أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ















المزيد.....



تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 8606 - 2026 / 2 / 2 - 09:57
المحور: الادب والفن
    


1
من الضيوف شبه الدائمين في شقّة الشقيقين، كانَ شخصاً إسمه " مصباح "، وهوَ من مواطني الباحث الكبير. كانَ أسمرَ قاتماً، قصيراً وبديناً؛ في عينيه جحوظٌ وعلى خده خالٌ بحجم حبّة العدس. فكم أُشبهَ بفطيرةٍ، غالوا في تحميصها بالفرن. إلى ذلك، كان شديدَ الفضول والتطفّل على حياة الآخرين. بصفته مُساكناً لإمرأة سويدية، تقتربُ من سنّ الكهولة، فإنه جعلَ من شقتها، الكائنة في الدور العلويّ، بمثابة المرصد. وكانَ يأتي دوماً مُحملاً بالأخبار الطازجة، من قبيل: " أمس، لمحتُ فلانة مع عربة طفلها، ويلوحُ من الدموع في عينيها أنها أهينت للتوّ من لدُن الزوج القاسي ". أو هذا الخبر: " مرّ العجوزُ فلان ظهراً، وهوَ يحملُ سلّة لجمع الفطر. لعله يُسبب مجزرة لأسرته، كون هذا الخَرِف لا يميّز بين الفطر السام وخلافه ".. الخ. في المقابل، كانَ الفطيرة شاباً طريفَ الطبع، ويكنّ مودّةً لدارين كونهما على إتفاقٍ في بعض الأمور السياسية. لكن هذا، لم يمنعه من التدخّل في حياته الخاصّة. قال لدارين ذات مرة، وكانَ قد إلتقى معه في المرصد، مُحدّقاً مباشرةً في عينيه: " نوروز، أنتَ تعرفها على ما أظن؟ إنها في عراكٍ دائم مع إبن عمها، الذي كادَ أن يعود أدراجه إلى تركيا عقبَ إكتشافه أنها ليست عذراء! ".
كانَ مصباح خصماً مكيناً للصدق، وعبثاً غالباً. فلو أنك لمحته في المجمّع وهوَ خارجٌ من المحل الشرقيّ، فإنه سيقول لك ببساطة أنه كانَ يتسوّقُ في السوبرماركت. في خلال مدة قصيرة، ربما لا تتجاوز العامين، إستطاع نسجَ شبكة متشعبة من العلاقات مع أشخاص يعيشون في مختلف أنحاء البلاد؛ وبالطبع، غالبيتهم من ذوي الأعمال الحرّة. تمهيداً لقدوم إمرأة قروية من الوطن، بعقد قران، رأى أنه من المُحال أن يستمر بالعيش تحت سقف صديقته السويدية. الشقة الجديدة، التي حصلَ عليها لاحقاً، كانت أيضاً في مكانٍ إستراتيجيّ أتاحَ لها التمتّع بصفة المرصد: كانت تطل من ناحية الصالة على رصيف الشارع العام، وعلى دربٍ فرعيّ من جهة المطبخ.
منذ أن هجرَ صديقته الكهلة، تفتّحت بصيرة مصباح على نظيراتها في السنّ، اللواتي يحضرن بشكلٍ منتظم إلى الملهى، الكائن في سنتر غوتسوندا. ثمة أيضاً، كانَ يفوّت على نفسه حظوة التعرّف بإحداهن، وذلك بسبب فضوله. إنه يقول لدارين، لو صادفه هناك، مومئاً إلى أحدهم: " ذاك المغربيّ، بالرغم من أنه في مقتبل العُمر، فإن شيمته هي إصطياد العجائز الثملات. أتعرف لماذا؟ ". ثم يُجيب على السؤال بنفسه: " لأنه مهددٌ بالطرد من السويد، عقبَ تخلّي صديقته السويدية عنه ". أو يُشير إلى إمرأة، متوسطة العُمر: " إنها وإبنتها الصبية تعاشران نفس الشاب الأسوَد، وأكثر من مرة تنازعتاه في الملهى ". مع ذلك، كانَ مصباح يحظى كل مرةٍ بمَن يدفع عنه ثمن كأس البيرة، الذي ينهل منه ببطء وهوَ قابعٌ في مكانه، يطرفُ عينيه الجاحظتين ـ كما الضفدع عند المعين العذب.
شابٌ آخر، كانَ مهدداً بالطرد من السويد، يُدعى " فخري "؛ وهوَ من أولاد عم البارزاني الابن. في ذلك الوقت، لم يكن أحدٌ يعرفُ بأمر النفط المهرّب إلى تركيا إلا بعدما إنفجر صراعٌ دمويّ بين هذا الأخير والطالباني. لا غرو أن يظهر ذلك القريب إنساناً مسكيناً، مطأطأ الرأس إلى جانب. لقد قالوا له في إدارة الهجرة، أنّ الإقليم الكرديّ آمنٌ. لكنه وجد الأمانَ عند ذينك الشقيقين، الذين كانا بحاجةٍ لمزيدٍ من المراس في تعلّم اللهجة العراقية، للسبب المعلوم لدينا. بعد أشهر من الضيافة، غدا الشابُ كالشبح بفضل المطبخ الشحيح ذي الوجبة المقتصرة على البيض المقليّ بالدهن. ولو كانت ثمة وليمة، تصحبها الفودكا، لأضيف الفطر إلى البيض أو شرائح من البيكون. في ليلة رأس السنة، أتى دارين بطبق كبير من محشي ورق العنب ( الدولمة )، فيما جاء مصباح بصينية أفخاذ دجاج، مشوية بالفرن. وكانت السهرة لتغدو مبهجة حقاً، لولا موهبة الضفدع في إثارة النقاش السياسيّ بنفس طريقته في النميمة.
شاب وسيم من كرد لبنان، يدعى " نوزاد "، حضر أيضاً مع طبق تبولة. إنه بالأصل من نفس بلدة الضفدع، ووالد الشاب هو خال أحمي. إنّ من تكفل أمر تهريبهم من بيروت الحرب الأهلية، كان ذلك الرجل، الذي عرفناه فيما مضى باسم داوود. هذا الأخير، لما تأكّد من إستحالة ردّ دينه، فإنه طلبَ شقيقة نوزاد لشقيق زوجته؛ أي بدون مهر. الفتاة، كانت باهرة الحُسن وفي أوان المراهقة تقريباً. أبدت للحال نفورها من الخطيب، المُحمّل قبحه باللؤم والشح. إلا أنها إضطرت للموافقة أخيراً، بعدما سقط والدها مريضاً. ففي عامٍ سابق، هربت شقيقتها الكبيرة مع شاب إيرانيّ كانت تحبّه. الخطيب، هوَ علوان؛ المبشّر الإسلاميّ، الذي مرّ أيضاً ذكره معنا. بعد نحو عقدين من الأعوام، ضجّت السويد بفضيحةٍ كانَ هوَ بطلها: كونه طبيباً، فقد إعتاد على الزيارة المنزلية لمرضاه من النساء الكبيرات في السن. وقد قدّمت إحداهن شكوى للبوليس، بأنه قام بإغتصابها. مع فتح التحقيق، تبيّن أن ما يزيد عن عشرة عجائز تعرضن لنفس الحالة من قبل هذا الطبيب. علاوة على حكمٍ بالسجن، تم تجريد علوان من صفته المهنية.
أبو عصفور، وقد عرّفناه سابقاً كإبن عم للمريض بعشق العجائز، كانَ قد آبَ من سان بطرسبورغ، أينَ درسَ اللغات في إحدى كلياتها. عادت معه إمرأة روسية، بصُحبة طفلة من زواجٍ سابق. فيما مضى حينَ كانَ بعدُ في ستوكهولم، يعمل في مطعم ماكدونالدز، إعتاد مصباح على المرور عليه كي يأخذ مجاناً عدة شطائر من الهمبرغر. فلما علم بعودة مواطنه، ومن ثم إستقراره في أوبسالا وبنفس حي غوتسوندا، فإنه أضحى ضيفاً عليه بصفة شبه دائمة. كانَ حانقاً على المقدور، الذي يمنحُ إمرأة بيضاء لهذا الضرير ذي الخلق الناريّ. مع أنهما على السوية نفسها، لو تعلق الأمرُ بالإقتصاد والشح والفضول والتطفّل. كون المرأة البيضاء لم تقع في أسر صاحب الخال الجميل، أضحت زياراته تقل رويداً إلى أن ندرت غبّ زواجه بدَوره.

2
عضّ اليد المُحسنة، حالة عامة تقريباً، لو فكّرنا بمن ساعدهم دارين في أوان تقديمهم طلب اللجوء. قريبه، فزّاعة الطيور، لن يكون آخرهم. إلا أنّ أحدهم شذ عن ذلك المسلك، بالنظر لمعدنه الأصيل. إنه " حسين "، الشابُ النحيل ذو الطبع الهادئ. كانَ ينحدرُ من عفرين، وقد أنهى دراسته في بلغراد مع إنهيار الإتحاد اليوغسلافي. تعرّف عليه دارين من خلال مواطنه، " شكري "، الذي كانَ في نفس معسكر اللاجئين مع جيجي. وقد قطع شكري علاقته مع هذا الأخير، كونه إمتنع عن تسليفه مبلغاً ضخماً للبدء بمشروع مطعم. قبل ذلك، تخلّى شكري عن مُساكنته السويدية، وكانَ لها الفضل بحصوله على الإقامة عقبَ طرده من البلد وإنتقاله إلى ألمانيا. بما إكتنزه من مال المرأة المسكينة، دفعَ مهرَ إبنة قريته ومن ثم إستقدمها إلى السويد. في إحدى المرات، إلتقى دارين بشكري عن طريق المصادفة، فأظهر هذا نخوته ورغبته في ردّ المعروف: دعاه إلى شقته، وكان لا يزال مع صديقته السويدية، فقدم له على الغداء طبقاً من البطاطس المهروسة مع شرائح خيار وبندورة.
في إبّان دراسته في معهد الغرافيك، كانَ أحد زملاء دارين من صرب البوسنة؛ وإذا هوَ شقيقُ صديقة حسين. " سيرغي " هذا، إعتادَ على زيارة شقيقته بين فترةٍ وأخرى، كونه يمتلك سيارة. في إحدى المرات، إتصل حسين بدارين: " لقد طلبتُ من شقيق صديقتي أن يصحبك وإمرأتك، لتمضيا بضعة أيام في ضيافتنا ". في البداية، تحفظت آلاء على الفكرة. ومن ثم وافقت، بما أنّ الزيارة لن تتجاوز عطلة نهاية الأسبوع. ما لم يكن في الحسبان، أن سيرغي كانَ من أبطال سباق السيارات: " هذه هيَ هوايتي، بينما والدي كانت هوايته النساء "، قالها بنبرة خالية من الإهتمام. هكذا داسَ على البنزين بسرعةٍ فائقة، ليصل في فترةٍ قياسية لمدينة فالون، الكائنة إلى الشمال من أوبسالا. دلفَ الزوجان من السيارة، بأعصابٍ محطّمة تقريباً، وكانَ المُضيف في إستقبالهما مبتسماً. لقد أدركَ من ملامحهما، أن شقيق صديقته كان متهوّراً كالعادة في أثناء سياقة السيارة. هذه الصديقة، كانت تعدّ كتاب " النبي " لجبران، بمثابة الإنجيل، فلا تكف عن قراءة أحد مقاطعه كل ليلةٍ قبل النوم. كانت فتاة متوسطة الجمال، يتوارى ما تبديه من لطف حالما تفتحُ فمَها ذا الرائحة الكريهة. تركا المرأتين تتبادلان الحديث بالإنكليزية، ثم نزلا مع بطل الرالي إلى المطعم، الكائن بأسفل الفيلا. شريك المطعم، سبقَ أن تعرّف عليه دارين في أوبسالا في أول عهده بالسويد. مواطنه، زورو، شاركه فيما مضى بمشروع متجر ثم ما لبثَ أن إنسحبَ منه بعدما إختصّ نفسه بمبلغ كبير. هذا الأخير، هوَ من أبلغ دارين بالمعلومة حينما إلتقيا في اليوم التالي. في طريق العودة بالسيارة، قال حسين لضيفه: " زورو الشحيح، تكلّفَ الإمتعاضَ عند رؤيتي لا لشيء سوى لتجنّب دعوتك وزوجتك لوليمةٍ في بيته ".
في اليوم الأخير من عطلة نهاية الأسبوع، قال دارين لإمرأته حينَ إنتحى بها إلى جانب: " مضيفنا تعهّد إيصالنا إلى أوبسالا بعد يوم الغد، كيلا نضطر للعودة مع بطل رالي السيارات ". كالعادة، أبدت آلاء تذمرها بالرغم من أن الوقتَ كانَ أيضاً عطلة الكريسماس ورأس السنة. سببُ ضيقها أساساً، أن دارين كانَ مجبوراً على البقاء مع المُضيف في مطعمه. هذا، مع أنّ صديقة المُضيف كانت تأخذها بالسيارة كل مرةٍ للتجول في المدينة أو للتبضّع من أحد المخازن. في المطعم، ما عتمَ دارين أن إلتقى بشاب من القامشلي، كانَ على صلةٍ وثيقة بأحد أقاربه في كييف، ممن بقوا ثمة لممارسة التجارة عقبَ إنهيار الإتحاد السوفييتي. " باكور " هذا، كان شخصاً يتّسم بالنبل والكرم، مع شيءٍ من السذاجة. الخصلة الأخيرة، إستغلها تمام الإستغلال صديقُهُ أحمي، حينما عمل في مطعمه الذي كانَ يتحوّل إلى ديسكو في أيام العطلات. عندما شكّ باكور بتسرّب المال من صندوق المطعم، وخاصة في ليالي الديسكو، وضع كاميرا خفية. ليتبيّنَ الرجلُ، مصدوماً، أن أحمي قد إستل مبالغَ ضخمة من الصندوق في خلال أشهر خدمته بالمطعم.
من ناحيته، كانَ لحسين معاونٌ في المطعم، اسمه " فريدون "، من نفس قريته. غبّ فترة من العمل مع معلّمه، هوَ ذا يُفاتحه بمشروع مطعم: " وأحتاج حالياً لمبلغ منك، أسدده بعدما أنهضُ على قدميّ ". عبثاً، حاول حسين إقناعَ معاونه بعدم جدوى الفكرة. عندئذٍ ترك فريدون العملَ، وخصص كل وقته لإستدانة المال من هنا وهناك. إذا به في أحد الأيام يفتتح المطعمَ، في مكانٍ لا يبعد سوى خطوات عن مطعم معلمه السابق. لم يكتفِ بذلك، وإنما كانت وجباته أكثر رخصاً في سبيل جذب زبائن معلّمه السابق. على أثر فض الشراكة، إنتقل حسين بعمله إلى مدينة أخرى تقع في جنوب السويد، وما لبث أن إقترن بإحدى قريباته.
زورو أيضاً، لم يمكث كثيراً في تلك المدينة الصغيرة، وما عتمَ أن عادَ مع عائلته إلى أوبسالا. كانَ قد وقعَ بين براثن أحد مواطنيه، الذي سيشتهر لاحقاً كأحد أكبر النصّابين. كانا قد تعاونا في فتح ذلك المتجر، وسارت أمورهما بشكل معقول في البداية. كانا أيضاً يتبادلان الزيارات العائلية، المرأتان تثرثران والأولاد يلهون مع بعضهم البعض. إلى أن إنتبه زورو للتلاعب في الصندوق، ولم يكن ثمة حلّ سوى فض الشراكة مع تحمّل بعض الخسارة.

3
ليلة، بلا سُحُب تقريباً. كأنها كانت تتواطأ مع ومضات الأسهم النارية، التي كان الشبان يطلقونها في سماء المدينة منذ مستهل المساء. الثلوج، المتراكمة كالكثبان الصحراوية، شاءت أيضاً إضاءة الليلة بنصاعتها؛ نصاعة امرأة جميلة، باردة الملامح والروح. وكان ثمة امرأة حقاً، لا مجازاً، تتنقلُ على الشرفة كالشبح. إنها " عزة "؛ امرأة أبي عصفور، الجديدة، وكانت بالكاد قد أكملت أعوام عمرها العشرين. من أجل جلبها إلى عش الزواج، المنزوي على أحد أغصان الشجرة السويدية، كانَ قد غامرَ بجزءٍ غير هيّن من مدخراتٍ، راكمها عاماً وراءَ الآخر، وذلك بفضل حسّه السليم في الإقتصاد، المتفوّق حتى على حسّ " بخيل " موليير. إلا أنّ هذا العش، من وجهة نظر عزة على الأقل، ما كانَ سوى سجناً. ولكن على الأقل، السجناء يحصلون على حصّة معقولة من الطعام. بالطبع، هم ليسوا أيضاً بحاجة لملابس جديدة كل مرة، لأنهم ببساطة سجناء. أما هذه المرأة الصغيرة، فإنها قد غدت بالفعل أشبه بالشبح، كونها تتضوّر جوعاً في غالب الأحيان. نهاراً، يُمكن رؤيتها مقرورة من البرد، مكتسية بمعطف رهيف من المشمّع، اشتراه زوجها من الصليب الأحمر، مستغنياً عن ثمن كيلو غرام بطاطس.
وإذاً، كانت ليلة رأس السنة، وقد أجاز دارين لنفسه أن يقضيها خارجَ المنزل، بسبب خصامٍ عائليّ مرير. صديقه، بالرغم من أنه فاقدُ البصر تقريباً، إلا أنه كانَ يمتلك بصيرةً ثاقبة، حينما يتعلق الأمر بالمسائل العائلية. " كل النساء عاهرات! "، هكذا كانَ يقولُ بكل ثقة. مع أن أمه الراحلة، ليست ككل النساء. لقد وضع صورتها في إطار صغير، ربما عثرَ عليه في حجرة القمامة. وكانَ يؤكّد لكل من يرى الصورة لأول مرة، أنّ صاحبتها حازت على لقب ملكة جمال لبنان. حتى أقاربه، كانوا عندئذٍ يهزون رؤوسهم باهتمام، دلالة على صحّة كلامه، مع علمهم الأكيد بأن والدته لم ترَ لبنان في حياتها. كذلك، دأبوا في هكذا مناسبة أن يعلّقوا حالما يختفي ابنها في المطبخ؛ مكانه الأثير: " المسكينة، ماتت بالسل بسبب سوء التغذية ". في هكذا مناسبة أيضاً، ما كانَ دارين يهتم بالأموات وإنما بالأحياء، المهددين بالموت جوعاً.
" دَعْ ليَ، لو سمحتَ، مهمة التصوير. أنت ساعدني، حَسْب، على رؤية طريقي! "، قال صديقه وهوَ يوجّه كاميرا الفيديو بشكلٍ اعتباطيّ. في الأثناء، كانت ومضاتُ الأسهم النارية تتعابث مع السماء المظلمة. وكانَ صاحبنا يغدو في الظلمة ضريراً تماماً، سوى لو أنه في المنزل. إذ تم تزويد الصالة والمطبخ بمصابيح نيون عملاقة، لكي تبعث نوراً لا يُرام، يعينه على بعض الرؤية. وإنها خالته، المقيمة في ستوكهولم، مَن أمّنت له هذه الهبة من بلدية المدينة. في المقابل، هداهُ لحيلةٍ أكثر فائدة، ذهنُه الحاذق في أمور المنفعة الشخصية. إذ اتصل لاحقاً بشركة الكهرباء، قائلاً بنبرةٍ مرتعشة لشدّة التأثر: " ما هوَ ذنبي، أنا الأعمى صاحبُ الدخل المحدود، أن أدفع فاتورة باهظة بسبب مصابيح إنارة قوية؟ ". شهراً على الأثر، وهيَ ذي الفاتورة الجديدة، المنذورة لحساب تكلفة صرف الكهرباء، تحملُ رقمَ الزيرو. على سبيل العلم، لا الحسد، فإنّ دخله كانَ يجعله يعيش مرفهاً ك " لورد "، لولا تقتيره على نفسه وامرأته حدّ العَوَز. فإن راتب التأمينات الإجتماعية، بوصفه مُعاقاً، كانَ " من طرف الجيب "ـ كما يُقال عادةً. إذ كانَ يمتلك أرضاً كبيرة، هناك في بلدته بشمال سورية، يجتني من خلالها مالاً وفيراً في إنتهاء موسم حصاد القمح. على ذلك، كانَ في مواسم المطر، يضطر لشراء قسيمة إتصال دولية، لكي يطمئن على أن الأمور على ما يرام. لو أنّ الأمور على خلاف ذلك، فإن امرأته المسكينة عليها كانَ أن تتحمل زوابعَ حنقه. كذلك كانَ حالها، حينما كانَ يراقبُ، بين فينةٍ وأخرى، ومن خلال التلفاز، عدادَ البورصة؛ هوَ مَن سبقَ وتورّط بشراء أسهم في شركة الكترونيات شهيرة، أضحت من ثمّ على شفا الإفلاس. ويقالُ أيضاً، أنه فتحَ استديو تصوير بكامل أجهزته، ثمة في بلدته، يتقاسم مردوده مع معلّمٍ استأجره لهذا الغرض. كانَ يُدير كل شيءٍ عن بُعد آلاف الأميال، هذا الأعمى الجائع، ممتلكاً ثقة بالنفس لا حدّ لها؛ بأن من المحال أن يجرؤ كائناً من كان على هضم حقوقه المالية، المشروعة.
على غير المعتاد، ولا غرو، كانت هذه الليلة الإحتفالية مناسبة لإظهار كرم المُضيف. فإنه منذ بداية المساء، أراد الإنهماك في تحضير بعض اللحوم الحمراء لأجل الشواء. وفي العادة، بدَوره، لم يكن دارين موسوساً بالنظافة إلا مع هذا الصديق. في حقيقة الحال، لم يكن الأمرُ يتعلق بمعاناة الآخر من العمى، سوى أنه من الميل إلى القذارة، حدّ الإدمان. فالنظافة، تكلّفُ مالاً ولا شك. فإنه، من بين أشياء كثيرة، يجعل امرأته تغسل الملابسَ في حوض الحمّام. هذا مع أنّ صالة غسيل الملابس، المزوّدة بأحدث الأجهزة والمخصصة لسكان المنطقة، لا تكلفه شيئاً سوى ثمن مسحوق التنظيف. وإنه يستعيضُ عن هذا المسحوق، المُكلِف لدخله المحدود، بلوح صابون أكثر رخصاً بكثير، جلبَ دزينة منه حينما كانَ في زيارةٍ للوطن. ولكنه لا يكاد يعرف تنظيف يده بالصابون، حتى عقبَ تلوّثها بالغائط في الحمّام. لعل كل من صافحَهُ، كانَ قد شعَرَ بكفّه المفعمة باللزوجة والرطوبة. هكذا شعور، كانَ ينقلبُ عند دارين إلى الغثيان، طالما أن رائحة كريهة كانت تنبعث من جسد وملابس صديقه، المقتّر على نفسه أكثر من بدويّ متوحّدٍ في البادية.
" ولكن رجلاً مثله، يخفي ألفي فرنك في جورب قذر ويرفض أن يرتدي قميصاً نظيفاً وأن يضع قليلاً من الزبدة على خبزه، رجل كهذا ليس فقط لوطياً ولا حتى مجرد بخيل ـ إنه معتوه! "، بحَسَب تعبير هنري ميللر. لقد قرأ دارين هذا القول فيما بعد، وتأكّد فعلاً أن بعض التعابير في الأدب، تصلح أن تكون بذرة حياة كاملة. حقّ له، إذاً، أن يستعيدَ نتفاً من سيرة حياة أبي عصفور، التي وردت على ألسنة البعض من مواطنيه. إن لقبه بالذات، يُحيل إلى شخصية كوميدية ظهرت في إحدى المسرحيات: رجل مجنون، يحمل على الدوام عصا ينتهي رأسها بطائر صغير على شكل عصفور، فيخاطبه باستمرار بجُملٍ مُقفّاة؛ باعتباره ينظر إلى نفسه كشاعر.
إلى ذلك، كان أبو عصفور إنساناً مُعانياً. وأسوأ نماذج المعانين، وفق الطب النفسي، هم أولئك المصابون بالعصاب القهري. بعضهم قد تساعده الظروف، للتحوّل إلى ديكتاتور دمويّ؛ ولدينا مثال كاليغولا ونيرون في العصور القديمة، ستالين وهتلر وصدام حسين في عصرنا الحدبث. أما صديق دارين، فإنه كانَ ديكتاتوراً بيتياً، لحُسن الحظ. إنّ مأساة حياته، المنقلبة إلى ملهاة، بدأت منذ الطفولة. لعله كانَ في العاشرة من عُمره، لما ماتت والدته بمرض السل ـ كما علمنا. والده، عمدَ للفور إلى الزواج من أخرى، كأنما مسلكه يُحيل لشخصية إجرامية في رواية لأجاثا كريستي. لقد كانَ، فوق ذلك، ينتمي لسلالة من البخلاء المعتوهين. ولكن بحسب تلك المصادر دائماً، فإننا لا نعرف سوى جدّ أبي عصفور لأبيه. لقد عمدَ هذا، حينما وضعَ رجلاً في القبر، إلى جمع أمواله المكنوزة في مكانٍ ما، ثم مضى بها إلى رجلٍ يثق به، يعيش في قرية مجاورة. قال لصديقه الكهل، وهوَ يناوله الكنز: " أولادي يتحينون الفرصة لاغتيالي، سعياً إلى هذا المال، وأريدك أن تحفظه عندك ". وشاءَ القدرُ أن يموتَ تحت سقف ذلك الصديق، مباشرةً في اليوم التالي. هذا الأخير، أنكرَ على الفور أمام أولاد المتوفي علمه بالمال. وثمة ملاحظة غير مهمة، استرعت انتباهَ دارين قليلاً: هذا الكهل، الذي هبطت عليه الثروة على حين غرّة، لم يكن سوى جدّ زوجة مصباح. وربما الحكاية كلها ملفقة، لولا أن دارين سمعها أيضاً من أبي عصفور نفسه. ومنه أيضاً، في تلك الليالي الثلجية، عرفَ بمعاناته على يد زوجة أبيه: " كنتُ أعاقبُ باستمرار على يد والدي جلداً بالحزام، بسبب وشاياتها. كانت تمحضني الكراهية، دوناً عن شقيقتي. إذ حطمتُ لها أكثر من مرة بعضَ الآنية، نتيجة حسر نظري. وكانت تجعلني أمضي إلى المدرسة دونَ فطور، وهناك أعاقبُ أيضاً بالضرب من لدُن المعلمين، كوني أختطف في الفرصة شطيرة أحد زملائي وأسرع بالتهامها. على خلفية المعاملة السيئة، هربتُ بعد نحو العام إلى دار جديّ لأمي، الذين صرتُ أعدّهما والديّ الحقّيْن ".
وعودة إلى ليلة رأس السنة، لنجد دارين يصرّ على المُضيف أن يتولّى هوَ تتبيل اللحمة وتنضيدها في الأسياخ. كما أنه، مبالغة في الإحتياط، كانَ قد جلبَ معه ربطة خبز لبناني. فالمُضيف، دأبَ على تحضير الخبز بنفسه، وذلك لمزيدٍ من التوفير. عادةً ما كانَ يأخذ وضعية القرفصاء، ثمة في أرضية المطبخ، جاعلاً الطحينَ في وعاءٍ كبير من البلاستيك، فيما امرأته تسكبُ الماءَ على مهل. وكانَ صاحبنا من الإنهماك في عمله، أنّ قطرات العرَق كانت تنثال إلى العجين مع ما يجودُ به الأنف من سوائل. وإذاً انهمك هذه الليلة، بمساعدة امرأته دائماً، بإشعال جمر الموقد. بحَسَب قانون الإيجار، يُمنع استخدام الموقد على شرفة الشقة. إلا أنّ المستأجرين الآخرين، وغالبيتهم أفارقة، كانوا يشفقون على جارهم الضرير، فلا يتقدمون يشكاوى بحقه.
" تركتُ جمرَ الشواء مؤرّثاً، لكي نستفيد منه بتحضير النرجيلة "، قال لدارين المُضيف الكريمُ. هذا الأخير، لم يكن يُدخن بحالٍ من الأحوال، وبالطبع حرصاً على المال أكثر منه على الصحة. ويعلم الشيطانُ وحده، كيفَ وصلت هذه النركيلة الأثرية ليده. في هذه المرة، أصرّ ببعض العناد أن يتولى هوَ تحضير النركيلة. فلما كانَ كل شيءٍ على ما يرام، كما يُفترض، راحَ دارين يسحبُ الأنفاسَ المرة تلو الأخرى؛ ولكن عبثاً. لما أزاحَ جانباً من ورقة القصدير، المتوّجة رأسَ النرجيلة، رأى حفنة المعسّل بحجم رأس الدبوس تقريباً. إلى الأخير، استمتع الضيفُ بتدخين النرجيلة بعدما تعهّد بنفسه إضافة المزيد من المعسّل، المكنوز في البرّاد. بعد ذلك، حانَ وقتُ مشاهدة فيلم الفيديو، الذي تم تصويره بأول الليلة. شاشة التلفاز، لم يُسجّل عليها عندئذٍ سوى شريط عَتمٌ يُظهر أحياناً جدرانَ بعض العمارات، المتراصفة على طول الدرب، المغطى بالثلوج.

4
وتتوالى الأمسياتُ الشتوية، تحتَ سماءٍ صافية، ترنو من خلالها النجومُ من علٍ مناسبٍ إلى أفراح وأتراح البشر، كما لو أنها آلهة وثنية غير مبالية إلا بمنازعاتٍ بين بعضها البعض. وتحتل الثلوجُ شرفة الشقة، الكائنة في الدور الثاني، أينَ استضافوا دارين الليلة بعد الأخرى، طالما بقيَ مصرّاً على النأي عن عائلته الصغيرة. بين الفينة وأختها، يخرجُ إلى الشرفة لدقائق قليلة، هرباً من رائحة مقيتة تفوحُ من المطبخ المقتّر، أو لكي يتجنّب شهودَ إحدى ثورات صديقه الضرير، المُعلنة دائماً على امرأةٍ بلا حول ولا سند في هذه الغربة.
إنه يقفُ هناك، صادّاً عن وجهه رذاذ الثلج، المُنذر بعاصفة وشيكة، شبيهة بعاصفة النزاع العائليّ، التي ألجأته إلى آخر مكانٍ كانَ يُمكن أن يفكّر فيه بظروفٍ مُغايرة. إنه هجرَ امرأة جميلة، لكنها متسلّطة؛ امرأة مثقفة، لكنها تحسدُ موهبته الأدبية بالرغم من إيمانها بها. هجرَ شقته ذات الصالة الأنيقة، أينَ المكتبة العامرة بالمجلدات، وكانَ بعضُها مثارَ نقاشاتٍ عميقة سواءً مع شريكة حياته أو مع أصدقائه. لم يندم على قراره بهجران كل شيءٍ، ثأراً لكرامته قبل كل شيء. لقد سبقَ وتركَ لإمرأته التصرّفَ بالمال، تماماً مثلما كانت شيمة والده في الوطن. وبسبب حرص آلاء المزمن، حرمَ نفسه حتى من ملابس مناسبة. فلما طالبها ذات يوم بحاجته إلى مبلغٍ من أجل شراء جهاز كمبيوتر، فإنها تعللت بصفر يديها. عندما ذكّرها باكتشافه المال المكنوز في أحد أدراج خزانة الثياب، أجابته بقحّة أنه في سبيل سفرها وطفلهما إلى دمشق صيفاً. القشة، التي قصمت أخيراً ظهرَ شراكتهما الزوجية، تمثلت بشراء امرأته كاميرا فيديو بنفس سعر جهاز الكمبيوتر تقريباً. لقد حارَ من هذا التصرف، أكثر من غضبه إزاءه؛ حارَ من هذه الدرجة من اللؤم. فلم يندم على قراره بهجران كل شيء، ربما أملاً في أن ترعوي آلاء وأن تراجع مسلكها. إنه يرى قراره في مرآةٍ مهشمة، تعكسُ صورةَ المُضيف وامرأته المسكينة، فتسكنُ نفسه وترتاحُ نوعاً ما.
المتسوّل المتذلل، الذي لا يقلّ لؤماً! لقد وجه ضربة قوية لشريكة حياته، جعلت رأسها يرتطم بسطح طاولة الطعام. كانَ دارين شاهداً على الأمر، وذلك في أثناء وجوده معهما في المطبخ. عزة طلبت من رجلها شراءَ كرت اتصال دولي، لكي تتكلم مع أهلها في الوطن. قال لها منفعلاً، لدرجة طغيان اللون الأبيض على سواد عينيه: " عليكِ نسيان أهلك، يا هذه. فأنا اشتريتك منهم بمالي! ". في اليوم التالي، وعقبَ خروج دارين من العمل، اشترى الكرتَ من أحد المحال الشرقية. وقد دسّ الكرت بيد المرأة المسكينة، بعيداً عن نظر رجلها. عندئذٍ، كادت هيَ أن تقبّل يده. فيما بعد، علِمَ منها أنّ ذلك اللئيم المقتّر، يمنحها كل صباح ورقة عشرين كروناً ( تعادل حوالي دولارين )، طالباً منها أن تتولى به مصروف البيت. حينما احتجّت عزة أول مرة بأن المبلغ غير كافٍ، أجابها زاعقاً: " اشتري به بصلاً، أو خبزاً، أو أعيديه إليّ لو لم يكفِ لأي شيء! ". ثم ذكّرها، بأن موظفاً مرموقاً في سورية بالكاد يوميته تعادل العشرين كروناً. وقد سألها دارين، آنئذٍ: " ولكن، كيفَ تتدبّرون أموركم إذاً؟ ". فأخبرته أن خالة زوجها، تأتي إليهم من ستوكهولم بسيارتها، مرة على الأقل كل أسبوعين، وأنها تحمل معها عادةً عُلبَ بلاستيك تحتوي على أطعمة جاهزة علاوة على بعض الخضار والفاكهة.
فيما بعد أيضاً، وفي نفس السياق، وصل لسمع دارين قصة لا تقل غرابة: أحد أصدقائه، كانَ عديل داوود، خال صاحبنا اللئيم. ذاتَ يوم، حضرَ هذا الأخير إلى محل شرقي يملكه الخال. العديل كان يعملُ هناك، وقد طلبَ منه صاحبنا كرت اتصال دولي: " سجّل ثمنه على خالي، لأنه مُدين لي بمبلغ ". في اليوم التالي مباشرةً، أعاد المجيء لذات الأمر. عند ذلك، اتصل الرجلُ بصاحب المحل كي يعلمه بجليّة الأمر. المعلم، صرخَ على الهاتف، طالباً طردَ ابن أخته حالاً من المحل. إذاك وتعليقاً على القصة، سأل دارين صديقه: " أليسَ من المعقول أن زوجته ضغطت عليه، لكي تكلم أهلها في الوطن؟ ". ردّ الرجل بنبرةٍ، تتماهى فيها السخرية بالشفقة: " أنا أعرفُ هذه المرأة المسكينة، وأنها لا تجرؤ على هكذا طلب! ". على ذلك، فكّر دارين أنّ من غير المستبعد قيام المقتّر المتسوّل ببيع الكرت، أو ربما اهدائه لأحدهم على أمل تحقيق مكسبٍ معيّن، آنيّ أو مستقبليّ.
لعل دارين اضطر في داخله لهكذا مقارنة، لإنصاف نفسه. بالرغم من أنه جُبل في بيئةٍ مغايرة، عرفَ فيها أصدقاءَ مختلفين لناحية العقلية والمسلك. وإنه تاقَ باستمرار لمدينته الأولى، المختزنة نصف تاريخ العالم القديم، مدينة سكنته في المنام وأحلام اليقظة سواءً بسواء. بدَوره، كأنما المنفى مرآة عملاقة، لكن سليمة، قدّر لها أن تعكسَ صورة الوطن بلا أي رتوش أو مكياج. ربما لكي يرى دارين الصورة عن بعد وهيَ أكثر وضوحاً، وبالتالي، مكّنته من أن يقدّم صياغة لسيرة ذاتية على شكل رواية، كانت تختمرُ في ذهنه طويلاً.
" التنقيحُ، هوَ الأدب "، كما قال أحد النقاد. وأبو عصفور، كانَ بحاجةٍ إلى صداقة دارين، لكي يتولّى تنقيحَ ما يكتبه؛ وليسَ فقط المراجعة، إملائياً وقواعدياً. على ذلك، يُمكن فهم نفحات الكَرَم، غير المعهودة، إزاءَ صديقه. هذا الأخير، ومن خلال اطلاعه على قصائد ذلك الصديق الصوريّ، أدرك بخبرته، ككاتب وناقد، أنها مجرد تنويعات مُراوِغة على أعمال شعراء سويديين. فإن معظم أجواء تلك القصائد، ليسَ لها علاقة ببيئة أبي عصفور ولا بطبيعته الشخصية وحياته اليومية. حقاً، ثمة نقّاد يفصلون بين كتابة الأديب وحياته. إلا أننا هنا أمام شخص مخاتل، لا يتورّع عن السرقة الأدبية بنفس اندفاعه في سبيل منفعته الشخصية. علاوة على أنه من نوع من البشر، الذين قلما يشعرون بالخزي والعار تجاه أي موقف مشين ورطوا أنفسهم به. دارين، أيضاً بحسب من يعرفونه عن قرب، محدّث بارع. تختزن ذاكرته حكاياتٍ يُمكن أن تملأ مجلدات. حين كانَ يقصّ إحداها على مسمع صاحبنا المزيّف، وبحضور آخرين، فإنه ما أن ينتهي إلا والمعنيّ قد اندفع عندئذٍ إلى نسخ نفس الحكاية، وبالطبع مع تبديل الأسماء والبيئة. كونه شبه أعمى، لم يكن يرى الابتسامات الساخرة، التي يتبادلها على الأثر الحاضرون مع راوي الحكاية الأصلي. هذه هي موهبة أبي عصفور، حقاً.
وعلى الأرجح، فموهبته في " الخرط " مستمدة من جدّه لأمه، وكان معروفاً في بلدته بتلفيق قصص عن بطولاته ومآثره. كأن يزعم، مثلاً، أنه حكم بالإعدام في زمن الوحدة المصرية. أنه قبل ذلك، ترأس وفداً شعبياً إلى مصر ( لم يزرها بحياته! )، وهناك في مطار القاهرة كان في استقباله المشير عبد الحكيم عامر.. الخ. كل مآثر هذا " الخارط " في شبابه، أن اسمه قد ظهرَ في مجلة " هاوار "، التي صدرت باللغة الكردية في مدينة دمشق في ثلاثينيات القرن الفائت. ويُقال، أنه طلبَ آنئذٍ من أحد محرري المجلة، وكانَ من أبناء بلدته، أن ينقل على لسانه حكايتين شعبيتين. إلى ذلك، التقط في دمشق بعضَ الصوَر مع محررين آخرين. مسلكه أيضاً، لم يكن سوياً. كانَ ممرضاً، وفي إحدى السنين أخذ مبلغاً من المال عن كل حقنة مضادة لوباء الكوليرا، عوضاً عن تأديتها مجاناً بحسب تعليمات وزارة الصحة. كانَ بخيلاً للغاية، ومن الأنانية أنه كانَ يستأثر لنفسه شواء اللحم فيما امرأته وأولاده يُطعمون الخضار، أو البيض بأحسن الأحوال. لم يكن غريباً، والحالة كذلك، أن أولاده الثلاثة، الذكور، الذين التجأوا للسويد، قد قطعوا كل صلة به مذ لحظة وصولهم لهذا البلد. وحدها شقيقتهم، حافظت على صلة الرحم، كونها بحاجةٍ إلى سقفٍ أثناء زياراتها للوطن. في أمكنة أخرى من هذا النص، تعرّفنا على مسلك بعض أولئك الأبناء في بلد الغربة. جميعهم تقريباً، حققوا ما يصبون إليه. فالبخلاء، على ما يبدو، وحدهم من ينجحون.
بين حينٍ وآخر، كان دارين مضطراً للذهاب إلى بيته لأجل تغيير ملابسه. إنه لا يبعد عن بيت أبي عصفور بأكثر من خمس دقائق مشياً على الأقدام، وعليه كانَ أن يمر، حتماً، من أمام " مرصد " مصباح. ذات مرة، وكانَ دارين يُداعب طفله ذا الأعوام الثلاثة في الصالة، صدرَ من المطبخ رنينُ الهاتف. على الأثر أطلت آلاء، لتقول له مع ابتسامة على طرف فمها أن أحدهم على الخط. وإذا هوَ " سليمو "، الكاتب المتوهّج الاسم. كعادته، دخل إلى الموضوع بغير تمهيد. فماذا كانَ يريد؟ صاحبنا خفيفو، سيصدر العدد الأول من مجلة أدبية، ويعوّل على دارين في التعاون بهذا الشأن. شعرَ هذا الأخير بنبرة ساخرة، وكما لو أنه رأى أحدهم وهوَ يغمز بعينه. العدد الأول، كانَ سيتضمنُ ملفاً عن أدب سليمو.
في اليوم التالي مباشرةً، وكانَ عائداً من العمل، فوجئ بصاحب المجلة الأدبية، موجوداً ثمة في بيت اللجوء. بكثير من الأريحية، تولّى أبو عصفور أمرَ المصالحة بين الصديقين اللدودين. رداً على سؤال دارين، أجابَ الضيفُ برصانة: " لا، لم أكن في ستوكهولم. أنا قادمٌ رأساً بالقطار من غوتنبورغ ". ثم تابعَ بنفس النبرة: " ولكن لو شئتَ زيارة سليمو، سنذهب إليه معاً متى انتهيتُ أنا من بعض المشاغل هنا في أوبسالا ". لاحَ من لهجة خفيفو، المفعمة بالثقة بالنفس، أنه استحوذ على ذلك الكاتب.. وبالطبع مناصفةً مع ابن عمه، أحمي، المقيم في ستوكهولم. لحين صدور قرار بمنحه الإقامة، سيبقى سليمو ضيفاً على شقيق أحمي الأصغر؛ وهوَ رسامٌ، كانَ محنطاً في إطار كلاسيكيّ، قبل تخليه عن هذه الحرفة مع دخوله في بحران المرض النفسي.
احتفاءً بالصلح، أعدّ صاحبُ البيت طاولة من المازة والنبيذ، مما اعتاد دارين على جلبه من السوق. كذلك كانت هناك النرجيلة، التي تفرّد بها هذا الأخير. فالضيف، مأثورٌ عنه شراهته في تدخين السجائر. في أثناء ذلك، كانت عزة تتنقل بين المطبخ والصالة، تبدو بأحسن أحوالها في هذا الجو المبهج، الذي وجدت فيه نفسها بمنأى عن النكد والتنكيل. حينما أضافت شيئاً من المازة في طبق خفيفو، بادرَ هذا إلى لمس شعرها على سبيل المداعبة. ثم مالَ إلى دارين، متفلسفاً بصوتٍ منخفض: " لقد تزوجتُ في عام ولادتها تقريباً، لذلك أعدّها بمثابة إبنتي ". في المرة الثانية، حاول احتضانها من خصرها، إلا أنها تملّصت منه بغير قليل من الحرج والنفور. لكن رجلها، ولا غرو، كانَ أكثر الحضور سعادةً وحبوراً.
في ساعة مبكرة من الصباح، وكانت الشمسُ تتسرّب عبر نافذة حجرة الأطفال، المفتقدة لستارة، أفاق دارين على يدٍ تهزّه برفق. قال له خفيفو، بصوتٍ هامس قليلاً: " علينا الذهاب إلى المطبعة قبل أن ينتبه مضيفنا، كونه سيعيق حركتنا لو رافقنا ". إلا أن زوجة الرجل استيقظت بدَورها، وما لبثت أن فهمت أنّ عليها الاحتفاظ بالهدوء. غادرا الشقة حتى بدون أن يشربا القهوة، متجهَيْن إلى موقف الحافلات. ثم كانَ عليهما استبدال الحافلة في مركز المدينة، كونهما يقصدان مكاناً يقعُ في حيّ على طرفها. ثمة في المطبعة، وجدا بين الحضور، الشاعر الكردي العراقي، وفيق ناصر. ظنّ دارين أن وجوده، كانَ بمحض المصادفة. لحين إدراكه، أن الرجلَ قد تعهّدَ خفيفو بشأن تأجيل دفع بقية مصروف طبع العدد الأول من مجلته. بعد بضعة أشهر، وكانَ الوقتُ صيفاً، حضرَ الشاعرُ إلى بيت دارين، وجلس في الحديقة. ما عتمَ أن قال له، بنبرة تعبّر عن الأسف: " أضطررتُ لدفع الدَيْن، لصاحب المطبعة. أما صاحبك، المديون لي، فما عادَ يردّ على مكالماتي الهاتفية ".

5
المزيدُ من أشعة الشمس تتدفق من النافذة، فيما يزداد هبوبُ الثلج على الشرفة. دارين يستيقظ مبكراً نوعاً ما، ربما بفعلِ حلمٍ إيروتيكيّ لم يُقدّر له، كالعادة، الوصول إلى ذروته. اليوم عطلة نهاية الأسبوع، فليشكر الله أن في وسعه البقاء في السرير ومُسايرة انتعاظ عضوه. يُمرر في خياله مشهدَ مساء الأمس، حينما كانَ عائداً مع المُضيف من السوبرماركت، فظهرت " رابعة " كطيفٍ جميل خِلَل أغصان الأشجار المُستبدلة خضرة أوراقها بنصاعة الثلج. وإذا هيَ تصافحُ الرجلَ الضرير باعتبارها جارته، وأيضاً صديقة جديدة لزوجته. فمنذ بعض الوقت، سكنت مع أسرتها في الدور الأرضيّ من نفس البناء. إنهم من مدينة عراقية، مقدّسة عند الشيعة، فروا أولاً إلى أراضي دولة مجاورة عقبَ انتهاء حرب الخليج الثانية، ومن ثم التجأوا إلى السويد بمساعدة الأمم المتحدة.
" سأعود معكما إلى البيت، لأنني خرجتُ أساساً لأقنصَ شابين سوريين، وسيمين! "، قالت لهما ضاحكة وهيَ تتأبط في بساطة مرفقيهما. فيما كانَ مُضيفه يقهقه للدعابة، فإن دارين جارى تلك الجسارة بمداعبة مؤخرة صاحبتها. سألها جارها: " على علمي، زوجك يعمل في مطعم بيتزا في ليالي العطلة؛ فكيفَ تركتِ طفليكِ وحدهما في البيت؟ ". أجابته في شيءٍ من الاستهتار: " سيتعاركان حتى الإنهاك، وربما يخرجان إلى الدرب للعب بالثلج مع أولاد الجيران ". ثم أردفت، مخاطبةً دارين هذه المرة وهيَ تغمز بعينها: " أظن أننا التقينا من قبل في حضانة أطفالنا، أليسَ صحيحاً؟ ". وكانَ ردّ دارين، التوغل بيده أكثر فأكثر في ردفها، الذي يعرف جيداً جغرافيته.
فقبل نحو شهرين، وكانَ الوقتُ إحدى أمسيات الخريف، صادفَ رابعة في الدور العلويّ من مطعم ماكدونالدز، وكانت مع طفليها. سبقَ أن شاهدها أكثر من مرة في الحضانة، وكذلك في منتزه البحيرة صيفاً. في كل حين، آنئذٍ، كانت ترمقه بنظرةٍ باسمة. على ذلك، فهمَ مغزى فتحها ساقيها على وسعهما حينما التقاها الآنَ في المطعم. على سبيل المصادفة أيضاً، أن المكان إقتصرَ على جمعتهما، كون الوقت متأخراً قليلاً. كانَ ابنه يلهو مع طفليها في جزيرة الألعاب، الممتلئة بِكُراتٍ بلاستيكية صغيرة بشتى الألوان. انتقلَ إلى طاولتها، فمدّ لها يده محيياً. مدّت يدها ببطء، فيما كانت تتأمل عينيه: " يُعجبني، حقاً، ما فيهما من ألوان خضر وسود وعسلية "، قالت له. مُتغافلاً عن طبيعته الحيية، ردّ بتهوّر، مومئاً إلى جهة الحمّام: " أرجو أن يعجبكِ شيئاً آخر، أيضاً؟ ". قرقرت ضحكتها، وما أسرعَ أن نهضت لكي تخاطب طفليها: " واصلا اللعب مع صديقكما، أنا ذاهبة إلى التواليت ". مضى بإثرها إلى تلك الجهة، وما عتمَ أن أغلق عليهما الباب. أربكه نوعاً ما، تعهّدها إنزال بنطاله ومن ثم مداعبة عضوه بشفتين شهوانيتين. بعدئذٍ حاولَ أن يلجها وقوفاً، ولكن عبثاً. عند ذلك، جلسَ على حوض المرحاض وجعلها تركب عليه. بقيت تهمز وهيَ تنخر وتشخر، مثلما يُقال بلغة " ألف ليلة وليلة "، إلى أن حققت ذروة نشوتها. بعد ذلك جعلها تنحني على الحوض، ليعاود الولوج في عجلة. شهقت ببعض الغنج: " من الخلف، لا! ". حينما فرغا وخرجا من الحمّام، كان عاملُ المطعم منهمكاً في تنظيف الصالة. كانَ شاباً أفريقياً، رمقهما بابتسامة متخابثة. في الحافلة بطريق الإياب، جلست بقربه في المقعد الأخير، فيما الأطفال خلفهما يتصدرون المكان ويثرثرون بأصواتٍ صاخبة. كانَ ثمة رجلٌ سويديّ، لاحَ واضحاً من هيئته ورائحته أنه من مدمني الكحول شبه المتشردين. قال يخاطبهما، فيما كانَ يرمقُ الأطفالَ من طرف عينيه: " أنتما ليسا زوجين، أليسَ صحيحاً؟ ". في البيت، دخل إلى الحمّام كي يغسل عضوه بالصابون. عقبَ خروجه، قالت له امرأته مع نظرةٍ ثابتة: " إنك لم تخبرني، أن العراقية تلك، كانت برفقتكما في ماكدونالدز؟ ". تضرجَ وجهه قليلاً، فيما كانَ يُجيب: " نعم، لعبَ ابننا مع طفليها، فبعثروا كل الكرات البلاستيكية في أرضية المطعم! ".
ثم حدثَ في مساء اليوم نفسه، أي عقبَ اللقاء مع رابعة على طريق العودة من السوبرماركت، أن شخصاً آخر كادَ أن يدخل على خط الخطيئة. إذ حضرت رابعة إلى الشقة، متبرّجة كما لو أنها عروسٌ، فبادرت إلى فتح باب الشرفة قليلاً: " أوف! رائحة الصالة لا تطاق "، قالتها دونَ تحية. كانَ أبو عصفور مشغولاً بتنضيد إحدى قصائده على جهاز الكمبيوتر، فعلّق عليها ضاحكاً: " كيفَ شممتِ رائحة مطبخنا، وأنت متعطّرة حتى فرجكِ؟ ". بينما راحت الضيفة تقهقه، قالت عزة لرجلها بالكردية: " لا تتكلم معها بهذه الطريقة! "
" سأتكلمُ معها كما يحلو لي، وأنيكها أيضاً "، أجابها بنفس اللغة دونَ أن يُحيد عينيه الحسيرتين عن شاشة الكمبيوتر. دمدمت امرأته، وهيَ متناهضة بحركة نزق: " تعالي معي إلى حجرة النوم، لكي أريكِ شيئاً ". لاحظ دارين أنّ هذه كانت من المرات النادرة، امتلكت فيها عزة الجسارة كي تخاطب زوجها بصيغة الأمر. وهيَ ذي بعد قليل، تؤوب إلى الصالة مع ضيفتها. إذاك، كانت مكتسية بثوب نوم أرجوانيّ، إنعكسَ لونه بحرارة على بشرتها البيضاء. وكانَ الثوبُ من ضمن ملابس أخرى، تخصّ امرأة دارين، التي كانت في سبيلها ذات يوم لحفظها في حجرة المستودع. فإنها تداركت الأمرَ عندئذٍ، بأن قالت له: " لِمَ لا تهدي هذه الملابس لإمرأة صديقك، طالما أنه لا يشتري لها شيئاً؟ ".
وهذه رابعة، تخاطبُ ربّ البيت بلهجة عتاب: " أنظر إلى امرأتكَ، كم تبدو جميلة لو أنها أرتدت ملابسَ مثيرة ". لوى المعنيّ عنقه الغليظ مثلما يفعلُ الوحش، وراحَ يتأمل امرأته ملياً. علّقَ من ثم بطريقته المكشوفة المعتادة، الممتحّة من البيئة الريفية الكردية: " إنها تثيرني ليلاً، دونما حاجةٍ لهكذا قمصان نوم "
" أنتَ لا تكاد تبصرُ شيئاً، ليلاً "، تمتمت عزة. بقيَ يُحدّق فيها، بشيءٍ من الحدّة هذه المرة. وما لبثَ أن نهضَ من مكانه، فتمطّى قبل أن يخاطبَ الضيفة: " أرجوكِ رابعة، لو كانَ في الوسع أن تقصّي شعري؟ ". هنيهة على الأثر، وكانَ بابُ الحمّام قد أوصد عليهما. نهضت عزة كي تفتح الباب، قائلة لهما: " لِيكن مفتوحاً، لعلكما تحتاجان لغرضٍ ما ". مجدداً، أغلِقَ ذلك الباب. في هذه المرة، صبرت المرأة الغيورُ بضعَ دقائق قبل أن تندفع لتفتح الباب. عادت على الأثر، فتربّعت على الأريكة بطريقةٍ أثارت دهشة دارين. لقد فتحت فخذيها، بحيث ظهرَ سروالها الداخليّ. في أثناء ذلك، عادَ بابُ الحمّام لوضعيته السابقة. قالت عزة لدارين، مومئة برأسها إلى تلك الناحية: " أتعلم لِمَ يعمدان لإغلاق الباب؟ "
" لا يهمني ذلك، وعليكِ أيضاً ألا تشغلي نفسكِ بالأمر "
" يا لها من قحبة! أكثرَ من مرةٍ، قصّت عليّ أخبارها مع عشاقها. إنها تبرر خيانتها الزوجية، بأنها حينما كانت في معسكر اللاجئين بالصحراء، كانوا يخرجونها مع غيرها من النساء لكي يُضاجعنَ من لدُن الضباط المسئولين "، قالتها بصوتٍ أشبه بالهمس. فكّرَ دارين عندئذٍ: " وأنتِ بدَوركِ، مستعدة للسير على نفس خطى الخطيئة، ربما بسبب الغيرة ". على ذلك، سألها بصوتٍ خفيض أيضاً: " أتغارين منها على رجلكِ؟ "
" أبداً، ولكنني لا أرضى بإهانة كرامتي "، جمجمت بصوتٍ مرتعش. أراد دارين التعليقَ، وإذا هيَ تعمدُ هذه المرة إلى حكّ فرجها بشكلٍ مُبتذل. لم يكن محروماً من الجنس، بالرغم من هجره لإمرأته. فقد كانَ يعرفُ عشيقاتٍ، أجمل من عزة بكثير. على ذلك، أشاحَ وجهه إلى ناحية الشرفة. ربما استعادَ عندئذٍ قولَ زوجها في يومٍ سابق، حينما أخرجه دارين من المنزل غبّ إحدى ثوراته عليها: " قروية عاهرة! أمثالها كنّ يعملن في الحقول، يُضاجعهن المالكُ كلما شاءَ ذلك ". ثم أضافَ: " هذه جناية خالتي عليّ، كونها أقنعتني بالزواج من فتاةٍ من بيئتنا، تنجبُ أطفالاً لي ". عادَ بعد قليل، للقول متنهّداً: " لو أنّ امرأتي الروسية لم تصرّ على عدم إنجاب طفل منّي، لما تركتها بحالٍ من الأحوال ". هذا المقتّر القذر، فكّر دارين آنئذٍ، يرغبُ بأطفالٍ من صلبه كي يُزيد استثماراته.
وكانت عزة حبلى بالشهر الثالث، بالكاد قد برز بطنها. مع ذلك، لم يكف رجلها على معاملتها بقسوة؛ وغالباً لأسباب تافهة. لعله كانَ يعوّضُ، ثمة في أعماق دخيلته، ما كانَ يلقاه من عسف امرأة أبيه. عبثاً كانَ تنبيه دارين له، بإمكانية إنجاب امرأته طفلاً مُعاقاً لو استمر بضربها. بل ربما راقته الفكرة، الطمّاع الجشع، بالنظر إلى أن التأمينات الإجتماعية تمنحُ هكذا طفل راتباً كبيراً فضلاً عن امتيازاتٍ أخرى: " وبالتالي، يصبحُ في البيت مُعاقان! "، فكّرَ دارين ساخراً. على أن حادثاً، جعلَ الرجلَ يرعوي قليلاً في آخر الأمر. وإنها رابعة، ذاتَ يوم، مَن أخذ صوتها يهدرُ في سكون الليل السويديّ، متداخلاً مع صراخ زوجها. بطبيعته المتطفّلة، اندفعَ جارهما إلى الشقة الأرضية. كانَ دارين يومئذٍ ضيفاً على شقيقته الكبرى، المقيمة في فيلا بمنطقة أوبسالا القديمة. وقد علمَ من صديقه جليّة الأمر، في اليوم التالي، مع تفاصيل مثيرة. فإن دورية بوليس قدمت، وعلى الأرجح بعدما قام الجيران بالإبلاغ عن المشادة. إذ تبيّنَ أن الزوجَ الغاضب، وجّه ركلة قوية لإمرأته أدت إلى كسر أحد أضلاع صدرها. تولى أبو عصفور الترجمة، عقبَ تواطئه مع الزوجين، فزعمَ للبوليس أن الأمرَ مجرّد حادثة. ويبدو أنها رددت نفس الرواية، هناك في المستشفى. على الأثر، عادَ دارين لتحذير صديقه من مغبّة تعامله الفظ مع امرأته: " في هذه المرة، ربما الجيران يتصلون بالبوليس. وكما تعلم، فالموظفات في مركز الرعاية الإجتماعية، لديهن أسلوبهن الناجع في جر امرأتك إلى البوح بكل شيء عن حياتكما المشتركة. سيُدخلن الطمأنينة لروعها، قبل كل شيء، بأنها حاملُ ومن المُحال إعادتها لبلدها لو أنها طلّقت منك ". علّقَ الآخرُ على نصيحة صديقه، بالقول في صوتٍ كامد: " عزة لن تفعل ذلك، لأنها فتاة مسكينة ". إلا أن نبرته شابها القلقُ. ثم عادَ وغيّر الموضوع، بالقول ضاحكاً: " أتعلم لِمَ ضُربت رابعة بذلك العنف؟ لأن زوجها وجدَ في ذاكرة الهانف رقماً غريباً، فلما اتصل به إذا برجل يردّ بالقول: أهذه أنتِ يا حبيبتي؟ ". على أي حال، ظهرَ تأثيرُ تلك النصيحة بشكلٍ إيجابيّ ملحوظ على مسلك صاحبه. أما امرأته، فإن بطنها أخذ بالبروز أكثر من ذي قبل.
وإذاً مرّ موضوعُ رابعة ورجلها بسلام، ما حملَ جارهما على مزيدٍ من التباهي. إنه كانَ يمتلكُ دالّة عليهما، كونه يساعدهما بالترجمة لو أحتاجا ذلك في التأمينات أو السوسيال. بل وبوصفه شخصاً مُخاتلاً، كانَ يعرفُ الكثيرَ من الحيل، التي يمكن من خلالها خداع تلك الجهات الرسمية، وبالتالي، ابتزازها مالياً أكبرَ قدرٍ ممكن. وهوَ ذا، يعرضُ على دارين إحدى حيله حينما أرادَ هذا الأخير إرسالَ ظرفٍ فيه المقالة المطلوبة على عنوان خفيفو. إذ بادرَ المُضيف إلى جلبِ ظرفٍ مستعمل، مرسلٍ إلى عنوانه من جهة رسمية: " كل ما علينا فعله، أن نجعل الظرفَ كأنه مرسلٌ إلى صديقنا في غوتنبورغ. وعندما يفتحه هوَ، يجدُ مقالتك ". عقّب دارين بالقول، بنبرةٍ مُداعبة مُتماهية بالتهكم: " من حُسن حظ هذا العالم، أنك ولدتَ شبه ضرير! ". أطلقَ الآخرُ عندئذٍ قهقهة عالية، وكأنما سمعَ مُلحة طريفة.
في تلك الآونة، انتقلت امرأة دارين مع طفلهما إلى شقةٍ تبعدُ قليلاً عن مركز المدينة، كانت تشغلها صديقة من كرد العراق. كانَ من المؤمل أن يتلقى هوَ وآلاء جوابَ المحكمة، القاضي بالطلاق، وذلك في غضون ستة أشهر. هكذا ينصّ القانون لو أن ثمة أطفالاً للزوجين. لفترةٍ تالية، ما عادَ دارين يزورُ ملجأه السابق. عليه كانَ إعادة تنظيم أثاث بيته، وتعويض ما أخذته طليقته معها إلى شقتها الجديدة. في الأثناء، كانَ أبو عصفور يتصل معه أكثر من مرة في اليوم، تارة يدعوه إلى الغداء وأخرى إلى السهرة. وكانَ دارين يتملّص على الدوام، محتجّاً بمشاغل البيت. ثم إذا أحدهم، ذاتَ ظهيرة، يرنّ جرسَ الباب. مستاءً، توجّه كي يرى من القادم وهوَ متيقنٌ أنه صاحبُهُ اللجوجُ. ولكنها كانت امرأته، وبالكاد استطاعت نطقَ التحية. وجهها كانَ متورماً قليلاً، وثمة آثار دم على شفتها السفلى. إنها علاماتٌ مشئومة، كانَ دارين يُدرك معناها ولا غرو. ما أن جلست عزة على الأريكة، ثمة في الصالة، إلا واسترسلت ببكاءٍ مرير. بعدما هدأت وتناولت من المُضيف قدحَ ماء، قالت بصوتٍ مرتعش: " لقد هجمَ عليّ كالمجنون، بحضور خالته، لمجرّد طلبي أن تحضرَ أمي إلى السويد أثناء ولادتي مثلما العادة عند جميع الناس "
" وكيفَ سمحت له خالته بهكذا تصرف؟ "
" آه، ماذا أقول لك؟ إنها هيَ من طلبت منه أن يضربني ووصفتني بالعاهرة "، قالت ذلك وآبت إلى النشيج. من ناحيته، كانت مشاعرُ دارين تتقاسمها الشفقة والغضب: " وإذاً، فإن لتلك السحاقية، الناشطة في الوسط النسويّ، ثأراً كذلك مع هذه الفتاة المسكينة! "، فكّرَ وهوَ مطرقٌ ينفخُ باستياء. رفعَ رأسه، ليسألها ببعض الحَرَج: " هل يعلمون، هناك، أنك ذاهبة إليّ؟ ". فأخبرته، أنها أتت عقبَ ذهاب خالته، فيما رجلها بدَوره خرجَ على الأثر كي يزور خاله. هذا الأخير، كانَ يقيم مع امرأة سويدية وأولادهما في فيلا بنفس الحي. إنه يعملُ كمدرّب رياضيّ في سجن الأحداث، وقلما يختلط بالأجانب سواءً أبناء بلده أو غيرهم. بخصلة البخل هذه، واضحٌ أنه كانَ يتلقى زيارات ابن أخته بامتعاض.
على حين فجأة، أمسكت عزة يدَ دارين لتقول بصوتٍ كله رجاء: " لو أنك كنتَ تأتي إلينا، كما في السابق، لما تصرّف هوَ معي بهذا الشكل. البيتُ، كانَ في وجودك ينطقُ بالطمأنينة والمرح. فلا تدعني لوحدي مع ذلك الوحش، أتوسّلُ إليك! ". في هذه الحالة، فكّرَ دارين، فإن المسكينة ستعود إلى حَوْز الوحش. كانَ في وسعه مرافقتها إلى السوسيال، وكانَ قادراً على إقناعها بذلك. إلا أنه أشفقَ على رجلها، كونه علاوة على تفريقه عن زوجته، سيقدّم للتحقيق ومن ثم المحكمة؛ وربما يُقاضى بالسجن المشدد عاماً على الأقل. قال لها بعد صمتٍ قصير: " سأواظبُ على زيارتكم منذ الغد، ولكن عليكِ عدم إخباره بمجيئك إليّ ". عندما خرجت من الصالة، ألقت نظرة سريعة على حجرة النوم وكانَ البابُ موارباً. لعلها كانت تتأملُ، بشيءٍ من الغيرة، سريراً عريضاً كانَ يضمّه وطليقته في أوقاتٍ حميمة.
" آه، انتظري قليلاً "، قال لها دارين لما ولّت شطرها إلى ناحية باب الشقة. منضدة الزينة، الخاصّة بآلاء، كانت مستقرة في زاوية على طرف النافذة. لقد تذكّرَ عندئذٍ أنه عثرَ في أحد أدراج المنضدة على عدة أنواع من مساحيق الزينة، ربما غفلت عنها طليقته حينما كانت تنتقل إلى بيتها الجديد. وكانَ قد جمعَ تلك الأشياء في كيس بلاستيكي صغير، فأراد الآن منحها لعزة. قالت له بصوتٍ كامد، بعدما تفحّصت محتويات الكيس: " لمن سأتبرّج، وذلك الأعمى الكريه لا يُبصر ليلاً؟ ". ثم إذا هيَ تُزيح الجانبَ العلويّ من سترتها الصوفية، ليسطع لحمها الأبيض حتى منتصف الثديين: " أنظرْ ماذا يفعل بي الوحش، ليلاً "، قالتها مع زئير ممتد ومكتوم. رأى دارين سجحاتٍ زرق، وآثارَ أنياب وحشية. استبدّ به شعورُ الشفقة والغضب، مجدداً. لكنه فطنَ أيضاً، أنها بكشف عري ثدييها، الكبيرين العارمين، كانت تغريه لنيل شرف ذلك الأعمى. لقد كانَ هذا سبيلها الوحيد، للانتقام من معذّبها. بالرعم من إحساسه بالإنتعاظ قليلاً، إلا أن دارين سيطرَ على رغبته. لقد كانَ ثمة حاجزٌ لا مرئيّ بينهما، ليسَ بوسع دارين إجتيازه، مع أنه كانَ يحتاجُ لخطوةٍ صغيرة منه. ذلك الحاجز، لم يكن بحالٍ من الأحوال مرتبطاً بالوفاء للصداقة. فإن دارين مذ تعرّفه على ذلك الوحش، كانَ يُدرك أنه صادقه من أجل منفعته الأنانية وحدها. فكم كانَ صائباً، قولُ عديل داوود، بشأن شيمة هذا الوحش: " هوَ على استعدادٍ كي يجعلك تنيك امرأته، لو كانَ لديه مصلحة معك. أما بخلاف ذلك، فإنه مستعدٌ لضربك لمجرّد أنك اختلفت معه بالرأي ".
كانَ على دارين أن يتذكّر ذلك القول، عندما عادَ وقضى إحدى السهرات في بيت الوحش. فبسبب تقدّم حملها، دأبت عزة على الشكوى من ألم في الظهر. إذاك، كانَ رجلها جالساً كالعادة وراء جهاز الكمبيوتر. فخاطبَ دارين من مكانه: " ماذا كانت تفعل امرأتك بخصوص هكذا عارض، عندما كانت حبلى؟ "
" كانت تطلب مني مسّاجاً "
" وكيفَ كنتَ تؤدّي ذلك؟ "
" ببساطة، أدلّك ظهرها بيديّ "، ردّ دارين. وإذا بعزة تنتقل من الأريكة، لتجلس بين قدمّي الضيف، الذي كانَ مكانه المفضّل على كنبة بالقرب من باب الشرفة. نظرَ إليها رجلها مليّاً، ثم سألها: " أتودّين أن أدلك ظهركِ ". تنحنحت المرأةُ، بطريقةٍ تعبّر عن عدم رضاها. فخاطبَ رجلها دارينَ، بنبرةٍ تتكلّفُ الاستياء: " أنتَ تولّى الأمرَ، إذاً ". لقد كانَ واضحاً لدارين، بناءً على ماسبقَ من تجربة، أن عزة هيّأت نفسها لمحاولة إغواء جديدة. ولعلّها الآنَ، تودّ بهذه الطريقة أن تكافئه لمساندته إياها بصّد هجمات الوحش. فمنذ أن عاد للإقامة أحياناً بين ظهرانيهم، انتفت أسبابُ الخصام تقريباً. إذ كانَ تهديدُ دارين لصديقه حازماً، بأنه سيقطعُ كل علاقة به لو أنه واصلَ ضربَ امرأته. هذه الأخيرة، إذاً، كانت عندئذٍ تنتظرُ يديّ الفارس الشهم وهيَ متكئة بظهرها على قدميه. إلا أنه أحبط خطتها، بأن نهضَ إلى ناحية رجلها، لكي يعلّمه طريقة التدليك. مثلما سبقَ القول في مكانٍ آخر، لم يكن دارين محروماً من التمتع بالجنس اللطيف. بالأخص، أن إحداهن كانت تزوره بين فينةٍ وأخرى عقبَ انتقال طليقته من الشقة.
" شانو " هذه، كانت متيّمة بدارين مذ أن قابلته أول مرة، وذلك بحُكم زمالتها لإمرأته في معهد اللغة السويدية. إنها من مواطني ريف السليمانية، أكملت دراستها الثانوية في تلك المدينة. وكذلك زوجها، الذي يُجهد نفسه بعدة أعمال مع استقراره في السويد، لكي يجتني المزيدَ من المال. مع أنه لا يخلو من وسامة، إلا أن فظاظته كانت متناقضة مع رقة امرأته. وتميّزت أيضاً بحُسنٍ بارع، وبجسدٍ جميل، نهلَ دارين من مُعينه العذب اعتباراً من تعمّق صداقتها بإمرأته. فأيّ أنثى مثقفة لا ترغبُ بإقامة علاقة مع أديبٍ فنان، ما لو أغفلنا مزاياه الأخرى. على سبيل الزهو أمام آلاء، أطلعَ دارينُ صديقتها، في زيارتها الأولى، على قصاصةٍ من صحيفة كردية، تضمنت مقالة عن ديوانه الشعريّ الأول. للمصادفة، أن هذه الصحيفة كانت ناطقة بلسان حزبٍ نشطت فيه شانو حينما تفتح وعيها السياسيّ. في حقيقة الحال، إنها هيَ من عبدّت دربَ العلاقة غير الشرعية مع دارين. ففي صباح شتويّ، وبدلاً عن وجودها عند موقف الحافلات، بحَسَب موعدها اليوميّ مع آلاء قبل الركوب إلى المعهد، فإنها عطفت باتجاه منزل هذه الأخيرة. وكانَ دارين قد عاد للفراش، عقبَ مغادرة امرأته. فلما سمعَ صوتَ جرس الباب، ظنّ أنها نسيت شيئاً. كانَ عارياً تماماً حينما فتحَ البابَ، وفوجئ بشانو وهيَ تقفُ هناك مع ابتسامةٍ عريضة. ردّ البابَ في لهوجة، ليخبرها من خلال شقّه أن صديقتها قد غادرت للتو. بيد أنه حينما آب إلى السرير، ندمَ على تفويتِ فرصة سانحة كانت تتيحُ له التمتع بالجسد الجميل. إذ أدركَ عندئذٍ، وبالطبع بناءً على علاماتٍ مُسبقة، أن شانو أتت خصيصاً لهذه الغاية. لحظَ كذلك انكسارَ ابتسامتها، لما صدّ إندفاعها بتصرّفه الأحمق. ولكن لحُسن حظه، أنها لم تألُ جهداً في تكرار نفس التمثيلية بعد أسبوع واحد. هكذا جرّها على الأثر إلى حجرة النوم، ونضا عنها ملابسها فيما كانت تتكلّفُ الممانعة. بعدما فرغا من المضاجعة، فاجأته بالقول أنها المرة الأولى تصل فيها إلى ذروة نشوتها. لقد كانَ رجلها من الأنانية طوال عامين تقريباً من الزواج، أنه كانَ يُعاملها في الفراش كمطيّة لا كشريكة في المتعة. دارين قام يومئذٍ بتهوية حجرة النوم جيداً، إلا أن آلاء بمجرد دخولها إليها، قالت له: " ما هذه الرائحة الغريبة؟ ". وكانَ جوابه التثاؤب، والقول أنها رائحةُ النوم.
ونام دارين في ليلة المسّاج، لكنه أفاقَ على شفا الفجر، ليتناهى إليه بوضوح تقريباً همهماتُ الزوجين. عجِبَ من قرب الصوت، والمُفترض ألا يكون كذلك بالعادة. لما سكتت تلك الهمهمات، وبسبب شعوره بالحاجة إلى التبوّل، نهضَ إلى الحمّام. مصباحُ حجرة النوم الأخرى، كان مناراً مثلما بانَ من خلال بابها الموارب. إلا أنه لم يلق نظرة إلى تلك الجهة. فما أن همّ بفتح باب الحمّام، إلا وجمّده نورٌ آخر قد سطعَ من لحم عزة، الناصع كالفضة. لقد كانت مفترشة أرضية الصالة من الجهة الأقرب للحمّام، مستلقية إلى جانب قليلاً وقد تكوّرَ ردفها، المحشوك في السروال الداخلي. عندما خرجَ من الحمّام، وخطا نحو حجرته، إذا هيَ تنادي باسمه في صوتٍ خافت. كانت إذاك قد انقلبت على ظهرها، فاتحة ساقيها بطريقةٍ سافرة، فيما بطنها الضخم يكادُ يطغى على ثدييها. للوهلة الأولى، شاءَ إهمال النداء. إلا أنه تقدّم منها بعدئذٍ، لما غطت جسدها باللحاف. غطيط زوجها، كانَ يملأ جوّ المكان وهوَ مستلقٍ إلى جانب في سريره. هذا السريرُ، المجلوب من الصليب الأحمر كغالب فرش الشقة، أستعيضَ عن إحدى قوائمه المفقودة بثلاثٍ من مرتبات أريكة الصالة. قالت له عزة بصوتٍ خافت، لما دنا منها: " أرجوك أحتاجُ لمسّاج، فإنّ ظهري يؤلمني بشدّة ". هذه القروية البائسة، باتت تنطقُ بصورة صحيحة الكلماتِ اللاتينية. فكّرَ بسرعة، مُشفقاً عليها ككل مرة. هكذا نهضت بنصف جذعها، فيما هوَ جلسَ خلفها وبدأ بالتدليك. دقيقة على الأثر، وإذا بها تقبض على كفه بيدها القوية وتسلّمه ثديها الأيسر. لقد استثيرت بشدة على ما يلوحُ، بحيث أنها أخذت تردد اسمه مع كلمة ( الروح ) بالكردية: " آه دارين جان، دارين جان! "
" يكفي هذا لزوال ألم ظهركِ، كما أرجو "، قال لها وهوَ ينتزعُ يده ويستقيمُ من ثم واقفاً. هاجسٌ غريب، استبدّ به عندئذٍ. فخطا باتجاه حجرة النوم، لكي يفكّر فيه بينما هوَ مستلقٍ على السرير. ذلك الوحش المستلقي في الحجرة المجاورة، المعروف بشدّة جشعه، سبقَ أن حدثه عن أكثر من واقعة، تفضحُ تلك الخصلة الكريهة. كونه من بيئةٍ بدائية، يَحكمُ هكذا مسلكٌ أخلاقَ الكثير من أبنائها، فإنه كانَ يقصّ تفاصيلَ كلّ واقعةٍ ببساطة ونبرة منتصرة. لقد كانَ ذاتَ يوم برفقة عزة وهما في طريق العودة من معهد اللغة، الذي كانت هيَ تداوم فيه قبلَ تقدّم مرحلة حمل جنينها. بحَسَب الميّزة المُعطاة لذوي الهمم، أن أحدهم في وسعه ركوب الحافلة مع مرافق؛ وكلاهما مجاناً. على ذلك، كانَ الوحشُ يستولي على ثمن بطاقة الركوب الشهرية، الممنوحة لإمرأته من قبل السوسيال. ويبدو أن سائقَ حافلة، قد انتبه إلى ركوبهما يومياً بهذه الطريقة ذهاباً وإياباً. فما كانَ منه إلا الطلب من الوحش أن يُبرز بطاقته الشخصية. هذا الأخير، ردّ على السائق بلهجة متهكّمة: " ألا تريد جواز سفري أيضاً؟ ". عند ذلك، طلبَ منه الرجلُ مغادرة الحافلة مع امرأته. الوحش، بطبعة الناريّ المأثور عنه، ما كانَ منه إلا أن ضربَ يده بقوة على جهاز التذاكر، زاعقاً: " بل سأركبُ الحافلة، عنوةً عنك ". بالنتيجة، أن دورية بوليس حضرت بناءً على اتصال السائق. لكنهم أشفقوا على ذلك الأرعن، ودعوه يمضي، لما أخذ ينشجُ باكياً وهوَ يُردد " أنا ضريرٌ، أنا ضريرٌ! ".
ثم واصل الوحشُ الحديثَ، لينتهي إلى زبدته: " كنتُ أتوقعُ أنّ السائقَ، وهوَ فلسطينيّ كما ظهرَ من شكله ولهجته، سيعمدُ إلى ضربي. في هذه الحالة، كنتُ سأقدّمه إلى المحكمة وأحصل على تعويضٍ كبير، بالنظر إلى أنني شبه ضرير ". أما الواقعة الأخرى، فإن ضحيتها المأمولة هذه المرة، كانَ سائق سيارة أجرة. أيضاً بحَسب تلك الميّزة، المَوْسومة، كانَ الوحشُ يدفع ربعَ الفاتورة لسائق التكسي، فيما يتم تعويضُ هذا الأخير من قبل التأمينات الإجتماعية. وإذاً، تعمّدَ أبو عصفور التأخّر على الرجل، لكي يتسبب بمشادة. فتكلّفَ شعورَ الصدمة، لما رأى عدادَ السيارة قد حسَب مدّة التأخير: " هذه المدّة، في حقيقة الأمر، لم تكن لتكلفني سوى ثلاث كرونات تقريباً. لكنني تجادلتُ مع السائق، لعله يقوم بضربي، فأكسبُ عوضَ الثلاث كرونات ثلاثين ألفاً! "، أختتمَ الجشعُ حديثه مُبدياً الأسف لأن السائقَ ضبط نفسه.
" أليسَ من غير المُستبعد، أنّ عزة وبأمر من رجلها المُتسلّط، كانت تجرّني إلى مضاجعتها لكي تصرخ من ثم أنني حاولتُ اغتصابها؟ بهذه الحالة، ستحصل من المحكمة على تعويضٍ ماليّ جسيم، يستقر في نهاية المطاف في الرصيد البنكيّ للوحش. أليسَ من المعقول أيضاً، أنه أرسلها في ذلك اليوم إلى بيتي مع آثار كدمات على وجهها، لنفس الغاية؟ "، كذلك فكّرَ دارين وقد استعصى عليه النومُ. ولكنه عادَ وغيّرَ دفّة القارب، مُستبعداً هكذا شكوك إزاء المرأة المسكينة. فإنها مهما بلغ تذللها واستكانتها، من المُحال أن تغدرَ بإنسانٍ وقف دوماً إلى جانبها يشدّ إزرها بمواجهة ذلك الوحش. وعلى الأرجح، أنها وقعت في هواه. وبالتالي، توهّمت أن جذبه إلى ما بين ساقيها، سيجعله يبادلها نفسَ الشعور. لقد تعزز هذا اليقين، ولكن ليسَ قبل أن يمر عقدٌ من الأعوام على الأقل، كانت عزة في خلال ذلك قد أستردت حريتها وأضحت تمتلكُ ثقة بالنفس لا حدّ لها.
أبو عصفور، بخصلة الشحّ المألوفة، ما كانَ يستعملُ إلا مرة واحدة في السنة، بطاقة سيارة الأجرة. وهذه المرة، كانت لأجل حضوره حفل عيد النوروز، الذي يُحييه النادي الكردي في أوبسالا. لهذا السبب، وصله إشعارٌ من جهةٍ رسمية، يلفت نظره إلى أنهم من الممكن أن يستردوا البطاقة طالما أنه ليسَ بحاجةٍ إليها. وقد أنقذه دارين من إنفاذ ذلك الإنذار، باستعماله أسبوعياً البطاقة لأجل شراء ما نقصَ من موجودات شقته على أثر انتقال طليقته إلى مسكنٍ آخر. وهوَ ذا أبو عصفور، قد غدا بغاية السعادة لما كلّمَ صديقه هاتفياً: " سنمضي مساءَ اليوم معاً إلى ماكسي سوبرماركت، أنت لشراء ما يلزمك ونحن لإطعام ابنتنا الهمبرغر في ماكدونالدز ". في ذلك الوقت، كانت الابنة قد نمت قليلاً بحيث أن معدتها لم تعُد تكتفي بحليب الأم. هكذا مضوا في سيارة أجرة، في جوّ إحتفاليّ نادر. ولكن كم كانت صدمةُ أبي عصفور مؤثرة، لما علِمَ في مطعم الوجبات السريعة، أن الحسمَ على نوعٍ معيّن من الهمبرغر قد أنقضى في نهاية ذلك الأسبوع. فما كانَ منه، كمألوف العادة، إلا الزعيق بوجه امرأته. لم يعلم دارين بجليّة الأمر، كونه قد ذهب للتسوّق في السوبرماركت. ثمة، اشترى اكسسوارات للصالة وأيضاً آنية جميلة للمطبخ. هكذا قفلوا راجعين في سيارة أجرة، إلى أن وصلوا أولاً لقرب مسكن أبي عصفور. عند ذلك، نزل السائق كي يُخرج عربة الطفلة من الصندوق الخلفيّ. بدَوره، دلف دارين من السيارة أمام مسكنه. وإذا هوَ يفاجأ، بأن صندوقَ السيارة فارغاً. قال له السائق: " صديقك أنزلَ العربة، وأنا لم أنتبه لوجود أغراضٍ أخرى؟ ". ما أن دخل دارين إلى الشقة حتى بادرَ للإتصال مع ذلك اللص الرقيع. هذا الأخير، أنكرَ حالاً إمكانية وجود الأغراض في عربة طفلته. لما تكلّم الآخرُ بنبرة تهكّم، أن الأغراضَ قد غدا لها جناحان وطارت من صندوق السيارة، فإن اللص استدركَ بالقول: " انتظرْ، عليّ سؤال عزة عن أغراضك! ". دقيقة على الأثر، ثم سُمِعَ صوتُ أبي عصفور، الكامد المرتعش، وهوَ يبلغه أن امرأته قد وضعت الأغراضَ تحت العربة ثم سلت الأمرَ حينما نزلوا من السيارة.
والد دارين، كانَ يقول: " البخلُ يَجلبُ كل الرذائل ". السرقة، في حقيقة الحال، هيَ إحدى تلك الرذائل. وإذا ذاعَ صيتُ عزة، كلصّة لا يُؤتمن جانبها، في المجتمع الكرديّ السوريّ في المدينة، فإن ذلك بالطبع بسبب بخل زوجها. فإنها كانت تبغي إسعادَ أهلها، حينما تزورُ الوطنَ صيفاً، بأكسسوارات وآنية أرقى سوبرماركت، وليسَ بأشياء بالية نبشها رجلها من حجرة القمامة. كذلك بررَ دارينُ الأمرَ، واضعاً اللومَ على أبي عصفور. ومن غير المستبعد أن هذا الأخير، هوَ من خطط للسرقة على أن يتقاسم الأغراضَ مع امرأته. ولكن، من المحتمل أن يكفّ الوحشُ عن مطاردة آكلي العشب.. أما هذا الوحشُ الآدميّ، الشحيح الجشع، فمن المستحيل عليه أن يقنط أو يشعر بالعار.
نوزاد، الذي تعرفنا عليه فيما مضى، والدته أحيت ذات يوم حفلَ عيد ميلاد شقيقه الأصغر. ولقد دعت للمناسبة عدةَ عوائل، تجمعهم بها أواصرُ الانتماء لنفس البلدة في الوطن. أبو عصفور، كان هناك أيضاً مع امرأته وطفلته. هذه الأخيرة، زحفت في خلال الحفل إلى حجرة الأطفال، فما كانَ من عزة سوى اللحاق بها. ثمة على المنضدة، وجدت ظرفاً مفتوحاً وكان يحتوي على ثلثمائة كرون؛ هدية من أحدهم بالمناسبة. عقبَ عودتها من الحفل، طلبتها أم نوزاد على الهاتف: " الظرفُ لم نجد فيه سوى مائة كرون، ولم يدخل أحدٌ تلك الحجرة سواكِ مع ابنتك! ". جنّ أبو عصفور وهددَ وتوعّدَ، رداً على النيل من سُمعة امرأته.
ثم بضعة أشهر تمرّ، وهذه المرة دارين يُدعى لحفل رأس السنة عند طليقته. طارَ سعادةً، بالنظر إلى أنها المرة الأولى منذ فترةٍ مديدة، تجتمعُ الأسرة كلها. وبينما كانَ يتسكّعُ كالمخمور في الحافلة شبه الفارغة، بحثاً عن مقعدٍ مناسب، إذا بصبية مليحة ترمقه بنظرة افتتان. قدّر من بطّة ساقها، المستلقية خارجاً، أن مؤخرتها أكثر مناسبة من أيّ مقعدٍ في أي حافلة بالعالم. جلسَ إلى جانبها، وتبادلَ معها حديثاً تافهاً، فيما السائقُ الصوماليّ كانَ يرقبهم بانتباه من خلال المرآة. فإن دارين، المخمورُ قليلاً بالفعل وليسَ مجازاً، بدأ يحشر أصابعه في أست الفتاة. ولكن أخيراً، وا أسفاه! إنها رفضت قبولَ عذره الكاذب، بأنه يمضي إلى بيت طليقته كون طفلهما مريضاً. فإنها نظرت في كيسٍ بلاستيكيّ يحمله، وكان يحتوي على زجاجة نبيذ وأخرى مارتيني.على ذلك، رفضت المليحة منحه رقمَ هاتفها. كذلك مزقت الكرتَ الأنيق، المحتوي اسمه ورقم هاتفه، والذي طبعَ نسخاً كثيرة منه في شركة الإعلانات، أينَ يعملُ منذ بضعة أعوام.
فارقه شعورُ الإحباط، حالما أضحى تحت سقف أسرته. ثمة شربَ المزيد من النبيذ، فيما آلاء استأثرت بزجاجة المارتيني. عند منتصف الليلة، خرجا مع طفلهما إلى حديقة الشقة، ليشهدا إطلاق الألعاب النارية، التي حوّلت السماء إلى ما يُشبه الكرنفال الإلهيّ، المُجسّد في لوحات فناني النهضة . ثم بقيَ يقصّ على مسمع ابنه حكاياتٍ خرافية، ألّفها حسبما اتفق، إلى أن غفا. آبَ بعدئذٍ إلى الصالة، لمواصلة الشرب. في ساعةٍ متأخرة صباحاً، نادته طليقته من المطبخ كي يرد على الهاتف. نهضَ لارتداء ملابسه، المبعثرة في حجرة النوم. لما أمسكَ سماعة الهاتف، كانَ أبو عصفور على الطرف الآخر. سأله دارين بانزعاج، كيفَ حصلَ على رقم طليقته، فأجابه ببساطة: " أخذته من دليل الهاتف ". ثم أضافَ مقهقهاً: " توقعتُ أنكَ قضيتَ سهرة رأس السنة عند آلاء، بل وتراهنتُ على ذلك مع عزة! ".
ولكنّ مسخ الأوراق المالية هذا، ليسَ لديه ذرة إيمان بالمراهنات. يكفيه أن مبلغاً جسيماً تجمّدَ في الأسهم المنهارة، ولن يُعيدَ ذلك لا في البورصة ولا في النصيب. أما مواطنه، رمّو، فإنه مدمنٌ على مراهنات الخيل. كانَ يُضحي كل مرةٍ براتبه، ثم براتب امرأته. فيضطر بعدئذ للإستدانة، كيلا تجوع أسرته أو ترمى خارج مسكنها. لقد اقترنَ بفتاةٍ من تركيا، أنجبت له ثلاثة أبناء بسرعة قياسية. كانَ يعبدُ امرأته، وقد استولدها طفلاً بعد الآخر حتى لا تفكّر بهجرانه على خلفية إدمانه للمقامرة. أكبر أولاده، زميلٌ لابن دارين في الحضانة، وصارا أيضاً صديقين. وها هيَ امرأته، تحضر إلى الشقة مع ابنها، إلا أنها تعتذر عن الدخول: " سأمضي لأتسوّق، ومن ثم أعود كي أصطحب ابني للبيت "، قالت لآلاء. على سبيل المصادفة، تقاطع طريقها مع دارين وكانَ أيضاً في سبيله إلى مركز المدينة لأخذ الحافلة إلى غوتسوندا. أعجبَ بهذه الحسناء ذات البشرة العسلية، المُستمدّة لونها من والدتها ذات الأصل البلغاريّ. هذه المعلومة، جرت تباهياً على لسان رمّو حينما التقى معه دارين ذات ليلة في الديسكو. وهو ذا دارين يتكلّمَ معها قليلاً في خلال الطريق، إلى أن سألته: " ابنك يقول، أنك رسامٌ محترف؟ "
" لا، مجرّد هواية لا أكثر "
" أنا أعملُ في المكتبة العامة، هنا في الحي. فلو شئتَ عرضَ أعمالك الفنية، فلدينا صالة مناسبة؟ "، قالت له وهيَ ترفعُ حاجبيها بطريقةٍ طريفة ـ كعادة الأتراك. عندئذٍ، ردّ بدون تفكير تقريباً: " عليكِ إذاً زيارتي، لكي تشاهدي اللوحات ". رفعت حاجبيها من جديد، فاستدركَ متلعثماً: " عندي أتيليه صغير في شقتي، بوسعكِ زيارته واختيار اللوحات المناسبة للمعرض ". اتّسعت ابتسامتها، فيما هيَ تطلبُ رقمَ هاتفه. لما ودّعته وسارت في دربٍ فرعيّ، بقيَ ينظرُ بإعجاب إلى قوامها البديع ومشيتها المستقيمة، المعبّرة عن الإنطلاق والثقة بالنفس. فكّرَ من ثم بشيءٍ من الخبث: " مثل هذه الحسناء، المقترنة بقرد، لا يُستبعد أن يكون لديها عشيقٌ أو أكثر ". بعودته إلى البيت، شغلَ نفسه بإعداد وجبة سريعة. لقد وعدَ أبا عصفور بتلبية دعوته للغداء، وكالعادة، أخلفَ الوعدَ: " ليظل بانتظاري ما شاءَ له الإنتظار ". رأسه يُدوّم كسرب زيزان، حامَ حولَ زهرةٍ خرافية فاتنة. كانَ ودّ لو عرفَ اسمها، لكي يُردده بإثارة وهيام. ربما فكّرَ أيضاً، بمعادلة غير موفّقة: " لو أنّ جمالَ عزة، كانَ كالأخرى مقروناً بالرقيّ والتمدّن، ألم يكن قد ورّطها بخيانة زوجية؟ لكنها هيَ، في حقيقة الحال، مَن استماتت كي تورّط نفسها ". هكذا طردَ صورة امرأة الوحش، لأجل أن تسطع في ذهنه صورةٌ أكثر بهاءً ونعومة: " أما من ناحية الثقافة، فلا وجه للمقارنة بتاتاً! ".
ونام على صورتها، ليستيقظ في ساعة متأخرة من الصباح على صوتها عبرَ الهاتف. أخذت عنوانَ البيت، وقبل أن تغلق الخط سألها عن اسمها، فقالت ضاحكة: " هالي؛ ويعني بالتركية النور المنبعث من القمر ". لم يشأ التعليق على المعلومة، لكي لا تنشأ بينهما حساسية. فإنه خلال علاقته مع سيّدة تركية أخرى، " آينور "، دخلَ في العديد من المرات بمجادلة معها، حينما كانَ يبرهن لها أن أغلب المصطلحات، التي تعتقد أنها تركية، هيَ في حقيقة الأمر عربية أو كردية. وإذاً، عقبَ خروجه من الحمّام وتناوله الفطور في المطبخ، راحَ بين فينةٍ وأخرى يراقبُ موقفَ الحافلات، المجاور لحديقة شقته. إلا أنها قدمت أخيراً في سيارة صديقة لها، وما أن دلفت منها إلا واندفعَ هوَ خِلَل باب الحديقة، منغمساً بقدميه في الثلج، ليلوّح لها بيده. بدَورها، أشارت أنها ستأتي للشقة من بابها الخارجيّ. لما دارت السيارة، لتعود باتجاه المدينة، خيّل إليه أنه يعرفُ مَن تقودها. بقيَ يفكّر لحظاتٍ، قبل أن يهتف داخله: " ولكن، أمن المعقول أنها هيَ؛ آينور هانم؟ ". ثم رجّحَ أنها هيَ، لأن والدها أيضاً من أصلٍ بلغاريّ.
" أنتَ تعرفها، إذاً، آينور هانم "، أجابت هالي على سؤاله رافعة حاجبيها. إنه استغربَ أيضاً من صداقة هالي لإمرأةٍ، تكبرها بلا أقل من دزينة من الأعوام. لكن الضيفة، استطردت قبلَ أن يسألها عن ذلك: " هيَ قريبتي من ناحية الأب ". كانت قد خلعت معطفها الوثير، لتتنقل بتؤدة عبرَ الممشى الطويل، المزيّن أحد جدرانه بلوحات دارين، المائية. اكتفت كلّ مرةٍ بهزّ رأسها، ربما تعبيراً عن الإعجاب، دونَ أن تطرح أسئلة. في حجرة الأطفال، التي حوّلها المُضيف إلى مكتب وأتيليه معاً، ابتسمت عقبَ تأملها للوحة تمثل إمرأة عارية ذات مؤخرة عارمة: " هذا إيروتيك مباشر! "، قالتها وهيَ تقرصُ ذراعه. كانت هالي بطوله تقريباً، ولذلك التصقت مؤخرتها أكثر من مرة بوسطه. إلا أنه راوغ رغبته، كيلا يُفسد كل شيء لو تصرّفَ بشكلٍ متهوّر قبل أن تفصح هيَ عن نوع عاطفتها تجاهه. على ذلك، سألها عقبَ جلوسها في الصالة: " مؤكّد أنك شربتِ قهوة وشاي على الفطور، فما رأيكِ بكأس نبيذ؟ "
" إذا كانَ هدفك أن تُسكرني، لكي تنال وطرك مني، فأفضّل كأسَ كونياك! "، قالتها ضاحكة فيما تتأملُ البارَ الصغير الذي يتوسّط الفترينا. طُربَ دارين لكلامها المكشوف، مقدّراً أنه نتيجة تأثّرها ببيئة زوجها، الكردية الريفية. لما أراد رفع نخبها، إذا هيَ تعانق ذراعه بذراعها؛ وهيَ طريقة أوربية يتبعها العشاقُ عند الشرب. عندئذٍ انحنى نحوها، ليطبع على شفتيها قبلة طويلة لاهبة. لما تمادى على الأثر، نأت قليلاً عنه: " لا، أنا لستُ مستعدة اليوم لممارسة الحب ".
في صباح اليوم التالي، إتصل بزملائه في الشركة كي يزعم أنه يُعاني من زكام مزمن لليوم الثاني. ذلك أنّ هالي، اتفقت معه بالأمس على نزهةٍ شتوية في ستوكهولم. آينور هانم، هيَ مَن تعهّدت السفرَ بسيارتها. وكانَ اللقاءُ بينهما مؤثراً، مع أن دارين شاهدها آخر مرة في يوم الملاهي قبلَ نحو ثلاثة أعوام. آنذاك، كانت برفقة ابنة صغيرة، أنجبتها في خلال وجودها بالغرب السويديّ، أينَ امتلك رجلها مطعماً. جلس دارين في المقعد الخلفيّ، فالتفتت هالي إليه قائلة: " آينور، حدثتني أمس أنك كنت أستاذاً لابنتها الكبيرة بمادة الرسم "
" ابنتي، أصبحت اليوم كبيرة بالسنّ فعلاً، وربما لن يعرفها دارين لو شاهدها في الديسكو "، علّقت آينور ضاحكة. شاركها المرح، مبتهجاً لطريقة كلامها الطيبة؛ ما عنى بالنسبة إليه أنها سلت عواصفَ علاقتهما السابقة. ثم أردفت تسأله، ناقلة بصرها بينه وبين طريق السفر: " لما أعلمتني هالي أنك انفصلت عن امرأتك، فإنني قلت لها أن معشر الأدباء والرسامين لا يستقرون على حال ". لقد نطقت هذه الجملة بشيءٍ من الفتور. وكانَ ردّ دارين، أن الفنان، رساماً كانَ أو أديباً، يؤثرُ الاستقرارَ لأنه يساعده على العمل: " إلا أن المرأة، في المقابل، عليها ألا تضيّق حريّة رجلها الفنان ". أيّدت هالي كلامه، بالقول: " فنانو السينما، هم غالباً غير المستقرين في حياتهم، وذلك بالنظر إلى تفاوت ساعات عملهم نهاراً وليلاً ".
دارين عادةً، لم يكن يحب التنزه في ستوكهولم إلا صيفاً. إذاك تتحوّل عاصمة الفايكنغ، بأشجارها وأزهارها وفساتين فتياتها، إلى كرنفالٍ من الألوان. لكنه مع تجوّله اليوم في جادة المدينة القديمة، كانَ سعيداً لشبك يده مع يديّ صديقتيه. فمر نظره على محلات بيع الأشياء التذكارية، الرخيصة، المملوكة من قبل الهنود، لينتقل إلى محلات الأنتيكا، التي كانت واجهة إحداها تعرض موتيفاتٍ أصلية لنساء آندرش زورن، العاريات. ثم دخل مع صديقتيه إلى غاليري، شكّل فيه الفن الحديث مع الكلاسيكي بوتقة من فوضى الأزمنة. ثمة في نهاية الجادة، حيث الساحة التي ينتصب فيها تمثالٌ جاف، اختاروا مقهى في الركن ليقضوا فيه بعض الوقت وهم يرتعشون من البرد. فيما ترتشف قهوتها، قالت آينور هانم: " سأمضي بعد قليل إلى سولنا، وأنتما تعودان لأوبسالا في القطار ". لكنها استدركت، مخاطبة دارين: " هل علاقتك ما فتأت جيدة مع دوغان، خصوصاً وأنه صارَ كاتباً مشهوراً تترجم كتبه للغات الأجنبية؟ "
" عقبَ زواجي، أصبحَ تواصلي معه نادراً "، قال دارين. جوابه، أثارَ قهقهة الصديقتين. فأوضحَ، وقد تضرّجَ وجهه قليلاً: " لم يكن ذنبي، أن إمراتي السابقة قد نسجت شرنقة حولنا. هذا بالرغم من أنها إمرأة مثقفة، مارست أحياناً الكتابة والترجمة في الوطن ". قالت له آينور بنبرةٍ مرحة، تماهت بالجدّية: " كانَ عليك أن تقترن بإمرأة تركية لا كردية "
" أنتِ بنفسك، متزوجة من رجلٍ كرديّ "، ردّ عليها دارين غامزاُ بعينه. علّقت هالي، متنهّدة: " وأنا كذلك، لسوء حظي! ". نظرت آينور في ساعتها، ثم هتفت قبل أن تنهض لتهرول خارجةً من المقهى: " يا ويلي، بالتأكيد سأنالُ مخالفة لو أنني وصلتُ متأخرة على موعد وقوف سيارتي ". في الأثناء، كان دارين يُهدئ معدته بتناول حلوى التوت الأزرق. فسأل هالي: " ما رأيكِ أن نتناول الغداء في شقتي؟ "
" أنا أشتهي دونر كباب، لأنني أشعرُ سلفاً بالجوع "، ردّت هالي وهيَ تتزحزح من مكانها. هكذا نهضا للعودة أدراجهما عبرَ الجادة، بخطواتٍ متعجّلة هذه المرة. لما ذكرت اسمَ مجمّع " سالو هال "، كمكانٍ يقدّم أفضل شطائر دونر كباب، قال لها: " معظم من يعمل هناك هم من الأتراك، ولعل بعضهم يعرفكِ؟ "
" أظن آينور هانم، كانت تصحبك إلى ذلك المكان، مع أنها معروفة هناك أكثر مني. وها هيَ ما زالت محتفظة بزوجها، بالرغم من الوشايات "، ردّت ببساطة. ثم أردفت، عقبَ وهلة صمت: " على أي حال، أنا أفكّر منذ فترةٍ طويلة بهجر زوجي. إنه مخلوقٌ بائس، دمّر نفسه بالمقامرة وسيدمّرني معه "
" كيف منذ فترةٍ طويلة، وأنتِ أنجبتِ منه ثلاثة أبناء؟ "، ندّت عن دارين دونما تفكير. توقفت هيَ عندئذٍ، فقبضت على يده بشيءٍ من القسوة: " سأرمي إليه أطفالي الثلاثة، بمجرّد حظوتي بحبيبٍ لا بعشيق ". بقيت تنظرُ في عينيه، فيما شفتاها ترتعشان من التأثّر أو ربما من البرد. كلماتها هذه، التي لا يمكن أن تتفوّه بها سوى إمرأة في غاية الأنانية، ثبطت همّة دارين. كانَ واضحاً، أنها لن تسلّم جسدها إليه إلا بعقد زواج. وبالنسبة إليه، بعدما سمعَ كلماتها، فإنها آخر إمرأة في العالم يُفكّر أن بوسعها أن تنجب له أطفالاً.
مع ذلك، استسلمت لمداعباته في القطار، لدرجة أن يطلب منها التوجّه إلى كابينة الحمّام لممارسة الجنس. إلا أنها بقيت تراوغه بمكر، واعدة إياه بالمجيء إلى شقته في يوم آخر. كانَ جلياً، أنها هيَ الأخرى قد فترَ أملها فيه، طالما أنه لم يُسمعها، رداً على كلماتها تلك، أنه الحبيبُ المنتظر.
وأعتقدَ دارين، في مساء اليوم التالي مباشرةً، أنّ هالي جاءت كي توفي بوعدها. فما أن فتحَ البابَ للطارق، إلا وفوجئ بسحنة عزة، المربدّة. كانت ترمقه بنظرةٍ معادية، فيما تهز يدَ عربة الأطفال ( عثرَ عليها زوجها في حجرة القمامة )، المُتهالك معدنها والمُمزق قماشها. لكنها لم تكن وحدها مع طفلتها. فما لبثَ أبو عصفور أن أكملَ المشهدَ المُزري، بملامح حامضة وممتعضة. كأنما اتفقَ كلاهما ألا يعتذر عن القدوم دون إعلامٍ مُسبق، أو حتى إلقاء تحية. هكذا إندفعَ الرجلُ برائحةٍ كريهة تنزّ منه، عابراً الممشى وهوَ يتلمسُ الجدارَ، فيما امرأته تركن العربة وتخرج طفلتها منها. سألها دارين، كيفَ عرفا أنه في البيت. فأجابت بصوتٍ منخفض وهيَ تنفخُ باستياء: " أرسلني ثلاث مرات في هذا المساء المتجمّد، لكي أرى ما لو كان بيتك مُناراً ". ثمة في الصالة، فتحَ أخيراً رجلها فمَهُ، بعدما وجدَ موضوعاً شيّقاً للسهرة: " مصباح هذا، كم هوَ متطفّل! من مرصده في المطبخ، تابعَ مرورَ عزة من أمام بيته ". ثم التفتَ إلى ناحية امرأته، طالباً منها إكمال الموضوع. فلما امتنعت عن الكلام، أمرها أن تأخذ الطفلة إلى الحجرة الأخرى. فأرشدها دارين لحجرة النوم الكبيرة، كون حجرة الأطفال قد جعلها مكتباً وأتيليه ـ كما علمنا. لما عادَ إلى الضيف، وسأله ماذا يشرب، أجابَ هذا متلمّظاً شفتيه: " لو كان لديك عصير برتقال، فاجلب لي قدحاً كبيراً لأنني أشعر بالعطش ". بإيابه مجدداً للمطبخ، انتبه إلى أن عزة قد أوصدت بابَ حجرة النوم عليها وطفلتها. فتحَ عندئذٍ البابَ، لكي يستفهم منها لو كانت ترغبُ أيضاً بنفس الشراب. وإذا هيَ جالسة عند خزانة الثياب الكبيرة، تنبشُ في أحد أدراجها. امتقعَ وجهها قليلاً، فيما تجمجمُ متلعثمة: " كنتُ أبحثُ عن ألعاب لإبنتي ". في أثناء ذلك، كانَ أبو عصفور قد داهمَ الحمّام. بقيَ هناك دقائقَ عديدة، ما جعلَ دارين يهجسُ أن الرجلَ يقوم أيضاً بالبحث عن ألعاب لابنته. فيما كانَ يضعُ صينية الشراب بمتناول الضيفة، فغمَ أنفه رائحة مقيتة، ملأت حجرة النوم. لما خرجَ الضيفُ من الحمّام أخيراً، قال له دارين: " أعتقدُ أن قماط طفلتك يحتاجُ لتغيير ". لما نده على امرأته، فإنها قالت باستكانة وهيَ ترمشُ عينيها: " نسيتُ جلبَ القماط، فلو أنني أستلفُ..؟ "
" من أين لي القماط، وابني قد بلغَ الخامسة من عمره؟ "، قاطعها دارين. هنا، أتى رجلها على بقية العصير، ثم نهضَ واقفاً ليخاطبها بانزعاج وقد اكفهّرَ وجهه: " هيا ضعي طفلتك في العربة، ولنغادر حالاً! ". هكذا ذهبا دونما تحية، مثلما قدما. تركَ دارين بابَ الشقة مفتوحاً عدة دقائق، كيما تتبدد رائحة الخراء الملكيّ. في صباح اليوم التالي، لما همّ بحلاقة ذقنه، انبعثت رائحة غريبة من الشفرة. عندئذٍ، أدرك دارين لِمَ استعصى الضيفُ في الحمّام ليلة أمس. لقد تذكّرَ أيضاً، أن أبا عصفور قد تباهى يوماً بأنه يستعملُ نفسَ شفرة الحلاقة، " جيليت 3 "، لمدة سنة كاملة. تكتّم دارين على كل تلك الأمور المُشينة، فلم يبُح بها حتى لطليقته. ولكن بعد بضعة أيام، وكانَ يتسوّقُ في السوبرماركت، صادفَ ثمة مصباح. هذا الأخير، أخبره بأنّ " إمامَ البخلاء "ـ كما دعاهُ ـ يصطحبُ طفلته إلى بيوت المعارف كلما كانَ قماطها مليئاً بالبراز، لكي يحصل على آخر جديد: " زوجتي حينما زارتهم، عجبت من امتلاء الشرفة بالأقمطة القذرة، التي جمّدها الصقيعُ. وقد أجابتها عزة، أنها تقوم كل مرةٍ بغسل إحدى تلك الأقمطة لاستعمالها من جديد ". إختتم النمّامُ سرديته، مُطلقاً قهقهةً أشبه بقُباع الخنزير. لم يعلّق دارين على كلامه، لكنه استعادَ عندئذٍ في ذهنه إحدى قصائد " الإمام "، التي يتغنّى فيها بشرب القهوة صباحاً على الشرفة وعبقُ الأزهار يضوعُ في أنفه.
أخيراً سافرَ أبو عصفور إلى سورية، مؤملاً بعيشةٍ أكثر بساطة واقتصاداً. لقد حصلَ منذ بعض الوقت على تقاعدٍ مَرَضيّ، جعله في غنى عن الوقوف في طابور المعونة الإجتماعية مع امرأته وطفليه. بلى، إنّ عزة أنجبت له صبياً هذه المرة، وبذلك توسّعت استثماراته. قبيل سفره، توصّل إلى تأجير شقته ( بشكلٍ مخالف للقانون ) لرجل سويديّ، متقاعد. الخالة، المقيمة في ستوكهولم، تعهّدت أمر الإطلاع على بريد ابن أختها الغائب، وكل مرةٍ كانَ يُستدعى من لدُن جهة رسمية، فإنها كانت تذكّرهم بنبرةٍ مؤثرة أنه ضريرٌ. ثمة في بلدته الأولى، المفصولة عن تركيا بخط السكّة الحديدية، منحه جدّه قطعة أرض كي يبني عليها منزلاً. هذا الأمر، أثارَ غضبَ أخواله الثلاثة، المقيمين في أوبسالا. وقد عبّر عن ذلك أكبرهم، داوود، عندما قال لمصباح: " متى في القانون يُمكن أن ترث الأنثى، لو كانت ميتة؟ ". وقد عوّل الخالُ على كرم حكومة دمشق مع المتعاونين معها في أوربا، لكي يُحبط الصفقة التي تمّت بين أبيه وابن أخته. ويقال، أنه نقل ولاءه من البعث العراقي إلى البعث السوري، وذلك قبل سقوط نظام صدّام حسين. لاسيما أن هذا الأخير، باتَ محاصراً وفقيراً بالموارد عقبَ حرب الكويت. على أية حال، فشل مسعاه حينما سافرَ إلى الوطن، كون تلك الصفقة قد تمّت بطريقة البيع والشراء.

*تتمة رواية " تشريح الذات "، التي نُشرت فصولها السابقة في هذا الموقع.



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خمسة أسابيع في دمشق 4
- خمسة أسابيع في دمشق 3
- خمسة أسابيع في دمشق 2
- خمسة أسابيع في دمشق
- المهاجران من المسرح إلى السينما
- فيلم الطفولة الكردية، المغتالة
- فيلم اليهودي والضياع الأخير
- فيلم الكردي وحروب الآخرين
- مصير أسرة في فيلم سوري
- تراب الغرباء والتلاعب بالتاريخ
- الترحال؛ منحوتة للطفولة والمدينة
- الطحين الأسود ولعنة المكان
- اللجاة؛ البيئة الدرزية سينمائياً
- حسّيبة؛ الشام بحسَب يوميات إمرأة
- شيء ما يحترق؛ عن الدرزي النازح
- الطحالب؛ حكاية جرح سوري
- باب المقام، المفتوح على الشغف
- سُلّم إلى دمشق؛ التقمّص عشيّة الثورة
- الليل؛ الفنتاسيا والواقع
- أحلام المدينة أم كوابيسها


المزيد.....




- أمريكا.. قائمة بـ 25 فيلمًا أُضيفت للسجل الوطني للأفلام
- 25 فنانًا وفنانة يجسدون مفردات الجنوب العراقي في معرض ذي قار ...
- نهارا وعلى مرأى الجميع.. سطو -سينمائي- في لندن يشعل المنصات ...
- كيف نتعلم من الذكاء الاصطناعي ثقافة الإنصات والتعاطف مع الآخ ...
- الأديب التونسي رضا مامي: الشاعر الحقيقي يظل على يسار السلطة ...
- -سرديات تحت الاحتلال-... افتتاح معرض -رام الله آرت فير- بمشا ...
- رحيل الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط
- هذه السيدة نقلت ثقافة وتعليم اليابان إلى سلطنة عمان
- من خيال إلى حقيقة.. هل جسد فيلم -هوستل- ما جرى في جزيرة إبست ...
- رحيل الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ