|
|
سكة حديدية حتى السماء: عالم آخر
دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 02:54
المحور:
الادب والفن
1 رحلتا الإصطياف إلى رأس العين وجمرايا، جعلتا دلير يتقرّب أكثر من عالم سورية، الذي كانَ بالكاد يعرف عنه شيئاً خارج مجال حياته الدمشقية. من ناحية أخرى، فإنه في الجزيرة حينما كانَ ينصتُ إلى أحاديث الناس، همومهم وآمالهم، كانَ يشعرُ كأنما هم لا ينتمون لنفس البلد. بل حتى ريف وادي بردى، على الرغم من قربه الشديد لدمشق، إلا أن ثمة حاجزاً بين قاطنيه وسكان المدينة. فيما بعد، لما أضحى أكثر عمقاً في تحليل الأمور، باتَ على قناعة بأنّ الريفيين قد عقدوا تحالفاً فيما بينهم، بغضّ النظر عن مشاربهم الإثنية، وكأنما لمواجهة سكان المدن، الذين قبضوا على السلطة قبل البعث. أما خاله المثقف، فإنه فاجأه ذات مرة بتحليل للتاريخ السوريّ الحديث، ربما تناقض جذرياً مع وجهة نظر حزبه. قال له الأستاذ سعد الدين: " كل ذلك التاريخ، كانَ عبارة عن آلية دفعت أبناء الريف العلوي للسيطرة على مقاليد الحكم. بدءاً بالفرنسيين، الذين جنّدوا آلاف العلويين في جيش الشرق، تعويضاً عن السنّة الرافضين لذلك، بل ومَن أشعلوا الثورات ضدهم في أنحاء البلاد. حين نيل سوريا للإستقلال، كانَ هناك بالفعل جيشٌ علويّ ضمن الجيش الوطني، المشكّل حديثاً. حقاً إن أبناء المدن السنية إندفعوا حينئذٍ إلى التطوع في الكليات العسكرية، بيد أن الآخرين كانوا قد رسخوا سلفاً سيطرتهم داخل الجيش. الدروز أيضاً شكلّوا مجموعة ضباط لا يستهان بها، إلا أنهم إفتقدوا لقاعدة شعبية مؤثرة، كون طائفتهم قليلة العدد مقارنة بالعلويين. ثم جاء عهد الوحدة المصرية، ليقوم بتطهير الجيش تارةً من العناصر اليسارية وتارة أخرى من المنتمين للفئات البرجوازية والإقطاعية. هؤلاء وأولئك، كانَ معظمهم من السنّة. على ذلك، انتزع البعثيون من حكومة الإنفصال السلطةَ بسهولةٍ ويسر، ليعمدوا بدَورهم إلى مزيدٍ من إبعاد العناصر المدينية السنية عن الجيش. بالنتيجة، أن اللواء محمد عمران، العلوي، بات يحكمُ من وراء واجهة الرئيس الحلبي، الفريق أمين الحافظ. فلما أطيح بهذا التيار، أضحى العلوي الآخر، اللواء صلاح الجديد، يخكمُ من وراء واجهة الرئيس الحمصي، الدكتور نور الدين الأتاسي. إلا أن برزَ الفريق حافظ الأسد، الذي أقنعه تجارُ الشام وحلب بأحقيته في حكم سورية طالما أن العلويين مسلمون شيعة ". حينذاك كانَ دلير قد استعدّ للعمل في مكتب خاله الآخر، السيّد جمال الدين، الكائن في بوابة الصالحية بقلب المدينة التجاري. إقتصر عمله على العطلة الصيفية، كونه في الفصول الأخرى ما زال طالباً في الثانوية. كانت مهمته محددة غالباً في مراجعة روتينية للدوائر الرسمية، مرفقاً بأوراق ينبغي توقيعها وختمها أو تسليمها. في المكتب، فضلاً عن خاله، كانَ هناك سكرتيرة تجيد أكثر من لغة أجنبية، وفرّاش لضيافة الزبائن وأمور النظافة. دوامُ المكتب على مرحلتين، صباحية ومسائية. شريكُ الخال، كانَ الشقيقَ الأصغر للسيدة بشيرة؛ وهوَ مهندسٌ معماريّ، اتسمَ بالتواضع والبساطة. الأستاذ " بشار " هذا، دأبَ على التعامل مع دلير بإعتباره من أقاربه أكثر مما لو كانَ معاوناً هامشياً في مكتب صهره. ثمة في المكتب، إحتكّ دلير لأول مرة بنخبة المجتمع، وكذلك برموز أمنية مرهوبة في السلطة. الفئة الثانية، مثّلها خصوصاً رجلٌ سودوايّ المزاج، لاحَ كأنه شريك آخر للخال في أعمال مقاولات العقارات. بالرغم من أنه من ريف الساحل، لكنه أتقنَ الكلام باللهجة الشامية. وكانَ ذهنُ دلير قد تأثّل ذكرى بغيضة، تنبعث كل مرةٍ حينَ حضور هذا الرجل للمكتب. فقبل نحو ثلاثة أعوام، عهدَ إليه السيّد جمال الدين بمهمة الوكيل على الصندوق، حينما رشّحَ نفسه لإنتخابات مجلس الشعب عن فئة المستقلين. وكانَ ابنُ الأخت، مُرغماً على قبول ذلك التوكيل على الرغم من عضويته في منظمة الشباب الديمقراطي، الشيوعية. إلا أنّ ما خففَ لديه الشعورُ بخيانة المبدأ، أنّ خاله إكتسبَ علاقة وثيقة برفاقٍ في هرم قيادة الحزب نفسه. هكذا انتقلَ دلير إلى جادة الطلياني، أينَ وُجد المركز الإنتخابيّ. المشرف الأمنيّ على المركز، وهوَ من ريف الساحل بالطبع، كانَ رجلاً متعجرفاً شبيهاً بالثور. وهوَ ذا، يُخاطبَ الوكلاءَ بلؤم: " لقد ضجرتُ من وجودكم حول الصندوق، كما لو أنكم ذباب حول الخراء! ". ثم أمرهم بمغادرة المركز، والوقوف خارجه. عند ذلك، اعترضَ شابٌ ذو لحية شقراء ورعة، كانَ أيضاً وكيلاً لمرشح على قائمة مستقلة: " يا سيّد، هذا أمرٌ مخالف للعملية الإنتخابية " " مخالفٌ للعملية الخرائية؟! إذاً إبقَ في مكانك، أيها الشاب الشجاع "، قال له ذلك الثور. من جانبه، لزم دلير الحذر وقد توجّسَ من أمرٍ جلل. وبالفعل، ما أن مضى ربع ساعة، إلا وحضرت سيارة بيجو مما يستعملها أفراد الأمن. هنيهة على الأثر، وأخرجَ الشابُ الشجاع من المركز إلى السيارة وكانَ مُدمى الوجه وشبهَ فاقدٍ للوعي.
2 بفضل عمله في المكتب، أحسّ دلير كما لو أنه يتعرّفُ على مدينته لأول مرة. صارَ يسيرُ بإزاء نهر بردى، متأملاً مياهه الهادئة، الشبيهة بطبع شوام المدينة. يرفع رأسه نحوَ الجبل، ربما ليتساءل ما لو كانَ رأسُ الكرديّ صلباً وعنيداً، حقاً، بفضل صخوره. حتى الأسواق الأكثر شعبية، باتَ يعرف تفرعاتها ومنحنياتها، الجديرة بمتاهة. إلا أنه أضحى عاشقاً لسوق الصالحية بالذات، أين مقر عمله، لا يملّ من المشي فيه طالما الحسانُ الشآميات إتخذن من المكان متنفّساً لجولاتٍ تفرّجُ عن وجودهن وراء جدران البيوت المحافظة. هذا مع أن طبعه الحيي، نادراً ما كانَ يبتسمُ لإحداهن حينما ترمقه بنظرة إفتتان. لعل طبعه المَوْصوف، كانَ سبباً في تعامل الآخرين معه بشكل لطيف، سواءً الزبائن أو زملاء العمل. الفئة الأخيرة، اقتصرت مثلما علمنا على السكرتيرة والفرّاش، الذَيْن حسبا أيضاً حسابَ كونه ابن أخت المعلّم. الفرّاش، ويُدعى " أبو كَاسم "، كانَ رجلاً طريفاً على أبواب الأربعين. كانَ بلحيته وهندامه شبيهاً بصغار رجال الدين المسلمين، الذين يعتاشون على موائد المحسنين. فعلامات الرياء والمكر، كانت مطبوعة في ملامحه مع تكلّف الورع والتعفف. كانَ معلّمه معتاداً على مداعبته، كلّ مرةٍ دخل فيها إلى المكتب. كان حينئذٍ يخاطبه بالقول: " مولانا أبو كَاسم، حبيبتك سميرة توفيق تنتظرك في فندق سميرأميس وهيَ خالعة سروالها الداخليّ! ". السكرتيرة، واسمها " أميلي "، كانت من الحي المسيحيّ، المحصور بين باب توما وباب شرقي. كانت قد تخطت سنّ الزواج، بالرغم من أن وجهها لا يخلو من مسحة جمال. ولعل بدانتها، المفرطة قليلاً، كانت من نتائج الشعور بالعنوسة. بما أنّ دلير قرأ في ذلك الحين رواية " مرتفعات وذرينغ " لأميلي برونتي، وتأثّر بشخصياتها المتوحّشة وأجوائها الرهيبة، فإنه أسقط اسم المؤلّفة، التعيسة الحظ، على هذه الموظفة، التي تمضغُ كل الوقت بسكويتاً أو سندويشاً فيما هيَ ترقنُ على الآلة الكاتبة أوراقَ المعاملات التجارية. هذا مع أنّ سميّتها، العانس بدَورها، كانت فاقدة للشهية بحيث أنّ من كتبَ سيرتها، وصفها بأنها كانت كالشبح بطولها البالغ والمتناقض مع هزالها الشديد. كون دلير متأثّراً أيضاً بدستويفسكي، وعدّه دوماً بمثابة ملهمه، فإنه دُهشَ من حقيقة أن تلك الروائية العبقرية ولدت أيضاً معه في نفس العام. لقد بُترت مسيرتها الأدبية بموتها المبكر، وكانَ عمرها لا يتجاوز الثلاثين عاماً. فيما أن ذلك الملهمَ عاشَ ضعفَ عمرها، وترك على الأقل خمس روايات عظمى. حينما يؤوبُ دلير إلى المكتب، عقبَ جولةٍ على الأروقة الرسمية، ويلحظ حال تخطيه العتبة، هدوءاً شاملاً، فإنه يحزر بأن امرأة خاله قد حلّت في صالة الاستقبال. لم تكن السيدّة بشيرة تتحرّج من وجود زبائن المكتب، وهيَ جالسة دونما حراك؛ كأنها أحد تماثيل قصر العظم، التي قلة من الدمشقيين لم تعرفها وتتندّر بها. كانت ترمي بصرها بعيداً، خِلَل نافذة الصالة، أين تظهرُ سماءٌ بلا أيّة سُحُب في فصل الصيف، الجاف عادةً. لم تكن عيناها ترفان حتى حينما يُقطع ذلك المنظر بسربٍ من الحمام، شاءَ النظر من علوّ مناسب إلى موئله في أبراج المسجد الامويّ. ونادراً ما كانت هيلين ترافقها، لأنّهما على طبعٍ مختلف. فإن الابنة مثل عاصفة، تأتي وتغادر بسرعة، لدرجة إغفالها تحيتيّ القدوم والوداع. من ناحيته، برأ دلير من عشقه الصامت لابنة خاله، التي لم تكن تعيره أدنى اهتمام. لقد أضحى متعلّق القلب ببنيّة حدثة السن، بالكاد نَهَدَ ثدياها، إلا أنها أمضى جمالاً من هيلين. في حقيقة الحال، وطالما أن طبعَ نسرين من النوع المقتحم، فلا يُمكن أن يكونَ هوَ المبادر بالإغواء. لقد حضرت ابنة خالته يوماً إلى منزل الخال، أينَ يقيم، بحجّة الاجتماع مع شقيقته. مع علمها الأكيد، بأنه وحيدٌ ثمة. فالخال في عمله، فيما دلناز قد التحقت بالعائلة في مزرعة جمرايا. ولم يكن هوَ قد فكّر بعدُ بالعمل في المكتب، ذلك الصيف. هكذا انتقلت الضيفة، كالفراشة، من مكانٍ لمكان، من الحديقة إلى حجرته.. تارة طلبت منه أن يقطف لها وردة جورية صفراء، وتارة أخرى أن يُريها ما في مكتبته من مجلات. لما اقتعدت عند المكتبة، حرصت على أن تعرض لناظريه فتنة فخذيها الممتلئين والعسليين، الملسوعين بخمرة شمس الصيف. على ذلك، غفلَ عن كتالوغات البورنو، المخفية تحت أعداد مجلة " الصياد "، التي حرصَ على شرائها أسبوعياً بالنظر لرسومها الكاريكاتيرية. حاول أن يسحب الكاتالوغ من يدها، إلا أنها مضت به في بساطة واستلقت على سريره بطريقةٍ أكثر إثارة. ما شجّعه على ممارسة الحب معها، تأكيد سلو بأنها فتاة مجرّبة: " لما بلغت هيَ نشوتها، راحت تتململُ إلى أن طلبت مني الإسراع بالقذف "، قالها ابن عمته الجسور. ثم أوضحَ فكرته عنها، بالقول: " لو لم تكن مجرّبة، هل كانت لتتفوّه بمثل تلك الجملة؟ ".
3 على سبيل الإتفاق، أن يكتشف دلير مدينته جنباً لجنب مع تعرّفه على الوصال الجسديّ. لم يكن ثمة مقارنة بين تجربته الجديدة، العملية، وذلك العشق الصامت، الرومانسيّ الهزليّ، الذي كنّه فيما مضى لابنة خاله. أن يمرّ بتجربة الجنس من خلال قريبة أخرى، هيَ ابنة خالته، ليُعدّ دليلاً ضافياً على شخصيته الخجولة. فإنه والحالة كذلك، لم يكن متمرّساً في اصطياد فتيات المدارس من أماكن تواجدهن سواءً في الحدائق أو دور السينما أو غير ذلك من الأماكن العامة ـ كما كانت شيمة ابن عمته، الذي طالما حُسِدَ على طبعه الجسور. وكان سلو قد برأ نوعاً ما من عقدة فقدانه عينه، طالما أنها حافظت تقريباً على مظهرها السليم السابق. إن انغماسه بالعالم السريّ للّقاءات بالجنس الآخر، كأنما كانَ تعويضاً معنوياً لنفسيته، التي سبقَ أن جُرحت بعمق على أثر الحادث، لدرجة أن يفكّر بالإنتحار. مع بزوغ فصل الصيف، أخذ يُخفي عاهته بنظارةٍ شمسية أنيقة، حينما إعتادَ على الخروج إلى تلك الأماكن العامة بهدَف الصيد. التعبيرُ الأخير، كانَ هوَ الدارج على لسانه، والمُفصح عن طبعه المغامر والمستهتر. غالباً ما كانَ يُرحّل طريدته إلى مكتب والده، الكائن في سوق الهال؛ أكثر الأماكن بُعداً عن الأجواء الرومانسية. إلا أنه كانَ مضطراً في البداية إلى تمهيدٍ من مفرداتٍ من قاموس نزار قباني، لا يُمكن بدونها كسبُ هوى فتاة مراهقة. وكانَ يفعلُ ذلك في أحد تلك الأماكن العامة، المَوْسومة. بالبساطة نفسها، كانَ يتخلّى سريعاً عن فتاةٍ لكي يكسب غيرها. مرات عدّة، لحظ الأبُ مُشفقاً، وقوفَ إحدى تلك الفتيات المهجورات قدّام مدخل مكتبه، أملاً في لقاء الحبيب الهارب. إلى أن انفردَ يوماً بابنه، السيّد موسي، فأخرجَ مفتاحاً وسلّمه إليه. قال له عندئذٍ: " أنت تتذكّر شقة صديقي، المنتقل إلى أوربا وراء أعماله، والكائنة في منطقة المزرعة؟ أريدك كل فترةٍ أن تتواجد فيها ولو ساعة واحدة في اليوم، لكي لا تُغري اللصوصَ على سرقتها لو عرفوا أنها مهجورة ". في حقيقة الحال، أنّ الأب سبقَ له إستئجار نفس الشقة، فجعلها ملاذاً لعلاقاته السرية بعددٍ من العشيقات. كانَ سلو على علمٍ بذلك، فأشفقَ بدَوره على والدته. إنّ السيّدة سارة، من ناحيتها، لم تعُد متطلّبة إزاء زوجها. لقد قنعت، وهيَ على أبواب الخمسين، بمُسايرة شيخوخة متنامية، لكي تتفرّغ لرعاية رجلها وابنهما الوحيد. إلا أنها كانت صارمة، لما أجاز سلو لنفسه في أحد الأيام إصطحابَ نسرين إلى البيت. لقد سمحت الأم لنفسها حينذاك التلصصَ على الحجرة الموصدة من خلال ثقب الباب. كانَ قد زعمَ لها أنه سيدرّس قريبته الصغيرة مادّة الرياضيات، تمهيداً للامتحان السنويّ الأخير. وإذا هما عاريان على السرير. عقبَ خروج ابنة صديقتها من الحجرة، متكلّفة البراءة، سحبتها إلى حجرتها هذه المرة: " لا أريد بسببكِ أن أخسر صداقة العُمر، التي تربطني بوالدتك. في المرات القادمة، لن أسمح لكِ بدخول بيتي إلا برفقة أمك أو شقيقاتك "، قالت لها بنبرة قاطعة. ربما لهذا السبب، إلتفتت نسرين لإغواء ابن خالتها. لعلها بذلك تكيد مَن سبقَ وتجاهلها، عقبَ نيل وطره منها.
4 إنّ رجلاً جوّالاً، مثل شهاب الدين، يُطرد تقريباً من كل مكان يحلّ فيه، لا محيصَ أن يوجّه شطره صوبَ شقيقه الوجيه، الذي يكبره بأعوام قليلة. هذا الأخير، عليه كانَ أن يُبعد ذلك العالة لو تمادى في حضور ضيوفٍ محترمين على الإتيان بحركاتٍ تبدو طائشة إلا أنها مدروسة بمكر وخبث. هذه الحقيقة، أخذها بعين الإعتبار ذلك المتطفّل، فوضعَ بحسبانه أيضاً أن يحضر للمكتب في أوج الظهيرة، مقدّراً بشكل صائب أن شقيقه ما زال في مشاغله خارجاً، يستطلعُ أحد المحاضر أو يخطط مع شريكه المهندس لمشروع جديد. ها هوَ دلير، يأتي إلى المكتب في ساعة الظهر، لكي يسلّم بعضَ المعاملات قبل ذهابه إلى البيت. وإذا خاله شهاب الدين، ثمة في صالة الإنتظار، يتبادلُ الحديثَ مع أحدهم. الخال، بدا حليقَ الذقن ومتأنّقاً ( عدّة الإحتيال! )، فيما كانَ يزخرفُ عباراته وينمّقها. كانَ يُخاطب رجلاً من الحارة، يُدعى " خمّو شيش "؛ معلّم في التمديدات الصحية، سبقَ وتعامل مع شركة المقاولات. لا شكّ أنّ الرجلَ علِمَ، منذ بدء الحديث، أنه ينتمي لنفس عشيرة الخال. وربما عرفَ هذا الأخير، أيضاً، والدَ الرجل وكانا زملاء في أيام السفر برلك أو قبل ذلك بقليل أو كثير. المعلّم، وكانَ في نحو الأربعين من العُمر، قاتم البشرة، طفقَ يُبحلق في الآخر طوال الوقت، لدرجة أن من لا يعرفه قد يظنّ أن في عينيه جحوظٌ. ولكن دلير كانَ يعرفه بالطبع، كونهما من نفس الحارة، كذلك عرفَ بعض أشقائه. وعلى العموم، لم تكن حسنةً سيرةُ هذه العائلة؛ ما لو استثنينا الأب، الذي افتتح دكاناً عقبَ تقاعده من سلاح الدرك. على ذلك، قدّر دلير أن خاله ليسَ بقادرٍ على خداع الرجل. وبالمحصلة، لا يستطيعُ كشفَ المحتال سوى محتالٌ من صنوه. خمّو هذا، ذاع صيته في الحارة عقبَ واقعة على شيءٍ من الطرافة. ولكن لا ينبغي تقييمُ مسلك الرجل، إلا في سياق متصل بتقاليد حارةٍ، دانت بأسباب عيشها في السابق للنهب والسلب. تلك مرحلة انتهت، وربما لم يتبق من آثارها سوى دماءٌ ملوثة في عروق عددٍ محدود من الأشخاص. وكانَ خمّو أحدهم طالما لم يكن بريئاً، على الأقل في تلك الواقعة. لقد اشتهرَ بوصفه كذّاباً كبيراً، وإن يكن سلوكه هذا على سبيل التسلية أحياناً. لعله أُوغرَ صدره من خسّة صديقه، " عبدو "، الذي يفيضُ اللحمُ في حانوته ولم يفكّر مرةً أن يولم له في سهرةٍ على كأس. ذات يوم، وكانَ خمّو عائداً من بيروت عقبَ رحلة عملٍ خائبة، إجتمعَ مع ذلك الجزّار الشحيح. رداً على سؤال صديقه، راحَ يُزوّق حياةَ البحّار على ظهر باخرةٍ عملاقة، تنطلق من بيروت لتعبرَ عدّة قارات شرقاً وغرباً، تتخللُ الرحلة حفلاتٌ موسيقية وغرامياتٌ ماجنة. عند ذلك، استفهمَ منه عبدو في شيءٍ من الحماسة: " لا ريبَ أنّ باخرة كهذه تحتاجُ لطباخٍ، خبيرٍ في اللحوم؟ " " أجل، ولِمَ إذاً تجشمتُ عناءَ المجيء إلى الشام في أول إجازة " " مرحى لك من صديقٍ مخلص! "، هتفَ عبدو وهوَ يقبّل رأسَ البحّار. هكذا اتفقا على السفر إلى بيروت، بعدما يتدبّر أحدهما من يحلّ في حانوته. حينَ لاحَ أن كل شيءٍ على ما يرام، إعتذر خمّو من صديقه بشغلٍ طارئ: " سيكون بتصرفك عنوان الشركة البحرية في بيروت، وهيَ ستوظفك كشيف في مطبخ الباخرة حالما تبرز لهم الشهادة المطلوبة ". هكذا سافرَ عبدو إلى العاصمة اللبنانية، وكانت آنذاك تعدّ لؤلؤة البحر المتوسط. ثمة في مقر الشركة، أعادوا إليه شهادته دونما أن يلقوا عليها نظرة. إلا أنه حظي بالعمل في الباخرة، التي كانت ما إنفكّت راسية في الميناء. ثم وجد نفسه على متنها، فطلبَ منه أن يهبط مع عدد من العاملين إلى قعر الباخرة. ثمة، مُنحَ أفرولاً داكن الزرقة ثم وُضعت في يده مزودة لتمرير الشحم إلى الآلات. قال للمعلّم، الذي عامله بطريقةٍ تنم عن سوء فهم: " أنا شيف مطبخ، ولست عامل ميكانيك " " لا توجّع رأسي منذ البداية، فإنك هنا عاملٌ كغيرك من العاملين على الآلات "، زمجرَ بوجهه المعلّم. بقيَ ثلاثة أشهر يزاولُ هكذا أعمال، لحين أن عادت الباخرة أدراجها إلى بيروت. حينما عادَ بدَوره إلى دمشق، وأراد استعادة حانوته، رفضَ الجزّارُ البديلُ ذلك إلا بعدما ينتهي أجلُ العقد في نهاية العام.
5 لقد جاء شهاب الدين إلى المكتب في اليوم التالي، وهذه المرة في ساعةٍ متأخرة من الصباح. كانَ واضحاً أنه يرغبُ بلقاء شقيقه الكبير، وقد لاحت عليه دلائلُ الإحباط. لكنه، كالعادة، حضرَ وقد كسا وجهه بابتسامة وقحة. السكرتيرة، دعته للانتظار في الصالة: " كون المعلّم يُجري مكالمة مهمة مع أوربا ". ثم استمرت هيَ في عملها، تنظّم ملفّاً تجارياً كي يمضي به دلير إلى جهةٍ رسمية. وكانَ هذا الأخير يجلسُ في الصالة، يرقبُ عمل أميلي. لم يلقِ إليه خاله بمجرد نظرة، وهوَ أيضاً حاول أن يتجاهل وجوده. بعد قليل بدأ المتطفّلُ بالتنحنح، قبل أن يدمدمَ متذمّراً: " ألم تنتهي مكالمة أوربا؟ ". ثم رفعَ صوته، مغيّراً نبرته وهوَ يُخاطب السكرتيرة: " المعيشة باتت مكلفة جداً، فهل راتبكِ جيدٌ؟ أعني، أنت صبيّة وبحاجة لمصروف خاص لأدوات الزينة وعقاقير المكياج " " أرجوك، لا تشغلني عما في يدي من مهام مستعجلة "، هتفت أميلي بإنزعاج. هز رأسه وهوَ يتمتم، وعلى طرف فمه تلك الابتسامة الجميلة: " عذراً، عذراً! أنا كانَ بودي تأمينَ مصدر دخل آخر لكِ، بما أنك تخدمين شقيقي بإخلاص وتفانٍ ". وكانَ ردّها أن نهضت، فأمسكت الملف وخرجت إلى الحجرة الأخرى، التي يشغلها عادة الأستاذ بشار حينما يتواجد في المكتب. انكمش قليلاً الرجلُ المتطفل، فنظر بشكل موارب إلى ابن شقيقته قبل أن يدندنُ بصوتٍ خافت أغنية كردية كلاسيكية. على الأثر، فتحَ بابُ خحرة السيّد جمال الدين، فأطل هوَ برأسه: " تكلّم بسرعة، لأنني سأخرجُ حالاً " " صباح الخير، يا عزيزي! "، قالها لشقيقه الكبير بأدبٍ جَم. ثم أخذ يتلوّى بتأثّر، مُضيفاً: " صالون الحلاقة، لم يعُد يغطي تكاليفه وأجورَ ولديّ. فالشباب، كلهم دون استثناء، يطيلون شعرهم على موضة الخنافس! " " وما المطلوب مني؟ أن أحوّل الصالون إلى نادي قمار، مثلاً؟ " " لا، حاشا مقامك العالي "، ردّ وقد فهمَ اللمزَ. ثم أردفَ، مستعطفاً: " يوم أمس، كانَ يجلسُ في مكاني هنا، رجلٌ من الحارة.. معلّم تمديدات صحية. وقد أخبرني، أنك في سبيلك لمساعدته بتدبير فيزا عمل سعودية. فلو تكرّمتَ على شقيقك البائس، وأرسلتني في ركبه " " هوَ معلّم صنعة؛ فماذا ستفعل أنتَ في السعودية؟ "، قال لشقيقه وهوَ ينفخُ تعبيراً عن نفاد الصبر. أجاب الآخرُ، فيما كانَ يفركُ يديه: " أنا أصلحُ للعمل كمحاسب، كما تعلم " " محاسب محصول القمح لا يصلح للعمل كمحاسب شركة مقاولات في زمن الكومبيوتر " " المحاسب محاسب.. حتى في زمن الديناصور! "، قالها بنزق. فكّر شقيقه قليلاً، فيما راحَ يحك ذقنه: " حسناً، سأعطيك فرصة للعمل في السعودية. أرجو ألا تخيّب ظنّي، ككل مرة "، قال ذلك أخيراً ونادى سكرتيرته. ثم انتبه المعلّم لوجود دلير، كأنما يراه أول مرة: " وأنتَ، يا ولد، لِمَ تجلس عندك؟ ". أجابَ " الولدُ " بنبرةٍ جافة، أنه ينتظر أميلي حتى تنتهي من إعداد الملف، لكي يمضي به إلى الجهة الرسمية المقصودة. في حقيقة الحال، أنه ليسَ شقيقه، حَسْب، مَن سيخيّب ظنّ السيّد جمال الدين. هذا مع أنه " أول من شمّعَ الخيط "ـ كما يُقال بالتعبير الدمشقي. لقد تبيّن أنّ خمّو شيش، يمتلك عقلاً ضليعاً بالنصب والإحتيال كصديقه. أي أنهما لا يشتركان فقط بخصلة الكذب. فيما بعد، إفتخرَ شهاب الدين، أنه هوَ صاحبُ فكرة التمديد الصحي، الصوريّ. لقد تم تركيبُ صنابير الماء في عشرات الأبنية، بطريقةٍ شيطانية محترفة. إذ ألصقت تلك الصنابير في موضعها، بحيث أن المتعهّد قدِمَ بنفسه وتأكّد من حُسن العمل. ولكن، لما أرادوا تجربة فتح الماء، فشلت جهودهم. إلى أن أتوا بخبير، فأكّد أن الصنابير لا يمكن أن تُخرج الماء مع عدم وجود أنابيب توصيل. شهاب الدين، قال لأصدقائه على مائدة القمار: " ابن الزنا، لقد ربّحته مالاً كثيراً ببيع تلك الأنابيب في السوق السوداء ". أما عن تدبيره هوَ، الذي أنهاه قبيل هروبه من السعودية، فتابعَ القولَ ضاحكاً: " أخذتُ المال من البنك، واتجهت فوراً إلى المطار. لما تأخر تسليمُ رواتب المهندسين والاداريين والعمال، أدرك المتعهّدُ أنه تلقى ضربة أخرى في نفس اليوم ".
#دلور_ميقري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سكة حديدية حتى السماء: القطار المشؤوم
-
سكة حديدية حتى السماء: طبيعة عارية
-
سكة حديدية حتى السماء: خرائب وصروح
-
سكة حديدية حتى السماء: خريطة ممزقة
-
تشريح الذات: الخاتمة
-
تشريح الذات: كانَ ربيعاً أخيراً
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
-
خمسة أسابيع في دمشق 4
-
خمسة أسابيع في دمشق 3
-
خمسة أسابيع في دمشق 2
-
خمسة أسابيع في دمشق
-
المهاجران من المسرح إلى السينما
-
فيلم الطفولة الكردية، المغتالة
-
فيلم اليهودي والضياع الأخير
-
فيلم الكردي وحروب الآخرين
-
مصير أسرة في فيلم سوري
-
تراب الغرباء والتلاعب بالتاريخ
-
الترحال؛ منحوتة للطفولة والمدينة
-
الطحين الأسود ولعنة المكان
-
اللجاة؛ البيئة الدرزية سينمائياً
المزيد.....
-
حكاية مسجد.. -محمد الأزرق- في السودان
-
وزارة التربية توضح تأخر وصول كتب منهاج اللغة الإنجليزية للسا
...
-
غضب جزائري من تصريحات حسين فهمي عن فيلم للأخضر حمينة والنجم
...
-
مسلسل -القيصر- يفتح ملف الذاكرة السياسية للفنانين ويثير انتق
...
-
هوارد كارتر يروي لبي بي سي في مقطع نادر أسرار اللحظات الأولى
...
-
عدسات المبدعين توثق -ابتسامة السماء-.. هلال رمضان يضيء الأفق
...
-
رمضان في عيون الغرباء.. كيف وصف رحالة العالم ليالي مصر؟
-
فنانة صينية تحوّل الملابس القديمة إلى فن حيّ في قلب لندن
-
طه الفشني.. سيد التواشيح بمصر وصوت أيقوني يعانق هلال رمضان
-
الثاني من رمضان.. كسر الإعصار المغولي وصمت الآذان بعد -بلاط
...
المزيد.....
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
المزيد.....
|