أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سكة حديدية حتى السماء: خرائب وصروح















المزيد.....


سكة حديدية حتى السماء: خرائب وصروح


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 02:59
المحور: الادب والفن
    


1
في زمنٍ ما، كانَ شمسي آغا من الحيوية والنشاط، أنه سعى إلى زيادة دخله، بل ومضاعفته لو أمكن. لقد اشترى بستاناً كبيراً في قرية جمرايا، إلا أنّ مردوده حتى ذلك الوقت، لم يغطي ثمنَ الأرض. وإذا صديقه، السيّد جمال الدين، يتكلّم ذاتَ مرةٍ عن أراضي الجزيرة وأنها خصبة وفي رخص التراب: " في بلدتنا بالذات، لا نأكلُ همّ المطر طالما أن الأرضَ تتفجّر بعشراتٍ من الينابيع، فضلاً عن جريان نهر الخابور من خلالها ". كانا من العشيرة نفسها، " الملّية "، والتي تنتشرُ بشكل خاص في رأس العين. أجدادُ شمسي آغا، في المقابل، هاجروا إلى الشام من بلدة سويرك، التابعة لولاية ديار بكر. شأن الكثير من عائلات الحي الكرديّ، بقيَ سببُ هجرتهم أشبه باللغز، فلم يُسبر غورُهُ بعدُ.
شمسي آغا، حالما اقتنع بجدوى الإستثمار في الجزيرة، سافرَ مع صديقه بسيارته الكلاسيكية؛ وهيَ من طراز مرسيدس، ربما تم تصنيعُ نسخة منها في بداية ثلاثينات ذلك القرن، لكي تحتفي بشخصية الفوهرر. على سبيل الدعابة، كانَ الآغا يدعو سيارته بثمرة الباذنجان، لأنها سوداء وسطحُها صقيلٌ. كانَ الطريقُ يمتّ أيضاً لعصر المتاحف، حيناً ممهّداً وأحياناً وعراً أو غيرَ سويّ. في حقيقة الحال، أنّ الطريقَ من دمشق إلى حلب، كانَ ممتعاً بمناظره، وفي آنٍ معاً، ميسّراً. فما أن بدأت السيارة تنهبُ الطريقَ، الرابط بين حلب ورأس العين، إلا وصارت تهتز كخصر راقصة شرقية، بل وكادت أكثر من مرة تنقلبُ رأساً على عقب بحركات بهلوان.
بخصلته المُوَسوسة، وضعَ الآغا سيارته بعُهدة ميكانيكي أرمنيّ حالما رست رحلتها أخيراً في رأس العين. كانت هذه المرة الأولى، تطأ قدمه أرضَ الجزيرة، وكانَ يرغبُ بزيارتها من قبل بالنظر لتوثّق علاقته بالسيّد جمال الدين. هذا الأخير، استضافه على الأثر في بيت أبيه، المتعدد الحجرات والذي يَحظى كذلك بحديقةٍ فارهة، انبثقت على أطرافها أشجارُ التوت والتين والرمان، فيما زرعَت المساحة المتبقية بالخضار وبعض شتلات الريحان وشجيرات دفلى وكينا. الشجيرة الأخيرة، لفتت نظرَ الآغا بأزهارها الوردية، الشبيهة بأعواد الثقاب: " فكرة جيدة أن توجد الكينا هنا، لأنها تقدّمُ علاجاً ناجعاً لأمراض الكلى والملاريا "، قال لمُضيفه. عندئذٍ، كانا يجلسان في مقصورةٍ، منفتحة على الحديقة، تهيمن عليها أضلاع خشبية، تتسلقها كرمة كثيفة الأوراق، تتهدل منها عناقيد العنب الضخمة ـ كما لو أن كل منها قلادة من الجواهر، تتدلى على عنق امرأة حسناء.
احتفاءً بالآغا، تمّت التضحية بالديك الروميّ، الذي كانَ في نزاعٍ خفيّ مع طاووس الدار، لعل مبعثه الحسد من روعةُ ريش هذا الأخير. انضمّ للوليمة كلٌ من صهر المُضيف وشقيقه الأصغر، سعد الدين. الصهرُ، وكانَ موظفاً كمحاسب في البلدية، دأبت عيناه على التحرّك وكأنما لقراءة الأرقام غير المرئية. اسمه " محفوظ "، وهوَ من أصلٍ شيشانيّ من ناحية الأب، ووالدته على قرابة بإمرأته. الشقيق الأصغر للسيّد جمال الدين، ما لبثَ أن عبّرَ في خلال الحديث عن رغبته يدراسة التاريخ في جامعة حلب. علّقَ شقيقه الكبير، بالقول للضيف ضاحكاً: " إنه مهووسٌ باللقى الأثرية، بحيث غدا بنفسه قطعة أنتيكا ". إلتفتَ الآغا نحوَ الشاب، مٌقترحاً: " لِمَ لا تدرس في دمشق، طالما شقيقك يمتلك داراً هناك؟ ". فكّرَ سعد الدين لحظة، لكنه قبل أن يردّ، بادرَ شقيقه للقول مبتسماً: " خذه يا آغا، ودبّر له عروساً شامية لكي تلهيه عن عرائس العصر الحجريّ ". لم يتسنّ للضيف الإجابة. ففي تلك الوهلة، دخلت إلى الحجرة فتاةٌ بميعة الصبا. وكانت في غاية الحُسن، كأنها من حوريات الجنّة. " آه، هذه تصلحُ لإبني فيّو، الذي لم يتزوّج منذ أن أصبح أرمل "، فكّرَ الآغا وهوَ يتأمّلُ الفتاة بإعجابٍ شديد. وضعت هيَ عدّة الشاي على الأرض المكسية ببساطٍ جميل، ثم حيّت الضيفَ بلطف. عقبَ شرب الشاي، أخذ الضيفُ قيلولةً كانَ يحتاجها حقاً، بعدما أنهكه طريقُ السفر. لكنه قبلَ أن يغفو، قررَ أن يتكلّم بشأن تلك الحورية مع صديقه وبأقرب فرصة.
عند العصر، كانت العربة جاهزة ومتألّقة أيضاً بفضل الصابون والماء. إنطلقَ الآغا ومضيفه إلى المكان المقصود، الذي يقعُ في غرب البلدة. رافقهما سعد الدين، علاوة على صاحب الأرض، المُزمِعُ بيعها للرجل الوجيه، القادم من دمشق. بعد مسيرٍ بطيء لنحو نصف ساعة على الطريق غير الممهّد، مرّت السيارة بقرية كبيرة، تحوطها الأشجار المثمرة وهامات النخيل. قال سعد الدين، عندئذٍ: " هذه تل حلف، وعلى أطرافها تم اكتشافُ خرائب مدينةٍ عمرها ستة آلاف عام ". إنحدرت عربتهم من ثم جنوباً، لتقفَ بعد نحو عشر دقائق عند أرضٍ، سُيّجت بركام متنافر من الأحجار. كانت الأرضُ بوراً، تخللتها الأشواكُ والحصى، كأنها جزءٌ من تلك الخرائب، التي تحدّث عنها الشابُ المهووس بالتاريخ. موسمُ الحصاد، كانَ قد انتهى قبل قليل. لم يبقَ من الموسم سوى أكوام من القش، لاحت عن بُعد كأنها كائنات خرافية. قدّرَ المُشتري حجمَ الأرض المعنيّة، لما مَسَحها بنظرةٍ شاملة، أنه يتجاوز العشر دونمات. فكّرَ بشيءٍ من القلق: " إنها تساوي مساحةَ قريةٍ؛ فمن أين سأجلبُ المزارعين لتخصيبها والاعتناء بها؟ ". لكن قبل أن يبوحَ بفكرته، بادرَ البائعُ لمخاطبته: " العمالُ الزراعيون، يُمكن تدبيرهم بسهولة. فالبطالة، ضاربة أطنابها بين شباب البلدة والقرى المجاورة ". علّق أيضاً مُضيفه بالقول، مومئاً برأسه إلى ناحية الشمال: " كذلك لو شئتَ، يا آغا، يُمكن استقدامُ بنّائين من بلدتنا، ليشيدوا داراً لوكيل المزرعة ". هزّ الآغا رأسَهُ موافقاً، وكانَ قد فكّر سلفاً بمَن سيتولّى وظيفة الوكيل.

2
في ظهيرة اليوم التالي، ذهبَ شمسي آغا إلى دار البلدية، القريب من منزل مُضيفه. كانت داراً متواضعة، لا يكاد المرءُ يميزها عما حولها من بيوت؛ لا علم الدولة رفرفَ على سقفها القرميديّ، ولا حتى لافتة كُتب عليها صفة المكان. عند المدخل، كانَ ثمة بوّابٌ تلوحُ على سحنته علامات الرياء والمكر. سأله الآغا، لو أمكنه إجراء مكالمة هاتفية. استفسرَ الرجلُ: " مكالمة خاصّة؟ "
" نعم، مكالمة لبيتي في دمشق "
" ممنوع، يا سيّد "، قالها البوّابُ وكأنه هوَ صاحبُ الأمر. عند ذلك، دسّ الآغا في جيبه ورقة مالية. أحنى الرجلُ رأسَه، تعبيراً عن الشكر: " إتبعني إذاً! "، قالها وخطا باتجاه الداخل. على الأثر، وجدَ الآغا نفسه في حجرة رئيس البلدية، الذي كانَ غائباً ربما لتناول الغداء. أمسك الآخرُ السماعة، ليطلب من السنترال الرقمَ المطلوب. بعد دقائق قليلة، أمكن للآغا سماعُ صوت امرأته، الضعيف الواهن. كانت مريضة دائماً، حتى قبل أن يقترن بها. إنها ابنة أحد وجهاء العشيرة البرازية، التي تتوزّعُ بين حماة ودمشق. لم يشعر نحوَ زوجته بالحب أبداً، وعجبَ من إنجابها طفلين في كامل الصحّة. شقيقته، بالرغم من خفّة عقلها، كانت هيَ من تعتني بها في آناء الليل والنهار. كانت تشجّعها على المشي، محذرةً إياها من الفالج لو لم تتحرّك طوالَ الوقت. كانت شقيقته في مرحلة عنوسة متأخّرة، وكانَ هذا يُسعدها: " بسببك صرتُ أكره جنس الرجال، جميعاً! "، قالت في إحدى المرات لشقيقها.
بعدما اطمأنَ على امرأته، حانَ الوقتُ لإنجاز المهمّة التالية. فسألَ الرجلَ الخدوم عن محاسب البلدية، لناحية الأخلاق والنزاهة في العمل. قال الرجلُ: " محفوظ أفندي؟ هه! تعال لأريك شيئاً ". ثم مضى به إلى صالة كبيرة نوعاً ما، قسّمت إلى حجرتين بوساطة حاجز زجاجي قد تهشّمَ تقريباً. قال البوّابُ، مومئاً إلى الحاجز: " لقد كسره محفوظ أفندي في إحدى نوبات غضبه، المألوفة ". ثم فكّرَ لحظة، قبل أن يُضيف في شيءٍ من الرقّة: " لكن للأمانة، الرجلُ مخلصٌ في عمله بحيث أنه لا يتقاضى رشوة. أما عصبيته، وضيق أفقه، فإنهما على صاحب الحساب! ". هزّ الآغا رأسَهُ، وغادرَ المكانَ دونَ أن يحيي الرجلَ. لكنه لم يندم، كالمعتاد، حينما يدفعُ مبلغاً من المال بمقابل خدمةٍ ما.
بقيت المهمّة الأصعب، وهيَ أن يُقنعَ ذلك الشيشانيّ بترك وظيفته في البلدية، التي تؤمّن كهولته عندما يُحال على المعاش. استاءَ من تصرّفه، لما ذهبَ من وراء ظهر الرجل إلى البلدية. لكنه عادَ واستدرك، كطفلٍ يُبرر فعلاً طائشاً: " لو باحَ ذلك المُرائي عن الأمر، فإن محفوظ أفندي لن يحرجني طالما أنني سعيتُ إلى البلدية لكي أتصل بأهلي ". عقبَ وصوله للمنزل، دٌعي لتناول الشاي في حجرة الضيافة، التي صُممت بحيث يلعب الهواء فيها أيام القيظ. فضلاً عن مُضيفه، كانَ هناك الرجلُ المقصود؛ وكأنما هما على موعدٍ. شاءَ أن يدخل رأساً إلى الموضوع، فتوجّه للصهر بعرضٍ سخيّ كما أمِلَ: " محفوظ أفندي، أودّ لو تقبل رجائي بالعمل لديّ في المزرعة كوكيل لأعمالي. ستقتطع من دخل المحصول ما يُعادل راتبك في البلدية، علاوة على عشرة بالمائة عن كل صفقة تجارية تتعلّق ببيع الخضار والفاكهة ". بقيَ الرجلُ صامتاً، ثم أنزل ببطء يده التي تمسك بقدح الشاي. في الأثناء، كانَ المُضيف يتنحنحُ وقد أُخِذ بالإقتراح دونما أن يستشيره صديقه. بعد وهلة تفكير، سأل محفوظ أفندي الآغا بنبرة حيية: " ولكن، ريثما تسير أمور المزرعة "
" سأمنحكَ نفس راتب وظيفتك الحالية، منذ نهاية الشهر القادم "، قال الآغا مقاطعا وهوَ يربتُ بيده على ركبة المحاسب. نظرَ هذا الأخير إلى ابن حميه، للتزوّد برأيه. فبادرَ السيّد جمال الدين للقول بشيءٍ من الحماس: " أنا شاهدٌ على إزدهار مزرعة صديقي، هناك في ريف دمشق، وأساساً أنا من عرضتُ عليه الاستثمارَ هنا في الجزيرة "
" وإذاً توكلنا على الله "، قالها الرجلُ وهوَ يمدّ يدَهُ ليصافح معلّمه الجديد.

3
بمحض الإتفاق، أنّ النقيب فيّو، سيزورُ رأسَ العين حينما كانَ والده ما زال موجوداً فيها لترتيب أمور زواجه. سارة، كانت قد تولّت إعلام شقيقها، هاتفياً، بخبر شراء الأرض الجديدة، واصفة ذلك، كعادتها، بأنه أحد نزوات الوالد، التي ستؤدي إلى إفلاسه في آخر المطاف. لما عزمَ النقيبُ على زيارة والده، إقترحَ على زميله وأقرب أصدقائه، علو، أن يرافقه طالما أنه أيضاً في إجازة. ثمة في رأس العين، استدلا بسهولة على العنوان المطلوب. بالرغم من أنهما قضيا حوالي خمسة أعوام في الخدمة بالجزيرة، إلا أنها المرة الأولى يتواجدان فيها بهذه البلدة، المشهورة بكثرة ينابيعها ومياهها الكبريتية، التي تعدّ مصدرَ شفاءٍ للمعانين من بعض أمراض الصدر. وها هوَ السيّد جمال الدين، قد هرَع لاستقبالهما ومن ثم قادهما إلى حجرة الضيافة. قال رداً على تساؤل فيّو، عما لو كانَ والده قد انتهى من شراء الأرض: " أجل، إنه مضطرٌ للإشراف على كل صغيرة وكبيرة بما أنّ المزرعة في طور الإنجاز "
" مزرعة..؟ "
" نعم، إنّ الأرض واسعة المساحة، تحتاجُ لعدد كبير من العمال الزراعيين وغيرهم من المستخدمين. فتقررَ بناءُ بيتٍ للمالك، يستقر فيه وكيله بغيابه، وأيضاً أكواخ لعائلات أولئك الناس "، أوضحَ المُضيف. بعد قليل، إذا الحوريّة الأرضية، تتقدّم مع عدّة الشاي. فيّو، شأن زميله، كانَ معتاداً على الطبيعة المنفتحة لأهالي هذه المنطقة، المتعارضة مع العقلية المتحفّظة لبيئته، المتأثرة بالجيران الصوالحة والشوام. إلا أنه دُهشَ، حينما رمقته الصبيّة بنظرةٍ باسمة: ما كانَ على علمٍ بعدُ، بأنّ والده قد خطبَ هذه الفتاة من شقيقها الكبير، وذلك مباشرةً عقبَ إنجاز عقد شراء الأرض من صاحبها.
كانَ شمسي آغا قد طلبَ من عدة معلّمين، صنعَ عربة تجرّها الخيل. لقد ركبَ أمثال هذه العربة مراتٍ عدّة أثناء وجوده في مصر، وكانوا يدعونها ثمة بالحنطور. فإنه أشفقَ على سيارته، العروس السمراء المدللة، من غائلة الطرق السيئة وغير المعبّدة، هنا في هذا الإقليم المنسيّ. وكانت العربة مركونة في الحديقة الخلفية، يحتمي حصانها من الشمس تحت سدّة من القش. إبّان وصول الضيفين إلى البلدة، كانَ الوقتُ في بداية الخريف. إلا أنّ هذه المنطقة، المعروفة بطقسها القاريّ، ستقفز سريعاً من الصيف اللاهب إلى الشتاء القارص. هكذا رافقهما المُضيف إلى المزرعة، التي تبعد بنحو ساعة لو كانَ الحصانُ أقل كسلاً. في خلال المسير، استمتعَ فيّو بمناظر الحقول النضرة، المترامية على جانبيّ الطريق، والتي تنبي بخطل رأي شقيقته عن حماقة صرف المال في هذه المنطقة النائية.
ثمة في المزرعة، كانَ الآغا باستقبالهم؛ هوَ مَن استغرب للوهلة الأولى، حين رأى العربة تؤوبُ من جديد بهذه السرعة. حتى ذلك الوقت، كانت تسودُ علاقة باردة بين الابن والأب. فالأول كانَ ضابطاً، معتاداً على إصدار الأوامر؛ والآخر، كانَ على نفس الخصلة بصفته كملّاك أراضي. وأبناء الطبيعة الواحدة، ربما لا يتفقون في غالب الأحيان. شمسي آغا، حالما اجتمعَ مع ابنه بحضور السيّد جمال الدين، أخبره أنه خطبَ له شقيقة هذا الأخير. تساءل الضابط عندئذٍ بنبرة حذرة، مطرقاً قليلاً بنظره: " هل ليَ الشرف برؤية الفتاة، للتعرّف عليها؟ ". ردّ شقيقها، ضاحكاً: " إنها هيَ من قدّمت لك الشاي، وفتنتك بحُسنها! ". شاركه الآخرون شعورَ المرح، وعدّوا جوابه كأنه بتّ في موضوع زواج فيّو من بَسني.
مثلما جرى في حكاية " ممو زين "، الشعبية الكردية، فإنّ علو تتبعَ أثرَ صديقه حتى في أمر الزواج. لقد لمحَ شقيقة العروس الصغرى، رَمّي، فبُهر أيضاً بحُسنها. فما هيَ إلا أشهر معدودة، وكانا يعيشان كزوجين تحتَ سقفٍ واحد. منزل أسرته في دمشق، كانَ يُقابل منزل صديقه فيّو. فإنهما أيضاً على قرابة من ناحية العشيرة.

4
أربعة أشهر مضت على وجود شمسي آغا في رأس العين، وهيَ ذي المزرعة بلغت تقريباً مُرادها من الكمال، وذلك بتشييد دار مالكها وأكواخ فلاحيها ومستخدميها. سرعانَ ما امتلأت المساكن بتلك العائلات، فأشبهت بخلية نحل جديدة، تتوسّط واحة من الأزهار. عندئذٍ، وعقبَ أخذ مشورة صديقه، السيّد جمال الدين، قررَ الآغا في هذه المناسبة أن يُولم لوجهاء المنطقة، الذين بات يَعرف العديدَ منهم في خلال وجوده هنا.
الشمسُ كانت في منتصف حضورها ظهراً، أشعتها باتت مرقطة على الأرضية، بتغلغلها خِلَل أغصان الكرمة، المعتلية المضلعات الخشبية للمقصورة، المشرفة على حديقة الدار. لم يستعن الآغا بجنائني، للمساعدة بتنسيق الحديقة، كونه على إلمام جيد بذلك، كأغلب الدمشقيين. هواءُ الخريف المنعش، راحَ يتلاعبُ بهامات الأشجار المثمرة وسيقان الأزهار وجدائل العرائش. ثمة لبلابة، انتشرت بسرعة وإصرار على جدار المطبخ من جهة الحديقة حتى غطته تقريباً. كذلك قررَ صاحبُ المزرعة، العودة من الشام في زيارته التالية، مصطحباً عريشتيّ ياسمين ومجنونة، لكي تحيط كلّ منهما بالمقصورة من أحد جانبيها.
تتالى حضورُ الوجهاء، لدرجة أن يضيقَ بسياراتهم الكراجُ المُرتجل، المُمتد على مساحةٍ من الأرض في مدخل المزرعة. كانوا من الكرد والعرب والشيشان والسريان والأرمن، علاوة على غندورٍ دمشقيّ، بصفة مستشارٍ عسكريّ، كانَ يخدمُ في ثكنة، مُشرفة على مدينة القامشلي. أغلبهم حضروا بدون هدية، باستثناء ذلك المستشار والطبيب المعروف، " أحمد نافذ بك ". وكانت المقصورة قد أخليت من موجوداتها، ليصطف فيها ما تيسّرَ من المناضد بشكلٍ مزدوج، وذلك لتكفي المدعوين. عند جدار المطبخ، أينَ اللبلابة العنيدة، تم وضعُ منقل شواء كبير، فيما سيخٌ ثخين دخل في عنق خروفٍ سمين ليخرجَ من أسته. الدخان الدّسم، ما عتمَ أن لفحَ أنوف المدعوين، فأيقنوا أنّ الشواءَ قد اكتمل. وكانوا عندئذٍ يتناولون مقبلاتٍ على شكل طيورٍ، محشوة بالأرز واللوز والصنوبر. كذلك تسلّوا بأصابع الدولما واليالنجي، فضلاً عن السلطات الشامية؛ كالتبّولة والفتّوش. جيء أخيراً بالخروف المشويّ على قِدْرٍ كبير، يقطرُ منه عسيله الذهبيّ، فوضعَ على السماط الناصع كالفضة، المفروش على المناضد. بما أنّ المدعوين كانوا قد تبادلوا أحاديث شيّقة أثناء تناول المقبّلات، فإنّ الصمتَ قد حلّ في حضرة الخروف المهيب ذي الأست المتهتّك.
تأججت الأحاديثُ مجدداً، عقبَ انتهاء الغداء واستقبال عدّة الشاي والقهوة. وكانت الفاكهة، كمألوف عادة أهل المشرق، قد أسدلت الستارَ على الوليمة. إنّ الأحاديث تناولت بشكلٍ خاص إنتصارَ الديمقراطية على ديكتاتورية عبد الناصر، الذي تحققَ مؤخراً بفضل تدخّل الضباط الشرفاء، واحتمال إسترجاع المتضررين للأراضي المُصادرة والمصانع المؤمّمة. لعل العديد من هؤلاء الوجهاء، بما فيهم شمسي آغا، قد غبط نفسه كون ذلك العهد الأسود قد انقضى قبل أن تشملهم إجراءاته التعسّفية. هتفَ الآغا المُضيف، بصوتٍ جهوريّ: " ليعُد كل السياسيين المنفيين، إنما باستثناء الزنديق خالد بكداش! فإنه هوَ من زرع في تربة المشرق بذرة الإشتراكية الفاسدة، التي جعلتنا نبتلى بعبد الناصر وأضرابه ".
طالما محضَ كراهيته، شمسي آغا، لدعاةَ الإشتراكية، وبالأخص الشيوعيين، الذين نمو كالفطر في العقود الأخيرة. إنه يتذكّر دعوةً وصلته من النادي الكرديّ في الحي، في نهاية الثلاثينات. آنذاك، كانَ الشاب خالد بكداش قد عاد من دراسته في بلاد البلاشفة، وكانَ يرغبُ بلقاء وحهاء حارته لكي يتحدث عما رآه في تلك البلاد الجليدية. تشاورَ شمسي آغا مع ابن حميه، " رمضان آغا "، فأصرّ هذا على رفض تلبية الدعوة: " إنه سيبث بيننا دعاية شيوعية، ظاهرها وطنيّ ضد الإستعمار، وباطنها إلحاد وإباحية وفجور ". إلا أنّ شمسي آغا، مدفوعاً بالقضول، ذهبَ في اليوم المحدد للنادي. لقد سبقَ أن عرفَ والدَ ذلك السياسيّ الشاب، واسمه " بكداش بك ". كانَ هذا فيما مضى قائداً لموقع دمشق أيام العثمانيين، فلما سرّحه الفرنسيون من الخدمة، إضطرَ للعمل كمراقب بلدية كي يقوم بأود أسرته. وإذاً، أنصتَ مع الآخرين لحديثٍ مطوّل على لسان الشاب القادم من عاصمة المسقوف، زركشَ فيه وضع الكرد هناك، مدّعياً أنهم حصلوا على جمهورية ذاتَ حكمٍ ذاتيّ. على الأثر، إنفضّ العديدُ من شبان الحي عن دعاة القومية الكردية، لكي ينضموا للحزب الشيوعي، الذي سيمنحهم مستقبلاً جمهورية ذات حكم ذاتيّ. ثمة صورة من ذلك اليوم، جمعت الآغا مع الشاب بكداش ووجهاء الحارة. وضعَ الصورةَ في مكتبه، حينَ فاز هذا الأخير قبل سبعة أعوام بالانتخابات البرلمانية وغدا من ثم أحد أبرز سياسيي البلد. لكن الآغا ما لبثَ أن رمى الصورة في موقد المكتب، المشتعل، لما جرت ملاحقة الشيوعيين إبّان فترة الوحدة المصرية.

5
مثلما توقّعَ السيّد جمال الدين، فإنّ مزرعة صديقه في رأس العين، صارت بعد عام تقريباً، تضاهي مزرعته في ريف الشام. لم تمضِ فترة قصيرة من الزمن، إلا وتحوّلت " الشمسية " من مزرعة إلى قريةٍ مزدهرة، سكنتها حوالي خمسين عائلة، غالبية أربابها من العمال الزراعيين والخدم والحرّاس. إلى ذلك، توسّعت أرضُ صاحبها الآغا، بشرائه حصصَ الفلاحين الفقراء، الذين كانَ بعضهم يحتاجُ للمال ( من بين أسباب أخرى )، لأجل إجراء عملية جراحية في دمشق.
إحياء تلك الأرض البور، وجعلها مزرعة ومن ثمّ قرية، أضحت نموذجاً للاستثمار الناجح، ودلالة على حنكة شمسي آغا وثبات عزيمته، كذلك حرصه على ألا يضيعَ قرشٌ واحد دونَ أن يكون بمقابله مربحٌ مضمونٌ. لكن للحقيقة، فليسَ مال الآغا وحده من حققَ كل ذلك الازدهار، وإنما يعود الفضل خصوصاً لحُسن تدبير وكيله، محفوظ أفندي. فإنه زادَ مردود المزرعة، وهذه المرة عن طريق شراء المواشي، لجعلها تتكاثر حتى صارت قطيعاً كبيراً، أغرقَ المقاطعة كل عام بالخراف قبيل عيد الأضحى. واهتمّ أيضاً بإنشاء مدجنة كبيرة، لإمداد السوق المحلية بالفراريج والبيض. لقد ثبتت أمانة هذا الرجل، بتحويله المُثابر للحوّالات المالية إلى حساب معلّمه في بنك العاصمة. ووصلت خيراتُ المزرعة من دواجن وبيض إلى العاصمة، عن طريق صهر شمسي آغا، موسي، الذي انتقل بمحلّه لاحقاً من الحي إلى سوق الهال في مركز مدينة دمشق، ليغدو من كبار التجار.
المزرعة، غدت وجهة العطلة الصيفية لعائلة مالكها، التي كبرت عقبَ زواج فيّو وسارة وإنجابهما أطفالاً. ابنة الآغا، وكانت في البدء غير راضية عن ذلك الاستثمار، توّلت تأثيث دار المزرعة بمفروشاتٍ باذخة، اشترتها من دمشق على حساب أبيها. وإنها هيَ من أقنعته بفكرة تشييد طابق علويّ، لجعله حجرات نوم، بينما بقيَ السفليّ كصالون كبير لاستقبال الضيوف، ومكتب للوكيل، علاوة على المرافق الأخرى كالمطبخ والحمّام. بسبب طبعها الحاد، اصطدمت أكثر من مرة مع امرأة الوكيل، وأيضاً مع زوجة شقيقها فيّو. لكن لحُسن الحظ، أن تواجدها في المزرعة اقتصرَ على العطل الصيفية.
حياةُ المستوطنين في المزرعة، لم تكن بذلك الرخاء بطبيعة الحال. كانوا يقيمون في أكواخ بائسة، يُطعمون بالخبز والخضار واللبن الرائب في معظم فصول السنة. إلا عقبَ موسم الحصاد، فإنهم قادرون على شراء شيءٍ من اللحوم وأحياناً الأسماك. مشاكلهم الصحية، كانت تُعالج غالباً بمغليات الأعشاب، المُستزرعة في حديقة المالك. لما دهمت الكوليرا المنطقة في أحد فصول الصيف، فإن الطبيب الشهم، أحمد نافذ، أرسل إليهم على وجه السرعة ممرّضَ عيادته لكي يزرع لقاح إبرته في أذرعهم. هذا الطبيبُ، غدا صديقاً لشمسي آغا، وقد أمدّه ذاتَ مرةٍ بمعلوماتٍ مسلّية عن انتفاضة كردية كبيرة، شارك هوَ فيها، وكانت السببَ بهجرته إلى سوريا عقبَ فشلها. آنذاك كانَ يرافقه شقيقه الأصغر، نورو، فاستقرا مع غيرهما من النخبة المثقفة في بلدة الدرباسية المجاورة. لكن السلطات الفرنسية، أبعدتهم إلى العاصمة، وذلك بطلبٍ من أنقرة. بعد عدة أعوام، عادَ الطبيبُ إلى القامشلي، ففتحَ فيها عيادته.
وهيَ ذي الظروف السياسية، ستكونُ سبباً بحرمان شمسي آغا من مزرعته ومعظم أراضيه. في البداية، هجسَ بعزم الإنقلابيين الإشتراكيين على تنفيذ الإصلاح الزراعيّ، الذي لم يُقدّر لعبد الناصر استكماله. على ذلك، قامَ الآغا في عجالة بتقسيم أرضه في جمرايا على قطع صغيرة وتسجيلها بأسماء ولديه وبعض أقاربه. بل وأقنعَ عدداً من فلاحيه بالبقاء تحت رعايته، حينما شملهم توزيعه لتلك القطع الزراعية. بدَوره، وبناءً على تعليمات سيّده، عمدَ محفوظ أفندي إلى نفس التدبير. بعد سنواتٍ ثلاث، حينما بدأ تطبيقُ الإصلاح الزراعيّ بشكلٍ صارم، تضررَ شمسي آغا بصورةٍ كبيرة. لكنه كانَ قد فارق الحياة قبل ثلاثة أعوام، حينما قامت الحكومة بمصادرة مزرعته وإجلاء سكانها، لكي يحلّ بمحلهم عربُ منطقة الفرات، الذين غمرت أراضيهم مياهُ السدّ الكبير.



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سكة حديدية حتى السماء: خريطة ممزقة
- تشريح الذات: الخاتمة
- تشريح الذات: كانَ ربيعاً أخيراً
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
- خمسة أسابيع في دمشق 4
- خمسة أسابيع في دمشق 3
- خمسة أسابيع في دمشق 2
- خمسة أسابيع في دمشق
- المهاجران من المسرح إلى السينما
- فيلم الطفولة الكردية، المغتالة
- فيلم اليهودي والضياع الأخير
- فيلم الكردي وحروب الآخرين
- مصير أسرة في فيلم سوري
- تراب الغرباء والتلاعب بالتاريخ
- الترحال؛ منحوتة للطفولة والمدينة
- الطحين الأسود ولعنة المكان
- اللجاة؛ البيئة الدرزية سينمائياً
- حسّيبة؛ الشام بحسَب يوميات إمرأة
- شيء ما يحترق؛ عن الدرزي النازح
- الطحالب؛ حكاية جرح سوري


المزيد.....




- جوانب من القيم الأخلاقية والتجارية في كتاب -حكم وأمثال في ال ...
- 8 مقاطع هايكومترجمة للفرنسية :الشاعر والكاتب محمد عقدة.دمنهو ...
- عصفور يوسف شاهين: قراءة في تمرد السينما على هزيمة حزيران وصر ...
- -محرقة آل مردوخ-.. كيف دمّر إمبراطور الإعلام كل ما أحب في سب ...
- -ملكة القطن- السودانية واسطة عقد مهرجان أوتاوا السينمائي
- إختلرنا لك:8 مقاطع هايكومترجمة للفرنسية :الشاعر والكاتب محمد ...
- من القاهرة التي لا تنام للجزائر المقاومة: كيف صنعت السينما و ...
- افتتاح مهرجان برلين السينمائي وصرخة عربية في البانوراما
- رحيل سعيد السريحي ناقد الحداثة في المشهد الأدبي السعودي
- ذكاؤنا الخائن: نهاية العالم كما دبرها العقل البشري


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سكة حديدية حتى السماء: خرائب وصروح