|
|
خمسة أسابيع في دمشق 4
دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 20:15
المحور:
الادب والفن
31 صديقي كمال وأنا، أخذنا ذاتَ صباح سيارة أجرة في الطريق إلى ساحة الأمويين. كان أحدهم قد أخبره بافتتاح معرض العسل الوطني في حديقة تشرين، القريبة من تلك الساحة. وها هيَ السيارة، تنحدرُ من ساحة شمدين نحو ساحة الميسات، التي جعلتها الأشجار الكثيفة أشبه بالجزيرة وسط بحيرة من المركبات. لما مالت سيارتنا باتجاه طريق حي الروضة، تذكّرتُ موقفاً طريفاً نجمَ عن سوء فهم، وذلك في يومٍ سابق. آنذاك أبلغ كمالُ السائقَ بأن وجهتنا إلى " الروضة "، وكانَ يقصد المقهى الشهير في الصالحية، الذي يحمل هذا الاسم. السائق، فهمَ منه عندئذٍ أننا نرغب بالذهاب إلى حي الروضة. إلا أنّ صديقي تدارك الأمر، بوصولنا إلى ساحة الميسات، حينما همّ السائق بالانعطاف نحو ذلك الحي. اعتباراً من ذلك المنعطف، كان لزاماً على طريقنا أن يبقى لبعض الوقت في صحبة نهر ثورا، الذي فقدَ مياهه شأن بقية فروع بردى. هذا الطريق، أكادُ لا أذكر أنني مررتُ خلاله من قبل. فإنني منذ نهاية المرحلة الإبتدائية، لما تعرّفتُ على مكتبة الظاهرية بفضل معلّمنا المتنوّر، سليم الأيوبي، أضحيتُ صديقاً مخلصاً للمدينة القديمة. فكنتُ استكشفها يوماً بعد يوم عبرَ معالمها المعروفة، أو ببساطة، في تيهٍ محبب داخل دروبها الضيقة والغامضة. ترجلنا إذاً من السيارة على طرف ساحة الأمويين، وكانَ قلبي قد خفقَ لمرآها عن بُعد من مرتفع شارع المالكي. مكثنا قليلاً في البقعة الخضراء المعشوشبة، ثمة عند جهة مكتبة عامة أخرى، باتت تعرف بعد التحرير ب " المكتبة الوطنية ". عندئذٍ، داهمتني ذكرياتٌ لا يُمكن أن تنسى. فحينما كنتُ موظفاً بمؤسسة الإسكان العسكري، في بداية الثمانينات، كنتُ معتاداً يومياً على تسجيل حمولات شاحنات المؤسسة، التي تنقل لإشادة هذه المكتبة. فأطلق عليها لاحقاً اسمُ الديكتاتور الأب، وتم نصبُ تمثالٍ له في مدخلها. لاحقاً، منذ أواسط الثمانينات وحتى مغادرتي الوطن في أواخرها، صرتُ مواظباً على الحضور يومياً تقريباً في هذه المكتبة، المتّسمة بحُسن التنظيم ووفرة المراجع. في ذلك الوقت، كنتُ قد نحّيتُ جانباً اهتماماتي الأدبية، بهدف كتابة بحث عن تاريخ المجتمع الكردي في دمشق. ثم شئتُ المساهمة ببحث آخر لندوة دولية، كانت ستقام بالمكتبة في ذكرى مرور ثمانمائة عام على معركة حطين. عقبَ انهائي المسودة الأساسية، سلّمتها لأحد محلات القرطاسية في شارع الحلبوني كي تُرقن على الآلة الكاتبة. بعدئذٍ طلبتُ الإذن لمقابلة مدير المكتبة، الذي كان فيما مضى يشغلُ منصبَ وزير التعليم العالي. كانَ برفقتي الصديق الكاتب، سيامند ابراهيم، المعروف بجرأته في هكذا مواقف. مديرُ المكتبة، ظهرت على سحنته علامات الضيق، حالما قرأ عنوان البحث " حطين في التاريخ الكردي ". إلا أنه ما عتمَ أن أبلغني بنبرة رصينة، أن ثمة لجنة علمية مهمتها تقييم هكذا أبحاث مقدّمة للندوة. لاحقاً، أعلموني برفض اللجنة للبحث. فقمتُ بنشره ذلك العام في صحيفة " كَل: الشعب "، وكانت تصدر دورياً في دمشق من قبل أحد الأحزاب الكردستانية العراقية. بنفس الصحيفة، نشرتُ فيما بعد بحثاً تاريخياً مُسهباً عن فنون الحضارة الكردية القديمة؛ وأعتقدُ أنه كانَ الأول من نوعه في هذا المجال، إذ لم يسبق لباحث كرديّ أن تطرق إليه. بخصوص دراستي عن تاريخ المجتمع الكردي بدمشق، فإنني تمكنت من انجازها في المهجر، فظهرت عام 2006 على حلقات بموقع الحوار المتمدن.
32 الذكريات، راودتني إذاً حينما كنتُ وصديقي كمال نتمشى قدّام المكتبة الوطنية، الكائنة على طرف ساحة الأمويين. معلومٌ أن الساحة، باتَ لها رمزية كبيرة عقبَ سقوط النظام البعثي، بحيث أصبحت المكان الرئيس للاحتفالات الرسمية. على ذلك، حظيت باهتمام كبير لناحية النظافة والتنظيم والرفد بمختلف أنواع الزهور. وكانت الساحة إلى ما قبل أسابيع قليلة، مأوى لمجموعاتٍ من الغوغاء، القادمين من المناطق السورية الشرقية، قبل أن يصدر أمرٌ بإجلائهم. كانَ طقسُ الخريف ما زالَ رائعاً، لا تفارقه الشمسُ. صديقي، عادَ واتصل بأحدهم كي يحصل على عنوان معرض العسل الوطني. وإذا كمال قد وقعَ بسوء فهم، كون المعرض يُقام في إحدى صالات مدينة تشرين الرياضية وليس في حديقة تشرين. قبل أن نوقف سيارة أجرة لكي نقصد إلى المدينة الرياضية تلك، الكائنة في منطقة البرامكة، أخذتُ بعضَ الصور، فيما نصبُ السيف الدمشقي العملاق يتراءى من خلفي. أثناءَ عقودٍ من غيابي عن الوطن، كانَ من الطبيعي أن تنشأ العديدُ من المشيّدات العمرانية؛ وربما كانَ منها مدينة تشرين الرياضية. النظامُ البائد، عمدَ إلى إطلاق اسم " تشرين " على الكثير من العمائر والمعالم؛ وهوَ الاسمُ، الموحي بمناسبتيّ التصحيح والتحريرـ كذا. لما ترجلنا من سيارة الأجرة عند العنوان المفترض، فإننا على الأثر لم نهتدِ إلى المعرض سوى ببعض الصعوبة. من المدخل وعبرَ الممر، المزين جانبيه بعرائش المجنونة والياسمين، كانت تتراءى مفردات المكان، الموحية بالحداثة والتطور. إلى أن وصلنا للقاعة المطلوبة، وكان قد جرى تقسيمها إلى عددٍ كبير من الأجنحة. عناوينُ هذه الأجنحة، كانَ معظمها يخصّ بلدات الغوطة وريف دمشق. إلا أنني فوجئت وصديقي، لما وجدنا جناحاً يحملُ هذا العنوان " العسل الكردي ". في حقيقة الحال، أن عدة أجنحة كانَ أصحابها من الكرد؛ مثلما يتبيّنُ للمرء من كنياتهم. إلى ذلك، كان على دهشتي أن تتفاقمَ وأنا أعاينُ الكم الكبير من أنواع العسل؛ فمنها المُطيّب بنكهات الأزهار والفاكهة، أو المحتوية على المكسّرات، كالكاجو واللوز والجوز والفستق الحلبي. بخروجنا من المعرض، قررنا المضيّ إلى وسط المدينة مشياً على الأقدام. كانَ زحامُ المواصلات على أشده في ساحة البرامكة، فغامرنا أكثر من مرة بالسير بين السيارات كي نصل إلى هذا الرصيف أو ذاك الشارع. والبرامكة، هم أفرادُ الأسرة الكردية الشهيرة، التي كانت قبل إسلامها سدنة معابد النار، الزردشتية. ويُعتقد أن المنطقة، أخذت اسم مقبرة تضم رفات بعض أفراد تلك الأسرة. ولعلها المقبرة الصوفية، المندثرة الآن، والتي دفن فيها الإمامُ ابن تيمية، المنتمي أيضاً للأصل الكرديّ. على مساحةٍ من مكان المقبرة، أشيدت مباني العديد من كليات جامعة دمشق؛ منها قسم التاريخ، الذي درستُ فيه بأواخر السبعينات ومستهل الثمانينات. انتهى سيرنا إلى زقاق الجن، المعروف بمحلات تصليح السيارات وبيع قطع غيارها. حقّ لي أن أدهشَ هنا أيضاً، لما طرأ من تطوير على محلات الزقاق، بحيث بدا كأنه مدينة صناعية. تسمية هذا الزقاق، استُمدّت من اعتقادٍ شعبيّ قديم. فقد كانت المنطقة من قبل مكتظة بالبساتين، فتجري بينها الرياحُ القادمة من خانق الربوة؛ فتصدر الأشجارُ عندئذٍ حفيفاً مخيفاً، ما جعل الناسُ يعتقدون أنها أصواتُ الجن. إلا أنّ الأشجارَ اختفت اليومَ تقريباً من زقاق الجن، وما عاد يُسمع سوى أصواتُ السيارات.
33 عقبَ مسير طويل نوعاً ما، تناهت أقدامنا إلى شارع خالد بن الوليد، الذي تنفتح في غربه دروبُ جادة القنوات. بما أنها منطقة تجارية تقليدية، فإننا اجتزنا طريقنا بمشقة في غمرة الزحام. ومن جانب مقهى الحجاز، دلفنا إلى شارع النصر، المنتهي جنوباً بسوق الحميدية. عند ذلك، أبديتُ لصديقي الرغبة في رؤية ساحة المرجة. فانتقلنا من ثم إلى شارع رامي، حيث بادرَ كمال هناك بسؤال بائع محل خمور عن أسعار بعض أصنافها. في المقابل، سألتُ أنا عن صالة سينما الشرق، فقيل لي أنها أنقرضت منذ زمنٍ بعيد. بولوجنا إلى الفسحة السماوية لبناء العابد، الضخم وذي الطراز الأوربي، قلتُ لرفيق الدرب: " البناء، أشيدَ على أنقاض قصر الكنج الكرديّ، وكانَ هذا والي الشام في مبتدأ القرن التاسع عشر " " آل العابد، هم أيضاً من الكرد. أليسَ صحيحاً؟ "، سألني كمال. أومأت برأسي إيجاباً، فيما كنتُ أفكّر بأن بعضَ الأحفاد لهم رأيٌ آخر. هذا البناء، كانَ بالأساس قصراً من أربعة أدوار، يعودُ لأحمد عزت باشا العابد؛ مستشار السلطان عبد الحميد. ابنه محمد علي العابد، وكانَ أول رئيس للدولة السورية، اقترنَ من شقيقة عبد الرحمن باشا اليوسف الزركلي. على جانب فسحة بناء العابد، يقع مطعمُ الصدّيق، ويُقال أنه أول من أدخل الشاورما إلى الشام. المقهى، المتصدّر الفسحة، كانَ يعجّ بمواطنين من مناطق سوريا الشرقية، كما يلوح من لهجاتهم وملابسهم التقليدية. ثمة أيضاً، في محيط ساحة المرجة، المتشامخ فيه النصبُ التذكاري لسكة حديد الحجاز، كانَ آخرون من تلك المناطق قد جلسوا وهم يتكلمون بصوتٍ صاخب. وهيَ ذي فتاة سمراء، على سبيل البدء بعراك مع أحدهم، محتجّة بأنه استولى على كرسي بلاستيكي، سبقَ أن حجزته لنفسها. وكنتُ عندئذٍ أتملّى المنظرَ الحزين لمجرى بردى، المتصاعد من مياهه الآسنة رائحة مقيتة. رائحة فساد، هذه المرة، زكمت أنوفَ الدمشقيين عقوداً طويلة، استغرقها تشييدُ مجمع يلبغا، المجاور، الذي لم ينتهِ أبداً. كذلك في محيط ساحة المرجة، ينتصبُ بمهابة فندق عمر الخيّام، إلا أن بريقه قد خمدَ. في حقيقة الأمر، أن جميع مباني دمشق الأثرية، والتقليدية، بحاجة إلى ترميم شامل؛ بالأخص واجهاتها، التي حالت إلى السوّاد بسبب سخام السيارات ودخان انفجارات الحرب الأخيرة. ساحة المرجة، كانت نجمة دمشق الأكثر سطوعاً، إلا أنها أيضاً آيلة إلى الإنطفاء. ولو أنها ما فتأت تحتفظ بشيءٍ من الحيوية، يقصدها مقيمٌ يرغب بترجمة وثيقة أو غريبٌ يبحث عن فندق رخيص. أما مَن يسعى لشراء حلويات دمشقية فاخرة، فإنّ طلبه لم يعُد هنا، وإنما في منطقة الجزماتية بحي الميدان. ما لبثنا أن صرنا في ظلال برج دمشق، المتشامخ في منطقة البحصة. أبراجٌ أخرى، متناثرة هنا وهناك، كانت جديدة عليّ، باستثناء برج الشام. هذا الأخير، سيبقى ماثلاً فوق رؤوسنا إلى أن أضحينا داخل مقهى الروضة. في يومٍ سابق، التبسَ عليّ مكانُ المقهى، كونهم قد حولوا قاعته المطلة على الشارع إلى معرض مؤقت للألبسة الجاهزة. هكذا اتجهتُ وصديقي إلى زاويتنا المألوفة ثمة، المشرفة على البحرة الجميلة، المتدفق منها مياهُ النافورة. لقد قادنا إليها النادلُ اللطيف، المنحدر من ريف الساحل، وما عتمَ أن سجّل لديه طلباتنا. بعد نحو ساعة، انضمّ إلينا صديقنا الفنان، زهير حسيب، فانتقلنا إلى طاولة أخرى. وصلَ لأسماعنا دردشة باللغة الكردية، آتية من مكانٍ قريب. على الأثر، حضرَ أحدهم لكي يُصافح زهير ويتكلم معه. هذا الرجلُ الخمسينيّ، البشوشُ الملامح، تبيّنَ أنه مسئولُ مكتب الإدارة الذاتية الكردية في دمشق.
34 الصديق أحمد، هاتفني مساءً: " لاريسا، تودّ لو تشاركنا أنتَ في جولةٍ، هذه المرة، في حي القنوات ". أوافق بلا تردد. فمن الممتع أن يتجول المرءُ مع امرأة أجنبية، تعشقُ مدينته. ولا أدل على ذلك، من إتقان لاريسا للهجة الدمشقية. في المقابل، لم أسألها مرةً قط ما لو كانت تخطط لتأليف كتاب عن مدينة عشقها. إلا أنني ربما حدستُ ذلك ( لو لم أكن مخطئاً )، من كم الصوَر الوافر، الذي ذخر به موبايلها في جولتنا الأولى، التي شملت جانباً من حي سوق ساروجا. صباحاً، التقينا في نفس مكان موعدنا السابق، وذلك على طرف ساحة السبع بحرات. إلا أننا هذه المرة، بالطبع، أخذنا طريقاً مغايراً لجولتنا. في هذا الوقت من الخريف، لا زال الطقسُ يميل إلى الحرارة، تحتفي به الطيورُ على الأشجار بشكل خاص. والأشجار باتت نادرة هنا، ثم تختفي تقريباً ابتداءً من وصولنا إلى ساحة المحافظة ( يوسف العظمة ). إلا أنّ ذكرياتنا، الصديق أحمد وأنا، ما فتأت يانعة هنا وهناك، على الرغم من خيبتنا لاختفاء هذا البار أو ذاك المطعم. " ماذا يُدعى ذلك الدرب على لسان الدمشقيين؟ "، سألني أحمد مبتسماً. كانَ يومئ إلى دربٍ فرعيّ، منفتح على نهاية شارع بور سعيد. ثم تعهّدَ الإجابة بنفسه: " شارع شيكاغو؛ وذلك على خلفية وجود العديد من الملاهي هناك ". من ناحيتي، أفضيتُ ببعض ذكرياتي عن الشارع، سواءً في عهد المراهقة حينما كنتُ معتاداً على شراء روايات نجيب محفوظ من بائعٍ جوّال، أو في فترةٍ لاحقة لما عملتُ في مكتبٍ هندسيّ: " ذات مساء، زارني أصدقاء في المكتب، فطلب مني أحدهم أن أصعد إلى ملهى الشباب، لكي أشتري زجاجة نبيذ. تلقتني من ثم صاحبة الملهى، ضاحكة من سذاجتي، فأخبرتني أنّ عليّ شراء النبيذ من شارع العابد ". وها نحنُ ذا نهمّ بإجتياز الشارة الخضراء، للانتقال إلى شارع النصر من مستهله، سائرين بإزاء الفندق العريق، أورينت بالاس. الفندق، أشاده وتملكه الوجيه الكردي الدمشقي، حسين بك الإيبش، وذلك في عشرينات القرن الفائت. في مقابله، يتربعُ معلمٌ آخر لا يقل عراقة. إنها محطة الحجاز، ذات الواجهة الفائقة الفتنة، الشبيهة بواجهات القصور الأوربية. وجيهٌ كرديّ آخر، هوَ أحمد عزت باشا العابد، أناط به السلطان العثماني عبد الحميد مهمة إنشاء هذه المحطة كي يتصل بها خط سكّة حديد الأناضول، المفترض أن يمتد إلى الحجاز. عند الجدار الجنوبي لمقهى الحجاز، ينتهي شارعُ خالد بن الوليد. علينا كانَ السير في هذا الشارع، وصولاً إلى جادة القنوات، التي تنفتح إلى الغرب منه بمقابل برج الساعة. هذه الجادة، تعدّ خاصرة المدينة القديمة، بانحصارها من جهة الغرب بين سوق الحميدية وسوق مدحت باشا. بسبب تكوينه الفريد، عُرف القنوات بالجادة وليسَ بالحي. فإنه أساساً كانَ عبارة عن قنوات حجرية، أشادها الرومان بهدف تسيير مياه بردى إلى المدينة القديمة اعتباراً من منطقة الشادروان في مدخل دمشق من جهة وادي بردى. هذه القنوات الرومانية، أضحت في زمنٍ آخر أزقة، حينما بنى الناس بيوتهم على جانبيها بعدما ضاقت بهم المدينة القديمة. يعتقد أن النواة الأولى للجادة، تشكلت في العهد الأيوبي، ومن ثم توسّعت في عهد المماليك. ليقيم فيها أعيانٌ أكراد وأتراك بزمن العثمانيين، والذين تحولت العديد من قصورهم في العصر الحديث إلى مدارس، استأجرتها الدولة من ورثتهم. الجدير بالتنويه، أن مولانا خالد النقشبندي قد أقام في هذه الجادة، عقبَ هجرته من كردستان وحلوله في الشام؛ ويُعرف اليوم أحفادُ شقيقه هنا، بكنية " الصاحب ".
35 زحمة الخلق كانت ثمة على أشدّها، كون الدرب الرئيس لجادة القنوات هوَ سوقٌ مهم، حافلٌ بمحلاتٍ تجارية على طرفيه وفي ممراته الجانبية. أغلب حارات الجادة، مداخلها على شكل قنطرة، ويجب أولاً النزول إلى أرضيتها عبرَ عدة درجات. ثمة على واجهة إحدى تلك القناطر، لافتة عريضة تحملُ اسمَ مطعم " الصدّيق "، الشهير، الذي يقع فرعه الرئيس في بناء العابد بساحة المرجة. بالرغم من إغراء الاسم، إلا أنني ورفيقا الجولة، قررنا تناولَ الغداء لاحقاً عند " سيروب " في بوابة الصالحية. " مرةً واحدة، حَسْب، رأيتني فيها داخل أحد بيوت هذه الجادة "، قلتُ لأحمد. كنتُ عندئذٍ أعود بذاكرتي إلى نهاية السبعينات، في أوان خدمتي العسكرية بمدينة اللاذقية. وكانَ أقربَ أصدقائي آنذاك، ابنُ هذا الحي. وقد حمّلني ذات مرة رسالة إلى أهله، الذين ما لبثوا أن استقبلوني بترحاب في بيتهم الجميل، الشبيه بأمثاله مما نشاهده في مسلسلات الدراما الشامية. وكانت لاريسا، في أثناء حديثي مع زوجها، تسيرُ أمامنا وهيَ منهمكة بأخذ المزيد من الصوَر بموبايلها. فكل شيءٍ نمر به، كانَ يستحقُ التوثيقَ؛ إن كانَ قوسٌ أنيق لمدخل أحد الأزقة، أو قنطرة تنشرُ الظلال والرطوبة، أو تلالٌ هرمية من البهارات تستقبلُ زبائنَ أحد العطارين. الأناقة، هيَ عنوانُ هذه الجادة، ابتداءً من أرضيتها البازلتية، المتداخل فيها خطوط بيضاء بشكل هندسيّ جميل، وليسَ انتهاءً بالبيوت التراثية، التي تنفتح في أدوارها العليا نوافذٌ محجوبة بأضلاع خشبية ( مشربيات )، تتدلى منها جدائلُ اللبلاب والياسمين والمجنونة. كوننا لا نملكُ مخططاً لجولتنا، رأيتنا نسيرُ بلا هدى على طول الدرب، المكنّى باسم فخري البارودي، الشخصية الوطنية المتنوّرة؛ مَن جعل بيته الباذخ، هنا في هذه الجادة، ملتقىً أدبياً أسبوعياً. هذا الدرب، الذي يسيرُ بدَوره بشكل موازٍ لشارع النصر، تتماهى فيه الدورُ القديمة مع الأبنية الجديدة، وأيضاً تمر منه المركبات. مثلما يراه المرءُ في التحفة المعمارية المرموقة، المدرسة السباهية، المطوقة من جانبيها بأبنية حديثة لا تمت بالطبع لطراز عمارة هذه المدرسة المملوكية. يقول المؤرخون، أن باني هذه المدرسة، الأمير سيباي، قد انتزع لأجلها رخام المدرسة الخاتونية البرانية، التي أنشأتها ربيعة خاتون، شقيقة صلاح الدين. ذلك الأمير، كانَ آخر حاكم مملوكي لدمشق، فما لبث أن قتل في معركة مرج دابق مع السلطان قانصوه الغوري. عقبَ اصطدام جولتنا بمفردات الحداثة تلك، ارتأينا العودة أدراجنا إلى مبتدأ الجادة، وتحديداً عند مدخل الزقاق ذي القنطرة، المرتكن فيه مطعمُ " الصدّيق ". عندئذٍ سرنا جنوباً، بطريقٍ موازٍ تقريباً لشارع خالد بن الوليد، الذي تنتهي فيه جادة القنوات عند شارع باب الجابية. في كل مرةٍ، نصل فيها لمدخل أحد الأزقة، كانَ لزاماً علينا أن نسأل أحدهم ما لو كانَ مغلقاً في نهايته. هكذا سلّمنا زقاقٌ إلى آخر، وقنطرة إلى أخرى، لحين وصولنا إلى سوقٍ عظيم لا يشبه أياً من نظرائه في دمشق. إنه سوق باب سريجة، الممتد عرضاً بين باب الجابية عند سور المدينة القديمة وشارع خالد بن الوليد، المنتهي في حي الميدان. باب سريجة، لا يدخل في عداد أبواب دمشق السبعة، المنبثقة عن سور المدينة الروماني؛ كباب شرقي وباب توما وباب الفراديس وغيرها. فإنه اسمٌ مجاز، كما هوَ حالُ بوابة الصالحية، التي يوحي اسمها بأنها المدخل إلى مركز المدينة.
36 سوق باب سريجة، هوَ العمودُ الفقريّ للحي المتبنّي اسمه. في هذه الحالة أيضاً، يمكن لنا تشبيهه بسوق الجمعة في حي الصالحية. بمجرد خروجنا من أزقة جادة القنوات، المتزاحمة فيها البيوت كتفاً لكتف، رأينا أنفسنا في هذا السوق، الذي تتجاور فيه دكاكين البقالة مع محلات الخضار والفاكهة واللحوم. بعض أقسام السوق مغطاة، فيما الأخرى سماوية. طوال مسيرنا، كانت روائحُ المكان تعبقُ في أنوفنا، زكية ويانعة وطازجة. وفرة ما يحتويه هذا السوق، دلالة بيّنة على ما في البلد من خيرات زراعية وحيوانية فضلاً عن الصناعات الاستهلاكية والحرفية. المدهش، أننا بعد سير لمدة ساعة تقريباً، إذا بسوقٍ مواز يتراءى لنا. في حقيقة الحال، أن لسوق باب سريجة تفرعات عديدة. لاريسا، راحت تسألني كل مرةٍ عن أنواع غريبة من الثمار غير مألوفة في أوربا أو حتى في بعض بلدان المشرق، التي زارتها؛ كالزعبوب والزعرور والمَيْس والحبلاس. أما أحمد، فإنه جعلني أهرب إلى الأمام حينما راحَ يتوقف ملياً أمام دكّاتٍ تتراصفُ عليها رؤوسُ الغنم. كانَ يسألُ الباعة عن أسعار الرؤوس المطبوخة، أو يستفهم عن طريقة تحضير الأخرى النيئة. أقفُ بمقابل أنواع عديدة من الزيتون المخلل، المعروضة بطريقة تجعلها متعة للعين قبل الفم. والعينُ تتيه في موجودات السوق، مثلما هيَ أقدامُ الكائنات، التي تُقاد هنا بحاسّة مغناطيسية إلى مواضع الفتنة والندرة والذوق. وإنها مواضعٌ، لا يدركها إلا من تركَ نفسه على سجيّتها، لكي تبقى على تماسٍ خفيّ مع روح المكان، المُشبع ليسَ بروائح تلك الموجودات، حَسْب، بل أيضاً مع عبق التاريخ. فها هنا دورٌ، دَخلَ في بنائها أحجارٌ ربما استعملت في زمن الرومان لتشييد عمائرهم؛ زوايا نقشبندية، تصدحُ فيها أناشيدٌ صوفية، غامضة؛ حمّاماتٌ، سبقَ أن جَرَت مياهها على أجساد الأعيان كما العامّة؛ دروبٌ، فتحت أبوابها لشمس الصباح وأوصدتها مساءً بوجه الدخلاء. الأصواتُ بشكلٍ خاص، تميّز هذا السوق. كأنما هيَ موسيقا لمارش الأقدام، تدفعها تارةً إلى الأمام، وتارةً أخرى تجعلها تتريثُ وتراوحُ في مكانها. نداءاتُ الباعة على بضائعهم، المتعابثة غالباً، تتماهى مع تسجيلاتٍ رصينة للذكر الحكيم سواءً من المساجد القريبة أو من المحال التجارية. إلى أحاديث الزبائن وهمهمات المارّة وصيحات الأطفال وضوضاء المركبات وزمجرة الدراجات النارية. لو أن لهذه الأصوات كثافة مرئية، لحجبت صفحة السماء عن السوق مثلما تفعل السحبُ مع الشمس. ونحنُ الأصدقاء الثلاثة، القادمون من شمال أوربا حيث الهدوء والصمت، نعرفُ أكثر من غيرنا نعمةَ أصوات السوق الدمشقي. آنَ لجولتنا في جادة القنوات، أن تشارف على خاتمتها. الغريب، أنّ هذه الجادة المستمدة اسمها من القنوات الرومانية، تفتقد اليوم إلى معين المياه، الذي كان يروي بساتينها من أحد الفروع السبعة لنهر بردى. البساتينُ بدَورها، اختفت تماماً وحلّ بمكانها البيوتُ الحجرية والاسمنتية. وإذاً، أفضى بنا أحدُ دروب سوق باب سريجة إلى شارعٍ حديث، يضجّ هوَ الآخر بالأصوات. إنه شارعُ خالد بن الوليد، الذي رأينا كيفَ يسيرُ بشكل موازٍ لجادة القنوات حتى نهايته في شارع النصر. قبل الوصول إلى هذا الأخير، علينا كانَ أن نمشي لنحو ساعة تحتَ شمس الظهيرة الودودة. فمررنا من ثم مجدداً على مدخل جادة القنوات، الكائن على يميننا. عقبَ تناهي أقدامنا إلى شارع النصر، المزدحم رصيفه بالمارة وباعة البسطات، انعطفنا إلى ناحية محطة الحجاز.
37 لم نمضِ بشكل مستقيم نحو جادة الحلبوني، مثلما فعلنا في جولتنا السابقة، وإنما اجتزنا الشارة الخضراء باتجاه جسر فيكتوريا. ربما الإحساس بالجوع، دفعَ لاريسا للقول وكأنما تخاطب نفسها: " أشتهي تناول طبق كنافة نابلسية ". فأخبرتها عن رأيي، بأن أفضل محل حلويات قريب، يقعُ في شارع الشعلان. بعدئذٍ، راوحنا أقدامنا قليلاً عند المبنى القديم لسينما العباسية. فقال لي أحمد، مومئاً برأسه إلى مدخل المبنى، الذي كانَ مغلقاً: " المسرحُ العسكري؛ وهوَ أيضاً من ضحايا التحرير! " " أعتقدُ أن المسرح العسكري، كانَ يقعُ بالقرب من فندق الميريديان؟ "، علّقتُ على كلامه. أحد الفتية، وكانَ جالساً ثمة بمدخل المبنى، شاءَ أن يُصححَ معلومتي: " بل كانَ هنا بالفعل المسرح العسكري ". عدّتُ أقول لصديقي، أنا المسكون دوماً بالذكريات: " ابن عمي الكبير، عملَ هنا كحارس أمن الصالة السينمائية، فكنتُ في صغري أشاهدُ الأفلام مجاناً ". التعبُ، كانَ قد شتتَ ذهني. على ذلك، غفلتُ عن ذكر معلومة أخرى: أنّ ابن العم، حظيَ بتلك الوظيفة بوساطة من صديقه، الفنان فهد بلان. فإنهما في زمن فتوتهما، عملا على نفس حافلة الركاب على طريق دمشق ـ السويداء؛ هذا الأخير كسائق، وصديقه كمحصّل تذاكر. المستقبلُ قاتمٌ في سوريا، سواءً للسينما أو المسرح أو الدراما. فيما مضى من الزمن، تخلّى المسرحُ للسينما عن دوره الرائد. مع انبعاث نشاط الدراما منذ منتصف تسعينيات القرن المنصرم، وبالأخص أعمال البيئة الشامية، كانَ على السينما أن تتراجع بدَورها. إذاك، بقيت صالات السينما بمنأى عن التطوير، مهملة إلى حدّ أن العديد منها أغلقها أصحابها أو حوّلوها لأغراض أخرى. اليوم، يلوحُ النظامُ الجديد كأنما آخر همّه هوَ الاهتمام بالفنون. حقاً إن المُلحّ، آنياً، وضعُ الخطط لإعادة الإعمار وإحياء البنية التحتية وجلب الاستثمارات. إلا أنّ ثمة حقيقة محزنة، في المقابل، تتمثلُ بحجب التمويل عن النشاطات الفنية لأجل صرفه على إشادة أماكن الصلاة في الجامعات والدوائر الرسمية. هذا بالطبع، يتوافقُ مع قصور الرؤية الحضارية عند المسئولين، الملتزم غالبيتهم بسَلفية متزمّتة لا ترى في الفنون سوى باباً لمعصية الخالق. على أنني في تلك الظهيرة، كنتُ أكثر اهتماماً بالمعدة المتطلّبة. لقد سبقَ أن وافقَ الصديقان على اقتراحي، بتناول الغداء عند " سيروب "، وكنا حقاً في طريقنا إليه. مررنا على الأثر أمامَ محلّ مشابه، كائنٍ على ناصية دخلة سينما الفردوس. هذا المحل، أعتدتُ على سندويشه اللذيذ مع قدح من عصير البرتقال، وذلك قبل هجرتي من الوطن. ضيقي بأماكن الزحام، جعلني آنذاك أتجنّب الأماكن الشهيرة، كعصير أبي شاكر وسندويش سيروب. هذا الأخير، استقبلنا أخيراً في حيّزه الضيّق، الأشبه بالزنزانة. طلبَ كلّ منا سندويش بسطرما، وآخر سجق، مع قدح عيران. على غير العادة، وجدنا أماكن جلوس في المحل. لقد فاتَ أوانُ الغداء، فانتفى الزحامُ المعهود. السندويش، نالَ رضى صديقتنا حتى أنها سلت أمرَ الكنافة النابلسية. " لننهِ جولتنا، إذاً، في مقهى الروضة "، أقترحَ أحمد. هكذا نكصنا على أعقابنا، ووجهتنا ذلك المقهى. جادة الصالحية، التي كنا نسير على أرضيتها الحجرية، المشكّلة من متواليات هندسية بديعة، بدت شبه مهجورة كما لو أنها غدت أطلالاً. من النافل، إعادة ذكر سبب قلة الزبائن في أهم سوق تجاري معاصر بالمدينة. بيد أنّ هذا السوق، افتقدَ أيضاً للمتسكّعين، الذين كان أغلبهم في الماضي يسعون إلى الجمال الأنثويّ الدمشقيّ أكثر من اهتمامهم بما تعرضه المحلات التجارية من بضائع. أما اليوم، فإن بديلَ الفتنة والرشاقة واللطافة، هوَ هذه الجادة الخالية إلا من بعض الإناث البدينات، اللواتي تكلّسنَ خلفَ البراقع والجلابيب. 38 حاولتُ دائماً أن أكونَ وفياً لأصدقائي، خصوصاً بعدما صارت الغربة حاجزاً بيننا. ولكنّ المجموعة الهائلة من رسائل الأصدقاء، التي وصلتني في السنين السبع الأولى من غربتي، كانت دلالة على تحدّي ذلك الحاجز. على أثر زواجي، وما تبعه من حظوتي بطفلين، أضحى التواصلُ مع الأصدقاء نادراً. ثم دخلنا عصر الانترنيت، الذي شاءَ الاستعاضة عن الورق بالبريد الالكتروني، وكان من ضحاياه أدبُ الرسائل. هذا النوع من الأدب، لم يكن ضمن اهتماماتي بوصفي كاتباً. إلا أنني، في المقابل، كانَ يروقُ لي قراءةَ كتبٍ تتضمنُ مراسلات الأدباء. ففي فترةٍ مبكرة، اقتنيتُ كتاب " الشعلة الزرقاء "، الذي يحتوي مراسلات جبران مع مي زيادة. ثم سأعثرُ في مراكش على كتاب " ورد ورماد "، وهوَ مجموعة رسائل متبادلة بين محمد شكري ومحمد برادة. شغفي بإبداع كل من هنري ميللر ولورانس داريل، كانَ وراء شرائي لكتاب فيه مراسلاتهما. وهذا الكتاب باللغة الإنكليزية، التي أجهلها تقريباً! من ناحية أخرى، عزز الانترنيت نوعاً من الصداقة الإفتراضية، بحيث غدت أحياناً أقوى من الصداقة الحقيقية. وأعني وسائل التواصل الإجتماعي، ومنها الفيسبوك بشكل خاص. عن طريق هذا الأخير، نمى للأصدقاء في دمشق خبرُ عودتي للوطن بعد غربة استمرت لنحو أربعة عقود. عددٌ من هؤلاء الأصدقاء، تواصلوا لاحقاً معي سواءً هاتفياً أو عن طريق الماسنجر. أما صديقي، أبو الخير، فإنه كانَ مسكوناً بعزلة إلزامية، فرضها عليه المرضُ. في مكانٍ آخر من النص، كنتُ قد فصّلتُ وقائعَ جولةٍ قمتُ بها لأزقة الحي العليا، المتصلة بالمنحدرات الجبلية. تلك الجولة، انتهت بلقائي هذا الصديق في بيته. إنه كانَ يعاني من قولون مزمن، ثم ابتليَ بمرض الباركنسون مؤخراً. قاومتُ عبراتي، فيما كانَ يسيرُ أمامي بطريقةٍ أقرب لقفزات الكنغر. مع أن المرضَ أثر أيضاً على نطقه، إلا أننا تبادلنا حديثاً شيقاً، تخللته نوادرُ من ذكرياتنا المشتركة. سأعاود زيارته في مساء يومٍ تالٍ، وهذه المرة برفقة صديقٍ مشترك، وكنّا محمّلَيْن عندئذٍ بالمشروب والمازة. صديقٌ آخر، مُكنّى أيضاً بأبي الخير، سألتقي به في مبتدأ زيارتي للوطن. إنه أحد مالكي محلات الذهب، ثمة عند جامع صلاح الدين. لقد سبقَ لي أيضاً الحديث عن حلقتهم الحميمة، بمقابل محلاتهم، أينَ يتبادلون الحديث وهم يرتشفون الشاي. هذا الصديق، دهمته سكتة دماغية قبل وصولي لدمشق بفترة قصيرة، إلا أنه تجاوزها بأعراض هيّنة. كوننا أصدقاء الطفولة والصبا، استعدنا أيامَ الزمن المنقضي في حارةٍ، كأنما كانَ يعنيها الشاعرُ الشعبيّ، حسين حمزة: " كنا يا دنيا، حيطان تساند حيطان بحارة، كبكوبة خيطان ملفوفة علينأ، يا حسرة علينا ". وها هيَ الأيامُ الأخيرة لإجازة الصديقين، لاريسا وأحمد. هذا الأخير، دعاني ذاتَ صباح إلى الغداء في منزله: " شقيقي الكبير، أتى من البلد مع مأكولاتٍ محلية، ونريدك أن تشاركنا بتناولها ". حوالَ الثانية ظهراً، أخذتُ سيارة أجرة إلى مساكن برزة. ثمة على شرفة شقته، الكائنة في الدور الخامس، لوّح لي صديقي بيده. ثم ما لبثَ أن انضمَ للوليمة، صديقنا زهير وزوجته. على المائدة، ضمن أصناف أخرى، كانت هناك الكبّة الكردية مع اليالنجي، الواصلة تواً من مدينة عامودا. عقبَ الغداء وشرب الشاي، قررنا مواصلة صُحبتنا في مقهى الروضة. فانطلقنا بسيارة زهير، وكانَ الوقتُ قد مالَ للغروب. الكبّة الكردية، القادمة من عامودا، لم أستْسِغها كثيراً في حقيقة الأمر. ذلك أنّ الكبّة المشوية، التي حُرمت منها طوال فترة غربتي، هيَ المفضّلة عندي. وقد اختلجت معدتي ابتهاجاً، لما أعلمتني شقيقتي ذات يوم أنها ستجلبُ بعضَ الأقراص من المطعم، المجاور لبيتها. على الغداء، تناولنا إذاً أقراصَ الكبّة المشوية مع حساء العدس. أكلتُ بنهم حتى أنني لم أنتبه لقطرات الشحم، التي سالت من الأقراص على جلبابي المغربيّ.
39 شقيقتي، وكمألوف عادتها، سألتني ذاتَ مرةٍ عقبَ الغداء: " أين ستقضي السهرة؟ ". ثم أردفت: " لو أردتَ أن تسهر مع أصدقائك هنا في المنزل، فأنا في وسعي المبيت عند امرأة خالنا؟ " " سأبلغهم بالأمر، لعلنا نحضّر للسهرة يوم الغد "، قلتُ لها. صديقي كمال، كانَ يُعبّر كل مرة عن إعجابه بالمنزل، وذلك بوجود شقيقتي. هكذا اتصلتُ معه، لترتيب أمور السهرة. كذلك هاتفتُ في هذا الشأن، كلاً من الصديقين، أحمد وزهير. في مساء اليوم التالي، مررتُ على محلّ في شارع ابن النفيس، مشهورٍ بجودة أصناف فراريجه، المحضّرة على طريقة البروستد والمسحّب. بعدئذٍ حصلتُ من محل آخر على أطباق المازة، من بابا غنّوج ومتبّل ومحمّرة وحمّص. عقبَ وصولي للمنزل، رحتُ أهيّئ مائدة السهرة مع صديقي كمال، الذي تعهّدَ إحضار عرق الريّان. في الأثناء، كنتُ أنتظر مكالمة من الصديقين الآخرين، الذين من المفترض مجيئهما بسيارة أجرة. بعد قليل، خرجتُ للقائهما عند جامع كردان. ما أن أضحى أحمد في أرض الديار، إلا وأبدى افتتانه بالمنزل. ثم ما عتمَ أن قال لي، بنبرة تنمّ عن الجدّ: " أخبر شقيقتك، أنني على استعداد لشراء بيتها لو رغبتْ بذلك " " بيوت الحي، لم يعُد بالامكان بيعها إلا كمَحْضَر، بغيَة إشادة عمارة حديثة بمكانها "، ردّ عليه كمال. ثم انشغلنا بعد ذلك بتبادل الأنخاب، رافعين أقداحنا المترعة بالعرق اللبناني. ويبدو أنّ رائحة العرق قد تناهت مع أحاديثنا وضحكاتنا إلى البيت المجاور، الذي يقطنه أقاربُ صهري، المتّسمين بالتديّن والمحافظة. ففي اليوم التالي، وعلى غير العادة، تلقى هؤلاء تحيّتي بملامح باردة! بضعة أيام على الأثر، وسأقابلُ بنظراتٍ باردة، وهذه المرة على خلفية نقاشٍ سياسيّ. فإنّ كمال، أخبرني عن عودة صديقنا، المهندس أ. د، من بيروت؛ وأننا مدعوان عنده على السهرة. اتفقتُ وكمال على اللقاء مساء ذلك اليوم، على أن ينتظرني أمامَ مدخل مقام الركنية عند ساحة شمدين. لحُسن الحظ، أن بيتَ صديقنا كائنٌ في مبتدأ طلعة تلك الساحة. كانت الشقة أرضيّة، والعمارة حديثة من عدة أدوار. فتحَ مُضيفنا لنا البابَ، وكانت هيَ المرة الأولى أتعرّف عليه شخصياً. ما لبثَ أن قادني إلى حديقة خلفية، أنيقة ومنمنمة، تعانقت فيها عرائشُ الياسمين والمجنونة مع شجيرات الحمضيات. إلا أن مائدة السهرة، جُعلت في الصالون، بالنظر للجو المائل إلى البرودة ليلاً. صديقنا الناشط في مجلس الحي، م. ج. ش، حضرَ بعد قليل. كنتُ قد تعرفت عليه، بدَوره، عند الصديق كمال. آنذاك، دخلنا بحديثٍ مطوّل عن تاريخ عائلة " شمدين "، العريقة، التي لعبت دوراً مؤثراً في تاريخ الشام، خصوصاً في خلال القرن التاسع عشر. ثم توالى مجيئُ الأصدقاء، وكنتُ أيضاً أتعرّف بعضهم لأول مرة. منهم عديلُ كمال، المقيم في أحد أقسام قصر محمود باشا بوظو، الكائن جنوبي ساحة شمدين. وقد دعاني لزيارة مسكنه، بعدما أخبره كمال عن اهتمامي بتاريخ الحي. الفنان عبد النور بلكه، قدِمَ على الأثر مع صديقٍ، تعود أصوله لمدينة الحفة في ريف اللاذقية. مُضيفنا، كانَ يوافينا بين فينةٍ وأخرى بأطباق المازة من مطبخه الكريم؛ الكبّة النيئة والدولما والمحمّرة والبابا غنوج والحمّص. أما الطبق الرئيس، فكانَ شرائحُ صدر الدجاج، المتبّل على طريقة البروستد. وكانَ العرقُ سيّد المائدة، ولكنّ البعض فضّلَ شرب الويسكي، المهرّب من لبنان. بسبب الأوضاع الراهنة، شُغلنا بأحاديث سياسية، انقلبت أحياناً إلى جدال صاخب. إلى أن صدحَ صوتُ صديقنا، عبد النور، بأغانٍ من صوته الجميل، المستمدّة من التراث. بعدَ سفر صديقي أحمد، وزوجته السيدة لاريسا، شعرتُ ولا شك بالوحشة. إلا أنّ صلتي لم تنقطع، بطبيعة الحال، مع الصديق الفنان زهير حسيب. وقد دعاني ذاتَ يوم إلى معرضٍ جماعيّ، أقيم في صالة عشتار، ساهمَ فيه بثلاث لوحات. وإنه هوَ من تعهّدَ أيضاً إيصالنا، الصديق كمال وأنا، بسيارته للمعرض. الصالة، تقع في منطقة العدوي، وكانت قبل هجرتي من الوطن، كائنة في بوابة الصالحية. انطلقنا مساءً من جانب موقف جسر النحّاس، باتجاه منطقة المزرعة، ومن هناك صرنا على شارع الثورة، ومن ثم إلى منطقة العدوي. هذه المنطقة، تعدّ آخر رئة خضراء لدمشق، بحدائقها وبساتينها، التي كانت متصلة ببساتين حي الأكراد والصالحية قبل تشييد كلّ من أوتستراد الثورة وأوتستراد الفيحاء. على ذلك، لم يكن غريباً أن تقبع صالة عشتار في ظلال الأشجار؛ وكذلك حال سيارتنا، حالما وجدتْ مكاناً لها على طرف الطريق. تعرّفتُ هناك في الصالة على عددٍ من الفنانين، المشاركين بالمعرض. لوحظ من حديثهم، الذي تبادلوه معنا فيما كنا نشرب القهوة، أنهم يتوجسّون خيفةً على مستقبل الفنون التشكيلية في البلد. 40 " الحياة، هيَ إحراقُ أسئلة "؛ بحسب تعبير جين أور. هذا التعريف للحياة، ربما لا يقل غموضاً عن ماهية الحياة نفسها. ولكنني أفهمُ مغزى ذلك القول، بأننا معشرُ الكتّاب، وأيضاً الفنانون بالطبع، نُحيل أعوام حياتنا إلى أعواد ثقاب، مشتعلة واحدة وراء الأخرى، وذلك سعياً لإدراك حقيقة موقفنا من هذا العالم. أيضاُ كتجربة شخصية، رأيتني أهرب من مكانٍ إلى آخر بحثاً عن جوّ من الحرية، يتيح لي إثبات موهبتي الأدبية. لأنه لا أصعب على الكاتب، من تجاهل موهبته أو محاولة وأدها من قبل الآخرين. لقد كنتُ بعدُ في سنّ المراهقة، حينما تعاركتُ ذاتَ مساء مع والدي، الذي شاءَ أن يفرض عليّ طريقة تفكيره بشأن مستقبلي. بقيَ يلاحقني فيما أنا أجري هارباً، حافيَ القدمين، إلى أن رميتُ نفسي في منزل عمتي. بعدئذٍ انتقلتُ للعيش في منزل جدتي لأمي، عاماً كاملاً تقريباً. جين أور، كانت رفيقة حياة الكاتب الأمريكي، بول بولز؛ المعروف ب " نزيل طنجة ". لقد عاشَ في تلك المدينة المغربية زهاءَ نصف قرن، وفيها حققَ شهرته الأدبية. عُرفَ ككاتب قصة قصيرة، فضلاً عن تأليفه لثلاث روايات وكتابين في السيرة الذاتية وأدب الرحلات. قلّة أعماله الأدبية، أحالها بعضُ النقاد إلى طريقة حياته المعقدة، القلقة، بحيث كانَ مجبراً كل ثلاثة أشهر على المغادرة إلى إسبانيا كي يُتاح له الحصول مجدداً على فيزا الدخول للمغرب. أيضاً، كانَ مدمناً على الكيف، زاعماً أنه يساعده على التركيز في خلال الكتابة. من ناحيتي، لم أكتشف نتاج بول بولز إلا حينما كنتُ في زيارةٍ لطنجة في مبتدأ تعرّفي على المغرب؛ وكنتُ آنئذٍ قد اقترنتُ بفتاةٍ من مراكش. هذا مع أن أعمال بول بولز المترجمة للعربية قليلة، اقتصرت على بعض مجموعاته القصصية وسيرته الذاتية. عند قراءتي لهذه السيرة، دُهشت من تقاطعها، نوعاً ما، مع سيرة حياتي. فإنه في طفولته كان يميل للعزلة، وقلّما حظيَ بصديق في المدرسة. يَصفُ كذلك علاقته مع والده، المتوترة دوماً، لدرجة أن يتعارك معه ذات ليلة ويفر من البيت، فيما والده كان يلاحقه بالسيارة. ظنّ أيضاً مع تفتح وعيه على الحياة، أنه سيكونُ رساماً محترفاً في المستقبل. كذلك استهل مشواره الأدبيّ بكتابة الشعر، وهناك في باريس عرضَ بعض قصائده على جرترود شتاين، إلا أنها ثبّطت حماسته. في المقابل، فإنها هيَ من نصحته بالسفر إلى طنجة، التي التجأ إليها العديدُ من المثقفين الأوربيين في سنوات الحرب العالمية الثانية. أما شهرة بول بولز على مستوى العالم، فلم يحظَ بها إلا وهوَ قد تجاوزَ الستين. " حينما تزورُ المغربَ أول مرة، تتمنى أن تكتبَ عنه كتاباً، وبعد شهور تتمنى فقط أن تكتب عنه مقالة، وفي نهاية السنة تتمنى أن لا تكتب عنه شيئاً! "؛ هذا ما قالته إحداهن للكاتب المغربي، محمد شكري. إنه قولٌ، يعبّر عن صدمة الحداثة مع البدائية. فإن الكثير من المثقفين الأوربيين، يريدون الاقامة في المغرب والاستمتاع بشمسه وطبيعته الجميلة، وفي آنٍ معاً، يُصدمون من حالة الفوضى والفساد. عطفاً على تجربتي الشخصية، عقبَ سبعة عشرة عاماً من التنقل بين السويد والمغرب، فإنني لم أواجه هكذا اختبار. أساساً، نشأتي في بلدٍ شبيه بالمغرب ( سوريا ) من الناحية الإجتماعية بشكلٍ خاص، جعلتني مُحصّناً إزاء الصدمة الحضارية، التي مبعثها إقامتي الطويلة في بلدٍ متطوّر مثل السويد. ويمكنني المباهاة من ناحية أخرى، أن أكثر نتاجي الأدبيّ قد كتبته تحت سماء مراكش؛ بما في ذلك تسعة كتب من وحي البيئة المغربية. أحد الأصدقاء، الذين التقيتهم في دمشق مؤخراً، قال لي أنه متأكّدٌ بأنني سأنجز نصاً عن زيارتي لمسقط رأسي، التي اقتصرت على خمسة أسابيع. إلا أنّ دمشق، كانت مسكونة فيّ دوماً، ولعلني رأيتُ في مراكش صنواً لها من حيث الطقس والطبيعة والأماكن والحياة الإجتماعية والثقافية. بل إنني ألّفتُ خماسية روائية، بعنوان " الأولى والآخرة "، تتكلم عن مرحلة من تاريخ دمشق منذ نهاية القرن الثامن عشر وإلى منتصف القرن التاسع عشر. فضلاً عن خماسية روائية ـ سلالية، بعنوان " أسكي شام ". كذلك نشرتُ أربعة كتب في السيرة الذاتية، إلى أعمال أخرى؛ منها كتاب عن تاريخ المجتمع الكردي الدمشقي، كنتُ قد كتبت مسوداته الأولى قبل هجرتي من الوطن. هذه الهجرة، كانت إذاً توقاً إلى الحرية. ولا أدري، حقاً، ما لو كنتُ قد شعرتُ بالحرية لدى عودتي إلى وطني، المتخلّص تواً من الديكتاتورية. ولكنني أرى أملاً، مُبهماً، في العودة للاستقرار بمسقط رأسي؛ علّني، على الأقل، أتفرغ هذه المرة لنشر نتاجي الأدبيّ، ورقياً. ها هنا، ربما أختلفُ مع بول بولز، الذي كتبَ لأحد أصدقائه: " في كل مرةٍ رجعتُ فيها إلى مسقط رأسي في نيويورك، تبينَ لي أنه المكانُ الذي يقل حبّي للعيش فيه ".
( مدينة يافلي، كانون أول/ ديسمبر 2025 ـ كانون الثاني/ يناير 2026 )
#دلور_ميقري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
خمسة أسابيع في دمشق 3
-
خمسة أسابيع في دمشق 2
-
خمسة أسابيع في دمشق
-
المهاجران من المسرح إلى السينما
-
فيلم الطفولة الكردية، المغتالة
-
فيلم اليهودي والضياع الأخير
-
فيلم الكردي وحروب الآخرين
-
مصير أسرة في فيلم سوري
-
تراب الغرباء والتلاعب بالتاريخ
-
الترحال؛ منحوتة للطفولة والمدينة
-
الطحين الأسود ولعنة المكان
-
اللجاة؛ البيئة الدرزية سينمائياً
-
حسّيبة؛ الشام بحسَب يوميات إمرأة
-
شيء ما يحترق؛ عن الدرزي النازح
-
الطحالب؛ حكاية جرح سوري
-
باب المقام، المفتوح على الشغف
-
سُلّم إلى دمشق؛ التقمّص عشيّة الثورة
-
الليل؛ الفنتاسيا والواقع
-
أحلام المدينة أم كوابيسها
-
وقائع العام المقبل واختلال الوعي
المزيد.....
-
كيف يصنع الخوف ديكتاتورا؟ قراءة جديدة في فيلم -نيكسون-
-
-بجّعْد- المغربية في كتاب جديد يتناول تراثهاالعمراني والمعما
...
-
فرنسا -ضيف شرف- المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط
-
بالفيديو.. سقوط مروع لمصارع في الفنون القتالية
-
الصراحة المهنية وبناء ثقافة الشفافية المؤسسية
-
فيلم -صوت هند رجب- يرشح لجائزة أوسكار
-
أزمة الفنان محمود حجازي وزوجته تصل للنيابة.. روايتان وتحقيقا
...
-
معارض لندن لسنة 2026 تتحدى إيقاع الحداثة وتتصالح مع الفن الم
...
-
مهرجان دولي للصورة في طنجة تحت شعار -نداء البعيد-
-
فيلم -بعد 28 عاما-: رعب دائم وجائحة تحتل الذاكرة الجماعية
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|