|
|
تشريح الذات: الخاتمة
دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 8612 - 2026 / 2 / 8 - 17:44
المحور:
الادب والفن
أثناء غياب دارين في المدينة الأخرى، وقعَ المزيدُ من الأحداث المثيرة في أوبسالا. إلا أنه، عموماً، بقيَ أميناً على أن تقتصرَ كتابته على التوثيق الذاتيّ أكثر منه على ما تناهى إليه من أخبار وأقاويل. وكانَ دارين، من ناحية أخرى، قد اعتادَ على المجيء إلى مدينة الذكرى هذه، مرةً واحدة في الشهر على الأقل؛ هوَ مَن ترك ذريّة فيها، فضلاً عن الأقارب والأصدقاء. الفئة الأخيرة، كانَ مقرّها ما زالَ في شقة أبي عصفور، يَضْفون عليها رونقاً من الحيوية تُخرج صاحبها أحياناً من حالة الكآبة، التي مبعثها حرمانه الجنسيّ. هذا الحرمانُ حدّ السعار، رأينا كيفَ دفعه لمحاولة إغتصاب طليقته. وإنها عزة، مَن باحت لأحد عشاقها، بأنها باتت تحسبُ حساباً لسعار طليقها، بحيث منعت الإبنة من المبيت هناك في الشقة. يتعيّنُ الإشارة أيضاً، إلا أن عزة ساومت ذا القرنين، بطريقةٍ ماكرة، لقاءَ عدم تبليغ البوليس بحادثة الإغتصاب. فإنها حصلت على دَوره في شركة السكن، لما عُرضَ عليه الإنتقال إلى شقةٍ في إريكسبيرغ، المجاورة لضاحية غوتسوندا. هذا علاوة على استمرارها في وظيفة المرافق، التي تتيحُ لها راتبٌ معقولٌ مع ما يدرّ عليها من مساعدات التأمينات الإجتماعية لأطفالها. هذه الوظيفة، جعلت حضورها شبه يوميّ في شقة طليقها، علّها تلتقي ثمة مع مَن أمِلَت أن يكونَ عشيقها الجديد. دارين، أنيطَ به من جديد مهمّة إقناع عزة بالعودة إلى طليقها. وهذه المرة، بإلحاحٍ حار من جانب هذا الأخير، حدّ ذرف الدموع كمألوف العادة. بالنظر لتأثّره بحالة صديقه، إتصلَ مع المعنيّة للّقاء في مقهى بالمدينة. آنذاك، لم تكن بعدُ قد استلمت مفتاح شقتها الجديدة. لقد كانت تأوي في خلال وجودها في أوبسالا عند صديقةٍ سويدية، تقعُ شقتها بالقرب من مسكن أبي عصفور. قالت لدارين، بمجرد دخولها إلى المقهى، وكانَ الوقتُ عند الغسق: " أنا جائعة جداً ". هكذا أخذته إلى مطعمٍ آسيويّ ذي وجباتٍ مفتوحة ( بوفيه ). دُهِشَ لما طلبت البيرة عند الصندوق، بعدما تولّت هيَ دفعَ الحساب. قالت وهيَ تقرعُ كأسَهُ: " سنحتسي المزيدَ من البيرة، هناك في الديسكو " " أيّ ديسكو، ونحنُ اجتمعنا لبحث قضيتكِ مع طليقك؟ " " إنسَ أمرَهُ، فأنا سأتخلى أيضاً عن وظيفتي عنده حالما أنتقل للشقة الجديدة "، قالت ذلك، ثم أضافت: " أعرفُ أنه كل يوم وآخر سوفَ يُقلق راحتي ويُتلف أعصابي، طالما أنني أسكنُ في منطقةٍ مجاورة لمنطقته. على ذلك، سأوعز للبوليس بمنعه من الإقتراب من مسكني. وهوَ لن يجرؤ على تكذيب بلاغي، كوني أملكُ شهوداً بشأن حادثة الإغتصاب " " أرجو ألا أكونَ أحدَ أولئك الشهود؟ "، قالها مبتسماً كدعابة. ابتسمت بدَورها، وعلّقت بالقول: " لا، إنهم حقاً جيراني العراقيين ". عندما عبّرَ دارين عن القلق، بخصوص إقتراحها السهر في مكانٍ عام، طمأنته بالقول أن الديسكو يقعُ في شارع " ستور غاتان "، المعروف كشارع الطلبة: " أنا ذهبتُ إليه مرات عديدة مع صديقتي، ولم ألحظ فيه وجود أجانب تقريباً ". هكذا سارا مشياً إلى ذلك المكان، فشعرَ مع توغله في ذلك الشارع، أنه عادَ طالب أيام زمان، لما سكنَ هنا في كوريدور بمبتدأ حلوله في السويد. الديسكو، كانَ بالفعل مقتصراً على السويديين علاوة على بعض النساء الإيرانيات. دُهِشَ أيضاً من أجادة رفيقته للرقص، وكذلك من شراهتها بالشرب. لما غادرا الملهى في ساعةٍ متأخرة، كانت هيَ مخمورة بعضَ الشيء. خارجاً، أوعزَ دارين لسائق سيارة، يقومُ بتوصيل الزبائن بشكلٍ غير قانونيّ. لكن عزة، إعترضت على ذلك: " سنقضي بقية الليلة في أفخم فندق بالمدينة " " ليكن معلومكِ، أنني شبه مفلس " " لا تهتم بموضوع النقود " " ولكن، ليسَ من اللائق أن تدفعي لي كلّ مرةٍ؟ "، قالها باحتجاجٍ صادق. وضعت كفها على فمه: " صه، فإننا كيانٌ واحدٌ! ".
*** نفذّت عزة وعيدها، حالما انتقلت إلى مسكنها الجديد. وكانَ ذو القرنين قد اصطحبَ قهرمان إلى ذلك المسكن في زيارته الأولى، والوحيدة على أية حال. فإنّ طليقته أشرعت بابَ الشقة، لتحذّره من المجيء مرة أخرى. ثم خاطبت عشيقها السابق، بحدّةٍ أقل: " لو أرادَ رؤية أطفاله، بوسعك إبلاغي هاتفياً ". هكذا عادَ طليقها إلى بيته، باكياً نادباً، بحيث أن مرافقه، المُحرج جداً أمام العابرين، كادَ أن يَدَعه في منتصف الطريق. فلما اقتربَ موكبُ الندب من البيت المقصود، اتصل قهرمانُ بالمرافق الجديد لإبي عصفور. هذا المرافقُ، ويُدعى " معمو "، سبقَ أن أُحْبط مسعاه في الحصول على حق الإقامة، كون بصماته أظهرت أنه حضرَ للسويدعن طريق إسبانيا. وبما أنّ أبا عصفور يُقدّس صلة الرحم، لمَ يرَ مانعاً في جعل قريبه هذا مرافقاً. لقد أضحى خبيراً بهذه الوظيفة، ينقلها كالقبعة من رأسٍ لرأس. ولم يسبق، أبداً، أن تسلّم أحدهم راتباً منه لقاء خدمته. اللهم إلا عزة، التي كانت ماهرة، فوق ذلك، بابتزاز طليقها أنّى شاءت. أملاً في عودتها إليه، كانَ قد أظهرَ سخاءً نادراً، المقمّلُ المقتّرُ. وهذا في حقيقة الأمر، سببَ بكائه المرير لما طردته أخيراً من حياتها شرّ طردة. لقد قال لدارين، فيما كانَ يسندُ رأسَهُ للأريكة: " القحبة اللصّة! إنها سحبت مني آلاف الكرونات في خلال سنة واحدة.. آلاف الكرونات ". مع ذلك، لم تثبط عزيمته، ذو القرنين. ففي تلك الأثناء، حضر شقيقُ عزة من ألمانيا، طمعاً في سرعة الحصول على اللجوء. كونه سيحدّ من حريتها، سواءً يالتدخل في طريقة إنتقاء هندامها المكشوف أو في خروجها للسهر واستقبال مَن شاءت، فإنها عمدت إلى طرده بعد وصوله بأسبوع واحد. لجأ إلى صهره السابق، المُتعايش أصلاً على حساب الآخرين. لما أبدت عزة قلة إكتراث بتلك المكرمة، بادرَ طليقها بدَوره إلى رمي الشاب في شقةٍ، يسكنها خاله مع آخرين. الخال اللوطي، كانَ أيضاً يعتاشُ على ما يجده في البرّاد من طعام، حالما يتأكّد من إخلاد أولئك المستأجرين إلى النوم. صباحاً، لم يكن هؤلاء يجدون حتى خبزاً يقتاتونه قبل الذهاب إلى العمل. ثم جاء طفيليّ آخر، ليطفح الكأسُ بأولئك المستأجرين. بطرد هذا الأخير من الشقة، بادر أبو عصفور لإيصاله إلى محطة المدينة، لكي يستقل القطارَ المتّجه إلى ألمانيا عبرَ الدنمارك. اللوطيّ، ما عتمَ أن مضى في قطار آخر، أبديّ: لقد توفيَ فجأة، وكأنما سقط عليه من السماء حجرٌ من سجّيل. وقد انتشرت دعابة في مدينة أوبسالا، بأنّ الراحلَ أوصى بدفنه في نفس البقعة ( المقبرة الإسلامية )، أينَ أخبأ على طرفها كنزه، المكوّن من بضعة ملايين كرونات. وإنما في تلك الأيام، أقنعَ أحدهم أبا عصفور بالتدريس للأجانب في مركز الصليب الأحمر. المركز، كائنٌ عند أسفل الهضبة، التي يعلوها القصرُ الملكيّ. هذا المركز، شهدَ قبل نحو عشرة أعوام محاضرة، ألقاها خفيفو آنَ زيارته للمدينة. المحاضرة، كانت عبارة عن كتابة نقدية، نشرها في تلك الفترة بإحدى الدوريات. لقد بلغت فيه الصفاقة، أن يقللَ في مقالته من قيمة شعر دارين؛ هوَ من إنتحلَ قصائده، فشكّلَ منها دواوينَ كاملة. طالما فكّرَ دارين، بسبب هذا الحَسَد، الذي محضه أياه زوجُ الثعالب، فلم يتوصّل إلا لحقيقة رفعة ما يكتبه إن كانَ شعراً أو نثراً. لقد رحلَ أحدهما عن هذا العالم، بعدما ملأه كذباً وتزويراً ونصباً وتسوّلاً. أما الآخر، فقد ابتليَ بالمرض العضال مؤخراً، فعادَ إلى نفس البلدة، التي رحلت عنها عزة قبلَ أعوام حينما حصلت على مسكنٍ في أوبسالا. عادةً، كانَ الطلابُ الأجانب يأتون مباشرةً من معهد اللغة إلى مركز الصليب الأحمر. وكانَ أبو عصفور يصلُ للمركز عند منتصف النهار ثم يغادره في أوان العصر. معمو، هوَ مَن كانَ يرافقه آنذاك بطبيعة الحال. وكانَ المسكينُ يتحملُ نوباته العصبية، الناتجة عن حرمانه الجنسيّ. أكثر من مرة، قبضَ على عنق مرافقه بسبب نقاشٍ تافه. وفي واقع الأمر، أنّ ذلك المعتوه كانَ يغلي حنقاً حينما يُلاحظ تهافتَ بعض طالبات المركز على قريبه، المتّسم بالوسامة والظرف. إحداهن، واسمها " دلال "، وكانت فلسطينية دمشقية، تميّزت بالحُسن والخفّة. مثل كثر من مواطناتها، زعمت أن زوجها قد فُقِدَ في خلال الحرب الأهلية، الدائرة في سوريا. ولكن أضحى معلوماً، أنهن بمجرد حصولهن على الإقامة وجريان مال السوسيال الغزير بأيديهن، والمخصص لأطفالهن، فإنهن إمتنعنَ عن استعمال حق لم الشمل. بعضهن كن أكثر صراحة، بقولهن: " زوجي لم أرَ منه في الوطن إلا القسوة، فلِمَ لا أغبط نفسي بالتحرر منه عند وصولي إلى بلدٍ راقٍ مثل السويد؟ ". وإذاً، حاولَ أبو عصفور إحباط العلاقة النامية بين مرافقه وتلك المرأة. لقد فكّرَ أيضاً، أن من شأن اقتران معمو بها، أن يحصل هذا على الإقامة بما يُتيح تحرره من الخدمة المجانية. فلم يتورّع عن الإنفراد بدلال، لأجل أن يعرضَ عليها شراءَ شقةٍ لو رضيت به بعلاً. في آخر الأمر، ضاق معمو بتعنّت السويديين، ففضّل العودة إلى إسبانيا، تاركاً حسرةً في قلب حبيبته. عقبَ حصول قريبه على الإقامة، وكانَ الوقتُ صيفاً، إتصل به أبو عصفور من خلال الماسنجر: " إتفقتُ وصديقنا قهرمان، أن نحل في ضيافتك ". لكن قريبه، قطعَ كلامه: " هوَ صديقكَ وحدكَ، يا عديمَ الناموس! "؛ قال ذلك وأغلق الخط. كانَ معمو قد حققَ نجاحاً في عمله بمطعمٍ، إمتلكته زوجته الإسبانية، التي أنجبت له طفلاً.
*** ويتذكّرُ دارين يوماً، كانَ قادماً فيه من محطة القطار، يجرّ حقيبة سفرٍ رافقته إلى مراكش. كانَ قد قررَ زيارة شقيقته، المقيمة بالقرب من مركز مدينة أوبسالا. وإذا به يُميّز عن بُعد سحنةَ أبي عصفور، المُكدَّرة المُمتعِضة، وكانَ جالساً على مقعدٍ يخصّ موقفَ الحافلات، المتّجهة إلى غوتسوندا. ما فاقمَ من دهشة دارين، فوقَ هذه الصدفة، أنّ الرجلَ الضريرَ كانَ بلا مُرافق. تقدّمَ منه، وبطريقةٍ مُداعبة، مألوفة، حاولَ إنتزاع العصا منه. وإذا بإمرأة جالسة بلصق صاحبه، تهتفُ بالروسية: " تي شتووو؟ ". لم تلقَ الدعابةُ الجذلَ المعتاد، واستمر عبوسُ أبي عصفور. عندئذٍ، خمّنَ دارين أنّ هذا المرأة ذات الوجه المُفْزَع، ربما هيَ المُرافق المُفترض. كانت على أبواب الخمسين، قسماتها دقيقة ولكنها حادّة. تمتعت بالرشاقة وبطولٍ مناسب. تساءلَ دارين، فيما بقيَ واقفاً: " إنها ليست روسية، أليسَ حقاً؟ " هيَ أرمنية، ولكنها كانت أساساً تعيشُ في سان بطرسبورغ " " هل تعرّفتَ عليها هناك؟ " " لو أنك إتصلتَ معي، ولو مرةً واحدة في خلال أشهر من وجودك في مراكش، لعلمتَ أنني لم أغادر السويد في هذا الصيف "، تمتمَ بشيءٍ من النزق. البدائيّ المتخلّفُ!، لم يقُم حتى بواجب التعريف بين صديقه وتلك المرأة. هكذا تركهما دارين، دونَ أن يَسبرَ غورَ علاقتهما ببعض. عادةً، كانَ أبو عصفور يضيقُ ذرعاً لو أنّ صديقه لم يزره في خلال الأسبوع. فماذا دهاه في ذلك اليوم؟ لن يطولَ الأمرُ، لمعرفة ما وراء الأكمة. حفيفو، كانَ قد حلّ ضيفاً عندَ أبي عصفور، كونه بلا مأوى مذ وصوله للسويد قادماً من اليونان ـ كما جئنا على ذكره في مكانٍ آخر. على ذلك، ضمنَ ربيبُهُ مَن يتعهّدَ تنقيحَ كتاباته إن كانت أشعاراً أو ترجماتٍ. فلم يكن بحاجةٍ إلى معونة دارين في هذا الشأن، وبالتالي، لم يعُد حتى يتكلّفُ الترحيبَ به في بيته. إلا أنّ صحبته مع خفيفو سرعان ما تكدّرت، وعلى الأرجح بسببٍ ماديّ بحت؛ مثلما أشرنا أيضاً في حينه. إنما المتسوّلُ المقتّرُ، حينَ بادرَ للاتصال بدارين، عزى ذلك لإدمان الضيف: " كما أنّ صديقتي كانت تشعرُ بالغثيان من رائحة الكحول، الملتصقة بمسامه وملابسه ". عقبَ إنقطاعٍ طويل، زار دارينُ صاحبَ الرائحة الزكية في بيته. في خلال يومين قضاهما ثمة، أدرك أن تلك الأرمنية، إمرأة موسوسة لجهة النظافة، لدرجة أن تصرخَ كالممسوسة لو أنها رأت ذرة غبار في أيّ مكانٍ بالشقة. خارجَ البيت، كانت متطيّرة من أيّ أنثى مسلمة، لو كانت ترتدي النقابَ أو حتى الحجابَ. ففي أحد الأيام، إتصلت وهيَ بغاية اللهوجة، قائلةً لأبي عصفور: " هناك إمرأة داعشية، ما إنفكّت تلاحقني في الحافلة من مركز المدينة إلى مركز غوتسوندا. أخشى أنها ما زلت تنتظرني هنا عند مدخل المركز، فعليك بنجدتي أنتَ وصديقك! ". لما عادا معها، كانت تكررُ برعب تفاصيلَ المطاردة المزعومة. إلى ذلك، فإنها كانت تدخنُ دونما إنقطاع، مبررةً الأمرَ بقلقها على ابنها الوحيد، الذي يخدمُ الجيشَ على الجبهة مع أذربيجان المعادية. ذات مرة، حينَ انتبه دارين أنها تشحذ السجائرَ من الطلبة في الصليب الأحمر، فإنه أسعفها بعلبة مارلبورو. ثم كرر الأمرَ، تقريباً كلما حضرَ إلى أوبسالا. فكيفَ ردّ أبو عصفور تلك الهدايا؟ لقد أمسكَ بحقيبةٍ تخصّ كومبيوتر دارين المحمول، ليقول بنبرةٍ منتصرة تنمّ عن الكرم: " لو أعجبتك الحقيبة، فأنا لا أحتاجها كوني لا أستعملُ الكومبيوتر سوى بالبيت! ". دأبَ المُضيف على التأكيد، بأنّ الأرمنية بمثابة زوجته. وقد زلّ لسانه مرةً، فسأل دارين: " هل تمتلكُ ثديين كبيرين؟ ". في إحدى الليالي، كانَ على ما يبدو قد انتبه إلى أنها لم توصد بالمفتاح بابَ حجرتها، فقام بمحاولة إرغامها على الجنس. صرخت هيَ كما لو أنّ ثعباناً لدغها، ما جعله يفرّ إلى الحجرة الأخرى، أينَ كانَ دارينُ يحتلُ السريرَ الوحيد. سأله الضيفُ عما دهى، فردّ بنبرةٍ مغتاظة: " المجنونة العاهرة! إنها مزاجية؛ في ليلةٍ تفتحُ لي رجليها، وفي أخرى ترفضُ ذلك ". بعدئذٍ دخل إلى الحمّام، لأخذ دوش يهدئ سعاره أو ربما لاستمناء نفسه. بقيت الأرمنية عنده لسنواتٍ، بصفة المرافق. وكانت تكررُ كلّ مرةٍ " لو أنني حصلتُ على شقةٍ، سأدع مسكنكَ بعدما أبصقُ على سحنتك القذرة ". كانت في أثناء ذلك قد بدأت بالتدريس، ثم حصلت على إجازةٍ طويلة عقبَ عملية جراحية في ركبتيها. أخيراً، انتقلت إلى شقةٍ جديدة. لما حضرت كي تأخذ بعضَ حوائجها، خاطبها أبو عصفور متوعّداً: " لو أنك ستتخلين عن خدمتي، فلن تحصلي على الجنسية السويدية. بل وربما يتم طردك من البلد إذا اكتشفوا أنك من مواليد يريفان، وليسَ حلب! ". هذا الأعمى، المُفترض أنه عاجزٌ، تمكّنَ كل مرةٍ من إخضاع المرأة، سواءً الزوجة أو المرافقة. في كلا الحالتين، بالنسبة لإمرأته القروية أو هذه الأرمنية المثقفة، فإنه كانَ يبتزّهما بموضوع الإقامة. على ذلك، يتفهّم المرءُ لِمَ انصاعت هذه الأخيرة عقبَ سماعها تهديده. فإنها أملاً بالحصول على الجنسية السويدية، اضطرت لمسايرته والاستمرار في خدمته. بمقابل سكنها المجانيّ لديه في تلك الشقة المتعفّنة، كانت تملأ البرادَ والثلاجة بالخضار والفاكهة واللحوم والبيض والحليب واللبن والعصائر. وبقيت المسكينة تفعل ذلك، وهيَ تقيم في شقتها. قبل حلولها عنده، كان يتلوّى حينما يُبدي أحدهم ملاحظة عن خواء براده إلا من الماء واللبن الرائب، فيُجيب أنه يُعاني من حساسية تشملُ كل تلك الخيرات الإلهية آنفة الذكر. وهيَ ذي الأرمنية، تصرخُ يوماً على مَسْمَع دارين: " قالبُ جبن، وزنه كيلو غرام، إلتهمه الجائعُ الأزليّ ليلة أمس ". في صباحٍ آخر، يتناهى كذلك صوتها من المطبخ: " أرجوك، دارين، لحظة واحدة.. ". على الأثر، تلفتُ نظرَ الضيف إلى هَرَمٍ من بذور الزيتون قد نُسّق على سطح طاولة الطعام: " نصف كيلو زيتون، أتى عليه ليلاً مثلما يتسلّى المرءُ ببزر دوّار الشمس ". كانَ من عادته أن يبقى صائماً طوال اليوم، فلا يتبلّغ بشيءٍ حتى يجنّ الليلُ. وعندئذٍ، لا يُمكن بحال إيقافُ أنيابه القرشية عن تمزيق أي شيء. قال لها دارين، وكانا لوحدهما في المطبخ: " كيفَ سيكتشفون أنك قدّمتِ اللجوءَ بصفتك مواطنة سورية من حلب؟ وعلى فرض أنه أبلغَ عنكِ، فأينَ الدليل؟ ". علّقت على كلامه بمرارة: " لقد سبقَ وسرقَ باسبورتي، الذي يحتوي ليسَ فقط على ميلادي في يريفان، وإنما أيضاً على إقامتي في فرنسا لما كنتُ أدرسُ في السوربون ". ثم أضافت هذه المرة، بنبرةٍ ساخرة: " ويدعو نفسه شاعراً ومترجماً وروائياً! ".
*** شاعراً ومترجماً وروائياً، أجل ولا شك. لعله من الثقة بالنفس، كأي ريفيّ، أنه لا يحسبُ حساباً للمستقبل؛ حينما تُوضع تلك الآثارُ تحت مجهر أحدهم، فيتم كشف جراثيم التنويع والإنتحال والعشوائية. المُدهش في ذلك الإعتداد بالنفس، فوقَ ذلك، أنّ صاحبنا ألّفَ رواية تتحدث بالتفصيل تقريباً عن حياته مع عزة. إلا أنه خطط لإمرأته السابقة، موتيفاً كروكياً، يعكسُ شخصيتها كدمشقية مثقفة ـ كذا ـ وليسَ كقروية ماكرة. يتكلمُ عنها بطريقةٍ طيّبة، حينما عاشا معاً تحت سقف فيلا لا يعلمُ إلا الشيطان كيفَ دفعَ ثمنها. ربما عثرَ على كنز خاله اللوطيّ، طالما أنه في كل الرواية لا يُعلم القارئ بماهيّة عمله؛ لو كانَ قد عمل شيئاً في السويد سوى كمستخدم في مطعم ماكدونالدز، لكي لا يُقطع عنه راتبُ السوسيال صيفاً. الرواية مكتوبة بأسلوبٍ جزل، فخم، بما أنّ مؤلّفها واقعٌ بلا رحمة تحتَ العجلات الساحقة لأسلوب سليمو. وإذاً، جملٌ مطوّلة تملأ صفحاتٍ وصفحات، كلها إيقاعاتُ حياةٍ سعيدة في فردوس سويديّ، وذلك قبل أن ينقض عليه إبليسُ اللعين، المتجسّد بمساعداته الشريرات؛ موظفات السوسيال نفسه، الذي استنزفه بنفسه المؤلّفُ، قبل أن يتحوّل إلى مصّ دم دافع الضرائب عن طريق التأمينات الإجتماعية هذه المرة. الرواية مكتوبة بطريقة المتكلّم، وهوَ ذا يروي للقارئ كيفَ حضرت تلك النسوة الشريرات لإنتزاع طفله: " ثمّ طلبتُ منهم العدولَ عن قرارهم والتروّ ي في عواقبه ". الراوي هنا، وهوَ المؤلّفُ بالطبع، لا يُدرك أن من أتوا الانتزاع طفله هم أداة تنفيذية وليست تشريعية.. لا يُدرك ذلك بعد إقامة في السويد لمدة تناهز الثلاثة عقود. " وأمتدحُ التفاحَ وأنا أقتطفُ من القطوف الدانية، فأقولُ وأنا أستنشق الطيب الساطع منها: هذا هو التفاح. لا ذاك الذي يباع في المتاجر.. ذاك الذي يتحسّس منه جسدي، معبرّاً عن ذلك بحكّة في العينين والحلْق وسيلان لايتوقّف في الأنف، فأبدو وكأنّني مصابٌ بالزكام! وقد أستطردُ معلّلاً ذلك: لست أدري ما السبب؟! لعلّه يكمن في المبيدات التي ترش بها ثمارها ". بالطبع من غير المعقول أن تستوردَ السويدُ فاكهةً ملوثة قد تسبب السرطان. إلا أن أبا عصفور، للحق، كانَ موضوعياً هنا بوَصْفِ بخلِهِ. فمَن يُمكن أن يُفضّل تفاحَ الشمال الأوربيّ، القاسي الحامض ( ولكنه سائبٌ للطيور وأمثال الراوي المقتّر! )، على التفاح الشهيّ، المستورد من بلدانٍ تنعمُ بشمس رائعة في أوان الصيف؛ كإيطاليا وإسبانيا واليونان و تركيا ومصر الخ؟ وها هنا، يتلاعبُ المؤلّف بأبراج الحظ، معبّراً عن خيبة أمله بإمرأته، التي يذكرُ اسمَها كيلا نخلط بينها وبين رسمها الكروكيّ: " فأنا لم أحقّق أياً من أحلامي الترابية، التي كلّما مددت خيالي نحوها استحالتْ سديم أوهام بسبب أحلام " لقاء " الهوائيّة ورغباتها الناريّة الوافدة معها من وطنها الرمليّ.... حتّى يدنو منها فارس أحلامها على فرس أبيض ليرفعها إلى واقع جديد، لكنّها ما أن تدخل قفص الزوجيّة الذهبيّ حتّى تحجم عن التغريد ". لا، إنّ المرأة الأخرى، الموازية، تعرفُ أيضاً المواءَ في فراش عشيقها! هذا البدائيّ المتخلّفُ، يصفُ نساءَ السويد: " نساءٌ لا حصر لهنّ في كلّ مكان مزهرات، ضوعهنّ يملأ صدري رقّةً وأصواتهنّ مملكة نفسي اضطراباً، نساءٌ يضرمْن النار في مشاعل قلبي ثمّ يحطّمن أثاث عقلي، نسوةٌ ذوات أشواك، أنياب قاطعة، ألسنتهنّ طّيعةٌ للكلام، مرنة كلسان الحرباء ". هكذا في كل مفاصل الرواية، نساءٌ شريرات؛ إحداهن معلّمة روضة أطفال، تضربُ طفلة وتسببُ لها كدمات؛ مسئولة في السوسيال، تدمّرُ شخصاً أجنبياً لمجرد أنها لم تعجب بشكله حينما رأته في الساونا؛ صديقه التشيليّ، يُزج به في السجن لأنه اقتربَ من منزل طليقته.. الخ الخ وبعد، فالرواية بمعظمها عبارة عن مونولوج داخليّ، لشخصٍ نرجسيّ تافه لا يُشبه سوى المؤلّفَ؛ مخلوقٌ أنانيّ، منتفخٌ بحب بالذات وعبادة المنفعة الشخصية، يعتقدُ أنه محورُ العالم بل الكون كله بمليارات مجرّاته. إلا أنّ ما يُشفع لكاتب الرواية، أنه وصلَ الليل بالنهار لإتمامها قبيل انتهاء موعد التقدّم لمسابقة " كتارا "، التي تَمنحُ للفائزين الستة الأوائل، مبلغ 30 ألف دولار؛ أي نفس المبلغ، الذي سرقته عزّة من أبي عصفور. ولكن، وا حسرتاه!، بالرغم من كل المقالات الأدبية المقرّظة، والمقابلات الصحفية ( إحداها مع قناة الجزيرة )، فإنّ الرواية لم يُقدّر لها الفوزُ ولا حتى ببخشيشٍ تشجيعيّ. *** الحياة هنا، في هذه المدينة الأفريقية الشمالية، تتّسم بالبساطة. لكنها أبعد ما تكون عن البدائية، طالما أنها كمدن المغرب جميعاً، تتمتّع ببنية تحتية متينة مع خدماتٍ جيّدة عموماً. ولا يُمكن أن يقدّر رخصَ الحياة هنا، سوى مَن كانَ مثل دارين، القادم من شمال أوربا، التي يُزمجرُ فيها وحشُ الغلاءِ، خصوصاً في أعقاب أزمتين عصفتا بالعالم؛ جائحة كورونا وإجتياح أوكرانيا. في حقيقة الحال، لو أردنا التوقّفَ مجدداً عند الملاحظة الأخيرة، فإنّ بطلنا ما كانت لديه فكرةٌ متكاملة عن الأسعار، طالما كانَ يعيشُ تحت سقف بيت حميه، ثمة في حي باب غُمات. هذا الحي، المُعتلي هضبة راسخة في مراكش القديمة، تتناهى إلى أسماع ساكنيه ليلاً ايقاعاتُ الطبول والصنوج، المندلعة في ساحتها الأسطورية؛ جامع الفنا. لقد بقيَ مُقيماً ثمة لمدة عشر سنين، ضمن فتراتٍ متفاوتة، يصلُ بعضها إلى ستة أشهر في العام. إلا أنّ ظروفاً معيّنة، أجبرته على الإنتقال إلى شقةٍ في حيّ لا يبعد عن المطار سوى ببضع دقائق. ها هنا، استمرّ في تدبيج تذكرته عن مدينته السويدية الأولى؛ مدينة، واصلَ العيشَ فيها لما يزيد عن العقدين، وذلكَ قبلَ أن تطرده ضمنَ ملابساتٍ ما إنفكّ بنفسه على حيرةٍ في شأنها: أوبسالا، مدينة الذكرى، مَن جمعت أبيقور مع ديكارت، لتكوّن فلسفتها الخاصّة بها. بوصفه الأمين على ذكرياته في تلك المدينة، فضّلَ أن يكونَ بمنأى عنها أثناء الكتابة، وفي الآن نفسه، أن يتمتع بأجواء الربيع وهوَ في أوج أشهر الشتاء. وليسَ ثمة من مثيل لطقس مراكش شتاءً، المضفى عليه رونقاً خاصاً بحرارة اللون الأحمر لأبنيتها جميعاً. وينتشرُ عبقُ زهر النارنج في كل شارع محمد الخامس، ليُسكر السيّاحَ فوق ما هم ثملين بالخمرة وعطر بنات الليل، المنتشرين على رصيف ذلك الشارع. إلا أنّ دارين انقطعَ مؤخراً عن الكتابة، بعدما هزّته من الأعماق معركةُ إسقاط نظام الطاغوت في مسقط رأسه. على الرغم من أنها كانت معركة مختزلة جداً ( كما لو أنها لعبة بلاي ستيشن )، إلا أنّ ذيولها المثيرة قد دفعته للبقاء كل يوم لساعاتٍ بمقابل جهاز التلفاز. لحُسن الحظ، أنّ القسمَ الأكبر من تذكرته قد اكتملَ قبلَ أن تداهمه تلك الأحداث، وبالتالي، سهّلَ عودته لإكمال ما تبقى منها. في أثناء الكتابة، طغت أحياناً صوَرٌ عاطفية لمسقط رأسه، المتحرر تواً من الطاغوت. وإنها صوَرٌ، حرّكت فيه ليسَ الحنين، حَسْب، بل وأيضاً الرغبة في كتابة رباعية جديدة، تدورُ أحداثها حول سنوات الثورة والحرب، تستنزفُ جهدَهُ هذه المرة في كتابةٍ تمتّ للخيال أكثر منها للسيرة والذكرى.
مدينة مراكش، شتاء عام 2025
#دلور_ميقري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تشريح الذات: كانَ ربيعاً أخيراً
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
-
خمسة أسابيع في دمشق 4
-
خمسة أسابيع في دمشق 3
-
خمسة أسابيع في دمشق 2
-
خمسة أسابيع في دمشق
-
المهاجران من المسرح إلى السينما
-
فيلم الطفولة الكردية، المغتالة
-
فيلم اليهودي والضياع الأخير
-
فيلم الكردي وحروب الآخرين
-
مصير أسرة في فيلم سوري
-
تراب الغرباء والتلاعب بالتاريخ
-
الترحال؛ منحوتة للطفولة والمدينة
-
الطحين الأسود ولعنة المكان
-
اللجاة؛ البيئة الدرزية سينمائياً
-
حسّيبة؛ الشام بحسَب يوميات إمرأة
-
شيء ما يحترق؛ عن الدرزي النازح
-
الطحالب؛ حكاية جرح سوري
-
باب المقام، المفتوح على الشغف
-
سُلّم إلى دمشق؛ التقمّص عشيّة الثورة
المزيد.....
-
من شتاء أوروبا لخريف الأوسكار: أجندة مهرجانات السينما في 202
...
-
فنار.. كيف تبني قطر عقلها الرقمي السيادي لحماية اللغة والهوي
...
-
مطاردة -نوبل- في مقهى.. واسيني الأعرج يحول -مزحة- المثقفين ل
...
-
فيلم -أرسلوا النجدة-.. غابة نفسية اسمها مكان العمل
-
معرض دمشق الدولي للكتاب يكتب فصله الأول في عصر ما بعد المنع
...
-
عاصفة إبستين تطيح بجاك لانغ.. أي مستقبل لمعهد العالم العربي
...
-
معهد العالم العربي: أربعون عاما من الثقافة العربية في قلب با
...
-
علي إدريس ينفي تنازل عمرو سعد عن أجره في فيلم قسمة العدل
-
أسوان تحتضن الفنون النوبية والعالمية في انطلاق مهرجانها الدو
...
-
اتحاد الأدباء يحتفي بتجربة الشاعر أحمد الشيخ علي
المزيد.....
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|