|
|
خمسة أسابيع في دمشق 3
دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 09:56
المحور:
الادب والفن
21 دمشق، هيَ أقدم عاصمة مأهولة في العالم القديم؛ بحسَب المؤرخين الكلاسيكيين، والآثاريين اللاهثين وراء اللقى الدفينة، والجيولوجيين الباحثين عن رميم أسلافنا. إلا أن الشوام، عموماً، يؤثرون الأسطورة الدينية، القائلة أن سفح قاسيون هوَ مهبط آدم وحواء، مستدلين على ذلك بالكهوف المتعددة، التي يحكي كلّ منها جانباً من تلك الأسطورة.. وبشكل خاص، مغارة الدم، المنفتحة في الجبل بأعالي حيّ الأكراد، حيث آثار الدم المهراق لأول جريمة انسانية ( قابيل وهابيل )، ما فتأت تلطّخ أحد صخورها. وبناءً على تصوّر دينيّ آخر، ظهرت منذ القرون الوسطى، فئة تدعى " الأشراف "، تزعم إنتساب أفرادها سلالياً إلى الدوحة الهاشمية. ولو دقق المرءُ في أسماء غالبية تلك العائلات الشامية، لميّز مَن هيَ مِن أصول كردية أو تركية أو قوقازية أو حتى أمازيغية. أيّ عاصمة في المشرق، وليسَ دمشق وحدها، تعوّضُ رثاثة حاضرها بالتغنّي بقِدَم آثالها ومجدها الغابر. فيما أن عواصم أوربية عريقة، كأثينا وروما، يشعر من يزورهما اليوم، أنّ الأولى إمتدادٌ حيّ للحضارة الإغريقية وأن الأخرى مرآة فعلية للحضارة الرومانية. على ذلك، يلوح فخرُ الشوام بماضي مدينتهم، أقرب إلى كبرياء " عزيز قومٍ ذل ". إنهم يراقبون ما تشهده مدينتهم منذ سقوط النظام السابق من احتفالات صاخبة عن عودة ـ كذا ـ ماضيها الأمويّ. فإنّ قسماً كبيراً من أولئك المحتفلين، وهم من أهالي شرق سوريا، نُظر إليهم على الدوام نظرة استعلاء من لدُن الكثير من الشوام. بل لقد دأبَ هؤلاء الأخيرين، بنظرتهم الضيّقة، على التمييز بين مواطني مدينتهم أنفسهم: فساكنو المدينة القديمة، هم الأصلاء حُكماً. بالدرجة الثانية، يأتي سكان الأحياء خارج السور؛ كالميدان والشاغور والصالحية والأكراد. أما بشأن الآخرين، وبالأخص مَن يدعونهم بسكان المستوطنات، فإنني أذكر هنا قول صهر أحد أعمامي، وهوَ بنفسه دمشقيّ من أصل كرديّ: " كل من يقيمون على بُعد سبع كيلومترات من مركز المدينة، أعتبرُهم غجراً! ". إلا أن الإنسان، بصرف النظر عن أصله وفصله، كانَ وسيبقى أهمّ من المكان. ولا أدل على ذلك، من نَسْب بعض المدن السورية إلى قادة مشاهير، كانوا في حقيقة الأمر غرباء عن البلد؛ دمشق صلاح الدين، حمص ابن الوليد، حماة أبي الفداء. ومثلما قال لي أحد الأصدقاء، بنبرة يشوبها الحسرة: " سيتعيّن على الشوام، الذين عانوا ستين عاماً من حكم أجلاف الطائفة المختارة، أن يصبروا قليلاً أو كثيراً على حكم المحررين من طائفتهم، المنتمين أيضاً إلى الأرياف القريبة والبعيدة ". ها أنا ذا، أخيراً، في مسقط رأسي. وأقول لأصدقاء الطفولة والصبا: " كل يوم أستيقظ فيه بدمشق، يُعادل سنين غربتي كلها ". هؤلاء الأصدقاء، هم جيراننا من آل كرّي عيشة، وأقاربهم من آل عبده خالد. إنهم يمتلكون بعض محلات بيع الذهب، المتراصفة على الجدار الأيمن لمسجد صلاح الدين. من خلال أحدهم، وهوَ صديقي في الفيسبوك، علموا سلفاً بعودتي. قلت لهم، معتذراً: " في خلال الأسبوع المنصرم، عليّ كانَ البقاء في البيت لاستقبال الأقارب أو الخروج لزيارة الآخرين، الذين يعانون من المرض ". شاركتهم في حلقة جلستهم المألوفة، المقابلة لمحلاتهم، تُدْفِئنا شمسُ الصباح وأقداحُ الشاي. نتكلم عن الماضي أكثر من الحاضر، فنسترجع أيضاً ذكرى من رحلوا أو من هاجروا. بفضل هذه الحلقة الحميمة، التقيتُ يومئذٍ بالمزيد من الجيران والمعارف، الذين كانوا يتسوّقون أو يمرّون بالمكان عَرَضاً.
22 ليسَ محلات الذهب، حَسْب، مَن تتمتع بالجدّة والأناقة، ثمة في شارع صلاح الدين. ففي الجهة الأخرى من المسجد، الذي يحملُ اسمَ السلطان الأيوبيّ، تتوالى أيضاً المحالُ التجارية، المتنوّعة الأغراض، علاوة على عيادةِ طبيبٍ هنا واستديو تصوير هناك. أما بقية الشارع، الممتد من مفرق طريق برنية غرباً وحتى جادة ابن العميد شرقاً، فقلما يجد المرءُ فيه حركة تجارية. اللهم سوى سوق خضار مصغّر، يركن على رصيف الشارع بالقرب من مسجد صلاح الدين. مقابل هذا الأخير، وصعوداً باتجاه موقف المقاومة، تتشكّلُ جادة فارهة مكتظة بالمتاجر على الجانبين. وهذا حالُ جانب شارع ابن النفيس، المتجه من مفرق ساحة شمدين إلى مفرق أوتستراد الفيحاء بالقرب من مستشفى المنار. وإذاً تركتُ حلقة الأصدقاء، الملتمّة بمقابل محلات الذهب الخاصة بهم، وذلك عندما استأذنوا مني في الذهاب لأداء صلاة الظهر في المسجد المجاور. رأيتني من ثم أرتقي الجادة، باتجاه شارع ابن النفيس. حركة المتسوقين، كانت ملحوظة في الجانب الأيمن من الجادة. على الجانب الأيسر، ما فتأت مكتبة المنصور موجودة، وأحتفظ بذكرى جميلة منها. فإنني كنتُ في مبتدأ عقد الثمانينات، معتاداً على شراء مجلة " الحرية " هنا، والتي نشرت أولى رسومي الكاريكاتيرية. شريط آخر، أكثر كثافة، تتأثله ذاكرتي حين مروري من أمام مدرسة ابن العميد الثانية، التي أنهيتُ فيها سنوات الإعدادية. المدرسة تقع على الجانب الآخر من الشارع، تتهدلُ على جدرانها عرائشُ المجنونة والياسمين، فيما هاماتُ الأشجار الشائخة تظللُ المكانَ. على زمن دراستي، كانت هذه المدرسة أشبه بالسجن؛ فلم يكتفوا بالجدران العالية، بل رفعوا من فوقها أيضاً شبكاً معدنياً قاتم اللون. آنذاك، كانت الجادة خالية تقريباً من المحال التجارية، باستثناء فرن حديث ودكان كنا نشتري منه حلوى الحبوب. حتى جامع صلاح الدين، كانَ في طور الإنشاء. شارعُ ابن النفيس، وهوَ الشارعُ الرئيس في حي ركن الدين، يًشكّل مع نهر يزيد خطين متوازيين تقريباً. على ذلك، ندرك لِمَ خلا جانبُ الشارع عند جهة النهر من المحلات التجارية. ضفتا النهر، أعيد تشكيلهما بالخرسانة، كذلك الأمر مع الجسور الكائنة فوقه؛ وغالبيتها مستعملة من لدُن المشاة والمركبات على حدّ سواء. مع أنّ الجديد يجب أنْ يهزمَ القديمَ، بيد أنني تحسرتُ على منظر النهر مثلما احتفظت به ذاكرتي قبل مغادرتي الوطن إلى المهجر. فعلى طول النهر، آنذاك، كانت ضفتاه حافلة بأنواع الأشجار، بالأخص الصفصاف والحَوْر، فضلاً عن مختلف الأزهار والنباتات. كان النهرُ عميقاً وسريعَ الجريان، بحيث وقعت فيه أكثر من حادثة غرق بشرية. من النهر، كانت تجري السواقي باتجاه بساتين الحي، وما زال خريرُ مياهها العذبة يُداعب أذني مع أصوات الضفادع والطيور. كل ذلك التغيير، جدّ بالطبع مع ارتفاع الأبنية الحديثة في مكان بيوت الحارة القديمة؛ وهيَ الأبنية، المحدقة بالنهر من ضفته الشمالية. لعل البيت القديم، المتوحّد هناك، لم يكن سوى مسكن القائد الشيوعي، خالد بكداش. إلا أنه تغيّر عليّ، بسبب زوال سقفه القرميديّ والاستعاضة عنه بسقف من الحجر النحّيت. بدلاً من محرس الرفاق، انبثق من هذا البيت التاريخيّ محلٌ عصريّ. تكلمتُ مع الشاب الوسيم ذي اللحية الشقراء، المالك للمحل ( وكان من فلسطينية الحي )، فأفادني بأنه منذ يوم التحرير لم يأتِ أحد إلى هذا البيت. أبعد إلى الغرب باتجاه ساحة شمدين، يقبعُ بيتٌ تاريخيّ آخر، مطلٌ أيضاً على نهر يزيد. إنه قصرُ محمود باشا يوظو، المنتمي لطراز العمارة العثمانية، والمؤلّف من دورَيْن مع عددٍ كبير من الحجرات. هذا القصر، كانَ قد انتقلَ من ملكية إلى أخرى عبرَ السنين. ممن أقام هناك قديماً، كانت عائلة البروفيسور عصمت شريف وانلي، الشخصية الوطنية الكردية المعروفة. في يوم آخر، سأتعرّف على أحد ساكني القصر؛ وهوَ عديلُ صديقي، كمال آله رشي.
23 نهرُ يزيد، كان بمثابة شريان الحياة لحي الأكراد. مياهه العذبة، كانت تستعمل للشرب والضرورات اليومية الأخرى. منذ القِدَم، ابتكرَ الأهالي طريقة فريدة في إيصال المياه من النهر، عبرَ مسارب تحت الأرض، ليصار من ثم إلى استخراجها من الآبار. كل بيتٍ كانَ فيه بئرٌ، يُجَر منه الماء بوساطة الدلو. واستمر هكذا الحال حتى بداية العقد الثاني من القرن المنصرم، حينما استعيض عن ذلك بمياه مؤسسة الفيجة، التي صارت تصل للمشتركين بوساطة أنابيب معدنية. كونه شريان حياتهم، فإن الأهالي في ذلك الزمن حرصوا على نظافة النهر كي تبقى مياهه نقية، فلم تكن تصبّ فيه مياهُ الصرف الصحي أو حتى ترمى إليه بقشرة بطيخ. وأتذكّر من ناحيتي، أننا كنا في زمن الطفولة نشربُ مباشرة من النهر آنَ سباحتنا في مياهه، وأننا لم نصدف مرةً ورأينا أياً من القوارض على ضفتيه. كذلك كانَ حالُ الساقية الرئيسة، التي كانت تخرج من النهر عند البقعة المشجّرة، المسماة " رزي آني: كرمُ الأم "، فتجري عبرَ أقنية اسمنتية ( قساطل ) تحت أرضية شارع ابن النفيس وجادة ابن العميد، لتخرجَ من ثم في مبتدأ بساتين الحارة. هذه الساقية، المحدق بضفتيها أشجار مثمرة من كل نوع فضلاً عن النباتات والقصب، كانت تتفرّع بعدئذٍ إلى فرعين: أحدهما، يسير بمياهها نحو غرب الحي عند غيضة الحَوْر. فيما الفرع الآخر، يروي البساتين الشرقية المزدهرة، المسمّاة " الدايرة "؛ كناية عن دوران الساقية هناك وتشكيلها ما يشبه الجزيرة. إذا كنتُ لم أصدَم بالمنظر الرث للنهر، عقبَ عودتي للوطن، فذلك لأنني عبرَ سنين فائتة قد سبقَ وشاهدتُ في يوتيوب ما حل به من جفاف، بحيث غدا مكاناً ترمى فيه أكياسُ القمامة. إلا أن البلدية، قامت مؤخراً بحملة تنظيف شاملة للنهر، استعمل فيها أحياناً البلدوزرات. هذا أدى تدريجياً إلى زوال الرائحة الكريهة، التي كانت تنبعث من تلك القمامة علاوة على المياه الراكدة الآسنة. وها أنا ذا أسيرُ على الضفة العليا للنهر، متجهاً صوبَ مكتب مختار الحي. لقد شقّ هنا طريقٌ اسفلتيّ، يتصل بين جسر النحّاس ومنطقة المقاومة، مخصصٌ للمشاة والمركبات على حدّ سواء. أبهجني ثمة على طول الطريق، مرأى الأشجار المثمرة من نارنج وتين وزيتون ونخيل، المستعملة كأشجار زينة. بينما في الأسفل، على جانبيّ شارع ابن النفيس، اقتصر الأمرُ على وجود أشجار الزيتون علاوة على أشجار زينة غير مثمرة. بوصولي إلى مكتب المختار، رأيته مغلقاً؛ إذ صاقبَ ذلك حلولُ صلاة الظهر. لم أشأ الانتظارَ، بل عدتُ أدراجي نحوَ منطقة المقاومة، لكي أجتمع مع أصدقائي، الذين يمتلكون هناك محلات بيع الذهب. أنحدرتُ أولاً لأقطع الشارع الرئيس، ومن ثم واصلتُ الانحدار باتجاه شارع صلاح الدين من خلال مفرق المخفر القديم. بمكان هذا الأخير، حلّت دائرة نفوس الحي، التي حصّلتُ منها في اليوم السابق شهادة اخراج قيد. فلم يبقَ لكي تكون الشهادة مكتملة، سوى ختم مختار الحي. اجراءات الحصول على شهادة إخراج قيد، كانت شبيهة بمثيلتها في بلد المهجر. فلم تستغرق سوى دقائق معدودة، وبدون حاجة لتكلّف ثمن طابع أو خلافه. نفس الأمر، سبقَ أن لحظته على الحدود من الجانب السوري، وكذلك حينَ غادرتُ الوطن مستعملاً ذات المعبر الحدودي. فيما الجانب اللبناني، صار يفرض دفع مبلغ 12 دولاراً على كل سوريّ يدخل إلى بلدهم.
24 حينما حننتُ، عصرَ أحد الأيام، للقاء صديقٍ قديم، فإنها كانت مناسبة كي أرى ما حلّ من تغيّرات في الجادات العليا من الحي. كانَ من المؤمل أن يرافقني أحد المعارف، إلا أنني قررتُ أخيراً المضيّ وحيداً. فالصُحبة، كانت ستمنعني من تأمّل الطريقَ ومعالمه؛ وهذا ما كنت آمله من جولتي بالأساس. ينبغي التنويه منذ البدء، بأنّ كرد الحارة الأصليين، هم مَن سكنوا الأزقة، المنفتحة على جادة أسد الدين؛ سواءً الأزقة، التي كانت متصلة شمالاً مع المنحدرات الجبلية، أو تلك المتصلة جنوباً بنهر يزيد. بيوت هذه وتلك، هيَ وحدها من تملك الطابو؛ وهيَ من شملها التنظيم العقاري، الموضوع من قبل المحافظة منذ نهاية عقد السبعينات، والهادف أساساً إلى إحلال عمارات حديثة بمكانها. هكذا خرجتُ من منزل شقيقتي، الكائن في جسر النحّاس، وكانَ الطقس ما فتأ دافئاً في هذا الوقت من الخريف. وُجْهتي كانت إلى الشرق، وتحديداً نحوَ حارة الكيكية، أينَ الطلعة المفضية إلى مسكن صديقي. لقد صرتُ متآلفاً مع المنظر الجديد للجادة، المُعبّر عنه خصوصاً باختفاء بيوتها القديمة. ولكنني، للمفارقة، كنتُ قد غادرتُ للتو أحد تلك البيوت القديمة. فبيت الصهر، الذي استضافني عقبَ عودتي إلى دمشق، كانَ جزءاً من محضر كبير عليه بعدُ إشكالات بين الورثة، ما حالَ دونَ إرتفاع عمارة بمكانه. حركة المركبات على الجادة، المقتصرة على الإتجاه شرقاً، كانت كالعادة تخلّف الضوضاءَ هيَ والدراجات النارية. هذه الأخيرة، كانَ يقودها فتية، مستهترون غالباً، يأتون بأقصى سرعة من الإتجاه المخالف. أما بشأن المحال التجارية، القابعة تحت العمارات الحديثة، فلعل القارئ يذكر أنني شبّهتها بشارع الشعلان، الشهير. فالمطاعم هنا على الجادة، أضحت تؤمن للأهالي كل ما يرغبونه من أنواع فطائر اللحمة والجبنة والزعتر، فضلاً عن المعجنات الأخرى. بينما في الزمن الأول، كانَ الأهالي مضطرين للمرور بين الجزّار والفرّان لكي يتم تحضير الصفيحة ( اللحم بالعجين ). فيما أن فطائر الجبنة والزعتر، لم تكن متوفرة سوى بالمدينة. الحق، أن كل ذلك كانَ جديداً عليّ وحدي؛ أنا مَن قضى في الغربة قرابة الأربعة عقود، لم يتسنّ لي في خلالها زيارة الوطن. كذلك بالطبع غابت عن ذاكرتي ملامحُ الأمكنة ومعالم الطريق، بما جدّ عليها من تغيّرات جذرية. فلم أستطع، على سبيل المثال، تحديد مكان بقالية آدم؛ وصاحبها، الطريف الطبع ( قريبنا وشقيق الزوجة الأولى لجدّي لأمي )، هوَ من منحَ اسمه لهذه المنطقة وأيضاً لموقف الحافلات العامة على الشارع الرئيس. بعد تلك البقالية الأثرية، كانَ من المفترض أن يركن محلُ الحلاق أبي حسن قركجي، إلا أنه بدَوره اختفت آثاره. شقيقُ الحلاق، أبو راشد، كانَ صديق عُمر والدي، وشغلَ وظيفة مدير مكتب وزير المواصلات. من الزقاق، الذي كانَ يركنُ فيه محل ذلك الحلاق، كانَ بمقدوري الوصول بشكلٍ مختصر لمسكن صديقي. غير أنني فضّلتُ متابعة طريقي بحسَب خطتي، المَوْسومة سابقاً. وها أنا ذا أضعُ قدميّ بمبتدأ طلعة الكيكية، التي صارت مكاناً لفوضى المواصلات وضوضائها. فهنا تتصالبُ جادة أسد الدين، مع الطريق القادم من شارع ابن النفيس باتجاه الطلعة تلك. ومثلما نوهت أكثر من مرة فيما سلف، أنّ هنا يوجد أيضاً الموقفُ الرئيس لما يُدعى ب " سوزوكي ركن الدين "؛ وهيَ السرافيس، التي تنقل المواطنين إلى الجادات العليا، المنحوتة في المنحدرات الجبلية. ألقيتُ نظرة على شرفة مسكن صديقي كمال، المطلة على الجادة، ولكنه لم يكن جالساً هناك. لطالما عبّر لي عن ندمه على شرائه هذه الشقة، لما يحفل به المكانُ من ضوضاء. أما أنا، القادم من بلدٍ أوربيّ شماليّ يسوده هدوءٌ عريقٌ حدّ الضجر، فإنني كنتُ أحسد صديقي على حظوته بهكذا إطلالة! 25 حارة الكيكية، أضحى مدخلها أكثر اتساعاً بعدما تمت إزالة أحد البيوت القديمة إلى يساره، بحيث نهضت هناك عمارة حديثة. في أول الحارة إلى اليمين، يقع منزلُ أسرة الفنان أدهم الملا، الذي لم يحظَ بعدُ بفرصة التحوّل إلى عمارة حديثة، وذلك بسبب إشكالات قانونية. بمقابل المنزل، كوّنت محالُ الخضرة والفواكه سوقاً مصغّراً. بينما في زمنٍ سابق، إشتهر هنا محلُ " منّان "، العفريني. كذلك " فلافل شعلان "، هوَ من معالم الحارة. على هذه الجهة، المشكّلة الجدار الجنوبي لمسجد ملا قاسم، ثمة مفرقٌ إلى اليسار كانَ من الممكن أن يوصلني لمسكن صديقي في خلال دقائق قليلة. مع ذلك، فضّلتُ مواصلة ارتقاء الطلعة باستقامة. فإطالة الطريق، كانَ من المؤمل أن تضعني في صورة المتغيّرات في جادات الحارة العليا، والمتوافقة مع حنيني إلى الأمكنة ومعالمها. حارة الكيكية، بقيت تقريباً بمنأى عن نشاط متعهّدين البناء، باستثناء عمارة حديثة هنا وأخرى هناك. فمنزل أسرة القيادية الشيوعية، وصال فرحة، المجاور لمسجد ملا قاسم، لاحَ من جدرانه المتداعية كأنه مهجورٌ. على صفه، ثمة دخلة يتصدرها منزلُ عمي الكبير، استأجرته أسرة مسيحية من حمص ردحاً طويلاً من الزمن. الدخلة المقابلة، المُعرّفة باسم آل خرسي، باتت ممراً إلى زقاق الميقري، تحدقُ به بعض العمارات الحديثة. ثمة شجرة تين، معمّرة ومتوحّدة، لا بدّ أنّ ذاكرتها تحتفظ بمجد حديقةٍ داثرة. قبل مواصلة ارتقاء هذه الطلعة، يتعيّنُ عليّ الإشارة إلى أن أغلبَ العائلات هنا، المنتمية لعشيرة الكيكان، هم من فرع فرحة غزالة. علاوة على عائلات أخرى، تنحدر من ديريك جيا مازي. هؤلاء الأخيرين، انتقل العديدُ منهم على مر السنين إلى ألمانيا. حارة الكيكية، المنتهية عند منزل آل بوبو ـ حسني، المتحوّل لعمارة حديثة، ستلتقي هذه المرة مع أعلى زقاق الميقري. هنا كانَ يقع منزلُ آل سينكي ( مللي )، الكبير المساحة للغاية؛ بحيث انفتحَ على ذلك الزقاق جنوباً، وعلى دخلة آل كَوشتو شمالاً. لقد ظهرَ في مكانه عمارتان. من بعد، لعلنا لن نمر بأي أبنية حديثة حتى نصل إلى العمارة القديمة لآل النقشبندي، المشرفة على ساحة فسيحة، يلتقي فيها خمسة دروب بإتجاهات مختلفة. إلى يسار الساحة، تتراصفُ عدة محال تجارية. كذلك يقع هناك منزل أسرة الفنان الصديق، عبد النور بلكة. هذا المنزل، يتجاور من ناحيته الشمالية مع كل من بيت خال والدتي وبيت جدّتي لأمي. الدرب، الصاعد باستقامة من تلك الساحة حتى المنحدرات الجبلية عند المغارة السوداء، تقع على جانبيه بيوتُ مواطنين من محافظة السويداء؛ فَعُرف المكانُ باسم " حارة الدروز ". غالبيتهم توطنوا هنا منذ مستهل عقد الستينات من القرن المنصرم، الذي شهدَ تطورات سياسية أدت لانتقال العديد من الريفيين إلى العاصمة بحكم خدمتهم في الجيش أو في الوظائف العامة. عموماً سادت علاقات حُسن جوار بين الكرد والدروز، خصوصاً وأن الكثير من شباب الجماعتين قد تبنوا الأفكار اليسارية. إلا أنني أخذتُ طريقي إلى يسار ذلك الدرب، بما أنّ منزل صديقي يقعُ تحت مسجد النصر. كانَ الظلامُ قد بدأ بالزحف رويداً، حينما أخذتُ أحث الخطى على هذا الطريق الوعر، الأشبه بمنحدر الوادي، والذي جعلني أقف أكثر من مرة لالتقاط أنفاسي. هنا أيضاً، لا وجود لعمارات حديثة. ولكن في المقابل، عمدَ بعضهم إلى بناء أدوار جديدة، بشكل مخالف للقانون، مستفيدين ربما من حالة الفوضى في خلال سنوات الحرب الأخيرة. هذه المنطقة، عُرفت كذلك باسم مكوّن اثنيّ آخر؛ " حارة الشراكسة ". فإن غالبية هؤلاء المتوطنين هنا، قد نزحوا من القنيطرة وريفها إبان حرب 67. هذا مع أنّ وجود الشراكسة في الحي أقدم عهداً ولا شك، بحيث نشأت علاقات مصاهرة كثيرة بينهم وبين الكرد. مع وصولي إلى قرب منزل عمتي، الكائن في تلك الحارة، أضحى السيرُ على الطريق خالٍ من المشقة. فطريقي بدأ عندئذٍ بالانحدار، فتجاوزتُ مسجدَ النصر لأنعطف يساراً إلى الدرب، المؤدي في نهايته مجدداً إلى حارة الكيكية. مع أن المعالمَ هنا لم يطرأ عليها تغيّر يُذكر، إلا أنني أضطررتُ لسؤال أحدهم عن منزل صديقي. هذا الأخير، ما عتمَ أن فتحَ لي البابَ؛ ولكنه لم يتعرّف على شخصي للوهلة الأولى.
26 فيما سلف، وأكثر من مرة، جازَ لي تشبيهُ جادة أسد الدين بشارع الشعلان، الشهير. هذا الأخير، هوَ أوفرُ كثافة بالمحال التجارية من الجادة؛ إلا أنه، في المقابل، أقل مساحة ولا جدال. على أنّ الشعلان، يمتلكُ ميزةً ضافية، تتمثل في وجوده على طرف أهم سوقين عصريين في دمشق؛ جادة الصالحية وشارع الحمراء. قبل مغادرتي الوطن إلى المهجر، لم يكن الشعلان يعني لي أكثر من كونه ممراً لجولة مألوفة، دأبتُ على القيام بها استعداداً لحضوري عرضاً سينمائياً؛ أو ببساطة، لداعي التسلية والترويح عن النفس. كانت جولة، مخططها على شكلٍ بيضويّ تقريباً. وكانت تُستهل، إذاً، من أمام إحدى دور السينما ( غالباً صالة الكندي )، ومن ثم إلى جادة الصالحية، التي كانت زمنئذٍ ملعبَ فتيات الشام، بحسنهن وأناقتهن. بعد ذلك، كنتُ أرتاحُ قليلاً على أحد المقاعد في ساحة عرنوس، المظللة بالأشجار، قبل التحرك نحو شارع الشعلان. ثمة في نهاية الشارع، كانت حديقةُ السبكي، المترامية على مساحةٍ وافرة، تغريني أحياناً بالمكوث فيها لدقائق قليلة، وذلك قبل مواصلة جولتي. وإلى الحديقة الأخرى، المدفع، الأقل حجماً، أين يقعُ على طرفها محلُ " نورا " الشهير، ومن ثم العودة مجدداً باتجاه مركز المدينة. جولةٌ مماثلة إلى حدّ ما، لا مناصَ من قيامي بها، عقبَ عودتي إلى الوطن. هذا ما اقترحته على شقيقتي في أحد الأيام، ومن ثم انضمّت إلينا ابنة عمّنا، القادمة من هولندا. كانَ الوقتُ يميل إلى الغروب، مع طقسٍ رائع، حينما أخذنا كالمعتاد سيارةَ الأجرة من جانب موقف جسر النحّاس. بسبب ألم في قدم شقيقتي، ارتأينا اختصارَ الجولة؛ فطلبنا من السائق، المضيّ بنا رأساً إلى شارع الحمراء. هذا الشارع، الذي غدا قلبَ المدينة التجاريّ، لحظنا حالَ ترجلنا من السيارة، أن حركة المتسوقين فيه قليلة. ذلك بالطبع، عائدٌ إلى سوء الأحوال المعيشية لمعظم طبقات المواطنين. بالرغم من الإنارة المبهرة في المحال التجارية، إلا أنّ المرءَ يشعرُ بأن السوقَ قد أضحى أشبه بوردةٍ في أوان الخريف، آيلة إلى الذبول والاضمحلال. عقبَ جولةٍ على محال الألبسة النسائية، نأيتُ فيها بنفسي جانباً، كانَ الوقتُ قد حانَ لترك شارع الحمراء والذهاب إلى شارع الشعلان. أخذنا طريقاً فرعياً، يتصلُ بين الشارعين، حلّ فيه هدوءٌ مباركٌ ببعده عن ضوضاء السيارات. إلى أن بلغنا مبتدأ الشعلان، ليصمّ سَمَعَنا أصواتُ الباعة والمتسوقين على حدّ سواء. كانَ الزحامُ على أشدّه، كأننا في يوم العيد. وما فاقمَ ذلك، تمثّل في البسطات، المتراصفة على جانبيّ الشارع، وغالبيتها تغري الناسَ البسطاء بسعر زهيد للأطعمة والحلوى والمشروبات الخفيفة. فيما منافساتها الأكثر رصانة، كالمطاعم ومحلات الحلويات وأكشاك العصائر، فإن زبائنها كانوا ولا شك من ذوي الدخل العالي. علينا كانَ أن ندخلَ إلى محل حلويات دمشقية، ذائع الصيت بالجودة، لكنه كانَ من ضيق المساحة أن زبائنه اعتادوا على تناول أطباقهم على الرصيف. طلبنا كنافة نابلسية، ومن ثم ارتأينا التوجّه بها إلى حديقة السبكي، المجاورة. على عكس ما ألفته في مراكش، فإن الحدائقَ في دمشق تبقى مفتوحة طوال الليل. ولو شئتُ المقارنة أيضاً بشأن حديقة السبكي، فإنها اليوم في أحلك أحوالها. أول ما يُدهش امرئٍ مثلي، كانَ من المرتادين المزمنين لهذه الحديقة قبل هجرته للخارج، أنها غدت بدون سورها المعدنيّ الأنيق. وعلى الأغلب، أن هذا السورَ كانَ يلزمُ اللصوص لبيعه لأحد محال الحدادة. بمكان السور الفقيد، أحيطت الحديقة بسياج هزيل ومبتور في أكثر من موضع. الأشجارُ بدَورها، تعاني من شيخوخة مبكرة. أما الأزهار، فلا وجود لها قط. العديدُ من مقاعد الحديقة، غير صالحة للجلوس. فيما الأتربة والقمامة، قد جعلت تمييزَ المماشي في غاية الصعوبة. بل إنني لم أتعرّف على بركة أيام الزمن الجميل، وكانت حافلة بالبط والأوز، فانقلبت الآنَ إلى مستنقع آسن لا حياة فيه سوى للهوام.
27 حينما يتجاوز الإنسانُ سنّ السبعين، هنا في الوطن، فإنه لا يُعدّ محظوظاً كثيراً. فمن الناحية الجسدية، فإنه يتوهم أنّ الأمراضَ تهاجمه بشراسة، بحيث تجد على الطاولة الصغيرة عند سريره، كماً وافراً من الأدوية، ربما لا يحتاج إلى أكثرها أو أنها تخصّ عللاً لا يُعاني منها، ولكن كتبها له طبيبٌ حريصٌ على اثبات مهارته للزبائن المساكين. على خلاف ذلك، بالطبع، تجري الأمورُ في أوربا، التي عشتُ فيها ردحاً مديداً من الزمن. وأكادُ أضعُ الأصدقاءَ في حالةِ ريبة، حينما كنتُ أقول لهم أنني نادراً جداً ما احتجتُ لدواء في غربتي. على ذلك، كانَ الحديثُ المفضّل لأغلب مَن يزورنا مِنَ الأقارب والمعارف، ثمة في بيت شقيقتي، يُداور حولَ الأمراض والأدوية. لم أحاول مرةً قط، إعتراضَ قناعاتهم عن طريق البرهنة على خطلها. إذ اعتدتُ، حَسْب، على مجادلة الأصدقاء، وبالأخص المثقفين منهم. فأنا مؤمنٌ بقول محمد شكري، الأديب المغربي: " يجب أن نكونَ بدويين في البادية، ومتحضّرين في الحاضرة ". لحُسن حظي، على المنقلب الآخر، أنّ طبعي بعيدٌ عن الوسوسة من ناحية النظافة. وإلا كنتُ سأقضي إجازتي في التذمّر وإسداءِ النصح، ما قد يضعني في شبهة التكبّر والغرور. ما ساعدني على تجاهل العديد من تلك الأمور، هنا في دمشق، أنني عشتُ في المغرب طوال سبعة عشرة عاماً بصفة المُقيم تقريباً. فلم أكن أوحي لأحدٍ هناك، بأنني سائحٌ؛ لأنني لم أكُنْهُ بالفعل. هذا مع أنني طالما كنتُ خارجَ المنزل، فقد اعتاد المغاربة على مخاطبتي بالفرنسية. فالسوريون، كما هوَ معروف، الكثيرُ منهم على شبه بالأوربيين من ناحية الشكل. في حقيقة الحال، أنّ الكثير من المعلومات الطبية لأولئك الأقارب والمعارف، بل وربما لغالبية مواطنينا، مستقاةٌ من وسائل التواصل الإجتماعي. في هكذا مواقف، فإنني لم أكن قادراً أحياناً على لجم نفسي. فكنتُ أنبري للفور إلى دحض ما أسمعه من هذه القريبة أو ذاك الصديق، مِن وصفات ما أنزلَ الله بها من سلطان. إلا أنّ الغريقَ، كما يُقال، يتعلّقُ بعودٍ من القش. فكيف الحالُ في هذا المشرق، الذي غدا فيه الطب تجارة، ما شجّعَ الآخرون على اتباع أساليب الدّجل؛ من الحجاب إلى العلاج النبويّ إلى الرقيَة الشرعية..؟ في مكانٍ آخر من هذا النص، تحدثتُ بحَسْرة عن فقدان مكتبتي. وأستعيدُ الآنَ ذكرها، بمناسبة تطرقي لتأثر الخلق في زمننا بمعلومات وسائل التواصل الإجتماعي. فإنني وإن كنتُ قد أسستُ ثقافتي، بفضل قراءاتي لكتبٍ جدّية، أدبية وفلسفية، إلا أن ذلك لم يَقِني آنذاك من التأثر بمعلومة هنا وهناك، لأعكسها على سلوكي عموماً. في هذا السياق، أتذكّر أنني كنتُ في أوان المراهقة، أهتم بأناقتي الشخصية. بل إنني بسبب علاقتي المتينة بشقيقاتي، اللواتي يكبرنني بالعُمر، كنتُ أقدّم لهم ملاحظاتٍ صائبة تتعلق باختيار ملابسهن. إلى أن وقعَ بيدي كتابُ " ماياكوفسكي "، تأليف ليزا تريولي، وكانَ عُمري إذاك لا يتجاوز السابعة عشرة. هذه الكاتبة، كانت صديقة لذلك الشاعر الروسي العظيم، ومن ثم أضحت لاحقاً، هناك في المنفى بفرنسا، زوجة لشاعر آخر لا يقل موهبة وشهرة؛ لويس أراغون. في كتابها، المهم والشيّق حقاً، تحدثت المؤلّفة عن شخصية ماياكوفسكي، الصعبة المِراس، وعن حياته الشديدة التعقيد. فأوردت مثالاً عن مبلغ استهتاره وسخريته من الذوق العام، بأنه كانَ يتعمّد ارتداءَ ملابس غير متناسقة. وأنه ذات مرة، قوبل بالصفير من قبل الجمهور، حينما ظهرَ في أمسية شعرية وهوَ مُكتسٍ بقميصٍ أصفر فاقع. تلك المعلومة، آنفة الذكر، قلبت مفاهيمي رأساً على عقب بخصوص إختياري لملابسي. فإنني صرتُ أيضاً أتعمّد الظهورَ بملابس غير متناسقة، أو ذات الوان غير مألوفة بالنسبة للشباب. في هذا المقام، أتذكّرُ صديقي وقريبي، حسّون، الذي كانَ يصرخ فيّ حينما يوافيني إلى الموعد قبل ذهابنا لحضور أحد الأفلام: " كيف وأنتَ رسّام، تعجز عن انتقاء ملابس ذات ألوان متناسقة؟ ". أو يخاطبني بانفعال، في مناسبة أخرى، وهوَ يرى كوفية حمراء حول عنقي بدلاً من الشال: " منظرك يذكّرني ببائع المازوت الجوّال! ".
28 السيدة لاريسا، في سهرةٍ ضمتني وزوجها في شقتهما بمساكن برزة، اقترحت أن نمضي في صباح اليوم التالي إلى حي سوق ساروجة. هكذا جولة، كانت بحاجة لدليل؛ وهيَ ربما اعتقدت أنني أصلحُ لذلك، باعتباري ابن المدينة. لكنني سأخيّب أملها، إلى حدّ ما، وذلك في أوان الجولة، حينما كنتُ أبادر كل مرةٍ لسؤال أحدهم عن هذا الدرب أو ذاك المدخل. فالذاكرة، هيَ الضحية الأولى للغربة. صباحاً، وبحَسَب الموعد المتفق عليه مع الصديقين، رأيتني أراوحُ قدميّ أمامَ مقهى عصريّ، يقعُ بأسفل أحد الفنادق، ثمة على طرف ساحة السبع بحرات. الشمسُ كانت دافئة، فيما هواءُ الخريف المنعش قد اختلط برائحة عوادم السيارات. فتاةٌ جميلة، تتأملني من فوق شرفة إحدى حجرات الفندق. دقيقة على الأثر، وإذا بها قد أضحت على مقربة خطوات مني. راحت تنقل خطوها بتؤدة فيما هيَ تتشاغل بمحادثة في الموبايل، وكأنما لتعرض ردفها الممتلئ، المتفجّر من الجينز الضيّق. عادةً في مراكش، كنتُ أقل سلبية في هكذا مواقف، فأبادل بائعة الهوى بعضَ الكلمات على سبيل الفضول، أو التعزية، كوني لستُ الزبونَ المؤمل. أما هنا، في دمشق المُحافِظة، فإنني فضّلتُ عندئذٍ النكوصَ والسلامة. تلك كانت فرصة، لكي أتجه نحو المبنى المجاور، الأثريّ، الذي كانَ المقر الرئيس لحزب البعث المنحل. بدَوري، رحتُ أعرض جسارتي قدّام ذلك المبنى، فأتمشى هناك جيئة وذهاباً. في هذا المقام، أتذكّرُ في أيام النظام الساقط، كيفَ كنتُ أنزل حالاً من على الرصيف حينما أنتبه لوجود حارس أمام أحد المباني الرسمية. في الموعد المتفق عليه، شاهدتُ الصديقين عن بُعد وهما يجتازان الشارع. فالفرنجة، مشهودٌ لهم باحترام المواعيد ودقّتها. عقبَ تبادلنا بعضَ الاقتراحات بشأن الجولة، يممنا وجهتنا صوبَ شارع بغداد. كالمألوف، بعد غربة عقود من الأعوام، بدت العديدُ من معالم هذا الشارع الحيويّ غريبة عليّ. إلا أنني تعرفتُ بسهولة على معهد الحرية ( اللاييك )، بعمارته التقليدية وسقفه القرميديّ. على صف المعهد، وعلى أثر دقائق من المشي، لاحت لأعيننا قبة أيوبية قد حالَ لونها. قلتُ لأحمد، أن هذه القبة هي مثوى أرماس عددٍ من آل منكورس، أقارب الأمير ركن الدين، الذي منحَ اسمه لحيّنا الكرديّ: " لأنني سبقَ وزرتُ المكان، وذلك في نهاية عقد الثمانينات، وأعتقدُ أنني ما زلتُ أحتفظ له بصورة فوتوغرافية " " إذاً دعنا ندخل إليه، لالتقاط صور جديدة "، ردّ أحمد عليّ. المفاجأة، حينما صرنا في داخل القبة، أن المكانَ قد تحوّلَ إلى محل تجاري. تبادلنا الحديثَ مع صاحب المحل، فأكّد لنا أنه لم يعرف قط بوجود قبور هنا: " ولكن ربما من المُستحسن السؤال في المسجد المجاور ". انتقلنا إلى مكان العبادة ذاك، وكانَ آنئذٍ مشغولاً بطقس صلاة الظهر. ثم مالبثَ أن انبرى شيخٌ شاب، قائلاً أن مطلبنا موجودٌ في قبو المسجد. حينما عاينّا المكانَ، بعدما اجتزنا عدداً من الدهاليز، إذا هوَ ضريحُ أحد الصحابة. هتفَ أحمد، بانفعال: " وإذاً، أين اختفت تلك القبورُ الأيوبية؟ ". ما عتمَ تجوالنا أن قادنا إلى معلمٍ آخر، متخم هذه المرة بالمتوسّدين التراب. إنها مقبرة الدحداح، الشهيرة، التي هيَ من الاتساع أن ينفتح مداخلها على عدّة حارات؛ منها مَن تتبع حي سوق ساروجة. ليسَ بدون صعوبة، عثرنا على أقرب مدخل. الأضرحة هنا، عموماً، تنتمي لعراقة الرخام والمرمر، لكون أصحابها من ذوي المقام الرفيع. وجودُ الأشجار، اقتصرَ تقريباً على ذلك المدخل، وعلى الأرجح لكي لا تزاحم أماكن الدفن. قلتُ لصديقي، أن علينا البحث عن ضريح عبد الرحمن باشا اليوسف الزركلي، أول رئيس برلمان في الدولة السورية. هزّ أحمد رأسه، وكأنما كانَ متشككاً من المعلومة. مع تساقط قطرات من الغيث، كنا قد اهتدينا إلى ذلك الضريح، وكانَ يثوي تحت عمارة مهيبة، مرقّشة بالزخارف النباتية والآيات الكريمة. بعدئذٍ، اقترحتُ عليه أن نبحث عن ضريح حسني الزعيم. إلا أن ذلك كانَ عبثاً، ونحنُ في هذه المتاهة من الممرات، التي تتراصف فيها القبور. ولكن بحثنا لم يكن بلا جدوى، على أيّ حال. إذ تيقنّا أن حوالَ نصف هؤلاء الراقدين تحت التراب، هُم من منبتنا الكرديّ.
29 وُجْهة جولتنا، إذاً، كانت حي سوق ساروجة، وكنا قد خرجنا للتو من مقبرة الدحداح، عبرَ مدخلها الجنوبي. مشينا لنحو ربع ساعة، دونما أن نصادفَ الدروبَ القديمة، المفترض أن أزقة ذلك الحي تقع على جانبيها. عندما سألتُ أحد الأشخاص، وكان يجلسُ مع آخرين بمقابل محل تجاري، عن جامع الورد، فإنه أبدى جهله به. لما تعجّبتُ من عدم معرفته لهذا المعلم الشهير في سوق ساروجة، فاجأني بأننا الآنَ في منطقة القزازين: " عليكم مواصلة السير جنوباً للوصول لهدفكم ". في حقيقة الحال، أن ما يُعرف باسم " السويقة "، وهوَ تصغيرٌ لغويّ للسوق، يُعدّ قلب حي سوق ساروجة. وواضحٌ أنّ الاسمَ الأول للحي، مستمدّ من تلك السويقة. سيكتملُ فهمنا لاسم الحي، بمعرفتنا أنّ " ساروجا " كانَ من قادة المماليك، ويُعزى إليه تأسيسُ الحي. ولكن ها هنا يوجد المدرسة الشامية البرانية، التي أشادتها زمرد خاتون ( ستّ الشام )، الشقيقة الصغرى للسلطان صلاح الدين، ما يدحضُ ذلك الزعم؛ وهوَ دلالة، من غير شك، على أن الأيوبيين هم من وضعوا أساسَ حي سوق ساروجة. المرة تلو الأخرى، علينا كانَ أن نسألَ الآخرين عن موقع أقدامنا، وكنا ما نفتأ بعيدين عن قلب الحي المقصود. بل إننا في هذه المتاهة من الدروب، رأينا أنفسنا على حين غرّة في أقصى الطرف الشرقي من الحي، أينَ ترامت الأراضي الزراعية واختفت آثارُ العمران. بيد أن هذا التيه، رفدَ جولتنا بمشاهدات ممتعة لفن العمارة التقليدية، سواءً للدُور أو الدروب. على عكس حي القيمرية، الذي تخلو ممراته من الأشجار بسبب ضيق مساحته كما حالُ المدينة القديمة عموماً، فإنك في دروب سوق ساروجة، ستلقى أينما سرتَ شجرة تين هنا وعريشة مجنونة، أو ياسمينة، هناك. أبوابُ البيوت، هيَ لوحدها تحفٌ فنية. وكذلك المشربيات، التي مهمتها إخفاء نساء الدار عن أعين الغرباء. في هذا الشأن، من المُدهش معرفة أن ثلثي أهالي الحي هُم من الإناث؛ وهيَ نسبة غير مألوفة في باقي أحياء دمشق. في مكانٍ آخر من النص، سبقَ أن ذكرتُ كيفَ عثرنا على ضريح عبد الرحمن باشا اليوسف الزركلي، وذلك خلال مرورنا في مقبرة الدحداح. هذا الباشا، وكانَ من أبرز أعيان كرد دمشق، شغل وظيفة أمير الحج في زمن العثمانيين، ومن ثم أنتخب رئيساً لأول برلمان للدولة السورية في عهد الملك فيصل. هنا في حي سوق ساروجة، يقع قصرُ الباشا، وقد تحوّلَ في زمن النظام البائد إلى دار للتراث الدمشقي، أو شيئاً من هذا القبيل. في جولةٍ قديمة، قمتُ بها قبل هجرتي من الوطن، تسنّى لي دخولُ القصر وأخذ بعض الصور فيه. في حقيقة الأمر، أن هناك قصوراً أخرى كانَ يملكها أعيانُ الكرد في حي سوق ساروجا، والتي أقاموا بها جنباً لجنب مع الأعيان الأتراك. فلا غرو أن يُدعى الحي في الزمن العثماني، " اسطنبول الصغرى ". ولكننا في جولتنا هذه، أغفلنا زيارة أياً من تلك القصور. وكانَ التعبُ قد نالَ منا، حينما رأينا أنفسنا تحت قوس باب الفراديس، مدخل حي العمارة الجوانية. الدرب بين هذا الباب ومقام ستّي رقية، شكّلَ سوقاً حافلاً باللوازم المنزلية ( العصرونية ). من أحد هذه المحلات، شاءَ الصديقان شراء عدة أنواع من صابون الغار. على الأثر، مررنا قدّام مقام السيّدة رقية، الذي يحظى بالتقديس من جانب الشيعة والسنّة على حدّ سواء. قلتُ للصديقة لاريسا: " كل هذا المقام الفخم، المزخرف بقناطير الذهب، من أجل طفلة توفيت وعُمرها خمسة أعوام! ". ابتسمت ولم تعلّق بشيء. فالأوربيون، من شيمتهم عدم مسّ عقائد الآخرين أو التدخل في شئونها.
30 الدروب في العمارة الجوانية، تلتف على بعضها كما يفعل المحارُ أو الحلزون. إلى أن وصلنا لدربٍ مستقيم تقريباً، لا ينفتح فيه سوى بابان، كل منهما يوحي بالعظمة. أحدهما يخصّ المدرسة العادلية، التي يثوي تحت قبتها، الفائقة الكبر والأناقة، جثمانُ الملك العادل؛ شقيق صلاح الدين. هذه المدرسة، المتحولة إلى مكتبة عامة لذوي الاختصاص بالتاريخ، تحتوي حديقة جميلة ومنمنمة. البابُ الآخر، يُدخل المرءَ إلى المكتبة الظاهرية، التي تعدّ أيضاً تحفة معمارية. هذه كانت بالأصل دار نجم الدين أيوب، والد صلاح الدين، وذلك في أول عهده بالسكنى في دمشق مع أسرته. ثم أقامت فيها ربيعة خاتون، شقيقة السلطان الأيوبي، عقبَ وفاة قرينها صاحبُ إمارة أربيل. وفي فترةٍ لاحقة، نقل إلى الدار جثمانُ الملك الظاهر بيبرس. وإذاً، تناهت جولتنا إلى الكلاسة، لنسير من ثمّ في ظلال الجدران العظيمة للمسجد الأموي. وكنا عندئذٍ على مدخل ضريح السلطان صلاح الدين، الذي تحيطه حديقة تضمّ رفات الشخصية الوطنية، عبد الرحمن الشهبندر، علاوة على عدد من الضباط العثمانيين. أعدادٌ من النساء، كانت تمر من المكان. للوهلة الأولى، اعتقدتُ أنهن جميعاً يسعينَ لزيارة ضريح صلاح الدين. لكنني علمتُ على الأثر، أنّ ها هنا ينفتح مدخل المسجد الأموي، المخصص للنساء. ولجتُ وصديقي إلى حيث ضريح مؤسس الدولة الأيوبية، لأعبّر حالاً عن السخط لوجود قبر الشيخ البوطي هناك. ما زادَ من حنقي، أنهم رفعوا من المكان صورة صلاح الدين، الأثرية، التي يُقال أن قساً قبطياً قد رسمها له. أعتقدُ أن اختفاء الصورة، سببه أنه في أسفلها معلومات عن الأصل الكردي للسلطان. فيما سبقَ من هذا النص، أشرتُ إلى تشويه تمثال صلاح الدين، ببتر أصابعه وسرقة سيفه ورمحه. لقد وضعتُ اللومَ آنئذٍ على بعض جمهور السلطة الجديدة، المنحدرين من المناطق الشرقية، الطافحة نفوسهم بالغل تجاه أي شيء يمتّ للكرد. شئنا أيضاً استعمال مدخل النساء، للولوج إلى المسجد الأموي، كيلا نتجشّم عناء السير إلى المدخل الآخر. المرأة القائمة على تنظيم الدخول، منعتنا في بادئ الأمر، ومن ثم غضّت الطرفَ لوجود امرأة أوربية معنا. الباحة الرائعة لصحن المسجد، تم تشويهها بوضع حواجز حديدية تفصل النساء عن الرجال. أما في زمن النظام البائد، " العلماني "، فإن هذا المكان دأبَ على استقبال الحجاج الشيعة، الإيرانيين بشكل خاص، لكي يُطلقوا هتافاتٍ طائفية مستفزّة. طراز العمارة البيزنطية، يطغى على كل ما عداه، سواءً في صحن المسجد أو في الصرح. فهذا المكان، كما هوَ معروف، كانَ أساساً كاتدرائية كبرى، أشيدت لضم رفات القديس يوحنا المعمدان. الضريحُ الباذخ لهذا القديس ( دعاهُ المسلمون بالنبي يحيى )، المترائي لأعيننا على طرف الصرح، لم يكن ينقصه سوى الإيقونات والصلبان. نقلتُ هذه الفكرة لصديقي أحمد، الجالس بقربي عند مدخل الصرح، إلا أنه ابتسمَ ولم يعلّق بشيء. على الأثر، نهضنا لمغادرة المكان بعدما أوحت حركة المتواجدين هنا أنهم بصدد أداء صلاة العصر. خرجنا من المسجد، مستعملين هذه المرة مدخلَ الرجال، لنيمم شطرنا إلى الجهة اليمنى، المؤدية لقلعة دمشق. بعد مسير دقائق قليلة، كنا نتفيأ ظلال مباني القلعة، التي فصلنا عن جدرانها نهرٌ دقيق المجرى، حظيَ بسور معدنيّ أنيق. ثم أخذنا أنفاسنا قليلاً، ثمة في حديقة البيئة، المجاورة. التفتّ إلى صديقي، قائلاً: " هذه الحديقة، كانت في زمن صلاح الدين أرضاً خضراء يُمارس فيها رياضة الصولجان والكرة ". جولتنا، كانَ من المفترض أن تنتهي في مكانٍ آخر، أكثر نأياً عن الأوابد والتاريخ. إذ اقترحَ الصديقان أن نتناول الغداءَ في مطعمٍ راقٍ، كائن في منطقة الروضة. تابعنا إذاً سيرنا في ظلال أسوار القلعة، وصولاً إلى مدخل سوق الحميدية. من ثم انتقلنا إلى الجانب الآخر، أينَ رصيف شارع النصر، الأكثر ازدحاماً بالخلق. على طول الرصيف، امتدت بسطاتٌ يباع فيها كل ما يخطر على بال المرء. من جانب محطة الحجاز، استمر خطونا على الطريق باستقامة، لنمر بمكتبات منطقة الحلبوني. وها هوَ جسرُ الحرية، المتعهّد ايصالنا إلى الروضة. في نهاية الجسر، تراءت لعينيّ عن بعد قبة ذات لون نبيذي، منبثقة خلل أشجار حديقة الجلاء. هتفتُ، مخاطباً صديقي: " أنظرْ إلى تلك القبة الأيوبية! ".
#دلور_ميقري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
خمسة أسابيع في دمشق 2
-
خمسة أسابيع في دمشق
-
المهاجران من المسرح إلى السينما
-
فيلم الطفولة الكردية، المغتالة
-
فيلم اليهودي والضياع الأخير
-
فيلم الكردي وحروب الآخرين
-
مصير أسرة في فيلم سوري
-
تراب الغرباء والتلاعب بالتاريخ
-
الترحال؛ منحوتة للطفولة والمدينة
-
الطحين الأسود ولعنة المكان
-
اللجاة؛ البيئة الدرزية سينمائياً
-
حسّيبة؛ الشام بحسَب يوميات إمرأة
-
شيء ما يحترق؛ عن الدرزي النازح
-
الطحالب؛ حكاية جرح سوري
-
باب المقام، المفتوح على الشغف
-
سُلّم إلى دمشق؛ التقمّص عشيّة الثورة
-
الليل؛ الفنتاسيا والواقع
-
أحلام المدينة أم كوابيسها
-
وقائع العام المقبل واختلال الوعي
-
ليالي ابن آوى؛ البطريركية والسلطة
المزيد.....
-
نصٌّ سيريالى (نحْو خَرَاب صَالِح لِلسَّكَن) الشاعرمحمدابوال
...
-
أين اختفت أمى نوال ؟ ديوان شعرى جديد بقلم منى نوال حلمى فى م
...
-
الخوف بوصفه نظامًا في رواية 1984 للكاتب جورج أورويل
-
الدكتور ياس البياتي في كتابه -خطوط الزمن-: سيرة إنسان ووطن
-
رفع الحجز عن معاش الفنان عبد الرحمن أبو زهرة بقرار رسمي عاجل
...
-
هل هجرت القراءة؟ نصائح مفيدة لإحياء شغفك بالكتب
-
القضية الخامسة خلال سنة تقريبًا.. تفاصيل تحقيق نيابة أمن الد
...
-
فيلم -عملاق-.. سيرة الملاكم اليمني نسيم حميد خارج القوالب ال
...
-
احتفاء كبير بنجيب محفوظ في افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب
...
-
هل ينجح مهرجان المنداري ببناء جسر للسلام في جنوب السودان؟
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|