت، بحيث لم يسمعا الأصوات حولهما. وكانَ قد اكتملَ وجودُ المجموعة في النفق، فما عتمَ أن توجّه قائدها إليهم بالقول: " نحن في حاجةٍ لحارس، ثمة عند مدخل النفق؟ "
" أنا ذاهبٌ للحراسة "، ردّ التنينُ الأسود وقد هبّ واقفاً على شكلٍ منحنٍ أيضاً. صفيرُ القنابل ودويّها لم ينقطعا تقريباً، لكنّ ارتجاجها بقيَ بمنأى عن المكان. أما عن كنه هذا النفق، فإنّ الرفيق موسى افترضَ أنه ملجأ قديمٌ لرهبان الكنيسة، ربما يعود لزمن العثمانيين أو أقدم. على الأثر، راحَ بعضُ الموجودين يتشاغلُ بفك بندقيته وتنظيفها. حينئذٍ، حَسْب، هتفَ دلير مُخاطباً صديقه: " جعبة المقذوفات! ". لقد غفلَ عنها عند المدرّج فوق، لما حملَ سلاحه الآليّ واندفعَ مع الآخرين إلى النفق. نهضَ بدَوره، لكي يتجه إلى مدخل النفق كي يأتي بها. لكن قائد المجموعة، هدأ من روعه بالقول: " انتظر إلى أن يتوقف القصف، فلن يمسّ أحدٌ الجعبة ونحنُ وحيدين في هذا الحرج ".
لكن المجموعة لم تبقَ وحيدة في النفق، فما هيَ إلا ساعة وسُمع صوتُ الحارس وهوَ يدعو آخرين للإحتماء به. كانوا ثلاثة شبان من تنظيم الجبهة الشعبية، وقد سمعوا سلفاً ملاحظة متهكّمة من التنين الأسود: " حسناً فعلتم برمي أسلحتكم، لأنها تعيقُ الهربَ! ". اختاروا الجلوسَ بمكانٍ أقرب إلى المضاءة، وبقوا منبوذين هناك لا يتكلّم أحدٌ معهم. فإنّ تخلّي المقاتلُ الفلسطينيّ عن سلاحه، عارٌ لا يُمكن غفرانه.
تباعدَ تساقط القنابل، وكانَ الوقتُ قد أقتربَ من الظهيرة. نهضَ دلير عند ذلك، في سبيله للإتيان بالجعبة. لما عرفَ التنينُ مقصده، علّق بالقول بنفس النبرة الساخرة: " أنتَ أيضاً تخففتَ من عبء سلاحك؟ "
" لا، سلاحي معي "، ردّ دلير بجفاف. ثمة في الحرج، تعجّب من خمود تلك الحرائق بالرغم من ان القصفَ كانَ قد توالى لساعاتٍ عديدة. وجدَ الجعبة في مكانها، فتنكّبها وعاد بها إلى النفق. عندئذٍ كانَ قد حل الرفيقُ كارلوس في الحراسة، فقال له بطريقته الطريفة في التعبير: " ستنفعنا مقذوفات الآر بي جي في التصدي للصخور، ثمة في بر الياس ".
وجدَ دلير الرفاقَ يتناولون الغداءَ، المؤلّف من المعلبات والخبز. ويبدو أن بعضهم تزوّد به احتياطاً، قبيل البدء من الإنسحاب من الجبل. شاركهم الوليمة الشبابُ الثلاثة، الذين ما لبثوا أن قصّوا على الآخرين حكاية انسحابهم من جنوب لبنان وما لاقوه من أهوال في خلال الطريق. هذا لاقى شيئاً من التعاطف، بحيث نُسيَ تقريباً أمرُ العار.

4
قبل غروب الشمس بنحو ساعة، وكانت القنابلُ قد كفّت تماماً عن التساقط، حلّ ضيفان جديدان في النفق. وكانَ دلير يكتبُ في المفكّرة عن الأحداث المستطيرة في هذا اليوم الطويل، وهوَ أقرب إلى مضاءة النفق، حينَ خيّل إليه أن ظلالاً تتحرك هناك. دسّ المفكّرة في جيبه، وحمل نفسه إلى حيث يجلس قائد المجموعة: " ربما ثمة مسلحون في الطرف الاخر من النفق "، قال له بصوتٍ منخفض. ركّز الرفيق موسى نظره بتلك الناحية، وما لبثَ أن ردّ بالقول: " لعله ثعلبٌ مرّ من ذلك المكان "
" الأفضل أن نتأكّد من الأمر، وإلا سيتعرض الرفاقُ لخطر الموت لو أنّ أحدهم رمى قنبلة داخل النفق "
" لو كانَ الأمرُ كذلك، لما كنتَ الآنَ تكلّمني "، قالها موسى وابتسامة على طرف فمه. مع ذلك، نهضَ قليلاً وصاحَ بالشباب أن يخرجوا من النفق بعدما زالَ الخطر. غادروا المكانَ الآمن اثنين اثنين، إلى أن صاروا كلهم خارجه. عند ذلك، ذهبَ الرفيق موسى مع كارلوس إلى الطرف الآخر من النفق كي يسبرا جليّة تلك الشبهة. دقائق على الأثر، وعادا مصطحبَيْن مقاتليْن عليهما ملابس جيش التحرير الفلسطيني. تبيّنَ أن أحدهما جريحٌ في أعلى كتفه، أينَ ظهرت بقعة دماء جافة. في أثناء ذلك، سُمع صوت " أم كامل " عن قرب، وكأنها تلقي على المقاتلين تحية الوداع. فاقترحَ الرفيق موسى أن تعود نصف المجموعة إلى النفق، ريثما تحل العتمة والبدء بمغادرة المكان.
كانَ دلير يتبادلُ الحديثَ مع ذلك الشاب الجريح، لما صدرَ من الخارج صوتُ صلية رصاص. تبعَ ذلك رشقة أخرى، فاندفعَ هوَ إلى مدخل النفق. إذاك شاهدَ سعيد وكانَ يلقّم بندقيته، صارخاً بصوتٍ مرعد: " انبطحوا على الأرض ولا تتحركوا! "
" لا تطلق الرصاصَ، فنحنُ رفاق "، وصلَ صوتُ أحدهم عن بُعد. سيارتان على شيءٍ من القِدَم، وقفتا عند نهاية الدرب، الذي يُشرف حرجُ الصنوبر عليه. لحظ دلير أنهم أربعة شبّان، وأنّ لهجة رفيقهم ذاك لبنانية. هذا الأخير، ما لبث أن استطردَ بالقول: " نحن من الحزب القومي الإجتماعي، جئنا لكي نجمع أسلحة تركها المقالتلون المنسحبون "
" حسناً، تقدّم لوحدك بدون سلاح "، أمره سعيد. بعد قليل، انضمّ إلى ذلك الشاب بقية رفاقه وراحوا يتحدثون بودّ مع المجموعة. كانوا من بلدة رأس المتن، التي هيَ تحت سيطرة القوات المشتركة. اقترحَ عليهم الرفيق موسى أن ينقلوا المجموعة بالسيارتين، لكنهم أعتذروا بأنهما ممتلئتين بالسلاح: " لكن ممكن أن نصطحبَ معنا أربعة أو خمسة رفاق منكم ". عندئذٍ صاحَ دلير من مكانه، مخاطباً قائد المجموعة: " الشابُ الجريح في النفق، هوَ أولى بركوب السيارة من الجميع "
" إذاً هيا وساعده على الخروج "، قال له الرفيق موسى. آب دلير إلى داخل النفق، لكي يخبر ذلك الشاب بضرورة التحرّك. ما أن اصطحبه مع رفيقه إلى مدخل النفق، إلا وسُمع هدير السيارتين وهما تغادران المكان. وهوَ ذا جهاد، يدمدمُ بنبرة حنق وغيظ، من الخلف: " لقد تركنا الرفيقُ موسى هنا، بما فينا هذا الشاب الجريح "
" لننتظر بعضَ الوقت، ريثما تعود السيارتان لحمل بقية المجموعة "، علّقَ دلير بذلك ولو أنه كانَ غير مقتنعاً تقريباً بما قاله. كانَ الظلامُ قد خيّمَ تماماً، لما تناهى صوتُ التنين الأسود: " صديقك الكرديّ، كانَ أول من رمى نفسه في إحدى السيارتين ". لقد قالها لدلير، بطريقةٍ ساخرة. حينئذٍ، حَسْب، انتبه هذا الأخيرُ لحقيقة اختفاء رستم. حزّ ذلك في نفسه بالطبع، بالرغم أنه كانَ ما زالَ آملاً في عودة السيارتين.

5
التنينُ الأسود، كانَ داخله متخماً بالحقد على الماضي. إنه من المواطنين الشيعة، الذين عاشوا قروناً بصفة الطائفة المنبوذة في بلدٍ شبيه بلوحة فسيفساء. لم يكن بلا مغزى، أن أول تنظيم سياسي لهم كانَ تحت اسم " حركة المحرومين "؛ أسسه رجلُ دين، جذور أسرته تمتّ إلى لبنان والعراق وإيران. قبل أربعة اعوام، أختفى الرجلُ في ليبيا ضمن ملابساتٍ لن تكشف أبداً. ويقال، أن رأس النظام السوري له يدٌ في تنحية الرجل، كونه رفضَ إصدار فتوى باعتبار العلويين من الشيعة. بعد انتصار الثورة الإيرانية، تعاونَ النظامان على احتواء شيعة لبنان وجعلهم قوة عسكرية مؤثّرة. مذاك تواجه هؤلاء مراتٍ عدة مع التنظيمات الفلسطينية، برغم أنهم نأوا بأنفسهم حتى ذلك الحين عن الحرب الأهلية.
كتبَ دلير تلك الملاحظات في مفكّرته، دونما أيّ شعور بالضغينة تجاه التنين الأسود. بل إنه كمعظم أبناء جيله من حملة الفكر الماركسيّ، تأثّرَ بمؤلفات المفكّر حسين مروة، التي حاولت إثبات أنّ الحركات الشيعية في التاريخ الإسلاميّ هيَ من ارهاصات الفلسفة المادية. بعدما أنهى الكتابة، وضعَ المفكّرة في جيبه ثم راحَ يهتم بالمقاتل الجريح. هاله أن يعلم في سياق الحديث، أن الشابَ مصابٌ بثلاث طلقات قد هتّكت جانباً من كتفه. لقد كانَ صابراً على الألم، رابط الجأش؛ وهذا ما كانَ يميّز المقاتلين الفلسطينيين بشكلٍ عام.
مضت ساعة، دونما أن تأتي مساعدة من أولئك الرفاق، الذين غادروا بالسيارتين. إذاك، أعلن جهاد نفسه قائداً للمجموعة: " بهذه الصفة، أطلبُ أن نتحرك مشياً على الأقدام باتجاه رأس المتن "، خاطبهم باعتداد. كانَ قد بقيَ من المجموعة ثلاثة رفاق، فضلاً عن خمسة من المقاتلين الآخرين. القرار الثاني للقائد العتيد، وقفَ دلير بالضد منه. لقد أرادَ أن يترك ذلك الجريح مع صديقه، بحجّة أنه سيعيقُ تقدّم المجموعة: " وأتعهّدُ عند وصولنا إلى تلك البلدة، أن أرسل لكما سيارة كي تأتي بكما ". نبرَ عندئذٍ دلير، للقول في استياء: " حتى ذلك الوقت، قد ينزف الشابُ كل دمه "
" بل سينزف دمه لو أنه تحرك على قدميه حتى رأس المتن "
" لو لحظنا ذلك في خلال الطريق، نتعاونُ على حمله على الظهر "، ردّ دلير بإصرار. وكانَ قد تخفّفَ من عبء الجعبة، التي أخذها سعيد معه حينَ ركب السيارة. أذعن جهاد في نهاية المطاف، وما لبثَ الجميعُ أن غادروا النفقَ.
كانت الليلة معتدلة الحرارة، والقمرُ يتربّعُ باستدارته الكاملة. مضوا على الدرب الآمن، الذي استعملته تينك السيارتين، فيما الظلالُ ضاعفت عددهم. مراتٌ، رفضَ الجريحُ أن يُحمل: " أنا بخير، والنزفُ قد توقّفَ منذ أن كنتُ في النفق ". كانَ شاباً أسمر، لطيف الملامح، من مواليد مخيم الرمل الفلسطينيّ في مدينة اللاذقية. لقد كانَ ينظرُ طوال الوقت إلى دلير، بمزيدٍ من العاطفة. الغريب، من ناحية أخرى، أنّ الدربَ قد خلا من مرور أيّ سيارةٍ من الجهتين.
في ساعةٍ متأخرة من الليل، وصلَ المقاتلون المنسحبون إلى بلدة رأس المتن. عليهم كانَ التعريفُ بأنفسهم، لما أضحوا على بُعد أمتار من حاجز عسكريّ، رفعَ راية الحزب القومي الإجتماعي. رفاقُ الحزب كانوا من المروءة، أنهم بادروا فوراً لنقل الشاب الجريح إلى مستوصف البلدة كي يتلقى العلاج اللازم. بادرَ جهاد إلى السؤال عن المجموعة الأولى، التي سبقَ وأتت إلى البلدة بالسيارتين. فأعلمه آمرُ الحاجز، أنّ المجموعة لا بد أن استضيفت في مكانٍ ما من البلدة. ما ليثوا أن استضافوا المجموعة الجديدة في بيتٍ قريب من الحاجز، أينَ قدّموا لأفرادها عشاءً سخياً مع زجاجتيّ نبيذ من صنعٍ محليّ. لقد خصّوا دلير بمودّةٍ مبالغ فيها، كون عقيدتهم القومية مؤمنة بأن لبنانَ جزءٌ من الوطن السوريّ الكبير. تألّقت بينهم مقاتلة في مقتبل العُمر، ذات ملامح جميلة وقوام متّسق. لقد رمقت الشاب السوريّ، بنظرةٍ ملؤها الإفتتان. ذلك كانَ نتيجة ثرثرة جهاد، الذي أخبرَ المضيفين بأنّ رفيقه رسامُ كاريكاتير لا يقل موهبة عن ناجي العلي. فما كانَ من تلك الصبية الجميلة، إلا أن جاءت بدفتر رسم كبير الحجم مع قلم حبر: " أرجو منك أن تخط لي لوحة كاريكاتير هنا ". ثم استدركت، متضرّجة الوجه قليلاً: " ليسَ بالضرورة الآنَ، بل غداً صباحاً عقبَ الفطور ".



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحجار الشطرنج الصفر: الجنة والنار
- أحجار الشطرنج الصفر: قرب اللهيب
- أحجار الشطرنج الصفر: مستهل المغامرة
- أحجار الشطرنج الصفر: غيمة جافة
- أحجار الشطرنج الصفر: يوم جديد
- أحجار الشطرنج الصفر: أوديب العصر
- أحجار الشطرنج الصفر: صداقة وليدة
- أحجار الشطرنج الصفر: أجيال ماجنة
- أحجار الشطرنج الصفر: حكايات على الطريق
- سكة حديدية حتى السماء: الخاتمة
- سكة حديدية حتى السماء: مرآة جديدة
- سكة حديدية حتى السماء: كرامة مُخبر
- سكة حديدية حتى السماء: مكيدة غرام
- سكة حديدية حتى السماء: بانثيون بشري
- سكة حديدية حتى السماء: عالم آخر
- سكة حديدية حتى السماء: القطار المشؤوم
- سكة حديدية حتى السماء: طبيعة عارية
- سكة حديدية حتى السماء: خرائب وصروح
- سكة حديدية حتى السماء: خريطة ممزقة
- تشريح الذات: الخاتمة


المزيد.....




- التشيع العربي والفارسي تاريخياً
- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب
- وفاة نجم أفلام الحركة والفنون القتالية تشاك نوريس
- ماذا يفعل الأدباء في زمن الحرب؟
- حينما أنهض من موتي
- كسر العظام
- وفاة تشاك نوريس عن 86 عاما.. العالم يودع أيقونة الأكشن والفن ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - أحجار الشطرنج الصفر: في النفق