أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سكة حديدية حتى السماء: بانثيون بشري















المزيد.....


سكة حديدية حتى السماء: بانثيون بشري


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 00:52
المحور: الادب والفن
    


1
من بين حثالة المقامرين، الذين كانوا ينصتون لتبجّحات شهاب الدين، كانَ ثمة شابٌ قد أتم في ذلك العام سنّ الثلاثين. " تمّو " هذا، كانَ بشكلٍ ما من أقارب ذلك الثرثار المتبجّح. فجدّة الشاب لأمه، كانت عمّة الرائد فيّو، صهر شهاب الدين. وكانَ للرائد عمّة أخرى، دأبت على الإعتناء بوالدته، وماتت بعدها بقليل دونما أن تتزوّج. أما جدّة تمّو، فإنها تخلّت عن وجودها في الدنيا حينَ كانَ هوَ مقبلاً عليها، بعُمرٍ لا يتجاوز العاشرة. آنذاك، كانَ والده يشجّعه على السطو على خيرات الجيران، المنشورة على الأسطح كي تجف وتتحوّل إلى دبس عنب ودبس طماطم. الأبُ بنفسه، كانَ نهّاباً عريقاً، لم تسلم منه تقريباً قرية في برّ الشام، بالأخص خلال خدمته في سلاح الدرك. في الآونة الأخيرة، توّجَ الرجلُ مسيرته التاريخية الحافلة، بسلب مقتنيات خالته من مجوهراتٍ ومصاغ ذهبيّ؛ هيَ من أقامت في حجرةٍ ببيته، حظيت بباب مفتوح على الجادّة. لقد عَدّ ذلك حقاً بالإرث، بالرغم من أن للعجوز الراحلة أحفادٌ من ابنها الوحيد، الذي ماتَ في حياتها. والدة تمّو، في المقابل، كانت امرأة صالحة متديّنة، عُزيت سيرتها النقيّة للدماءً النبيلة، الجارية في عروقها. لقد مالت إلى ابنها البكر، عاطفةُ الأمومة لديها. وكانَ على صورةٍ منها بالسلوك، " موسو " هذا. على ذلك، نشأ نفورٌ راسخ بين الشقيقين، أججه شراكتهما في محل مفروشات. وكانَ الأبُ قد صرفَ تركة خالته في إشادة وتجهيز المحل، وأيضاً في ترميم البيت بشكلٍ عام.
تمّو، سارَ في مسالكٍ متعرّجة قبل أن يغدو رجلَ أعمالٍ صغير لا يكاد يُرى بالمجهر. كانَ لا زالَ يؤدي خدمته الإلزامية، حينَ قُبضَ عليه بتهمة جلب منشورات سياسية محظورة لقطعته العسكرية. جرى تعذيبه، كمألوف العادة، ولكنه بقيَ مُصرّاً على إفادته بأنه لا يعلم شيئاً عن تلك المنشورات. أطلقَ سراحه أخيراً بعدَ نحو شهر، فاحتفل رفاقه بالمناسبة في منزل أحدهم على أنغام موسيقى كردية، منبعثة من جهاز مسجّل. آنذاك كانَ تمّو من أوائل شباب الحي، المقرّبين من زعيم حزب " البارتي " المحظور. هذا الأخير، كانَ رجلاً كهلاً، سبقَ أن فرّ من تركيا إلى دمشق حينَ كانَ فتىً بعدُ، عقبَ إخماد ثورة كردية كبيرة في مسقط رأسه. لقد لعبَ الرجلُ دوراً مؤثراً في نشر الوعي القوميّ بين أبناء الحي، بالأخص في عهد الإنتداب الفرنسيّ، الذي شجّعَ مختلف الإثنيات في سورية على بلورة ثقافتها وتعزيز حصانتها. فبلغَ من محبة الأهالي لذلك الزعيم، أن أطلقوا عليه صفة العم؛ " آبو "، بالباء الأعجمية. هذا اللقبُ المحبب، عليه كانَ أن يختمرَ عدة عقود قبل أن ينتقل إلى زعيمٍ آخر: إنه مؤسس تنظيم ب ك ك، الذي سيلتجئ بدَوره إلى سورية، لكي يُشجّع من لدُن سلطاتها على شنّ حرب عصابات ضد الدولة التركية. وإنه هذا الحزب، مثلما جرت الإشارة إليه في مكانٍ آخر، مَن عادَ في بداية الثورة السورية إلى السيطرة على المناطق الكردية بفضل دعم النظام نفسه.
ثابرَ تمّو على التأكيد، بطريقةٍ مُتفكّهة، أنه استفادَ من قراءاته المتعمّقة لكتاب " رأس المال " لماركس، لأجل أن يغدو بنفسه من أصحاب رؤوس الأموال. كانَ يمتلك مكتبة ضخمة نوعاً ما، وإن كانَ من المشكوك أنه قرأها كلها أو بعضها.. ونفس الشكوك، بشأن رأسماله المزعوم. في أوان نضاله الحزبيّ، كانَ يتوهّمُ أنه سيغدو زعيماً طالما أنه إمتلك صلعة لينين وقصر قامته. إلى ذلك، كانَ يمقتُ المثقفين المنافسين، باعتبارهم من طبقة البرجوازية الصغيرة. هذا مع أن بروليتاريته مطعونٌ فيها، هوَ من عملَ بفتوّته كأجير في مخرطة بزقاق الجنّ. لقد تناثرت في الهواء كل تلك الأوهام الثورية، حينَ تمّ فصله من الحزب بعدما انتقلت القيادة لرجلٍ آخر، مثقف، استقر في بيروت تحت حماية الزعيم الفلسطيني. في حقيقة الحال، أنه تمّو مَن بادرَ بالحفر تحت قدَمَيّ ذلك الرجل، واصفاً إياه بأنه مجرّد " موجيك "؛ أي فلاح ميسور الحال، بالمصطلح الروسي البلشفيكي. لقد عُدّ ذلك الوصف إهانة لقاعدة الجزب، المتمركوة أساساً في بيئةٍ ريفية تمتد على طول الشمال السوريّ.

2
في ذلك البانثيون، المهيمنُ عليه ربُّ النّهب، وجدَ دلير أحدَ أصدقاء العُمر. إنه " سينو "، الحفيدُ الثالث لعمّة أبيه وآخرُ العنقود. كانَ يصغره بعامٍ واحد، إلا أنه توقّف عن تحصيل العلوم المدرسية مذ أن كانَ في مستهل المرحلة الإبتدائية. أيضاً بصفة القرابة البعيدة، لم يحظ كلاهما بفرصةٍ للتعارف مبكراً. في أوان الطفولة والصبا، إتفقُ أن التقيا وجهاً لوجه أكثر من مرة في بساتين الحارة، فتجاهلَ عندئذٍ كلٌ منهما الآخرَ. التفاوتُ الطبقيّ، عليه كانَ أن يلعبَ دوراً مؤثراً حتى بينَ الأقارب.
إلى أن كانت إحدى أمسيات الصيف، التي جمعت دلير بقريبه سلو. في ذلك الوقت، لم تكن أسرة هذا الأخير قد انتقلت بعدُ من منزلها القديم. كانا إذاً عند عتبة باب بيت الأستاذ سعد الدين، يتبادلان الحديث. وإذا بأحدهم يظهرُ كالشبح، راكضاً كالممسوس في منحدر الزقاق. ما أن حاذى موقفهما، إلا ووقفَ فجأةً. عرفا فيه، سينو، وكانَ حافيَ القدمين منفوشَ الشَعر. هتف به دلير: " ماذا دهى؟ ". بقيَ الفتى ينظرُ إلى تلك الناحية، التي جاء منها، إلى أن ظهرَ شقيقه الكبير بدَوره. عند ذلك، دسَ نفسه بينهما: " لو أمكنَ أن أبقى لبعض الوقت "، قالها دونَ أن يكمل جملته. إذ اندفع إلى داخل دهليز البيت، بعدما انتبه إلى ركض شقيقه تمّو باتجاهه. سلو، بما يُؤثر عنه من خصلة الجسارة والتدبير، قامَ بترس الباب ومواجهة المهاجم.
خاطبهما تمّو آمراً، وكانَ يغلي بالغضب: " أخرجا ذلك الحيوان من المنزل، وبدون أن تحصل فضيحة أخرى ". في الحال، أخرجَ سلو علبة سجائر وقرّبها من الشقيق الغاضب: " طوّل بالك، خال! إنه في بيت أقاربه، وليسَ في بيت غريب ". بعدما أخذ نفساً طويلاً من السيجارة، دمدمَ تمّو وكانَ قد هدأ قليلاً: " لن يفلتَ مني وإن إختبأ بجحر، الجرذ القذر ". ثم واصلَ الكلام: " لقد ضمنَ ابن شقيقته، حينَ اشترى هذا بالقسط أريكةً من المحل. مرّ شهرٌ وراء الآخر، وذلك الخنزير السكّير ممتنعٌ عن دفع أيّ قسط. فطلبتُ هذا المساء من سينو أن يذهب ويطالب ابن أخته بالقسط، وإذا هوَ يغيبُ ثلاث ساعات. عندما داهمتُ منزل شقيقتي، رأيته وذلك السكّير يشربان العرق على صوت أم كلثوم ". إلتزم بالصمت هنيهة، ليعبّ أنفاساً من السيجارة. ثم إذا هوَ ينتقل إلى موضوع آخر، نائياً بنفسه عن جوّ المعركة. قال لدلير، بنبرةٍ رصينة هذه المرة: " سأمرّ غداً على مكتب خالك، لأنني أحتاجُ لمشورته في بعض الأمور "
" الأفضل أن تأتي في الصباح الباكر، قبل أن يغادر إلى المشاريع "، ردّ عليه دلير. هزّ المعنيّ رأسَهُ، المكسوّ بباروكة أنيقة الشكل. ثم ما لبثَ أن رمى السيجارة، واستأذن بالذهاب. على الأثر، فُتحَ البابُ كي يطلّ رأسُ الشقيق الآخر ذي الصلعة النامية: " هل ذهبَ، ذلك المأفون؟ "، قالها فيما كانَ ينظرُ إلى أسفل الزقاق. ثم استطردَ، ضاحكاً بصخب: " لم يتكلّم عما فعلتُ به، لما هجمَ عليّ في بيت شقيقتي. لقد أنزلتُ على رأسه ضربةً بقبضتي، جعلت الباروكة تطير في الهواء. وكانت شقيقتي قد تدخلت بيينا، فلما رأت الباروكة تنفصلُ بتلك الطريقة، اختلط عليها الأمرُ. وإذا هيَ تصرخُ بصوتٍ ثاقب، مولولة: لقد قطع رأسَ أخيه! ". شقيقته تلك، كانت في صغرها تعاني من التوحّد، وتفاقمت حالتها فيما بعد بسبب عدم توفّر عناية طبية. مع ذلك، لم تعدم فرصة زواج وإنجاب أطفال.
في تلك الليلة، وعلى سبيل اللياقة، أخبرَ دلير خاله أن ثمّة ضيفاً سينام عنده في الحجرة. لما سمعَ الأستاذ اسمَ الضيف، علّق بالقول: " هذا فتى أفّاقٌ، لا أظن أنه من مستواك ". حينئذٍ قصّ دلير تفاصيل واقعة العراك، ما جعل الخال يقهقه حينما أتى على ذكر الباروكة الطائرة والرأس المقطوع.
في صباح اليوم التالي، اصطحبَ دلير إلى المكتب قريبَهُ اللاجئ. كانَ في ليلة الأمس قد حمله على قبول إقتراحه، وهوَ أن يستغل وجودَ تمّو في المكتب لمحاولة مصالحته بعد الإعتذار منه. كمألوف العادة، لم يكن قد وصل للمكتب سوى الفرّاش. كون سينو إجتماعياً إلى حدّ كبير، فإنه انخرط في حديثٍ وديّ مع أبي كَاسم. فلما حضرت السكرتيرة، تبلبلَ الضيفُ ثم آثرَ الصمت. لحُسن الحظ، أنّ تمّو إتفقَ مجيئه مع وجود السيّد جمال الدين، وإلا فإنّ الأمرَ كان ليغدو سيئاً. بعدما دخلت إيملي إلى حجرة المعلّم، إلتفتَ دلير إلى تمّو قائلاً: " سينو اعترفَ لي يوم أمس أنه كانَ مخطئاً، وأنا أتمنى أن تسامحه ". هنا نهضَ الشقيقُ الصغير، ليقبل يدَ الكبير بطريقةٍ تقليدية. ثم ما عتمَ أن خرجت السكرتيرة، لتطلب من تمّو الدخولَ لمقابلة المعلّم.

3
كان دلير يحمي نفسه من غباء الآخرين، وذلك عن طريق التحصّن بالعزلة. لكنه كانَ يكره الذكاء الشيطانيّ، المتمثّل بأشخاصٍ، كالخال شهاب الدين، وذلك القريب الآخر تمّو. لا شك أن موقفه من هكذا نماذج، ينمّ عن نبل ونقاء سريرته. كذلك لا يُمكن لمن يُجيد العزلة، إلا أن يغدوَ شاعراً. لم يكن قد كتبَ بيتاً واحداً إبّان سنوات نضجه الفكريّ، بينما عمدَ إلى إتلاف قصائد ساذجة تمتّ للصبا والمراهقة. في المقابل، احتفظ بكشكول كبير دوّنَ فيه كلّ مرةٍ قصائد لشعراء عرب وأجانب، تمنّى لو أنه صاحبها. ذات مرة، فيما كانَ سينو يقلّب في المكتبة ببيت الخال، وقعَ بيده الكشكول. بما أنه مكتوبٌ بالخط الجميل، المأثور عن دلير، ومرفقاً أيضاً بالعديد من رسوماته، فإنه سأل هذا الأخير: " أأنتَ من كتبَ هذا الشعر الرائع "
" نعم. هل أعجبك، حقاً؟ "، قال ذلك دلير ثم ندم حالاً لأنه كذب. ولكن كانَ قد فاتَ الأوان. في حقيقة الأمر، أنّ سينو كانَ فيما مضى يُعاني من أمّية مبكرة. لقد كانت معاناته تظهر كل مرةٍ، رافقَ فيها دلير لحضور فيلم سينمائي أجنبي. إنه تأثّر بقريبه، فلم يعُد معجباً سوى بالأفلام الفرنسية والإيطالية. كانَ سينو قبلاً من جمهور السينما الهندية، بما أنها مقتصرة غالباً على الغناء والرقص. لقد صَدَمَ دلير، لما طلبَ منه يوماً الذهاب لحضور فيلم من بطولة شامي كابور. على الأثر، أدرك دلير حقيقة الأمر. فنصحَ قريبه بالانتساب ذلك الصيف لدورة محو أمّية، كانت تعقد كل يوم مساءً في إحدى مدارس الحي. مع مرور الأيام، ظهرت بوادرٌ إيجابية تنم عن ذكاء سينو، حينما استوعبَ الدروسَ بسرعةٍ ملفتة. في الأثناء، كانَ يطلبُ العونَ من دلير في إجلاء بعض غوامض الجمل والكلمات والتعابير. ما ساعده أكثر، مواظبته على القراءة سواء بالاستعارة من مكتبة شقيقه أو قريبه. لقد كانَ حصيفاً في بعض آرائه بشأن دستويفسكي، الذي غدا أيضاً معبوده. إذ وبدون الإطلاع على أيّ مصدر نقديّ، استخلصَ أن ذلك الكاتب الروسي العظيم هوَ عالمُ نفس من الدرجة الأولى. عندئذٍ، تأثّر جداً لما عرضَ عليه دلير رأيَ فرويد، المشابه، والمذكور في أحد كتبه. كانَ يضيقُ بصُحبة دلير لابن عمته، سلو. لعله من شدّة تعلّقه بالأول، شاء أن يستأثر به لوحده. ذات مرة، استمع سينو بانتباه إلى إحدى مغامرات قريبهما؛ صاحب الفتوحات النسائية. عقبَ ذهابه، قال لدلير: " النغمة المفضلة لديه هيَ الجنس، ما يدل على معاناته من كبت مزمن أو أنه تعرّضَ للاغتصاب في صغره ". ذهلَ صديقه من هذا الرأي، المتوافق إلى حدّ كبير مع الحقيقة.
بعدما تخلّصَ تقريباً من أمّيته، لم يجد سينو حَرَجاً من ذكر بعضَ المآزق الطريفة، التي وقعَ فيها سابقاً على خلفية عدم إجادته للقراءة. ففي أحد الأيام، كانَ في مركز المدينة ينتظرُ الحافلة، المتّجهة إلى الحي. في ذلك الوقت، كانت الحافلات على نفس المظهر وتتبع شركات أهلية. لما ميّز قدومَ الحافلة المطلوبة، زاحمَ الخلق للصعود إليها. بعد بضع دقائق، لما أخذت الحافلة بإرتقاء طريقٍ على شكل منحدر، فإنه صرخَ بالسائق: " إلى أين أنت ذاهب؟ "
" بل قل أنتَ، إلى أين ذاهب؟ "
" أنا ذاهب إلى ركن الدين "
" ونحن ذاهبون إلى الشيخ محي الدين! "، قال السائق.
في يوم آخر، دخل إلى مكتبة " ميسلون "، وكانَ يرتادها غالباً ذوو الإتجاه اليساري لشراء الكتب العربية، المطبوعة في الإتحاد السوفييتي. وكانَ دلير قد أعلمه وقتئذٍ، بأنّ المكتبة قد أنزلت الطبعة الجديدة لأعمال دستويفسكي. بعدما تجوّل لبعض الوقت في أروقة المكتبة، اتجه إلى الصندوق كي يسأل الموظفة: " لم أعثر على روايةٍ عنوانها، العاشق؟ ". أخذت الفتاة تراجع قوائمَ الكتب، لترفع رأسها من ثم وتقول: " لا توجد هكذا رواية "
" بل أنا متأكّد من أنها رواية لدستويفسكي، وهيَ في مجلدين "، قال لها بضيق. عادت الموظفة تبحث عن روايةٍ للكاتب في مجلدين، لتهتف على الأثر مبتسمة: " آه، أنت تقصد رواية المراهق! ".

4
صداقة سينو، كانت أمراً مخجلاً ومربكاً. ففي كلّ حينٍ، زاره الفتى في بيت خاله، كانَ يتذكّرُ رأيَ هذا الأخير: " إنه فتىً أفاقٌ، ليسَ من مستواك ". بله صداقته، هذه المرة، مع شخص آخر، مثل " قربينة "، الذي هوَ بنفس عُمر تمّو؛ أي يكبره بأربعة عشر عاماً. لم يكن ذاك اسمه، بل لقبه: فالقربينة، هيَ بندقية أثرية، سبطانتها قصيرة لكنّ أخمصها مكوّرٌ. ربما لأن سميّها، شبيهٌ بها إلى حدّ ما. إلى ذلك، كان شعرُهُ مجعّداً وداكناً، فيما تقاطيعُ وجهه كبيرة، يبرز منها أنفٌ أفطس. كما أن باطن قدميه فيهما فلطحة، تجعله عند السير يبدو كأنه متعثّرٌ بعضَ الشيء. لقد كانَ، في المقابل، متينَ الجسم ويمتلك يدين جبارتين. غير أنه، عموماً، شخصٌ مسالم وهادئ.
على سبيل الإتفاق، أنّ اقتراب دلير من ذلك الرجل قد صاقبَ تعزز صداقته بسينو. إنما بلا حادثة من نوع الميلودراما، شأن ما كانَ قد جدّ مع هذا الأخير. وكانَ قربينة من أسرةٍ فقيرة، لم يفِدها قرابتها برجلٍ ثريّ، كشمسي آغا. فوق فقرهم، فإنّ الأم ( وهيَ صالحانية بالطبع ) كانت مقتّرة حدّ المجاعة. فإن طفلاً، ولو كانَ حفيدها، إلتقط ثمرةَ توت سقطت من شجرة الدار على الأرض، كانَ كفيلاً أن يجعلها تُغمغم باستياء: " ما زال التوتُ فجّاً غير ناضج بعد! ". وكانت تضعُ اللوم في سوء الحال على رجلها، الذي كانَ من الكسل ألا يباشرُ عملاً عقبَ تسريحه من سلاح الدرك. فإنه منذ سنّ الأربعين تقريباً، مكتفٍ براتب التقاعد. ابنها الأكبر، وكانَ ربّ عائلة كبيرة، عمله مستخدمٌ في إحدى المستشفيات مع مناوباتٍ ليلية غالباً. وكان في الوسع الإعتمادُ على الابنة، لولا أنها طفقت مذ طلاقها من جنديّ محترف، تحيا في خلمٍ أقرب للحمّى، أنّ الرجل سُيعيدها يوماً إلى عصمته. العالة الآخر، لم يكن سوى قربينة. أحياناً، كانَ يحظى بفرصة العمل كمحصّل تذاكر على خط حافلات الحي. إلا أنه بسبب شكاوى السائقين، كانَ يُستبعد من العمل كلّ مرة. تلك الشكاوى، إنحصرت تقريباً في التحرش بالجنس اللطيف. عزوبيته المزمنة ( بحسب عُرف ذلك الزمن )، كانَ يعزوها بعضُ الخبثاء إلى أنفه. هذا بالرغم من أنه حاول التخفيفَ من منظر الأنف، بزرع شاربٍ سميك ومشذّب. لقد بلغَ به اليأسُ ذات يوم، أنه اشترى بكامل راتبه سترةً أنيقة مع ربطة عنق، لكي يتجه مع شقيقته لخطبة الأرملة رَمّي. لكن خالة دلير، لم تسمح لهما حتى بتخطّي عتبة باب الدار. في واقعةٍ أخرى لا تقل طرافة، كانت الخالة تنتظرُ سيارة أجرة عند موقف الحارة، لما أطلّ قربينة من باب الحافلة، التي يعمل عليها، ليطلبَ منها الركوبَ. إلا أنها أدارت رأسها للخلف، وهيَ تكادُ تنفجرُ، في آنٍ معاً، من الضحك والغيظ.
لعل السمة الجميلة الوحيدة في هذا الرجل، خلا طرافته، أنه سمّيعٌ من الدرجة الأولى لأم كلثوم. ولكن، ليتَ أن أذنيه كانا برهافة حسّه الموسيقيّ؛ والحديث، هنا، عائدٌ أيضاً للشكل. لقد إمتلكَ مجموعةً نادرة من أغاني كوكب الشرق، مسجّلة على بكراتٍ كما في الزمن الكلاسيكيّ. حرصه على هذا الكنز، كانَ يُخرجه عن طوره لو ضبط أحدَ أولاد أخيه يعبثُ بشرائط البكرات. وبلغ به عشقُ " الستّ "، أنه توهّمَ رحلةً قامَ بها إلى مصر، حملته إلى ضفاف النيل، ليشهدَ قبوعَ فلاحٍ بسيط ثمة، وكانَ يغني بصوتٍ لا يُقارن سوى بعبد الوهاب. لم يكن بذاك الخيال الخصب، سوى في إختلاق قصصٍ عن بنات الحارة؛ بما فيهن قريباته. فإنه كانَ كمَن تحرّكه بوصلة، لو تعلق الأمرُ بخطبة إحداهن. عندئذٍ يشعرُ كما لو أنّ الفتاة كانت من نصيبه، وأن شخصاً آخر انتزعها منه. في هكذا حالة، فإن قربينة يشهدُ إما بكون ذلك الشخص قد إنتاك في صغره أو أنّ الخطيبة كانت هيَ المنتاكة. وهذه ابنة جيرانه، اللطيفة العفيفة، ألصقَ بها خطيئة زنا المحارم مع أخيها غير الشقيق. وهذه المرة، أشهدَ على كلامه شابٌ من الحارة، يُعاني من التوحّد: " ألم تفاجئهما أنتَ بوضع المضاجعة، ثمة في الخرابة، ففتحت لك رجليها كي لا تفضحهما على الملأ؟ "، قال لذلك المسكين المكتفي كل مرةٍ بهز رأسه في حيرة.

5
كانا إذاً صديقين على تمايز فادح من حيث المستوى التعليمي والثقافي، لينضمّ إليهما الثالث، الأكثر تدنياً على كل الصُعُد. لعل سينو سُعِدَ بهذا الأخير، بغيَة التخفيف من خجله من ذلك الإختلاف. فإنه قد شعرَ، ولا غرو، بالتفوّق إزاءَ شخصٍ شبه بدائيّ. وكم ضحكا ذات يوم، لما قال قربينة بطريقته الموحية بالسذاجة: " الأستاذ سعد الدين، أنا والله أحترمه بالرغم من أنه شيوعيّ. لكنني لا أدري لِمَ كل مرةٍ قابلته وجهاً لوجه، فإنه ينفجرُ بالضحك! ".
ولكن بغضّ الطرف عن ذاك التباين، يُمكن القولُ أنّ أعوام علاقته بذينك الصديقين كانت رائعة؛ وإن تكن أقل ثراءً من مثيلتها، التي جمعته بكلّ من لزكَين وسلو. فإنّ صداقته مع هذين الأخيرين، انبعث منها دوماً أريجٌ نسائيّ مُسكرٌ، فاحَ من نسرين وشيرين. آنذاك كانت الأولى قد أضحت ذكرى، فيما الثانية تسببت ببرودة علاقته مع مَن كانت تعدّه حبيبها الأول. إنّ سلو، لما انسابَ الحديثُ إلى شيرين ذاتَ مرةٍ، فلحظ ضيق دلير من وصفها بالسهلة المنال، فإنه ضحك وقال ساخراً: " مَن رأى غيرتك على ابنة خالتك، سيظنّ أنك في سبيلك لخطبتها "
" نعم، إنها فكرةٌ تراودُ ذهني حقاً "
" ماذااا! ولكنك على درايةٍ، بعلاقتي السابقة معها؟ "
" وهل أنت تضمنُ، لو أن والدتك خطبت لك فتاةً عذراء، ألا تكون هيَ الأخرى على علاقة بأحدهم فيما مضى؟ "، أجابَ دلير بنبرة تحدٍّ يشوبها أيضاً التهكّمُ. حينذاك، بقيَ سلو يتمعّن فيه لكي يتأكّد من كونه يتكلّم بجدّ ولا يُطلق القولَ جزافاً. لقد كانت أصرة علاقتهما تمتّنت مؤخراً، على خلفيّة موقفٍ مشترك من حدثٍ سياسيّ بالغ الأهمية: النظام، أرسل جيشه إلى لبنان كي يمنع سقوطه بيد الفلسطينيين وحلفائهم من القوى اليسارية. بل إنّ إعلام النظام سخرَ، على الأثر، من أنّ هدف أولئك المحاربين هوَ إلغاء النظام الطائفيّ، واستبداله بنظام علمانيّ، واصفاً ذلك بأنه يتعارضُ مع مبادئ الدين الإسلاميّ. عندئذٍ إتخذ دلير موقفاً معارضاً لتدخل جيش النظام في لبنان، ما جعله في تضادٍ مع رفاقه في المنظمة الشبابية الشيوعية. للمرة الثانية، جرى تجميد عضويته في المنظمة. أما الأولى، فتمثّلت قبل ذلك بعامين حينَ أيّد بحماس ملا بارزاني في حربه ضد حكومة بغداد، التي تصفها الأدبيات الشيوعية بأنها وطنية تقدمية.
ولكن، شيرين تلك. إنها من المزاجية، كما لو كانت تعاني من خللٍ عقليّ. في البدء، منحته جسدها بيُسر وعن طيب خاطر ( سهلة المنال! )، وقالت بعدئذٍ أنها بلغت نشوتها على ما كانت تتمناه وتصبو إليه. ولو أنه ارتابَ بقولها حينذاك، كون تلك تجربته الأولى في ممارسة الجنس. وما أكّدَ ظنونه، أنها غدت رومانسية، فجأةً، تطلبُ منه كتابة قصائد غزلية. هذا مع أنّ الفرصة سنحت لممارسة الحب مجدداً، كون المنزل خلى لهما في بعض الأحيان. ثم جاء الصيفُ، فمضت هيَ إلى رأس العين مع شقيقها لزكَين كي يقضيا العطلة هناك؛ وأيضاً شاءت دلناز مرافقتهما. بينما أذعنَ دلير لطلب خاله في العمل بمكتبه، كي يتمرّسَ على الحياة العملية؛ على حدّ تعبيره. لأعوامٍ ثلاثة، بقيَ يزاولُ نفس العمل صيفاً.
وهيَ ذي عشية عطلة نهاية الأسبوع، لما اقترح الأستاذ سعد الدين على ربيبه أن يأخذه إلى البيت الصيفيّ في جمرايا على أن يعودا إلى دمشق في مساء اليوم التالي. هكذا قاد الخالُ سيارته، فمضى بها في دروبٍ أليفة، قبل أن تعرّجَ نحو خانق الربوة لتصعد في منحدر وادي بردى، عبرَ طريقٍ ضيق تحفُ به خضرة الأشجار وحُمرة الصخور. إلى أن دخلت السيارة إلى البلدة، لتتباطأ وهيَ تمر فوق الجسر الخشبيّ، ثمة حيث انقضّت على حلازين، طافية بالرطوبة وغافلة. ثم اجتازت السيارة حقول الخضار، أين إنبثقت سيقان الفول بزهره الأبيض أو بثماره الخضراء الشبيهة كلّ منها بالهلال. لتصل أخيراً إلى مدخلَ المزرعة ذا الحجارة البازلتية السوداء، الذي يحف به جداران من الطين حالَ لونُ كلسهما.
عند عتبة البيت الصيفيّ، تمنى دلير ألا يجتمع مع السيّدة بشيرة كيلا يضطر للكذب حينَ يتعيّن عليه أن يُقيّم لوحاتها الرديئة ذات الأجواء التعبيرية الوحشية. وجدها ثمة، جالسة على أريكة وثيرة في الصالون، سارحة بنظرها في مرآة على شكل إطار معدنيّ وكما لو أنها إنعكاس لعالمها الداخليّ: " إذاً، ليسَ هناك المزيد من اللوحات.. فالشكر لله! ".
الخالة رَمّي كانت تتبادل الحديث مع العمّة سارة، وكانا لوحدهما مع تلك التمثال الصامت. هجسَ دلير بأنّ سلو على الأغلب عند النهر، يلهو بالماء مع نسرين. إلا أنه كانَ قد برأ من خيالات فكره المحموم إزاءَ جسدها، لا لأنه ما عاد يثيره، سوى أنّ جسد شقيقتها، شيرين، قد حلّ بمحلّه مؤخراً. مع ذلك، استأذن من المرأتين لكي يمضي إلى ناحية النهر. أما خاله، فإنه سبقَ أن صعد إلى الدور الثاني لأخذ قسط من الراحة عقبَ نهار من العمل في الصحيفة. مضى على طول الدرب، الفائح من جانبيه ضوعُ الأزهار والنباتات، وكانت بيوت البلدة تتراءى لعينيه عن بعد، وهي بَخِرة تحت الشمس، كأنّ كلّ منها تنّورٌ يتصاعد منه الدخان. وإذا نظره يتعلق بالمغارة، المنفتحة فوهاتها من الجبل القريب. لقد ميّزَ هيئة نسرين، وكانَ جلياً أنها تتكلّم بنعومة مع شخص غابَ خلف الصخور: " على الأرجح أنه سلو، الذي صرّحَ أكثر من مرة أنها تتمنّعُ عليه ". هكذا أخذ يتسلق ذلك المنحدر، إلى أن لحظ كيفَ انتبهت إليه ابنة خالته. فما أن حاذاها كي يحييها، إلا وجمد لدى رؤيته رفيقها. لقد كانَ سَرو؛ ذلك الشاب، دارس الطب، الذي يعملُ كمساعد في عيادة الدكتور عبّود.



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سكة حديدية حتى السماء: عالم آخر
- سكة حديدية حتى السماء: القطار المشؤوم
- سكة حديدية حتى السماء: طبيعة عارية
- سكة حديدية حتى السماء: خرائب وصروح
- سكة حديدية حتى السماء: خريطة ممزقة
- تشريح الذات: الخاتمة
- تشريح الذات: كانَ ربيعاً أخيراً
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
- خمسة أسابيع في دمشق 4
- خمسة أسابيع في دمشق 3
- خمسة أسابيع في دمشق 2
- خمسة أسابيع في دمشق
- المهاجران من المسرح إلى السينما
- فيلم الطفولة الكردية، المغتالة
- فيلم اليهودي والضياع الأخير
- فيلم الكردي وحروب الآخرين
- مصير أسرة في فيلم سوري
- تراب الغرباء والتلاعب بالتاريخ
- الترحال؛ منحوتة للطفولة والمدينة
- الطحين الأسود ولعنة المكان


المزيد.....




- حكاية مسجد.. جامع -صاحب الطابع- في تونس أسسه وزير وشارك في ب ...
- باريس في السينما.. المدينة التي تولد كل يوم
- فيلم -رسائل صفراء- يفوز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين ا ...
- خيمة تتحول إلى سينما متنقلة تمنح أطفال غزة متنفسا في رمضان
- غزة تُربك مهرجان برلين السينمائى.. انقسام حول تبنى المهرجانا ...
- في اليوم العالمي للغة الأم.. مستقبل العربية بعيون أربع خبراء ...
- ثورة موسيقية عربية.. ليريا 3 يمنح جيميناي القدرة على التلحين ...
- بنموسى.. مقرئ سكن ذاكرة المغرب وطرّز القرآن بمزامير الأندلس ...
- السجادة الحمراء.. استُخدمت لأول مرة قبل حفل جوائز الأوسكار ب ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سكة حديدية حتى السماء: بانثيون بشري