|
|
أحجار الشطرنج الصفر: غيمة جافة
دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 00:50
المحور:
الادب والفن
1 " أنتَ هنا؟ "، ندّت عن نسرين بصوتٍ ضعيف وقد أخذت تستعيدُ وعيها. بقيت تحدّقُ فيه، كأنما لتتعرّف بشكلٍ جيّد على شخصه. تمتمَ بصوتٍ حزين، متسائلاً: " كيفَ حالك الآنَ؟ ". أكتفت بهزّ رأسها، ثم أرسلت بصرها إلى السماء خِلَل النافذة. قالت بعد قليل، مومئة إلى تلك الجهة: " لِمَ أرادَ الله إمتحاني بمصيبةٍ تلو الأخرى، وكأنني الشريرة الوحيدة على هذه الأرض؟ " " أنتِ لستِ شريرة، يا حبيبتي "، قال وكأنه يتكلّمُ نيابة عن السماء. عاودت ترديدَ كلمته الأخيرة، وقد ظهرت ابتسامة زائفة على شفتيها الرقيقتين: " حبيبتي! أنت تقولها، بالرغم من كل شيء؟ ". لما يئسَ من إيجاد جواب مناسب، أردفت هيَ بالقول: " أنا طلبتُ الطلاق، لكي لا أجبرك أن تظل كل عمرك بمثابة الممرض لإمرأة عاجزة حتى عن إنجاب طفل لك. ويمكن أن تعتبر ذلك، نوعاً من إعتذار عن جرحي شعورك " " لستُ بحاجة إلى إعتذار، وإنما لكلمة منكِ عن استمرار الحياة معاً " " هذا أمرٌ مستحيل، فلن أتراجع عن طلب الطلاق " " دعي الزمنَ يأخذ مجراه، علّ آلامك النفسية تبرأ " " أنت إنسانٌ نبيل، لا تستحق التضحية من أجل امرأة مثلي. لكنني أعترفُ، بأنني كذبتُ عليك حينَ زعمتُ استمرار حبّي للراحل سَرو. بل إنني لم أحبّه أبداً، كوني أكتشفتُ في حينه أنه خدع والدتي وغدرَ بها. ربما أنا لا أكرهُ شخصاً بعينه، بل كل الرجال. هذا راسخٌ في الدم. لقد ورثتُ ذلك عن أمي، التي استعادت حريتها بموت رجلها القاسي. ولعل ذلك شعور النساء جميعاً في بيئتنا الشرقية، نؤمنُ أننا مثل لبوات السيرك، التي تُطعم من أجل تحقيق المتعة والتسلية "، قالت ذلك وراحت تتنفّسُ بصعوبة. على حين فجأة، وانعكاساً لكلماتها، أحسّ بموجة جارفة من الحنان نحوها: " إذاً أنا لم أكن مخدوعاً طوال الأعوام الثلاثة من الزواج، وكانت تحبّني حقاً. كل ما هنالك، أنها في الآونة الأخيرة باتت ضحية للمرض النفسيّ "، فكّرَ بشيءٍ من السعادة. بالرغم من ذلك، ولمعرفته بمدى عنادها، أدرك أنّ كل شيءٍ بينهما قد انتهى. كأنها كانت سحابة جميلة، لكنها عقيمة، مرّت فوقَ أرضه. ثم جاءت شيرين مع أصغر شقيقاتها، فاستأذن دلير بالإنصراف. لكن المريضة، أشارت له بيدها أن ينتظر. قالت لصغرى الشقيقات: " إذهبي إلى صالة الإستقبال وانتظري ثمة قليلاً، لأننا سنتكلمُ الآنَ بأمر خاص ". التقت عندئذٍ أعينُ دلير وشيرين، بنظرةٍ متسائلة. وهيَ ذي المريضة، كأنما شاءت إختتامَ ذلك المشهد الميلودراميّ. خاطبت شقيقتها بالقول، مغتصبة ابتسامة فاترة: " أعترفُ بأنني تصرفتُ بشكلٍ شائن، لما زعمتُ أنّ مراسيل الغرام تلك، كانت موجّهة إليّ وليسَ إليكِ. ويعلمُ الله أنني فعلتُ ذلك بدافع العبث، ولم أتوقّع أن أكون سبباً في قطع علاقتكِ بدلير ". ثم سكتت وقد شحبَ وجهها أكثر من ذي قبل، كأنما بتأثير من تلك الكلمات. لم تعلّق شيرين بشيء، وبقيت مطرقة تتأمّلُ بلاط الحجرة العاري. لعلها شعرت بالخجل أمام الزوجين، كونها لم تعرف بعدُ قرارَ الإنفصال. عادت نسرين للكلام، ممسكة بيَد شقيقتها هذه المرة: " أنا راحلة، قريباً. أشعرُ بذلك، مثلما قوّة قاهرة تدفعُ المرءَ إلى هاوية بلا قرار. وإنني تكفيراً لذنبي، أرجو أن أرى حبّكما مزهراً من جديد ". بالرغم من أنّ شيرين فتاة جسورة، بل وخالعة العذار أحياناً، فإنها بالغت في الإطراق حتى حجبت خصلاتُ شعرها صفحةَ وجهها. كذلك دلير، شعرَ بحَرَجٍ شديد مع تأثّره المتواصل بحالة امرأته. الغريب أنّ هذه الأخيرة، ربما إعتراها الخجلُ هيَ الأخرى من نفسها، فما لبثت أن رفعت الغطاءَ وأخفت وجهها. حينئذٍ وبدَورها، رفعت شيرين رأسها، ورمقت دلير مجدداً بنظرةٍ متسائلة. وكانَ جوابه، أنه نهضَ قائلاً بصوتٍ مقهور: " أستأذنُ منكما، لأن عليّ العودة إلى مكان عملي ".
2 كانَ دلير ونسرين ما زالا بعيشان تحت سقفٍ واحد، حينما سكنَ في بيت الإيجار شابٌ عراقيّ من المحسوبين على المعارضة. " ثروت " هذا، سبقَ أن حضرَ معرضَ الكاريكاتير ذاك، فتعرّفَ على الفنان. عقبَ إدلائه ثمة بتصريحٍ مهيب عن ضرورة الإلتزام في الفن، إنحنى على دفتر ملاحظات الزوّار كي يكتب ديباجة أكثر دوياً، ختمها بالتعريف عن نفسه بخطّ كبير: " بيشمركَة من كردستان ". تبادل دلير معه شذراتٍ من الحديث، فهمَ منها أنه يقيمُ في ضاحية السيّدة زينب: " صهرُ المؤجّر، هوَ رقيبٌ متطوع في سرايا الدفاع. إنه شديدُ الغيرة على امرأته، بسبب مناوبات الخدمة ليلاً، فيما الدارُ تحوي شباناً مستأجرين. كلّ مرةٍ يخرجُ من حجرته ثملاً، مهدّداً متوعّداً، فيما يطلق الرصاصَ في الهواء من سلاحه الأوتوماتيكيّ " " سأتكلّمُ مع أحدهم، ربما يجدُ لك مسكناً أفضل "، قال له دلير عندئذٍ. لما فاتحَ ابنَ خالته بالموضوع، قال هذا الأخيرُ أن حجرات بيت الإيجار ذاخرة عن آخرها. ثم أقترحَ أن يُسكن ذلك الشاب العراقيّ في حجرةٍ على سطح البيت، أقيمت مؤخراً في مكان حظيرة الدجاج. الحجرة كانت مبنية من الطوب، وما إنفّكت عارية، فانهمكوا بصبغها بالجير الأبيض. ولقد سُعِدَ المستأجرُ الجديد بالحجرة، خاصةً أنه اكتراها بثمنٍ زهيد. من موقفه المرتفع، المشرف على دار المؤجّر، كانَ ثروت سعيداً أيضاً في كلّ مرةٍ برؤية بنات خالة صديقه، الحسناوات. في حقيقة الأمر، أنه إفتقدَ تقريباً ما يُجذب الفتيات. كانَ قصيرَ القامة نحيلها، أبرز ما في ملامحه عينان صغيرتان شهلاوتان وشَعرٌ كث منفوش، أجعد، شبيهٌ بعشّ الغراب. صنيعٌ آخر، شاءَ دلير أن يتكّرم به على هذا الصديق الجديد. فاقترحَ عليه أن يتكلّم مع مدير الفرع في المؤسسة، للعمل معاً في مخرن المواد الإنشائية. لكن ثروت رفعَ يدَه، كما يفعلُ المتسوّل، لعرض غدة دهنية في الرسغ: " إنها تجعلني عاجزاً عن تحريكها، وتسبّب لي الألمَ في فصل البرد ". وكانَ الطقسُ ما فتأ ربيعياً دافئاً، وهذا " البيشمركة " معتادٌ على السهر حتى الفجر صٌحبة العرَق السوريّ، الفاخر. فكيف، إذاً، يقومُ بتكاليف أوده ويدفعُ الإيجار؟ لقد كانَ محظوظاً ببيئةٍ متعاطفة مع قضيته، غالبية أفرادها هم طلبة مثقفون، وكانَ يبيعُ لهم دورياتٍ سياسية وفكرية، يُصدرها حزبه الشيوعيّ. رداً على ما رأى فيه دلير تناقضاً مع الرواية السابقة عن البيشمركَة، أوضحَ صديقه بالقول: " أنا كنتُ أحاربُ مع الأنصار، ثمة في جبال كردستان " " ألم تكن يدكَ العليلة، تمنعك آنذاك من القتال، بالأخص أنها جبالٌ يكسوها الثلجُ حتى في الصيف؟ "، سأله دلير ببراءة. ابتسمَ ثروت، معتمداً إذاك على بشرة وجهه، التي لا تصطبغ بالحُمرة سوى عند شرب العرَق. ثم تعرفَ الشابُ على بقيّة المستأجرين، وكانَ يُتحفهم كل ليلةٍ على الكأس، بوصفٍ دقيق لمسيرات الشيعة في شوارع بغداد: " كانت صفوفاً لا تنتهي؛ وكلّ منها قد تزوّد بالسلاسل الحديدية والسيوف، تنهالُ بها على الأجساد فيتفجّرُ الدمُ غزيراً فداءً للإمام الحسين عليه السلام ".. إلى آخره. على الأثر، قال مستو لدلير مبتسماً: " على ما يبدو، أنّ صاحبنا كانَ يُمارس التقيّة! " " هوَ من الكرد الفيليين، على الأرجح، المقيمين في بغداد " " رأسُهُ متخمٌ بالأوهام الدينية، أكثر مما يختزن الأفكارَ الشيوعية "، قالها صديقه في نبرة تهكّم. مع ذلك، فإنّ حجرة المستأجرَ الجديد بقيت إلى حدّ ما، مكانَ سهرات الأنس والكأس. بعد نحو خمسة أعوام، حينَ عادَ دلير من عاصمة البلاشفة عقبَ تخرّجه الجامعيّ العالي، كانَ ثروت قد انتقلَ إلى حجرةٍ شغلها فيما مضى صديقهما مستو. الحجرة، زيّنت عندئذٍ بالصلبان البلورية وإيقونات القديسين ذات الألوان الحائلة. لما اجتمع دلير مع مستو، قال له هذا الأخير مطلقاً ضحكةً مجلجلة: " لقد بشّرنا ثروت منذ بعض الوقت، أنه من طائفة الكاثوليك، ولعله يأملُ هذه المرة أن يغدو ممثلاً للفاتيكان في دمشق ".
3 في أثناء ذلك، كانت شيرين تتهيأ لإعادة إمتحان البكالوريا للمرة الثانية، لتنتقل هكذا إلى القسم الأدبيّ. رسوبها المتكرر، كانت تعزوه لكسلها في مادة اللغة العربية. إلا أنها، في حقيقة الأمر، ورّطت نفسها بنشاطات فرقة الرقص. ومن هذا الباب، تعددت فرصُ إشتراكها في حفلاتٍ تستلزمُ وقتاً في التدريب علاوة على الارتباط بمزيدٍ من العلاقات الإجتماعية. وهيَ ذي تنفّذ وصية شقيقتها، بشأن تجديد العلاقة مع دلير، ولكن محوّلة ذلك إلى مجرّد منفعة شخصية. إذ سرعانَ ما عاودت طلبها، أنّ تُعطى دروساً في اللغة العربية، مثلما كانَ قد فعل هوَ حينَ كانت تستعد لإمتحان الشهادة الإعدادية. من ناحيته، كانَ دلير منفتحاً على مساعدتها دونَ رغبةٍ في أبعد من ذلك. فعلى الرغم من افتراقه عن نسرين، وانتقال هذه إلى بيت الأسرة، فإنه كانَ ما فتأ يحبها وعلى أمل استعادتها من جديد. كم كانت دهشة دلير كبيرة، لما اكتشفَ آنذاك أن نسرين على علاقةٍ حميمة مع صباح. على ذلك، أدرك لِمَ كانَ هذا الأخير مواظباً على حضور بروفات فرقة الرقص، بالرغم من أنه لا عمل لديه معها. فتخيّلَ كل مرةٍ ذاك الشخص البارد، المنبعث من فمه ريحٌ أسوأ مما تفعله مؤخرته، وهوَ يُعاشر ابنة خالته، التي كان يحومُ حولها حينئذٍ شبانٌ أكثر وسامة وتعليماً وثقافة. لأجل ذلك، وافق دلير على إعطاء ابنة خالته دروساً، في محاولة إبعادها عن الشاب المتهتك، المُضفي على نفسه قناع المناضل المخلص الدؤوب. لما اجتمعَ مع مستو، فيما بعد، أضافَ هذا حلقة أخرى من الريبة حولَ ذلك المناضل: " منظمتنا في حلب، أكّدت أنها لا تعرفُ شيئاً عنه. وعلى الأغلب، أنه مدسوسٌ من لدُن الأمن " " لكنني بالأمس، شاهدته خارجاً من بيت الإيجار، أين كانت الفرقة تواصلُ التدريبَ؟ " " مسئولُ المنظمة في دمشق، مع الأسف، هوَ من يستمر بالتغطية عليه؛ وذلك لأنه من أقاربه "، قالها مستو فيما كانَ ينفخُ في غيظ. عند ذلك، التزمَ الآخرُ بالصمت كونه عجزَ عن التعبير تلقاء هكذا معلومة مشينة. في تلك الآونة، أبلغته نسرين أنهم بصدد تنظيم رحلة إلى بيروت، للقاء سكرتير الحزب. هذا السكرتير ذو الاسم المدوّي كأسهم نارية، " صالح ديبة "، سبقَ أن التقاه دلير الطفل في بيت عمّة والده. فإنّ تمّو، كانَ في ذلك الوقت هوَ مسئولُ منظمة دمشق. آنذاك كانَ السكرتير يتنقل سراً بين عدة بيوت، وفي كلّ منها كانت تفوحُ بعدئذٍ رائحةُ فضيحة ما؛ إن كانت محاولة إقامة علاقة بإحداهن أو حتى مجرّد تحرّش بأخرى! إلا أنه ثمة، في بيروت، عُدّ من المقريبن للزعيم الفلسطينيّ، الذي منحه مكتباً في منطقة الفاكهاني. لقد أحاط السكرتير نفسه بحراسةٍ مشددة من قبل شبان، غالبيتهم من منطقة الجزيرة السورية. معظم هؤلاء، تقطّعت بهم السُبُل أثناء إندلاع الحرب الأهلية؛ وكانوا فيما مضى عمالاً زراعيين في بيارات البرتقال والموز. قالت شيرين، بنبرة رجاء، مخاطبة ابن خالتها في استراحة بين درسين: " لو أنك تنفّذ لوحةً من وحي عيد النوروز، لكي نهديها إلى السكرتير عندما يستقبلنا؟ ". فكّرَ دلير دقيقة، إذ لم يسبق له سوى إعطاءَ رسومٍ كاريكاتيرية كي تنشرها أحزابٌ كردستانية، تركية وعراقية، في دورياتها سواءً الصادرة بدمشق أو في الخارج. على الأثر، لما عرضَ على ابنة خالته تحضير هكذا رسوم، فإنها أجابت في ضيق: " لا، الأفضل أن تكونَ لوحة زيتية على القماش أو الخشب، فإنّ قيمتها ستكونُ أكبر " " أنتم على موعدٍ للسفر بعد الغد، فمن الصعب عليّ إنجاز اللوحة " " إذاً لو أنك تنسخُ لوحتك تلك، التي زيّنت المسرحَ أثناء احتفالنا بنوروز؟ "، قالت له بحماس. ثم استدركت، متسائلة: " هل تراجعتَ عن عزمك، السفر معنا إلى بيروت؟ " " شقيقتكِ بحالةٍ سيئة، جسدية ونفسية، فمن غير اللائق أن أتركها في هكذا ظرف "، ردّ بصوتٍ حزين وقد تجهّمَ وجهه.
4 " العم حسّو "، تآلفت في شخصيته البساطة، بوصفه فقيراً، واللؤم بصفته حفار قبور. منظره بشكل عام، كانَ مناسباً لمهنته: قامة قصيرة، ممتلئة قليلاً، ووجهٌ تقطنه الغضون قد برز فيه شاربان كثّان وخطهما الشيبُ. وكان يهملُ لحيته، ثم يعمدُ إلى إزالتها حينَ يتولّى بنفسه حلاقة شَعره. ذلك أنّ زيارته لحلاق الزقاق، لم يكن مرحّباً بها بتاتاً. وكانَ مجالُ عمله في مقبرتين، يضمهما شرقُ الحي، ولم يتخذ معاوناً جديداً منذ أن دفنَ القديمَ بيديه. كذلك رضيَ بحياة الترمّل، التي إلتزمَ بها عقبَ وفاة امرأته قبل نحو خمسة عشر عاماً. لقد كانَ يعدّها امرأة حمقاء، عيّرته دوماً بالحرص، ما جعله يكره جنسها جميعاً. إنه الآنَ في سنّ التقاعد، لو أنه عملَ عند الدولة حال العديد ممن ينتمون لجيله. لكن أسوأ ما يعانيه، هوَ آلامُ الظهر ( الديسك )، وكانَ يعزوها للموتى السمان من زبائنه حينَ كانَ ينزلهم إلى أرْماسهم اللعينة. مهنته، المتطيّر منها الخلقُ، فرضت عليه حياةَ دبّ الغابة، المتوحّد. كثيراً ما ودّ السهرَ على صوت كوكب الشرق، ثمة في المقهى المجاور للزقاق، والذي تحوّل في الزمن الحالي إلى صالون مرطبات. كانَ ذلك صعباً عليه، للسبب المذكور. ولقد أقصيَ حتى عن جلسة الجيران، المتحلّقة حول طاولة النرد أمام دكان أحد أقاربه. هذا غير ما كانَ يسمعه من لمز على ألسنتهم، كلّ مرةٍ مرّ من أمامهم. خشية اللصوص، كانَ يضعُ مدّخراته عند امرأة شقيقه الراحل، وهيَ عجوزٌ عوراء على شيءٍ من البلاهة. ثقته بها ليسَ في أمانتها، حَسْب، بل وأيضاً لحقيقة أنّ أولادها هم ورثته بعد عُمرٍ طويل أو قصير. إلى ذلك، كانَ يشكو من الكوابيس، المترائية فيها جثثٌ أفلتت من أكفانها عن سوء تدبير، فانزلقت عارية إلى القبر. بينما وصلته نكتة سفيهة، كانَ يتداولها شبّانُ الحارة، تزعمُ أنه يقضي الليل وهوَ يكرّ سبّحته، مُردداً: " اللهم أرزقني ميتاً! ". على مبعدة أمتار قليلة من تلك الخرابة، التي يعيشُ فيها حفّار القبور، يقعُ منزل المرحوم، الرائد فيّو، وكانت أرملته قد اعتزلت فيه عقبَ افتراقها عن زوجها الثاني. إنها بالرغم من قلّة تديّنها، كانت تأنسُ بنداء مؤذن المسجد المجاور، الذي يُمجّد فيه وحدة الخالق. لعلها لو كانت تميلُ إلى التفكير في أمور عامّة، لجدّفت عن معنى هكذا وحدة؛ هيَ الملتزمة بعزلةٍ مماثلة، على خلفية معاناتها من الكآبة. لقد برمت من صُحبة الجارات، اللواتي تعلمُ أنهن محترفات أقاويل، أقلّها التعرّض لسمعتها إن كانَ بشأن رميها ولديها لأجل إرضاء ذلك الزوج أو هجره لها بسبب غيرةٍ مزمنة لديها، مردّها فارقُ العُمر بينهما. وإنها ناقمة أيضاً على ولديها، الذين كبرا في منزل شقيقها. لقد أعلنا القطيعة معها مؤخراً، بحجّة أن نوبات هذيانها لم تعُد تطاق. في أعمق أعماقها، شعرت بالشماتة حينَ علمت ما حاقَ بامرأة دلير من نكبات، سلّمتها بدَورها للمرض النفسيّ. كذلك نمّ إليها أنّ ابنة شقيقتها تلك قد حصلت على الطلاق، مقدّمة برهاناً على أنها ليست من الإثرة أن تحرم دلير من أطفال من صلبه. " طوال أعوام ثلاثة من زواجهما، لم يفكّرا مرة قط بزيارتي "، خاطبت السيّدة بَسْني نفسها. ثم استمرّت في مونولوجها الداخليّ، الذي يزدهرُ عقبَ حلول العتمة: " عجباً ألا تعامل شقيقتي بالمثل، هيَ من تركت خمسة أولاد كي تقيم تحت سقف زوجها الجديد؟ لقد هددها أخونا الكبير بالقطيعة، لكنه ما لبثَ أن صالحها ثم أرتبط كذلك بصداقة مع رجلها. لكنه امتنعَ عن زيارتي هنا في بيتي، ربما كيلا أذكّره بامرأته، التي يُقال أنها غرقت تماماً في بحران أزمتها النفسية. لن أنتظر مصيراً مشابهاً، نتيجة الإدمان على حبوب مضادة للكآبة؛ هيَ في حقيقتها، تؤدي للجنون أو السكتة الدماغية والشلل ". في الصباح التالي، وكانَ يوم عطلة، أفاقَ دلير في ساعةٍ مبكرة نوعاً ما، لسماعه رنين جرس الباب الخارجيّ. فكّرَ أنها ربما شيرين، تحاولُ إقناعه مجدداً بالسفر معها إلى بيروت. إلا أنه كانَ شقيقها، لزكَين، وقد طالعه بسحنةٍ مروّعة: " بابُ منزل أبيك، لحظتُ أنه مواربٌ حينَ كنتُ أودّع شيرين "، قال ذلك وصمت. لم ينتظر دلير كي يكمل كلامه، وإنما أندفعَ إلى المنزل المجاور. ثمة، وجدَ والدته بلا نأمة حياة، مستلقية على أرضية حجرة النوم وكأنما كانت تصارع من أجل البقاء. أنبوبة حبوب مضادة للكآبة، موضوعة على الكومدينا بجانب السرير، كانت فارغة.
5 إن طقسَ الجنازة المألوف في الحارة، يتصلُ بين مسجد سعيد باشا ومقبرة مولانا النقشبندي، بمسافةٍ تقدّر بنصف ساعة مشياً على الأقدام. أما الطقس الطبيعيّ، فإنه ربيعيّ في هذا اليوم، الشاهد على تشييع السيّدة بَسْنت. شأن شقيقها الراحل، شهاب الدين، قررَ الأخوة دفنها في دمشق وليسَ في رأس العين، التي غدت منذ عقود مصيفاً للأسرة، حَسْب. الساحة الخارجية للمسجد، امتلأت بالمشيّعين، الذين ما لبث أن دخلَ نصفهم إلى الرواق لأجل صلاة الجنازة. مئذنة المسجد ذات الطراز العثمانيّ، كانت تتسامق إلى الأعلى، تهيمن عليها أسرابُ الحمام، التي أخذت شكل حبّات اللؤلؤ في السماء الصافية، الخالية تقريباً من الغيم. تتداخلُ تلك الأسرابُ بعضها ببعض، مثلما حال المكوّنات الأثنية في الحي، التي يغلب عليها العنصر الكرديّ. إن المكوّن الإسماعيليّ ( أو السمعونيّ بالتعبير المحليّ )، وجدَ مكاناً في ثلاث محلات لبيع الخضار والفاكهة، تراصفت على نسقٍ واحد إلى يمين الساحة. أما العلويون والمسيحيون ، فإنهم تناثروا في بيوت الإيجار هنا وهناك. المكوّن الدرزي، كما الشركسيّ، حظيَ كلّ منهما بحارةٍ عند المنحدرات الجبلية. المفارقة، أنّ العلويين في الحي كانوا الأكثر فقراً، فيما أن السلطة بيَد نخبتهم العسكرية والأمنية. لقد انكمشوا في خلال الأحداث الأخيرة، التي شهدت الصدام بين السلطة والأصوليين. لحين أن تمت هزيمة هؤلاء الأخيرين نهائياً، عقبَ مجزرة مدينة حماة. الحافلة القادمة من بيروت، توقفت ذلك المساء عند منزل الخالة كي تنزل منها شيرين. كانت الأغاني ما فتأت تنطلق من داخل الحافلة، تطغى على صوتُ الشيخ، الذي جُلبَ ليتلو القرآنَ في أمسية العزاء بمنزل المرحوم شمسي آغا. بحَسَب الأصول، وقفَ دلير مع بعض الأقارب في خارج المنزل، للرد على كلمات المعزين. لقد شاهدَ ابنة خالته، وهيَ تسأل شقيقتيها عن سبب تلك الجمهرة وصوت القرآن. بمَسلكها المُنطلق، ما أسرعَ أن تقدّمت شيرين من دلير كي تعزيه والدموع تغشى عينيها. في أثناء ذلك، كانَ هوَ غائباً عما حوله، مسترسلاً في حوارٍ داخليّ يغلب عليه تبكيت الذات. لقد أحسّ بمسئوليته عن موت الأم إنتحاراً، كونه واصل قطع علاقته بها حتى في إبّان أزمتها النفسية. ولو أنّ الآخرين لم يكونوا أرحم عليها، فإنه أيضاً وشقيقته كانا بمثابة النبراس والقدوة. على ذلك، قررَ دلير مواصلة اهتمامه بنسرين، لتجنيبها مصيراً مشابها لمصير أمه. فإن وضعَ طليقته، ولا شك، كانَ أكثرَ مدعاة لليأس. مع مرور الأيام، تحوّل ذلك الحدبُ إلى ما هوَ أبعد من الشفقة، تحوّل ربما إلى حبّ نامٍ؛ ولو أنه بلا أمل. فقد كانت حالتها الصحية تزداد تردّياً، فانقلبت نحيلة شاحبة، أشبه بالشبح. لكنها كانت صابرة على الألم، بمكابرة تُعزى لشخصيتها الفريدة. سيقت مرة أخرى إلى المستشفى، للحصول على صوَر أشعة جديدة. النتيجة كانت مطمئنة نوعاً ما، والطبيبُ فسّرَ تردّي حالة المريضة إلى عدم رغبتها في الحياة. إلى أن كانَ يوماً، أتى فيه صديقه سينو لزيارته، ليقول ما أن جلسَ: " ممثلتك المفضّلة، رومي شنايدر، أذاع راديو مونتي كارلو خبرَ وفاتها قبل قليل. ثمة شبهة، بحَسَب الراديو، أنها ماتت منتحرة حزناً على ابنها الصغير ". نهضَ دلير عندئذٍ، ليفتح الراديو على تلك المحطة، وكانَ يتابعها أكثر من غيرها. فإنه بالرغم من إتجاهه الفكريّ، المنسجم مع محطة موسكو، لم يكن يحبّذ الإستماع إليها. ولا كذلك إذاعة لندن، التي أخذ عليها عدم الموضوعية. أما صوت إسرائيل، فإنه كانَ على موعدٍ معه كل مساء تقريباً، حينما يذيع أغنية لأم كلثوم. كانَ إذاً مع صديقه، يعلّقان على خبر رحيل تلك الممثلة الشهيرة، لما قدمت شيرين، على حين فجأة، وملامحها تشي بخبر آخر، صادم: " نسرين في حالةٍ سيئة جداً، وهيَ طلبت أن تتكلّم معك "، قالتها بصوتٍ مرتعش.
#دلور_ميقري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أحجار الشطرنج الصفر: يوم جديد
-
أحجار الشطرنج الصفر: أوديب العصر
-
أحجار الشطرنج الصفر: صداقة وليدة
-
أحجار الشطرنج الصفر: أجيال ماجنة
-
أحجار الشطرنج الصفر: حكايات على الطريق
-
سكة حديدية حتى السماء: الخاتمة
-
سكة حديدية حتى السماء: مرآة جديدة
-
سكة حديدية حتى السماء: كرامة مُخبر
-
سكة حديدية حتى السماء: مكيدة غرام
-
سكة حديدية حتى السماء: بانثيون بشري
-
سكة حديدية حتى السماء: عالم آخر
-
سكة حديدية حتى السماء: القطار المشؤوم
-
سكة حديدية حتى السماء: طبيعة عارية
-
سكة حديدية حتى السماء: خرائب وصروح
-
سكة حديدية حتى السماء: خريطة ممزقة
-
تشريح الذات: الخاتمة
-
تشريح الذات: كانَ ربيعاً أخيراً
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
-
خمسة أسابيع في دمشق 4
-
خمسة أسابيع في دمشق 3
المزيد.....
-
صراع الروايات في بحر العرب: طهران تعلن استهداف -أبراهام لينك
...
-
الكويت.. الداخلية تعلن منع الأعراس والحفلات والمسرحيات خلال
...
-
هل تخفي برامج إذاعية غامضة باللغة الفارسية تقنية تجسس قديمة؟
...
-
هل تخفي برامج إذاعية غامضة باللغة الفارسية تقنية تجسس قديمة؟
...
-
سينما -الأجنحة الصغيرة- في غزة: شاشة من ضوء تهزم عتمة الحرب
...
-
لندن تعزف أجمل أنغامها: احتفال الجمعية الملكية للموسيقى 2026
...
-
على سرج غيمة
-
قوافي الصمود: صالونات غزة الثقافية تنبعث من تحت الركام لمواج
...
-
لماذا عاد شعراء غزة للكتابة عن الحرب والجوع؟ السر في الخيام
...
-
تشديد الإجراءات الأمنية في حفل توزيع جوائز الأوسكار بعد مزاع
...
المزيد.....
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|