أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - أحجار الشطرنج الصفر: صداقة وليدة















المزيد.....


أحجار الشطرنج الصفر: صداقة وليدة


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 02:56
المحور: الادب والفن
    


1
خجو، احتلت إذاً مكاناً راسخاً في حياة دلير، الذي لم يعِش مراهقة حقيقية؛ هوَ من انتسبَ آنذاك لتنظيم شبابيّ، يتبع حزب الطبقة العاملة. ربما قراءاته التالية، الأدبية والفكرية، جعلت عقله أكثر تحرراً وأقل قابلية للشعور بالإثم من تلك العلاقة مع امرأة متزوجة. لكنه كانَ يحسّ كلّ مرةٍ بوخز في داخله، لإتباعه الحيلة نفسها للوصول إلى حجرة عشيقته: باب الدار، كانَ يبقى مفتوحاً دوماً تقريباً، بسبب وجود المستأجرين، وغالبيتهم عسكريين تتفاوتُ أوقات مناوباتهم في معسكراتهم. عندئذٍ كان العاشقُ يتسلل إلى مخدع المرأة الشهوانية، مقدّراً لو أنّ أحداً شاهده فإنه سيدّعي الحضورَ للقاء قربينة. في ساعةٍ قبيل الفجر، كانَ يتسللُ مجدداً إلى خارج الدار. حتى كانت إحدى المرات، كادَ فيها أن يُضبط ويُفتضح أمره.
حجرة نوم العشيقة، كانت قد قسّمت إلى ناحيتين بوساطة ساتر من القماش. في ناحية، كانَ أطفالٌ ثلاثة، أكبرهم بعُمر الخامسة، قد افترشوا الأرضَ وصدى أنفاسهم يملأ الحجرة. فيما شقيقتهم الرضيع، شاركت الأم في سريرها العريض، الكائن في الناحية الأخرى. خزانة متهالكة، عثرَ عليها زوجها على تل قمامة، كانت قطعة الأثاث الوحيدة تقريباً في الحجرة. وكانت تلك الليلة تشدّ عشيقها إلى السرير، ليتمرّغ من ثمّ في تفاصيل جسدها المثير. فرغا على الأثر، فأشعلت هيَ سيجارة. قال لها، دونما تفكير تقريباً: " ألا تشعرين بالإثم؟ "
" أبداً. أنا مجرّد قطعة لحم، فما الفرق لو غُرس فيها متاعُ زوجي أو متاع غيره "، قالتها وهيَ تطلق ضحكة خفيفة. بعدما أنهت سيجارتها، وقفت وراء ستارة النافذة كي تؤمّن لعشيقها المرورَ بسلام. ثارت رغبته مجدداً، وهوَ يتأمّلُ مؤخرتها الرائعة، فانقض عليها وجذبها إلى السرير. ساعة أخرى مضت، ثم همست في سمعه: " هلم إلى بيتك، لأن زوجي يأتي أحياناً مبكراً لو أنه أنهى المطلوبَ منه ". تسلل من الحجرة، ليعالجَ مزلاجَ بابَ الحوش الداخليّ، المنفتح على حجرات الإيجار. ما أن وصل إلى الباب الخارجيّ، إلا وكانَ رجلٌ يهمّ عندئذٍ بالدخول. لقد كانَ كَمارو ذاته، الذي لم يُبدِ أنه فوجئ بالضيف. حيّاه دلير بسرعة ولهوجة: " مساء الخير "
" بل صباح الخير! "، ردّ الرجلُ ضاحكاً بفتور. كانَ دلير قد ألِفَ على تحيّته، كلّ مرةٍ اتفقَ أن تلاقيا وجهاً لوجه. من فأل دلير الحَسَن، أنه كانَ صباح يوم عطلة، أينَ اعتاد أحياناً السهرَ عند قربينة حتى الفجر. لكن الهواجسَ بقيت تتناهبه، لحين أن غفا عند طلوع الشمس: " أمن الممكن أن يشمّ رائحة غريبة في الحجرة، أنا مَن ملأ مَعي امرأته بدَفقٍ محموم؟ أو قد يُكلم في الغد شقيقه، ليقول له أن سهرتك طالت مع صديقك؟ ". لم يطمئن إلا بعدما حضرَ سينو إلى المنزل مساءً، ليقترحَ عليه الذهابَ إلى السينما: " قربينة، أكّد لي أنه سيرافقنا. هوَ كالعادة سينتظرنا بعدما يكون قد ارتدى السترة الأنيقة، التي صنعتها له والدته من كيس طحين "، قالها مقهقهاً بصخب.

2
قربينة، حُرمَ من صُحبة النساء، لأنهن نفرنَ من هيئته ووضعه الإجتماعيّ. كما أنه كانَ من الفاقة، ألا يفكّر بإمكانية معاشرة المومسات. بحَسَب ما أسرّت عشيقته، علِمَ دلير أن صديقه كانَ لا يكف عن التحرش بها مذ أن صارت عروساً لشقيقه الكبير. محتجّاً بضيقه من النوم مع والديه وشقيقته في حجرةٍ واحدة، انتقل إلى أخرى كي يجعلها مرصداً. ففي كل مرةٍ، رأى فيها خجو وهيَ تتجه إلى المغاسل، كانَ يعترض طريقها أثناء عودتها. إذاك كانت تتملّص من حضنه، مهددة إياه بالفضيحة لو لم يدعها. ثم ارتاحت منه سنة كاملة، حُكم فيها من لدُن القضاء العسكريّ على أثر حرب حزيران. آنذاك، كانَ يخدمُ على الجبهة حينَ شنت إسرائيل هجومها المباغت واحتلت في ساعاتٍ هضبة الجولان، المنيعة. تشتت الجيشُ المهزوم في كلّ مهب، والطائرات فوقهم تحصدهم ـ كما تفعل المذبّة بالحشرات. قربينة التعس، وجدَ نفسه بعد مسيرٍ شاق عند خيمة بدو، فبادل سلاحه الأوتوماتيكيّ بملابس جعلته شبيهاً بهم. ثم واصل المشي إلى أن بلغ مدينة دمشق. ليظهر في الحارة بهيئةٍ مزرية، حافياً ممزقَ الثياب وعلى رأسه العقال البدويّ، فاختلطت شفقة الناس بسخريتهم. ثم أختتمت مأساته بالحكم عليه سنة سجن في واحة تدمر الرهيبة، عقوبة على فقدانه لسلاحه.
على عكس شقيقه الأصغر، كانَ كَمارو ذا ملامح حسنة وقامة معتدلة. قبل زواجه، كانَ يسرحُ في الطرقات بعربة فول شتاءً ثم تتحوّل إلى بيع الذرة المسلوقة في الصيف. ربما نتيجة احتكاكه بتلامذة المدارس، المقبلين على شراء الفول النابت، غدت ميوله الجنسية واضحة إزاءهم. مدير إحدى تلك المدارس، انتبه كيفَ كانَ بائعُ الفول يسترسلُ في الحديث مع بعض التلامذة. باستجوابه أحدهم، أقرّ بأنّ البائع كانَ يُغريه بمبلغ عشر ليرات لو أنه وافاه بعد الدوام إلى لقاءٍ عند مسجد صلاح الدين. ذلك المكان المقدّس، كانَ في طور الإنشاء، فاتخذه بعض الشواذ لممارسة موبقاتهم. وإذاً، ما أن ألمّ المديرُ بخصلة بائع الفول، إلا وهدده بالشرطة لو أنه لم يغادر موقفه إلى غير رجعة. وعلى الأثر، لقيَ كَمارو نفس المعاملة أمام مدارس أخرى في الحي، وعلى الأرجح بسبب معلومات ذلك المدير.
ميوله المَوْسومة، ما لبثت أن ظهرت أيضاً في ليلة الدخلة. عروسه كانت مطلقة، ومن المفترض أن تكون الليلة بلا دم وألم. إلا أنّ العروسَ قُمعت رغبتها، لما طلبَ منها الرجلُ الاستلقاء على بطنها. تكرر الأمرُ يوماً بعد يوم، وفي كلّ مرةٍ كانت خجو تزداد إحباطاً. في أثناء ذلك، كادت أن تستسلم لتحرّش شقيق الزوج، فتسلّمه نفسها. لكنها سرّت على أيّ حال، لأنّ رجلاً كانَ يلاحقها في كل مكانٍ بالبيت، مفتوناً بها. إلى الأخير، تمكّنت من ترويض زوجها. على الأقل، جعلته بميول ثنائية. لما حبلت، قالت له: " لو ولدتُ طفلاً أحول العينين، فإن خطيّته برقبتك ". كذلك كانَ إعتقادُ عامّة النساء، بشأن الممارسة غير السوية. بيد أنها ولدت طفلاً جميلاً، وبصحةٍ مورّدة، ما جعلَ زوجها يُعبّر عن سخريته منها. إنما الصبيّ الثاني، ولدَ بقدمين معوجّتين سببت له إعاقة دائمة. الصبيّ الثالث، لسوء الحظ أيضاً، كانَ هوَ الأحولُ المنتظر.

3
عقبَ تملّصه من ذلك المأزق الخطر، الذي وجدَ فيه نفسه وجهاً لوجه مع زوج عشيقته، قررَ دلير أن يقطع صلته بها. ما حفّزه على هذا القرار، حادثة دموية سبقَ أن وقعت في الحارة. لقد فاجأ زوجٌ عشيقَ امرأته في فراشها، فأطلق عليه النارَ وأصابه في بطنه. كون الزوج غريباً، فإنه ترك الحارة عقبَ طلاقه من المرأة الآثمة. لقد التقى دلير ذلك العشيق، في سهرةٍ على كأس عند تمّو. هذا الأخير، هوَ مَن أخبره لاحقاً ببعض تفاصيل، تتعلّق بخلفيّة تلك الحادثة الدموية: " الزوجُ كانَ عنّيناً تقريباً، لكنه ينتغظ حالما تستدير امرأته وهيَ في الفراش. عندئذٍ كان يُستثار من منظر كفلها، فيلجأ لممارسة العادة السرية ".
ثمّ صمّمَ دلير أن يتخلّى أيضاً عن صُحبة قربينة، وذلك بعدما لحظ فتورَ لزكَين إزاءه. في حقيقة الحال، أنّ شقيقة هذا الأخير، " شيرين "، كانت قد استحوذت حينئذٍ على اهتمامه. استهلت علاقته بها، لما طلبت منه أن يدرّسها مادة النحو العربيّ؛ هيَ من استعدّت ذلك الصيف، لتقديم إمتحان الشهادة الإعدادية. إلى أن كانت ليلة، بكّرت فيها شقيقته في الذهاب للفراش. بعد قليل، قالت شيرين له وهيَ تتثاءب: " أودّ نيلَ ساعة نوم، وبعدئذٍ أواصلُ الدراسة ". دسّت نفسها في فراشه ببساطة، بينما لجأ هوَ لتصفّح مجلة سياسية لبنانية. كانت ليلة صيف حارّة، والخالُ في سهرةٍ عند أصدقائه. بعد قليل، انتبه إلى انحسار الغطاء الخفيف عن جسد ابنة خالته، ليبرز كفلها الجميل الممتلئ. ثارت رغبته، فمرر يده على بشرتها الناعمة من خلال سروالها الداخليّ. وإذا هيَ تمسك بيده. قال لها، متلعثماً: " أردتُ إعادة الغطاء على جسدك ". لكنها بقيت ممسكة بيده، وما لبثت أن سلّمته ثديها الناهض. عاشرها في تلك الليلة، لحين أن سمعَ صوت حضور خاله من الخارج. أيقنَ على الأثر، صحّة كلام قريبه سلو، الذي قال عن شيرين: " إنها مجرّبة، وسهلةُ المنال ".
سلو، كانَ أحياناً يقضي العطلة الصيفية في أملاك جدّه لأمه، ثمة في رأس العين. أما جدّه لأبيه، وكانَ من ذات البلدة، فإنه ماتَ مُعدماً تقريباً. لقد تقلّصت أملاك شمسي آغا، بفعل الإصلاح الزراعيّ، إلى أن صودرت مزرعته هناك في منتصف السبعينات حينَ تم نقل عرب غمر سدّ الفرات إلى الجزيرة. لكنّ منزل جدّ دلير لأمه، الذي بقيت فيه كبرى الخالات، ظل يستقبلُ أفرادَ العائلة، القادمين من دمشق. كان منزلاً كبيراً مع حديقةٍ جميلة ذات مقصورة، ذخرَ بذكرياتهم على مر السنين. إلا أنّ سلو ما عادَ يشعرُ بالخجل من بيت أبيه في البلدة، بعدما تمت إزالته ونهض بمحلّه مسكنٌ فخم أشبه بالفيلا. فإنّ موسي، كان قد أضحى من كبار تجار الدواجن بدمشق، فامتدّت أعماله إلى الشمال؛ بما في ذلك بلدته، التي خرجَ منها شاباً فقيراً ثم عاد إليها رجلاً غنياً.
من ذكريات سلو في بلدة أبيه، وكان قد قصّها ذات يوم بكثير من الحميمية على مسامع دلير ولزكَين، طريقة مضاجعة الحمير: " كنا ننفردُ بالأتان في البرية، بعيداً عن أعين الفضوليين. فنجعلُ حافرا الأتان مثبتتين في حذاءٍ عسكري واسع، مما يستعمله العمالُ الزراعيون. بعدئذٍ نرتقي كومة أحجار لمستوى فرج الأتان "
" وهل يشعرُ المرءُ بلذةٍ، شبيهة كما لو كانَ يُضاجع امرأة؟ "، سأله لزكَين عندئذٍ. ثم غمزَ دلير بعينه، ربما تعبيراً عن السخرية بشمائل الفلاحين . فهمَ سلو ذلك، فأجابَ متهكّماً بدَوره: " نعم، تماماً مثلما أنت تفضّل النساء الكبيرات بالسنّ على الفتيات العذراوات "
" ولكن النساء الكبيرات في السنّ، على أية حال، يمتلكن نفس الفرج حينَ كنّ فتيات! "، ردّ لزكَين ضاحكاً. هذا الأخير، كانَ من الاستهتار أنه قصّ عليهما مؤخراً تفاصيلَ علاقته السرّية بامرأة خاله، شهاب الدين. وكانَ يعبّرُ عن إعجابه بما تتميّز بخبرةٍ في الجنس، قائلاً: " منيرة ليست مثل الفتيات المراهقات، اللواتي يتململن تحت الرجل وكأنهن في سبيلهن للتبوّل ".

4
الخال شهاب الدين، قتل في حاثة شنيعة بعدما حاولَ إغواء شاب على قرابة بالدكتور عبّود؛ زوج أم دلير، السابق. وكانَ الخالُ الراحل قد عاد للعيش في منزل الإيجار، العائد ملكيته لأم لزكَين، بعدما طردته زوجته. عقبَ مقتله، حلّ في المنزل عددٌ من الشبان، الذين قدموا من الجزيرة للدراسة في جامعة دمشق. إنّ سلو هوَ من توسّط لهم بخصوص السكنى، كون أحدهم من بلدته. " مستو " هذا، كانَ شاباً وسيماً ذا قامة مشيقة وبنية قوية. لقد بدأ دراسة الصيدلة قبل نحو عامين، انتقل في خلالهما بين عدّة بيوت إيجار هنا وهناك. ما عتمَ دلير أن تعرّفَ عليه، عن طريق سلو بالطبع، فأعجبَ بذكائه وثقافته. في تلك الآونة، كانَ هذا الأخيرُ يتهيأ للسفر إلى موسكو لدراسة الطب. وقد اتفقَ ذلك مع زواج دلير، ومن ثم إقامته في منزل الجدّ الراحل.
سرعانَ ما أضحى ذلك الطالبُ صديقاً مقرّباً لدلير، وكانَ يجدُ إلفةً في وجوده معه في بيت الإيجار، مثلما هيَ حياةُ الطلبة عموماً. كان مستو منتمٍ لذات التنظيم الكرديّ اليساريّ، الذي سبقَ وطُرد منه تمّو. هذا الأخير، كانَ في تلك الفترة قد أعلنَ عداءه الصريح لدلير، متّهماً إياه بأنه أغوى خطيبته وتزوّجها. لكنه ما عتمَ أن اقترنَ بفتاةٍ من ريف دمشق، جذور عشيرتها من حي الأكراد، ما جعله يسلو سببَ ذلك العداء. ولعله على الأرجح، لم يجد السعادة المؤملة مع عروسه. إذ سرعان ما عادَ إلى شيمته في إقامة مجالس الخمرة، التي يتحللها إطلاق الرصاص في الهواء أو على الهررة، المطلّة بموائها من فوق الأسطح حينَ تشمّ رائحة لحوم الوليمة. ذات مساء، لما كانَ دلير يسألُ عن سينو، فإنّ شقيقه جرّه إلى الداخل كي يشاركُ بالجلسة. بذلك التصرّف، كانَ يُعبّر عن طيّه صفحة الماضي. من ناحيته، طُلبَ سينو للخدمة الإلزامية، فتدّبر له شقيقه وساطة كي يبقى في دمشق عقبَ إنهائه دورة في مدرسة المركبات العسكرية.
بين عُصبة الأصدقاء، الملتفّة حول دلير، كانَ هوَ الأقدرُ بينهم مادياً. غالباً في مساء نهاية الأسبوع، يأتي إلى بيت الإيجار وبيده زجاجة عرَق. لكنه اختصّ مستو، لما كانَ يدعوه إلى السهر في مطعمٍ معروف بالقرب من ساحة السبع بحرات، كانَ معظم روّاده من اليساريين فضلاً عن المعارضين العراقيين المنفيين. من هؤلاء الأخيرين، عُرفَ رجلٌ طريف، يُدعى " أبو عليوة "، إعتادَ على الإنضمام لموائد السوريين. وقد اشتهرَ بمقولة، بقيت متداولة بينَ أولئك الأصدقاء حتى عقبَ رحيله عن الدنيا: " الشوام لديهم هذا العرَق الرائع، لكنهم يشربون الماءَ عوضاً عنه! ".
خلال تلك الأيام السعيدة، راحت نسرين تبدي تذمّرها، قائلة لشقيقاتها أنّ دلير يُفضّل صُحبة الأصدقاء عليها. وكانت محقّة في ذلك، كونه يقضي حتى أمسيات عطلة نهاية الأسبوع خارجَ المنزل. ربما حسدت أيضاً شقيقتها شيرين، وكانت هذه قد انضمّت لفرقة رقص كردية، تُجري بروفاتها في منزل الإيجار مرةً كلّ أسبوع على الأقل. هكذا نشاطات، غفلت عنها أجهزة الأمن، التي كانت مشغولة بملاحقة تنظيم الطليعة الأصوليّ، المعلن الجهادَ ضد ما أسماه " التسلّط العلويّ ". رداً على شكواها، ذات يوم وبحضور والدتها، قال دلير: " ليسَ ذنبي أننا على طرفي نقيض في الذوق والإهتمام، فإنكِ لا تعجبين سوى بالأفلام الرومانسية المصرية وكذلك بالمسرحيات الكوميدية "
" وهل سأعُجب بأفلامك الأجنبية، المعقّدة، أو بمسرحياتك ذات اللغة الفصحى، الجالبة للنعاس؟ "، ردّت نسرين مع ضحكةٍ فاترة. هنا تدخّلت السيّدة رَمّي، لتخاطب صهرها: " الإعتدالُ مطلوبٌ منك، بما أنك تعدّ نفسك شخصاً واعياً. فالثقافة لن تتأثّر، لو أنك اصطحبتَ امرأتك إلى فيلمٍ ترغبُ هيَ بمشاهدته أو لحضور مسرحية مسلّية ". ثم استرسلت نصفَ ساعة، تتكلّم فيها عن مزايا زوجها الحاليّ، الذي أحياناً يفضّلُ الخروجَ معها، متهرّباً من المناوبة في مكان عمله: " هوَ من تأخّر في الزواج، لشدّة هوسه بإكتشاف الجرائم؛ كما المحققُ ذاك، شارلوت هولمز، الذي نراهُ في التلفاز ". لقد نطقت الاسمَ الأخير بطريقةٍ، أثارت ابتسامة دلير.
في المقابل، كانَ ذوقُ دلير كلاسيكياً لو تعلّقَ الأمرُ بالأثاث والاكسسوارات. بينما امرأته، كانت تودّ البدءَ، تدريجياً، باستبدال كل ذلك بما يتلاءهم مع العصر: " فنحنُ بعدَ أقل من شهر، سنودّعُ عقدَ السبعينات، وأودّ أن أحتفلَ برأس السنة على نحوٍ مُبهر "
" الحفلُ، سيكلفنا مالاً ولا شك. لذلك أرى تأجيل فكرتكِ عن التغيير، ريثما تتحسّن أحوالنا "، ردّ زوجها. هنا تدخّلت السيّدة رَمّي، لتعلّق بالقول وهيَ تنقل بصرها بين الزوجين: " أنا في هذه الحالة، أقفُ مع رأي دلير. أنتما ما زلتما عريسين، ولديكما الوقتُ الكافي لتغيير ما ترغبانه في المنزل لو توفّرَ المالُ. بالنسبة لحفل رأس السنة، فليكن حفلاً عائلياً على قدر الميزانية ". عندئذٍ، استحسنَ دلير فكرة امرأته بشأن الحفل، لكنه فضّلَ ألا يبوحَ بذلك سوى في وقتٍ مناسب.

5
كانَ الإستعدادُ جارٍ لإحياء حفل رأس السنة، وكثرٌ اقترحوا أن يتمّ في بيت الإيجار. إلا أنّ دلير فاجأهم، قبل الموعد بأسبوع واحد، عن استعداده لإقامة الحفل في داره الكبيرة. وكانَ قد ضمنَ الموافقة سلفاً، بأخذ رأي صديقه مستو. كما أنه وضعَ امرأته في الصورة، فاستحسنت الفكرة. لا ريب أنه الفضول، لمعرفة كنه أولئك الأصدقاء، دفعَ نسرين للموافقة فوراً على فكرة إقامة الحفل في بيتها.
تقررَ مكانُ الحفل في القسم العلويّ من الدار، أينَ الإيوان الكبير وأرضية الديار الفسيحة. في يومٍ سابق لليلة رأس السنة، جُلبت مناضدٌ وكراسي إلى ذلك المكان من قبل نسرين وأخوتها. إذاك كانَ دلير عائداً من المكتب إلى مسكنه في سيارة الأستاذ بشار، وإذا هيَ تتحوّل باتجاه حي الروضة. ثم ما لبثت السيارة أن توقفت بإزاء المحل الشهير، " نورا "، فنزل الأستاذ لشراء بعضَ الحاجيات. لما رجعَ بعد قليل، دسّ في حضن دلير كيساً احتوى على زجاجتيّ ويسكي من نوعٍ فاخر: " هذا من أجل حفلتكم ". لكنه أعتذر عن الحضور في اليوم التالي، كونه سيسهر مع عائلته عند أصدقاء سبقَ لهم دعوته.
في عصر اليوم المحدد، شهدَ مطبخُ الدار الاستعدادت اللازمة من أجل عشاءٍ فاخر، ربما إقتضى مشاركة ما يقارب ثلاثين شخصاً. لاحظت نسرين مبالغة في توفير أكبر كمية من المقبلات والمازة، قائلة: " المدعوون، قد يأتون محمّلين بمساهماتهم من الأطعمة ". فردّ عليها رجلها: " أغلبهم طلبة من وَسَطٍ فقير، وفوق ذلك، هناك من هم غرباء في هذه المدينة ". وفي الأثناء، كانَ دلير مُجدّاً في إعداد المازة، ينتقلُ بخفّة من صنفٍ إلى آخر: يُضيف زيت الزيتون إلى السَلَطة، يمزجُ الكبّة النيئة بدبس الرمان، يهرسُ الثومَ لخلطه مع متبّلات الباذنجان والحمّص، يمررُ فرشاةً مترعة باللبن على فطائر الجبنة واللحمة والسبانخ كي تأخذ في الفرن لوناً ذهبياً.
قبيل موعد تقاطر المدعوين، إذا لزكَين يحضرُ بصُحبة أرملة خاله، منيرة. وهذه اندفعت تلقائياً إلى المطبخ، بينما الذهولُ خيّمَ على رؤوس أهل الدار. وكانت السيّدة رَمّي قد اتسعت عيناها دهشةً، فدمدمت تعبيراً عن الاستنكار: " إذاً الأقاويلُ حقيقة، أنه على علاقة بتلك العاهرة! يا إلهي، إنها تكبرني بالعُمر ". سرت موجة ضحك بين بناتها الأصغر سنّاً، فيما نسرين علّقت بالقول: " ربما التقى معها مصادفة قدّام باب الدار ". كانت تودّ التخفيفَ عن والدتها، مع أنها أقرب منها إلى الأشقاء وأسرارهم. لكن الأم، عادت إلى النواح: " دودةُ العلق هذه، ستمتصّ عافيته وماله. تماماً كما فعلت مع المرحوم أخي، الذي طردته من ثم بمعونة ولديها الشقيين ".
ما أنّ اختفت من الأفق الخطوط القرمزية، إلا وتوافدَ المدعوون إلى الحفل، شباناً وفتيات. نصفهم كانوا من الشمال الكرديّ؛ ومعظم هؤلاء، طلبة جامعة ومعاهد. لحُسن الحظ، كانت ليلة معتدلة الحرارة، مضاءة عتمتها كل حينٍ بشهب الألعاب النارية. المفاجأة الجميلة بالنسبة لدلير، ظهورُ صديقه سينو. قال ضاحكاً، وهوَ المتأنّق بملابس شتوية ملائمة لجوّ أوربا: " كلّفني حضورُ حفل رأس السنة، جهاز خلاط فواكه من نوع مولينكس، حصل عليه مدرّبنا ". بينما كانت الفرقة الكردية تعزفُ، والمطربُ يرفعُ عقيرته، هجمَ بعضُ المدعوين على مائدة الطعام، التي جُعلت بشكلٍ طولانيّ في الإيوان؛ صنوَ سفينةٍ بيضاء، ناصعة. ما لبث المطربُ وفرقته، أن هرعوا بدَورهم خشيَة أن تُمسح الأطباق. بينما آخرون كانوا عندئذٍ يتبادلون الأنخابَ، منهم المُضيف مع أصدقائه مستو ولزكَين وسينو. هذا الأخير، ما عتمَ أن سكرَ، فأخذ كلّ مرةٍ يجذبُ فتاةً من صديقها، قائلاً بلسانٍ ثقيل: " دَع عنك خطيبتي! ". بل إنه انتزع نسرين من حضن رجُلها، مردداً نفس اللازمة. لقد بقيَ يراقصُ هذه وتلك، على أنغام الموسيقى الغربية، إلى أن سقط أخيراً على الأرض.. سقط، أشبه بشوال قمح أفلته أحدهم في سوق الهال.



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحجار الشطرنج الصفر: أجيال ماجنة
- أحجار الشطرنج الصفر: حكايات على الطريق
- سكة حديدية حتى السماء: الخاتمة
- سكة حديدية حتى السماء: مرآة جديدة
- سكة حديدية حتى السماء: كرامة مُخبر
- سكة حديدية حتى السماء: مكيدة غرام
- سكة حديدية حتى السماء: بانثيون بشري
- سكة حديدية حتى السماء: عالم آخر
- سكة حديدية حتى السماء: القطار المشؤوم
- سكة حديدية حتى السماء: طبيعة عارية
- سكة حديدية حتى السماء: خرائب وصروح
- سكة حديدية حتى السماء: خريطة ممزقة
- تشريح الذات: الخاتمة
- تشريح الذات: كانَ ربيعاً أخيراً
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
- خمسة أسابيع في دمشق 4
- خمسة أسابيع في دمشق 3
- خمسة أسابيع في دمشق 2
- خمسة أسابيع في دمشق
- المهاجران من المسرح إلى السينما


المزيد.....




- 150 عامًا في صنع السينما في رويال فيستفال هول
- المثقف التكتيكي: تقلبات المنبر بين الحروب والتحولات
- -الخروج إلى البئر-.. حبكة سامر رضوان وبراعة الممثلين تعوضان ...
- هرمجدون.. أفلام -الخوف من الفناء- تعود للواجهة مع كل حرب
- كأس الشوكران: حياة سقراط المليئة بالأسئلة ومحاكمته المثيرة ل ...
- خيال سينمائي مع صور قصف حقيقي.. إدارة ترامب تروج لحربها ضد إ ...
- 21 رمضان.. عقيقة الحسن ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
- في الشوارع ومراكز الإيواء.. رمضان يقاوم الحرب في السودان
- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
- الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - أحجار الشطرنج الصفر: صداقة وليدة