|
|
سكة حديدية حتى السماء: القطار المشؤوم
دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 00:49
المحور:
الادب والفن
1 في ثاني أيام العطلة، وصلَ إلى البيت الصيفيّ الخالُ الثالث. السيّد جمال الدين، كانَ حينئذٍ مع امرأته، " بشيرة "، التي تكبر نساء الدار ببضعة أعوام. إنها ابنة ضابط رفيع الرتبة، خدمَ في الجزيرة ضمن سلاح الحدود، وذلك في مستهل عقد الخمسينات. كانت علاقته وثيقة بوجهاء تلك المنطقة، لدرجة أن يقبل أحدهم صهراً. فضلاً عن ملامحها الرقيقة المتناسقة، حظيت بروح شفافة ومشاعر مرهفة. لقد إنعكسَ ذلك على اهتماماتها، الموزّعة بين الرسم والكتابة. في كلاهما، بقيت أقرب للتسلية منها للإحتراف. كذلك تمسكت بأسلوبٍ كلاسيكي، بسبب تغرّبها عما شهده العالم من تطوّر وحداثة. هذا التغرّب، أحيل إلى وضعها النفسيّ، الآخذ بالتدهور عاماً وراء عام. ويُقال، أن سببَ حالتها يعودُ إلى رفض الأسرة رجلاً كانت معجبة به، بينما كان في نظر الوالد مجرّد مسئول شيوعيّ لا يُرجى منه إلا حياة الشقاء. في فترة وجودها في جمرايا، كانَ واضحاً تشوّشُ مداركها العقلية. إذ بدت كأنها صائمة عن الكلام، تحملق باستمرار في مزهرية أو تسرح ببصرها بعيداً نحوَ الأفق. يلوحُ أنها كانت من أتباع المدرسة التعبيرية، فلم تهتم بجلب ريشاتها وألوانها وحامل لوحاتها، لكي ترسم هذه الطبيعة الخلابة، التي تهز أحاسيسَ حتى مَن لا علاقة لهم بالفن من قريب أو بعيد. ربما أنّ غشاوة حالتها النفسية، جعلت رؤيتها للطبيعة قاصرة أو معطلة تماماً. إلا أنّ ابنة حميها، رَمّي، شاءت انصافها بالقول: " إنها كإمرأة مثقفة، كانَ يهمها أن تعيشَ تحت سقف رجل بمستواها، يُمكن أن يبادلها الحديث في الفن والأدب، وليسَ رجلاً مشغولاً بتنمية ثروته ". السيّد جمال الدين، بالرغم مما يفرضه عالمُ الأرقام البنكنوتية من صرامة، إلا أنه كانَ يُحاول الإهتمام بإمرأته بقدَر ما يسمح له وقته. وكانَ يعملُ حوالي ست عشرة ساعة في اليوم، ويمتنع غالباً عن أخذ عطلات طويلة. أما في عطلة نهاية الأسبوع، فإنه يكتفي صباحاً يقراءة الصحف والمجلات، ويتكرّم مساءً باصطحاب امرأته وابنتهما إلى سهرة عائلية أو ألى أنشطة مسلية كالسينما والمسرح. ابنته " هيلين "، ذات الأنف المرفوع صلفاً، كانت تدرسُ هندسة العمارة بجامعة دمشق، بينما ابناه إلتحقا بالمعاهد العالية في العاصمة السوفييتية. حينما أرسلَ الكبيرَ منهما إلى موسكو، سخرَ منه شقيقه سعد الدين: " هذا دليلٌ على أنك تثق بالعلم هناك، أكثر من ثقتك بجامعات أصدقائك في الدول الرأسمالية ". حينئذٍ، ابتسم الشقيقُ الأكبر. وما عتمَ أن ردّ عليه قائلاً، بنبرة ساخرة بدَوره: " بل إنّ قبول حزبك الشيوعيّ التعاملَ مع رجلِ برجوازيّ، دليلٌ على الفساد. فأنا حصلتُ على المنحة لابني، مقابل مبلغ ثلاثة آلاف دولار، تسلّمها أحد كبار رفاق حزبك ". من النتائج الإيجابية لمجيء السيّد جمال الدين، أنّ شقيقه المحتال قد غادر المزرعة مع أسرته، وذلك في اليوم التالي مباشرةً. كانَ للأول دالّة على الآخر، ليسَ كونه الشقيق الأكبر، حَسْب، بل وخصوصاً لأنه فتحَ له بابَ رزقٍ دائم حينما وضعَ تحت تصرفه صالون حلاقة بكامل تجهيزاته. لقد كانوا مزمعين على المغادرة بسيارة الأستاذ سعد الدين، الذي سيعود إلى دمشق كون إجازته الصيفية لم تبدأ بعد. إلا أن وصول الشقيق الأكبر، شوّشَ الأمور. حينئذٍ غادروا هم بسيارة أجرة، فيما أمضى الأستاذُ الوقتَ مع السيّد جمال الدين في التجوّل بالبلدة. رافقهما دلير، الذي يقدّر كثيراً نزهات الطبيعة مع شخصٍ مثقف مثل خاله سعد الدين. البيتُ الصيفيّ، كان يقعُ بالقرب من الجدول الكبير، أينَ يمتدّ على طوله ممشى معشوشب تترامى عليه ظلالُ الأشجار، العاشقة للماء؛ كالحَوْر والصفصاف والسرو. توغلوا في ذلك الممشى باتجاه المنحدرات الجبلية، التي تنفتح في صخورها تجاويفُ المُغُر، وكانَ بعضها ملجأ النصارى الهاربين بإيمانهم من بطش الوثنيين الرومان. هذا ما علمه من الخال المثقف، فيما كان تغريدُ الشحارير والبلابل يصدحُ من أعلى هامات الأشجار، فيطغى أحياناً على خرير مياه الجدول. إلا لما تعبر المياهُ الصخورَ في منحدرٍ، فإنها حينئذٍ تصدرُ هديراً مهيباً. كذلك لاحت عن بُعد منشآت عسكرية، بما فيها صحون الرادارات: " إنها تتبع سرايا الدفاع، كون قصر الرئيس يقعُ وراء ذلك الجبل "، قالَ الأستاذ حينذاك لابن أخته.
2 اجتاز الشقيقان ذلك الدرب، تبهرهما مناظرٌ طبيعية، بالرغم من أنها مألوفة لهما. في خلال السير، امتدّت أيديهما إلى شجيرات العليق، المتخمة بالثمار بلونيّ الأحمر والأسود. كانَ دلير يحبّذ أيضاً هذا النوع من الثمار، يقطفها بحذر كيلا تنغرس أشواك النبات بكفّه الغضّة. في أثناء ذلك، راحَ الشقيقان يتبادلان الحديث بعدما وجداً مكاناً ظليلاً تحت شجرة جوز عملاقة. وقال السيّد جمال الدين، بنبرة تعبّر عن خيبة الأمل: " كنتُ أظنّ أنك في إجازة، وهذا ما أملته أيضاً زوجة أخيك. فأنتَ تعلم مقدار سعادتها، بالنقاش معك في أمور الثقافة " " وأنا بدَوري، كنتُ أسرّ بهكذا مناسبة. لكن مع الأسف، عطلتي تبدأ في أول الأسبوع القادم. وفي وسعكما المجيء للمزرعة مجدداً، عندئذٍ " " كانَ بودّي أن تبقى بشيرة هنا كل العطلة الصيفية، سوى أنها سريعة الضجر " " إلى حين أن نلتقي مجدداً، سأضع بتصرفها عدداً من الكتب " " أرجو أنها ليست كتباً ماركسية، تجلبُ لها المزيد من الكآبة "، قاطعه شقيقه بنبرةٍ برمة هذه المرّة. ابتسمَ الأستاذ، ثم ردّ بالقول: " لعلمك يا أخي، أنّ معظم أعلام الفن والأدب في العالم، كانوا يدينون بالماركسية. ليسَ فقط كونها فلسفة تقدّم تفسيراً علمياً للتاريخ، بل وخصوصاً لأنها قادرة على تغيير العالم. وهذا هو مهمة الفن والأدب " " هم.. "، ندّت عن الشقيق الكبير وهوَ يمدّ حرفَ الميم. ثم علّق بالقول: " لو كانَ الأمرُ كذلك، لِمَ هربَ ذلك الأديب السوفييتي من بلده مؤخراً، أو أنهم أبعدوه إلى المنفى؟ " " تقصد سولجينتسين؟ " " نعم، أعتقدُ هذا هوَ اسمه " " يوجد مئات الأدباء في بلده، ممن يرفضون أفكاره " " لكنهم أقل موهبة، بدليل حصول الرجل على جائزة نوبل " " قد يكون أكثر موهبة من بعضهم، إلا أنه حصل على الجائزة بغض النظر عن موهبته " " أتعني أنه مُنحَ الجائزة، كونه معادٍ للشيوعية؟ " " نعم، هوَ ذلك " " هل قرأتَ شيئاً من مؤلفاته؟ " " إنها لم تترجم بعدُ إلى العربية، وعادةً ما تقوم دور النشر السوفييتية بذلك " " هل تظنني ساذجاً، لكي أقتنع بأنهم سيتكرّمون عليه بترجمة كتبه؛ وهم مَن طردوه من وطنه؟ "، قالها المليونير وهوَ يُطلق ضحكة مكتومة. حينئذٍ تدخّل دلير، لمساعدة خاله في الجدال: " دار التقدم في موسكو، ترجمت جل أعمال الأدباء الروس الكلاسيكيين، وبعضهم عاصرَ المراحل الثورية في روسيا وكانَ على الضد منها ". عبثَ الخالُ الأكبر بشَعر ابن شقيقته، وردّ بالقول مبتسماً: " بما أنك على هذا القدر من المحاججة، فإنني أوصيك بتبادل أحاديث ثقافية مع إمرأة خالك. إنها معجبة جداً بموهبتك في الرسم الكاريكاتوري، كونها أيضاً من بيئةٍ شيوعية لعينة ". ثم أتبعَ ذلك بقهقهة مدوّية. وإذا في تلك اللحظة أطلت قامة لزكَين من جهة الدرب، وكأنما الأرضُ انشقت عنها. هتفَ بصوتٍ متعب: " أنتم هنا؟ ". راحَ يشقّ طريقه إلى موقفهم، المكتنف بأغصان الأشجار وسيقان النباتات العالية. ثم أردف، ملتقطاً أنفاسه: " حضرَ العم موسي مع عائلته " " هلمّ إذاً، ولنعُد إلى الدار "، قاطعه السيّد جمال الدين فيما كانَ ينهضُ نافضاً الترابَ عن ثيابه. لم يُسَر دلير كثيراً بالخبر، كون سلو يستعملُ أحياناً عضلاته في التعامل مع صبيَة البلدة. فإنه في العطلة الصيفية الفائتة، اشتبك مع عدد منهم بعدما وجدهم يعبثون بالأجزاء الظاهرة من سيارة والده. إلا أنه من ناحية أخرى، كانَ مسلّ لو تعلّقَ الأمرُ بالمجادلات السياسية والثقافية. فمع حداثة سنّه، كانَ " دودة كتب "ـ كما يقالُ عن المغرمين بالمطالعة.
3 عادوا أدراجهم على الدرب، الموازي للنهر، الذي لم يأبه لهم وبقيَ على خط سيره المعاكس لسيرهم. كونهم كفّوا عن الحديث، فإنهم استمتعوا بمنظر المياه، وقد عكست بدَورها صفحة السماء الزرقاء، الخالية من السُحُب في هذا الوقت من الصيف. ومن قلب الدغل، المكتظ بالأشجار المثمرة، خمل النسيمُ الجبليّ العليلُ أريجَ الفواكه ومزجه بعبير الأزهار وعبق التربة المشبعة بالماء. حينَ وصل دلير مع رهط أقاربه إلى البيت، نقل عينيه هنا وهناك فلم يجد سلو. قالت له عمته، بعدما قبلته في جبينه: " أعتقد أنه ذهبَ للسباحة في النهر أو للتنزّه في البستان ". فكّرَ دلير أنهم مرّوا بإزاء النهر، فلا بدّ أنه في تلك البقعة الطافية، التي أعتادت بنات خالته على اللهو فيها. لكن الغيرة، جعلته يتمنى لو أنّ قريبه يتنزّه في البستان أو يقوم بجولة تحدّ مألوفة في دروب البلدة. خرجَ باتجاه البستان، الذي قضم الإصلاحُ الزراعيّ ما يزيد عن ثلثيه، وذلك في حياة جدّه. كثرٌ من المتندّرين على شحّه، قالوا أن ذلك الإغتصاب لأملاكه هوَ ما عجّلَ بموته. فكّرَ دلير، أنّ من حُسن حظ الجدّ أنه لم يعش، لكي يرى مصادرة الدولة لكامل مزرعته في رأس العين: " ولكنه لو بقيَ حياً عاماً واحداً أكثر، لمنع زواج أمي مجدداً "، غمغمَ فيما كانَ يغلي بالحنق. في كل مكانٍ هنا، تتبعثر ذكرياته مع الأم، التي كانت تهوى هذا البستان وتقول أنه يذكّرها ببلدتها الأولى. استعادَ مشهدَ نزولها إلى الماء، وكانت عارية تقريباً، مستغلّة أوانَ الهاجرة، حيث يندر خروجُ الخلق من بيوتهم. كانَ ذلك غبّ وفاة زوجها ببضعة أشهر، وكما لو أنها تتحدى صورته الصارمة، المرتسمة في مخيلتها. لكن هذه الفكرة، لم تواته حينئذٍ، بل كانت عيناه تتنقل في محيط البحيرة الطافية، مدفوعاً بالغيرة ألا ينكشف عري والدته لأيّ أحدٍ كائناً من كان. والآن، تنحدرُ دمعة قهر ثقيلة على خدّه، كون والدته تتعرّى أنّى شاءَ ذلك الرجل الكريه. حديثٌ ذو شجون، عليه كانَ أن يجرّه إلى ذكرى أخرى لا تقل خزياً. هذا مع أنه لم يكن الجاني أو الضحية، بل مجرّدَ شاهدٍ. ومن المؤكّد أن الواقعة جرت بعد وفاة والده، كون هذا الأخير لم يسمح له مرةً أبداً بالتنزه في بساتين الحي إلا بصُحبة أقاربه الكبار. وكانت عمته لا تقل صرامة، فطبقّت نفس القاعدة على ابنها سلو.. بله وهوَ وحيدها، كونها لم تنجب غيره عقبَ حالة إجهاض سببت لها العقم. هكذا استغل سلو قيلولة والديه، ليقترح على دلير الذهابَ إلى بساتين الحارة كي يحظيا بالتسلية في مطاردة الضفادع والسراطين والسحالي. قبلَ ذلك دلير، مشترطاً عليه ألا تؤذى تلك الزواحف اللطيفة. ومن جادّة الجوزة، انحدرا باتجاه البساتين، التي هيَ هبةُ الجدول، المنبثق عن نهر يزيد؛ أحد الأبناء السبعة للأم بردى. حينَ شاءَ قريبه الإنعطاف إلى الجهة اليسرى، المؤدية إلى بساتين الدايرة، حذّره دلير بأن الأسلم التنزّه حيث هما: " لأننا في تلك البساتين قد نصطدم مع فتية منحرفين، ليسوا من حارتنا ". التعبيرُ الأخير، يوحي دوماً بمجموعة من الأزقة المتجاورة في الحي. ولكن لو أن أحداً سألك في خارج البلد: " أأنتَ من الحارة؟ "؛ لأدركتَ حالاً أنه ابن الحي الكرديّ. لم يأبه سلو بذلك التحذير، هوَ المأثورُ عنه العناد كما والإندفاع للعراك. الطريق المؤدي إلى الدايرة، كانَ مظلماً تقريباً بسبب الظلال العملاقة لأشجار الجوز بشكل خاص. هذا الطريقُ، الكائن بين جدارين من الطين، لو سارَ المرء في جهته المعاكسة، لانتهى به المطافُ في بساتين عين كرش، التي هيَ على أطراف سوق ساروجا بقلب دمشق. لكنهما سارا باتجاه بساتين الدايرة، إلى أن وصلا إلى الباب الصغير، وهوَ المفتوح من الجدار الأيمن للطريق. اتجها أولاً صوبَ شجرة تين ضخمة، ذاخرة بالثمار الشهية. فيما كانا جاثمين على فرعين متقاربين في جوف الشجرة، إذا بصوتٍ منذر يتناهى من أسفل: " يا هذا، أنتَ وهوَ! عليكما بالنزول حالاً عن شجرتنا " " ما شأنك بنا؟ "، ردّ عليه سلو بنبرة تحدّ. ثم أضافَ: " هذه شجرة تين؛ أي أنها سبيل، مباحة الثمار لمن شاءَ ". وإذا بالأحجار تقذف صوبهما. لقد تبيّن أنهم ثلاثة فتية، أكبرهم فتحَ قميصه عن شَعر صدره الكث. هكذا صَدَع الصديقان للأمر، ولكن حالما نزلا انهال عليهما الصفعُ والركلُ. في تلك الأثناء، مرّ رجلٌ وفي يده حبلٌ متصل مع خروف. لقد عرفَ فيه دلير ذلك الجزّار، الذي فتحَ حديثاً دكاناً بالقرب من جامع سعيد باشا. فاستنجد به بصوتٍ ضارع، معرّفاً نفسه بأنه ابن الرائد فلان. كانَ الرجلُ واقفاً سلفاً، ليشهد الواقعة. فما أن سمعَ اسمَ أبي دلير، إلا وهدرَ بصوتٍ آمر: " هيا دعوهما وشأنهما ". انفضّ ذلك الرهط بلمحةٍ، فاتجهوا إلى ناحية الباب الصغير. اقتربَ عندئذٍ الرجلُ الجزّار من الصديقين، فتكلّم بصوتٍ ناصح: " أنتما بهذا السن، ألم يوصيكما الأهلُ بعدم التجوال في البساتين؟ " " نعم عمّاه! "، ردّ دلير. نظرَ الرجلُ إلى سلو، فلكزه بعصا كانَ يحملها: " ابنُ من أنت؟ ". لما أعلن الفتى عن اسم والده، قلبَ الرجلُ شفتيه ثم راحَ يُفكّر لحظة. بعدئذٍ إلتفت إلى دلير، وقال له: " أترى ذلك الباب الصغير؟ إنطلق إليه وغادر المكان. أما صديقك، فإنه سيلحق بك حالما أفرغ من الحديث معه عن والده ". وإذا سلو يخاطب الرجلَ بصوتٍ مرتعش، مومئاً برأسه إلى ناحية قريبه: " والدي هو زوج عمته " " أنا أعرفُ والدك، لذلك أريد أن أبلغك برسالةٍ توصلها إليه "، زمجر صوته هذه المرة. تمتمَ دلير، قائلاً لابن عمته: " سانتظرك خارج ذلك الباب ".
4 تلك الواقعة المشينة لم يكن له يدٌ فيها، ولكن خلقت شرخاً مع قريبه استمرّ أعواماً. لقد شعرَ سلو، ربما لأول مرة، أنه عومل كشخصٍ غريب في هذا الحي، الذي ولد فيه، وعروقه تسري فيها نفس دماء أبنائه. أكثر من موقف، على الأثر، كانَ يُفصح عن عدوانية سلو تجاه أولاد الحارة. ففي إحدى المرات، كانَ دلير قادماً معه عقبَ حضورهما فيلماً سينمائياً. كانا في الحافلة، العاملة على خط الحي. الوقتُ كانَ شتاءً، وسلو كانَ يدخن سيجارة بالرغم من أن عمره لم يصل سن البلوغ. فتى يكبرهما قليلاً، كانَ يجلس خلفهما، فتحَ عندئذٍ النافذة، أينَ كان يجلسُ المدخّن بإزائها. فأغلق هذا الأخير بلور النافذة، مجدداً. لما حاول الآخرُ فتحها ثانيةً، إذا سلو دونما أيّ نأمة، يمسك يدَ الفتى ثم يلتفت إلى صاحبها ناهضاً من مكانه، لينهال عليه باللكمات. بطبيعة الحال، وهوَ في ذلك العُمر، لم يكن دلير من الوعي أن يربط المسلك العدواني لقريبه بتلك الواقعة، المنتمية لأيام الطفولة. إلا أنه كانَ يشعرُ دوماً بحاجز ما، نشأ منذئذٍ بينهما، أحاله في فترةٍ لاحقة إلى شعورٍ بالتفوق لدى الآخر، كون والده أضحى من أثرياء المدينة. إذ انتقل سلو مع والديه إلى شقةٍ فارهة، تقع في إحدى العمارات بالشارع التحتاني، المُعرّف باسم مسجد صلاح الدين. قبل ذلك، كانَ بيتهم في نفس الزقاق، الكائن تحت المنحدرات الجبلية بالقرب من جامع النصر. منزل خال دلير، الذي احتضنه وشقيقته، كانَ يقعُ بأعلى تلك البقعة الوعرة. لعل توثق صلته بابن عمته، كونهما أيضاً أقاما بنفس الزقاق. في مرحلةٍ لاحقة، لما أضحى دلير متأثراً بأفكار خاله، لدرجة أن يقبل الإنتساب لمنظمة الشباب الديمقراطي، فإن علاقته بقريبه تعمّقت أكثر. طالما تساءل آنئذٍ، كيفَ يُوفق والدُ سلو بين حماسه الشديد لحزب الطبقة العاملة، ووضعه كأحد الأثرياء ممن يوصفون ب " حديثي النعمة ". زوج عمته، كانَ قد أعتقل أيضاً في فترة الوحدة مع مصر، وذلك بتهمة الإنتساب للحزب الشيوعيّ، وكانَ حينذاك شاباً وما زال يعيشُ في مسقط رأسه ببلدة رأس العين. وها هوَ دلير، يخرجُ للبحث عن ابن عمته، مدفوعاً كما قلنا بشيءٍ من الغيرة. لقد طرد فكرةً مزعجة، وهيَ أن يلقاه لاهياً في تلك البحيرة الطافية مع بنات الخالة؛ خالعات العذار، بعريهن وعبثهن. في حقيقة الحال، أنه في ذلك الوقت كانَ يعشقُ هيلين، ابنة خاله الأكبر. بالطبع كانَ عشقاً من طرفٍ واحد، بالنظر لفارق السنّ وأيضاً طبعه الحيي بالخصوص. أما مشاعره نحوَ شيرين، فإنها اقتصرت على إعجابه بجسدها، الذي كانَ أحياناً يعذّب لياليه في رؤىً وأحلامٍ محمومة. فيما بعد، حينما حثّه شقيقها الماجن على ممارسة العادة السرية، وانصاع لنصيحته، فإنه دأبَ على تحيّل نفسه معها في أوضاع مثيرة. وكانت نصيحة لزكَين طريفة، ككل ما يصدر عنه: " لو أردتَ التمتع حقاً بصوَر الكتالوغ، فما عليك إلا أن تفعل ذلك جنباً لجنب ويدك اليسرى تلعب بقضيبك! ". لقد كانَ هوَ مَن يمدّ دلير بتلك المصوّرات الجنسية، التي كانت تطبع في بيروت، وبعضها كان يحتوي على قصصٍ باللغة العربية. في إحداها، قرأ لأول مرة قصة زنى محارم بين شاب وشقيقته. على أثر ذلك، لما كانَ يُمارس العادة، فإنه كانَ يتخيّل ابن خالته مع شيرين وهما معاً في حمّام منزلهما. إذ سبقَ أن سمعها ذاتَ يوم، تقول لشقيقته دونما أن يُحرجها وجوده: " أكثر من مرة، أدخلتني أمي إلى الحمّام كي أساعد شقيقي في حكّ ظهره ".
5 وحصلَ ما كانَ يخشاهُ دلير، لما صارَ في منتصف الطريق إلى البحيرة. إذ ظهرَ سلو مع شيرين، التي ربطت شعرها المبلول بمنديلٍ رهيف ( إيشارب )، فيما شقيقاتها الثلاث يظلعن خلفها وقد ملأن الجو بالضوضاء. لقد فكّر دلير حالاً، قبل أن يُبادر إلى تحيته: " ماذا يُمكن أن يعجبها بهذا الفتى القصير القامة، سوى عيناه الكبيرتان، الداكنتان، اللتان تنمّان دوماً عن التفكير أو التوتر؟ ". لكن قريبه كانَ أكثر لطفاً، لما تقدّم منه كي يعانقه بمودّة. أما شيرين والبنات، فإنهن مضينَ نحوَ البيت الصيفيّ دونما أن يعرنه إهتماماً. قال لابن عمته، مغتصباً ابتسامة: " تبدو متعجّلاً لاقتناص فرصة السباحة، بينما ظننتك تنتظرني في البيت كي نمضي في جولةٍ على الدغل القريب؟ " " يُمكن أن نفعل ذلك، ولكن ليسَ قبل الغداء. فأنا أشعرُ بالجوع عقبَ السباحة "، قالها سلو وهوَ يبتسمُ بدَوره. ثم استدرك بالقول، وهوَ يضربُ جبينه بكفّه: " آه، نسيتُ أن أخبرك. البنات يرغبن أن نركب القطار من محطة عين الخضرة إلى محطة الحجاز، على أن نؤوب معه مجدداً " " نعم، إنها فكرة جميلة "، قالها ونفسه كادت تميّز من الغيظ. لم يتأكّد ما لو كانت تلك فكرة قريبه، لأنه خجل أن يطرح هكذا سؤال. عادا معاً إلى البيت، ليجدا كل الأقارب قد اجتمعوا في الصالة الفسيحة، المؤثثة بفرشٍ على ذوق والدة سلو، يتلاءمُ مع طبيعة وألوان الريف. ثمة، كانت امرأة الخال الكبير قد جعلت رَمّي نموذجاً ( موديلاً ) للوحةٍ، كشفت ضعفَ موهبتها. فكّرَ دلير عندئذ بشيءٍ من الشفقة، المتماهية بالسخرية: " كانَ رسمي أفضل منها، لما كنتُ في الصف السادس الإبتدائي ". إلا أنه حينَ أحدقت به سهامُ النظرات، بصفته فنانَ المستقبل، راحَ متلعثماً يُعبّر عن الإعجاب باللوحة، التي كانت ما فتأت تخطيطاً يُرثى له. بعد الغداء، هُرع الجميعُ لنيل قيلولة. فلما أفاقوا على مشارف العصر، راحَ كل منهم إلى مشاغله. أما البنات، فإنهن أحطن بمَن وعدهن بجولةٍ في القطار. بطبيعة الحال، إنضم دلير إلى الجمع. وقد حث هوَ لزكَين على المسير معاً، ربما لكي لا يتمادى ذلك الغريمُ في صُحبة شيرين. تقرر أن ينطلقوا أولاً بسيارة الخال سعد الدين، بعدما تقلّص عددهم إلى خمسة أفراد. فلم تتسع السيارة سوى لشقيقتيّ لزكَين؛ وهما شيرين ونسرين. وصلوا بالسيارة إلى منتزه عين الخضرة، فبقوا هناك في المقصف إلى حين مرور القطار. كانَ من المؤمل أن يعودَ الخالُ وينقلهم من ذلك المنتزه حينَ رجوعهم من دمشق بالقطار، على أن يتصلوا به هاتفياً من المقصف. في الوقت المحدد، خرجوا إلى رصيف القطار، وقد امتلأ الجو بالجلبة والدخان. المقصورة، التي وجدوها خالية تقريباً، كانت بسيطة، تحتوي على مقعدين عريضين في كل جهة. بوصول القطار إلى قرية بسّيمة، قال رجلٌ متوسّط العُمر، مخاطباً لمّة الأقارب: " أسحبوا رؤوسكم إلى داخل المقصورة، لأن ثمة صبيَة يرشقون القطارَ بالحجارة ". وبالفعل، قُذفت بعض الحجارة من تلك الجهة، إلا أنها لم تؤذِ أحداً في المقصورة. بوصول القطار إلى محطة الحجاز بدمشق، انتقلوا لبعض الوقت إلى الرصيف كي يتناولوا المرطبات. في الوقت المحدد، عادوا إلى نفس المقصورة، وكانت فارغة تقريباً لقلة عدد المسافرين وقد أضحى الوقتُ عند غروب الشمس. وإنما في بسّيمة، وقع الحادثُ الرهيب. فإنّ شيرين وسلو غفلا حينذاك عن الحذر، فبقيا عند نافذة المقصورة لما إنطلقَ من الخارج وابلٌ من الحجارة. وإذا سلو يصرخُ، وهوَ يترنّح مغشياً عليه: " آه عيني! ". عندئذٍ حدثت جلبة كبيرة، دماء وصياح وعويل. موظف التذاكر، أسرعَ بجلب الماء والضماد للفتى الجريح. لحين أن وصل القطار إلى منتزه عين الخضرة، أينَ ساعدوا سلو في النزول من القطار بعدما استعاد وعيه قليلاً. لحُسن الحظ، أن الخال كانَ هناك سلفاً بانتظارهم. وهوَ من ساعد بنقل الفتى المصاب إلى المقصف، لتلقي الإسعاف الأوليّ. إلا أنه اقتنعَ ثمة، بأن الجرحَ بليغٌ. فما لبث أن مضى به في السيارة، باتجاه العاصمة، وكانَ برفقتهما دلير. فإن لزكَين بقيَ مع شقيقتيه، لتدبّر سيارة أجرة تعيدهم إلى جمرايا. عند الوصول إلى دمشق، عطفت سيارة الخال نحو حي المزة، أين يوجد مستشفى المواساة. ثمة أدخلوا المصاب على وجه العجلة إلى حجرة العمليات، وبقيَ فيها لنحو ساعتين. في صباح اليوم التالي، لما أفاق سلو فوجدَ إلى جانبه دلير على سرير المستشفى، فإنه غمغمَ بنبرةٍ كامدة وهو يتحسس مكان الجرح: " سأنتحرُ إذا تأكّدتُ من فقدان عيني. لا أرغبُ بالعيش، لو غدوتُ أعورَ ". على أنّ سلو وإن فقد الرؤية بالعين المصابة، إلا أن الأطباءَ تمكنوا من جعل مظهرها يبدو بحالةٍ طبيعية تقريباً. بعد أعوام أربعة، ركبوا القطار مجدداً لكي ينقلهم إلى رأس العين. حينئذٍ كادَ أن يقع حادثٌ مشؤوم آخر، بسبب ضابط تركيّ تحرّش بنسرين. ابنة خالة دلير هذه، باتت هذه المرة مثار منافسة بينه وبين سلو.
#دلور_ميقري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سكة حديدية حتى السماء: طبيعة عارية
-
سكة حديدية حتى السماء: خرائب وصروح
-
سكة حديدية حتى السماء: خريطة ممزقة
-
تشريح الذات: الخاتمة
-
تشريح الذات: كانَ ربيعاً أخيراً
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
-
خمسة أسابيع في دمشق 4
-
خمسة أسابيع في دمشق 3
-
خمسة أسابيع في دمشق 2
-
خمسة أسابيع في دمشق
-
المهاجران من المسرح إلى السينما
-
فيلم الطفولة الكردية، المغتالة
-
فيلم اليهودي والضياع الأخير
-
فيلم الكردي وحروب الآخرين
-
مصير أسرة في فيلم سوري
-
تراب الغرباء والتلاعب بالتاريخ
-
الترحال؛ منحوتة للطفولة والمدينة
-
الطحين الأسود ولعنة المكان
-
اللجاة؛ البيئة الدرزية سينمائياً
-
حسّيبة؛ الشام بحسَب يوميات إمرأة
المزيد.....
-
الوداع الأخير للجسد: حوارية لو بروتون حول الكلمة والوجه في -
...
-
-سمبوزيوم- جمعية التشكيليين الأول: خلية نحل تعيد صياغة المشه
...
-
الفنانة زينة تُعلن نسبها للنبي محمد ونقابة الأشراف تعلق
-
الحرب في غزة تثير الجدل خلال مهرجان برلين السينمائي الدولي..
...
-
من -الباندا الأحمر- إلى -لوكا-: 6 أفلام أعادت تشكيل خطاب الر
...
-
من جبال الألب إلى قوائم اليونسكو.. -اليودل- السويسري من الفل
...
-
-تاريخ نكتبه-.. معرض دمشق الدولي للكتاب يلملم أوراقه بعد 11
...
-
وفاة الممثل الأمريكي روبرت دوفال نجم فيلم -العراب- عن 95 عا
...
-
-بين عذب وأجاج-.. برلين تؤسس لـ-قصيدة المنفى- العربي في أورو
...
-
شهادة نسب فنانة مصرية إلى آل البيت تفجّر سجالا بين النقابة و
...
المزيد.....
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
المزيد.....
|