|
|
أحجار الشطرنج الصفر: حكايات على الطريق
دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 00:15
المحور:
الادب والفن
1 كمألوف العادة، قبل وصول الطائرة إلى مهبطها، طُلبَ من الركاب العودة إلى أماكنهم وربط الأحزمة. طوال العشرين دقيقة التالية، كانَ على " دلير " أن يتعلّق بصره بالنافذة البيضوية الشكل، ليرى تعاقبَ المناظر بين ضبابية السُحُب وزرقة البحر. إذاك، كان الجسمُ الطائرُ يهبط ثقيلاً، ببط، وباهتزازاتٍ لم تعُد تخيف الركابَ طالما أنها بمثابة علامة الوصول، وذلك عقبَ خمس ساعات تقريباً من التحليق المتواصل في بادية السماء. بخروج الطائرة من ركام السُحُب، ظهرَ البحرُ بكل جلاءٍ، كأنه قطعة حرير متموّجة بفعل الريح. وما عتمَ أن بانَ أيضاً، جانبٌ من مدينة بيروت، إتخذ شكلَ القوس ـ كحال شقيقاتها البحريات. مع جريان الطائرة باستقامة تقريباً، أمكن تحديدُ الضواحي البائسة، التي ربما يتجاورُ فيها اللاجئون الفلسطينيون والسوريون. لقد أدرك دلير، عن تجربة شخصية هذه المرّة، مدى تبرّم اللبنانيين من مواطنيه أولئك، الذين تدفقوا بمئات الألوف إلى بلدهم ـ كما يفرّ قطيعٌ من الثيران، هاجمه أسدٌ مفترس. إذ جلسَ طوال الرحلة في المقعد الأوسط، مطوّقاً بتجاهل جارَيْه اللبنانيين ( وكانا شابين من مشربَيْن مختلفين ) مذ أن علما أنه سوريّ في طريقه إلى دمشق عبرَ مطار بيروت. ولكن ثمة في المطار، تلقاهُ موظفُ الإستقبال بابتسامةٍ ألِقة، فيما كانَ يختمُ جوازَ سفره. فإنّ اسمَ دلير، الغريب، كانَ يوحي دوماً لموظفي المطارات العربية أنه مسيحيّ الديانة. أما في بعض مطارات أوربا، فإنّ اسمَ مسقط رأسه، دمشق، المسجّل على جواز سفره، عليه كانَ أن يدفع الموظفين لقلب حقيبته رأساً على عقب وتفتيشها بدقّة. بخروجه إذاً من المطار، تشبّثت بجلده رطوبةُ الخريف، بالرغم من أنه فصلٌ رائع في مدن البحر المتوسط. سرعانَ ما ميّزَ بين جمهرة المستقبلين القامةَ المشيقة لصديقه، " رستم "، الذي لوّحَ له بيده وعلى فمه ابتسامة عريضة. كان بملابس صيفية من تدرّجات اللون البنيّ، جعلته أقرب إلى هيئة مغامري السافاري. وعندئذٍ تذكّرَ دلير، أنهما قبل نحو ثلاثة عقود، خاضا معاً في لبنان نفسه، مغامرة كادت أن ترديهما في مهاوي الهلاك. وكانَ رستم، قد شاءَ استحضار تلك المغامرة بما أنّ جانباً من جغرافيتها يقعُ على طريق سفر صديقه، القادم من السويد. هذا جدّ لما تكلّم دلير معه هاتفياً، قبل الرحلة ببضعة أيام، وكانَ صديقه ما زالَ في دمشق. وقال رستم حينئذٍ: " سآتي في سيارتي كي أجلبك من مطار بيروت، وبعد ذلك نمرّ على سوق الغرب وعاليه وشتورا، أينَ ذكرياتنا المشتركة أيام الشباب والطيش " " ابني بيكاس، شاءَ أيضاً القيامَ بمغامرة مماثلة إلى حدّ ما. لقد سافرَ مع بعضَ الأصدقاء إلى سورية، عن طريق إسطنبول، للتطوّع في قوات الحماية الكردية " " لا بدّ أنه تأثّرَ بما قصصتَ عليه من تفاصيل مغامرتنا، لكنه كانَ أكثر حكمة منّا " " أكثر حكمة؟ بأيّ معنى، قصدكَ؟ " " لعلك تتذكر خالك سعد الدين، لما قال لك متهكّماً عقبَ عودتك من تلك المغامرة: " أكنتَ تريدُ الموتَ من أجل القضية الفلسطينية؟ " " ذاكرتك متّقدة، يا صديقي. ولكنني أيضاً لا أريد لإبني أن يموتَ في سبيل تنظيمٍ شمولي، تم تسليحه من قبل النظام كي يُخمد الثورة في المناطق الكردية " " أنا مختلفٌ عنك قليلاً في الرأي، ولكننا على أيّ حال سنتناقش بهدوء ورويّة حينما نلتقي "، قالها رستم. ثم أضافَ، حالاً: " ولكن إياك أن تعبّر عن دعمك للثورة السورية وأنت في طريق السفر، إذ ربما يكون من تناقشه مخبراً أو من مؤيّدي حزب الله. فالنظام، يتبعُ اليومَ نهجاً أمنياً عنيفاً في التعامل مع الجميع، فلم يوفّر بطشه حتى رفاق الجبهة الموالية إن كانوا شيوعيين أو ناصريين. حينما تصل الحدود السورية، ستعاين ذلك بنفسك منذ المرور على الحاجزالأول ".
2 كانَ الوقتُ عند منتصف النهار، فما أن استوى دلير في المقعد الملاصق لصديقه، إلا وانتزع قطعتين من ملابسه فبقيَ بالقميص الخفيف ذي الأكمام القصيرة. أنطلقت السيارة بهما على الطريق السريع، بمباركة من صوَر نصرالله وأعلام حزبه الصفراء. عقبَ إجتياز الضاحية الجنوبية، والوصول إلى طريق الشام عند منحدر الحازمية، غلبت الأعلام البرتقالية اللون. في بدء طريق السفر، تجادلا قليلاً بشأن الموقف من قوات " يبكَا "، التي من المفترض أنّ " بيكاس " قد انضمّ إليها. قال رستم: " أنتَ في خلال مكالمتنا الهاتفية، عرضتَ رأيك في تلك القوات ". سكت قليلاً، ثم تابع القول: " بخصوص رأيي، أننا وبغض النظر عن موقفنا الإيديولوجي من تنظيم ب ك ك، فعلينا ألا ننكر أنه بفضل التنظيم تمت حماية المناطق الكردية من الوقوع بيد قوات المعارضة " " لو أنّ قوات المعارضة هاجمت مناطقنا، فذلك نتيجة رهن ب ك ك نفسه للنظام " " وهل النظام سيرحمُ مناطقنا، لو كانت بيد المعارضة؟ " " لو أنّ السوريين أخذوا برأيك، لما ثاروا أصلاً على النظام؛ وهم يعلمون علم اليقين مدى همجيته، مثلما تجلّى ذلك بتدمير مدينة حماة قبل ثلاثة عقود " " بل هم توهموا أن النظام سيسقط بسهولة، كما كانَ حالُ تونس ومصر وليبيا "، قالها رستم. ثم عمدَ للفور على تغيير مجرى الحديث. تكلم عندئذٍ في إلفةٍ عن أماكن معيّنة، شهدت ذكرياتهما المشتركة، أو أحداثاً مستطيرة. فلما لاحت لافتة، تشير إلى الفياضية، هزّ رستم رأسه وتساءل: " هل حرّك ذلك الاسم، ذاكرتك؟ " " اسمٌ مألوف، ولا شك " " هنا وُجد معسكرٌ كبير للقوات السورية، بعد نحو عامين من دخولها إلى لبنان. بهجوم القوات اللبنانية على المعسكر، بقيادة بشير الجميّل، إنتهى شهرُ العسل بين الطرفين "، قالها رستم بنبرةٍ هازئة. إنه أكثر معرفة من صديقه بمجريات الأمور في تلك الحقبة، كونه إنضمّ آنذاك إلى تنظيمٍ كرديّ يساريّ كان ينشط في بيروت الغربية. بينما دلير، اقتصرَ وجوده في هذا البلد على الأيام الأولى لحصار بيروت عقبَ الإجتياح الإسرائيليّ. وهيَ ذي لافتة أخرى، ما لبثَ أن أومأ إليها رستم برأسه: " بلدة الجمهور؛ أينَ وصلت القوات الإسرائيلية حتى حدود الجبل. أظنّك تذكر ذلك؟ ". ثم أردفَ، قائلاً: " بمقدورنا النزول من هنا إلى سوق الغرب، التي بقينا فيها عدة أيام. لكنني أفضّلُ أولاً المرورَ على عاليه، وكانت مركزنا حينَ وصولنا إلى الجبل ". هكذا استمرت السيارة في طريقها، المظلل على الجانبين بأشجار حرجية. فيما البيوت، تلوحُ في السفوح عن بُعد، كأنها طيور مستكينة على أفرع شجرة حَوْر عملاقة؛ طيور من شتّى الألوان والأنواع. عند منحدر الكحّالة، قال رستم: " من هنا شرقاً، كانت سيطرة جنبلاط مع تواجد للقوات السورية والفلسطينية ". ثم استطردَ، بالقول: " أما اليوم، فإنه يتقاسمُ المنطقة مع حزب الله ". حينما كانت السيارة ما فتأت تنهبُ الطريقَ على المرتفعات الجبلية، بانت لعينيّ دلير مدينة ذات عمارات فخمة، تتسلّقُ بدَورها السفح: " يا لها من مدينة، عظيمة " " إنها عاليه، يا صديقي. لقد باتت مدينة عظيمة، حقاً "، ردّ رستم. عند مفترق الطريق، أين كُتبَ اسمُ المدينة على لائحة كبيرة، باشرت السيارة في نزول المنحدر، متوغّلة في درب فرعيّ ذي إتجاهين. خفّ زحامُ المركبات إلى حدّ كبير، فيما المناظر على الجانبين لقصور وفيلات، كانت توحي برخاء سكان المنطقة. إلى أن توقفت السيارة أمام فيلا، تشرفُ من علٍ على منظر بيروت، المغلّف بالضباب. قال رستم: " كأنها مقرُ إقامتنا، السالف، هنا في عاليه؟ ولو أنتَ تذكر ربما، أنها كانت إحدى الفيلات، المحاذية للدرب نزولاً حتى مركز المدينة؟ " " لا بدّ أنّ ذاكرتك أمضى، بما أنك عدتَ إلى لبنان أكثر من مرة قبل هجرتك إلى ألمانيا "، علّقَ دلير. فقال صديقه، محرّكاً رأسه تعبيراً عن الأسف: " كانت عائلتي معي كلّ مرة، وهم قصدوا زيارة بيروت، التي أعادها رفيق الحريري لتكون موناكو الشرق الأوسط ". استأنفت السيارة المسيرَ، فيما بقيَ سائقها صامتاً لحين الوصول إلى مفرق آخر: " هنا الطريقُ إلى سوق الغرب، ومثلما ترى أن المكانَ أضحى عامراً بالأبنية الحديثة ". لما بلغت السيارة قلبَ البلدة، توقفت عند أحد المقاهي. قال رستم، فيما يفكّ حزامَ الأمان ويفتحُ بابَ السيارة: " عليّ سؤال ذلك العجوز عن مدرسة إسعاد الطفولة، فإنّ شكله يوحي بأنه أرمنيّ من سكان البلدة القدماء ". نزل دلير بدَوره، لكنه لم يبتعد عن السيارة. ظل يتأملُ ما حوله من مناظر طبيعية، لعلها الوحيدة تقريباً، المسجّلة في ذاكرته؛ أو هكذا تُوهم المرءَ. وإذا بيد رستم تربتُ على ساعده، فيما يعودُ لفتح باب السيارة. قالَ بعدئذٍ، نافخاً زفيرَهُ دلالةً على الإحباط: " لا هوَ ولا مَن حوله، تذكّروا تلك الفيلا، التي حوّلها الفلسطينيون قبل الإجتياح إلى مدرسة لأيتام ضحايا تل الزعتر ". عند ذلك، استحضرَ دلير حكاية " خلّو " اليتيم، الذي تبنّته عمّته. على الأثر، شاءَ أن يقصّ حكايته على مسمع رفيق الرحلة. خلّو، كانَ قد أضحى في وقتٍ من الأوقات صهرَ رستم.
3 لم يكن قد انقضى كثير وقت، عقبَ تخلّص " سارة " من فتاة غجرية، استحوذت على قلب أبيها مذ أن أعلمته أنها حامل منه. وإذا بها ترسلُ امرأة من ملّتها، مع طفل رضيع، عارٍ إلا من قماطه: " سُعدى، يا سيّدتي، فارقتها وهيَ تحتضرُ تقريباً. لقد أمسك بتلابيبها ذلك المرض العضال، ولن تعيشَ إلى الغد. هذا طفلها، أنجبته من علاقة غير شرعية مع أحدهم؛ ويعلم الله من كانَ. إنها تستحلفكِ أن تأخذي الطفل في رعايتك. قالت أنه ربما يذكّرك بأخيكِ، الذي مات جنيناً في بطنها حينَ قمتِ بضربها ما تسبّبَ بإجهاضها " " ليس لديّ ملجأ أيتام، يا امرأة. والآن بعدما انتهيتِ من الثرثرة، تفضلي مع السلامة "، قالت لها سارة. الطفلُ، كانَ نائماً وإصبعه في فمه. فما لبثَ أن أفاقَ، ليملأ حجرة الصالة بالصراخ. ما كانَ من عمّة دلير، بدَورها، إلا أن رفعت صوتها أيضاً، طالبة من المرأة المرسال مغادرة البيت حالاً. هذه الأخيرة، طأطأت رأسها في خنوع وتمتمت: " إنه جائعٌ ". حينَ لم يلِن قلبُ الأخرى، تحركت نحوَ مدخل البيت. من المسجد القريب، إرتفع عندئذٍ أذانُ المغرب. بعد خروج تلك الغجرية، استبدّ عذابُ الضمير بسارة: " لو أنني منحته الحليبَ، على الأقل ". دقائق قليلة على الأثر، وإذا بإحدى الجارات تطرقُ على الباب. وقتما أضحت سارة بمواجهتها، صُدمت من مرأى الطفل الرضيع بين يديها: " لقد وضعته إحداهن قدّام باب بيتك، ثم اندفعت هاربة في الظلام كأنها شبحٌ من الأشباح ". مع استمرار بكاء الرضيع، رقّ قلبُ سارة. أخذته من الجارة، قائلة لها باقتضاب: " سنتدبّر أمره حينَ يأتي زوجي ". السيّد " موسي "، قرينُ سارة، رفضَ بتاتاً إيواءَ الرضيع سوى إلى الصباح: " بعدئذٍ أسلّمه لقسم الشرطة، وهم ينقلونه إلى ملجأ الأيتام ". وكانَ الطفل ما إنفكّ على صراخه، هوَ مَن أعرضَ عن زجاجة الحليب. من شدّة البكاء، علاوة على الإملاق، شاعَ اللونُ الأزرق في وجهه الجميل. عند ذلك، واتت سارة فكرةٌ: " أعرفُ امرأة في الحارة، تُرضع طفلها " " هذا يعني أن ندخلَ في سين وجيم، فيلوك الناسُ سيرتنا "، هتفَ موسي بانزعاج. مع ازدياد بكاء الطفل، راحت هيَ تحاول مجدداً دسّ حلمة زجاجة الحليب في فمه. ولكن عبثاً. شُده رجُلها، لما دفعت إليه بالطفل: " ليبقَ في حضنك قليلاً، ريثما أرتدي ملابسي. إنني لن أواجه ربيّ، بخطيئة موت طفل جوعاً في بيتي ". بينما كانَ يحمله، انتبهَ إلى خيطٍ في عنقه ينتهي بما يلوحُ أنه حجابٌ. وضعَ الطفلَ على الأريكة، ثم عمدَ لفتق الحجاب وقد استولى عليه الفضولُ. وإذا فيه ورقة، كتبت بخطٍ عشوائيّ: " هذا خليل، أخوك يا ست سارة ". بينما كانت امرأته ما فتأت تجهّز نفسها للخروج، دخل عليها موسي: " والدته نصّابة، فوق ذلك. إنها تزعمُ في ورقةٍ مدسوسة داخل حجاب بعنق الطفل، أنه أخوكِ ". تناولت هيَ الورقة، فجرت عيناها عليها بلمحة. قالت بعدئذٍ، في نعومة: " هذا مجردُ كلامٍ عاطفيّ، ليسَ كما أنتَ تتوهّمه. أنا وامرأة أخي، بَسْني، تأكّدنا في المستشفى من إجهاض تلك الغجرية البائسة بعدما سبقَ وأشبعناها ضرباً " " خذيه إلى جارتك المرضعة، وصباحاً أسلّمه لقسم الشرطة "، عادَ موسي للقول بنبرةٍ مبرمة. في حقيقة الحال، أنّ الطفلَ استحوذ أيضاً على مشاعره؛ كونه بنفسه قد تربّى يتيمَ الأب وعانى من طفولةٍ قاسية. قال دلير، مختتماً الحكاية الحزينة: " حتى عقبَ تسليم الطفل لدار الأيتام، بقيت عمّتي تزوره وتحملُ له الملابسَ والألعابَ والحلوى. فلما صارَ على عتبة المراهقة، دبّرت أمرَ إخراجه من دار الأيتام، لكي تأخذه إلى لبنان وتضعه هناك في مدرسة داخلية. أعتقد أنها كانت مدرسة الشويفات، والتي نقلت إلى مكانٍ آخر عقبَ حرب الجبل ". ثم أضافَ: " أما بقيّة القصّة، فأنت تعرفها على ما أظن " " نعم، رحمه الله "، تمتمَ رستم بصوتٍ كامد. 4 دلير، كانَ حينئذٍ يتنفّسُ عبيرَ شجر الصنوبر، المُسكر. ولقد بقيّ ذلك المشام في أنفه، لحين تناهي السيارة منحدرَ بلدة صوفر، والتي بدَورها أثارت ذاكرة صديقه. هذا الأخير، أومأ عند ذلك إلى ناحية قصرٍ منيف، مشرفٍ على الطريق السريع من تلّةٍ خضراء: " لقد أتوا بنا إلى هذه البلدة، لكي نجتمع مع قائدٍ في الجبهة الديمقراطية، أُطلقَ سراحُهُ من السجون الإسرائيلية في عامٍ سابق. كانَ ذلك قصراً فخماً، شبيهاً بهذا، تناقضت بذاخة رياشه وأثاثه مع بساطة الرجل " " لا أدري من القائل، أن السجنَ والغربة هما مصنعُ الرجال "، علّق دلير بصوتٍ ساهِم. فإنه مع الإقتراب من الحدود السورية، راحت الهواجسُ تنتابه أكثر من ذي قبل: " لو أنّ أحدهم كتبَ فيّ تقريراً، إذاً أنا أذهبُ إلى حتفي بقدميّ. لقد بلغت رعونة النظام بعد قيام الثورة، أنه بات يعتقلُ الصحفيين الغربيين ويخفيهم في غياهب سجونه. عندما تطالبُ بهم دولهم، كانَ النظامُ يُجيب بخبث أنهم مختطفون من قبل الإرهابيين "، فكّرَ في نفسه. ثم خاطبَ داخله، بصوتٍ خافت: " الدبابات؛ المدفعية؛ الراجمات؛ البراميل المتفجّرة؛ صواريخ أرض أرض؛ بل والكيماوي: كلها رجسٌ من شيطانٍ يُدعى الإرهابيين! ". التفت رستم إليه، وكأنه سمعَ الصدى: " المثل الكرديّ يقول، أنّ الحشرة حينَ ينبتُ لها جناحٌ فإنه دلالة على دنو أجلها "، علّق على ما سمعه. ثمة في شتورة، التي فوجئ أيضاً دلير بأنها غدت مدينة كبرى، توقفت السيارة بإزاء أحد المطاعم. قبل قليل، كانَ رستم قد قال بأنه ما زال يذكرُ أفضلَ مطعم يحضّر الفطائر. واجهة ذلك المكان، كانت كلها زجاجية تلمع كالماس من نظافتها. فيما الزبائن، كانوا قلّة. بعدما أخذ رأيَ صديقه، تكلّمَ رستم مع النادل، الذي هُرع إلى طاولتهما: " نريد فطيرتيّ لحم بالعجين، كبيرتين، مع لبن عيران ". دقائق على أثر وصول الوجبة، إذا بالمكان يمتلئ بالروّاد. لقد نزل هذا الجمعُ من حافلتين، واجهتهما زيّنتا بأعلام حزب الله وصوَر زعيمه. قال رستم بصوتٍ خفيض، مومئاً برأسه إلى تلك الناحية: " إنهم حجّاجُ مقام ستّي زينب، يسافرون كل أسبوع إلى دمشق بالمئات ". نحو عشرين دقيقة أخرى، وكانَ عليهما أولاً مراجعة نقطة الحدود اللبنانية. كل شيءٍ كانَ على ما يرام، ولم يتبقَ إلا أن يُعرّجا على نقطة الحدود السورية، التي لا تبعُد كثيراً. ثمة في المركز الأخير، لاحت الصالة أشبه بمعرض صوَر؛ ولكن هذه المرّة، تخصّ سيادة الرئيس. لما جاء دورُ دلير، قلّبَ الموظفُ جواز سفره السويديّ فيما كانت يده تنقر على جهاز الحاسوب. ثم نظرَ إلى البطاقة الشخصية الوطنية، متسائلاً: " بطاقتك، تاريخها منتهي منذ عدة أعوام؟ ". أوضحَ له دلير، بأنها زيارته الأولى للوطن منذ نحو عقدٍ من الأعوام: " وبالطبع، سأجدد البطاقة حالما أصل " " حسناً، سمحتُ لك بالدخول هذه المرة دونَ حاجةٍ لفيزا سياحية. ولكن لو رجعتَ بنفس هذه البطاقة، سأضطرُ بدَوري لإرجاعك إلى دمشق "، حذّره الموظفُ ثم ختمَ جواز سفره. تنفّسَ دلير الصعداء، كمن أُخرجَ من بئرٍ بلا قرار. لكن في السيارة، نبّهه صديقه بأن عليه كل مرةٍ رشوة المسئول عن هذا الحاجز أو ذاك بما أن بطاقته قديمة: " فإنهم هناك على الطريق لا يأبهون بجواز السفر الأجنبيّ، كون أغلبهم شبه أميين " " كم عليّ أن أدفع كلّ مرةٍ؟ " " ما يُعادل دولار أو دولارين "، قالها رستم وهوَ يقلّب شفته السفلى تعبيراً عن الإزدراء. وكانا قد صرفا كمية من الدولارات، وهما بعدُ في شتورة عند صرّافٍ بمقابل مطعم الفطائر. مع ذلك، عدّ دلير تلك المنح ليست بذي بال مقارنةً بما لاقاه من قلق طوال الطريق. أكثر من حاجز، فيما بعد، سأل عناصره أيضاً عما لو كان الصديقان يحملان علبَ سجائر: " على حظنا، أنكما كلاكما لا تدخنان؟ اللعنة! ". مع بلوغ السيارة حي المزة، توهّمَ دلير أنّ الحواجز صارت خلفهم. على أنّ عدداً من الحواجز، التي مرّا بها لاحقاً، إكتفى بعضها بإشارة إكمال الطريق وأحدها قام بتفتيشٍ روتيني لصندوق السيارة. لحُسن الحظ، لم ينتبهوا إلى البطاقة الشخصية، القديمة.
5 نفسية دلير، كانت مثخنة بالجروح آنَ رجوعه للشام. فعدا موضوع الابن، علِمَ سلفاً أنّ خاله في حالةٍ متقدّمة من المرض. الأستاذ " سعد الدين "، سبقَ وانتزع نفسه من العزوبية العريقة وكانَ وقتذاك قد تجاوز الخمسين. عاشَ العقود الثلاثة الأخيرة مع أرملة: " وفوق ذلك، هيَ عقيمٌ "؛ بحسَب تعبير شقيقاته الثلاث. لقد دأبنَ طوال تلك الفترة على محاولة إقناعه بالزواج مجدداً من فتاةٍ من البلد، علّه يُخلّف منها ابناً يحفظ سلالته. وكانَ يُجيبهن كلّ مرةٍ، بلذعة كلامه المألوف: " سلالتنا الملكية، باتت متخمة بأولادكن وأولاد شقيقيّ المرحومَيْن، وفي وسع الأحفاد تشكيل إماراتٍ بحالها ". ما حزّ في نفس دلير أيضاً، علمه أنّ أمه وخالته، خاصمتا الأستاذ سعد الدين على أثر قيامه بنقل ملكية شقته إلى امرأته بطريقة البيع والشراء. قال له خاله، لما التقيا أخيراً: " ليسَ من العدل أن تبقى أرملتي في الشارع لو أنني مت، بينما تمتلك كلّ من شقيقتيّ أكثر من بيت. إن شهيرة، تخدمني منذ عشرة أعوام بعدما صرتُ شبه عاجز عن الحركة " " لقد فعلتَ الصواب، يا خال "، علّقَ دلير باقتضاب. امرأة خاله، كانت قد أخلت لهما الجوّ وانسحبت إلى الصالة. إنها من حي الصالحية المجاور، وقد تقاعدت من التدريس مؤخراً. " مهنة الشحاذين "، مثلما يُطلق في البلد على التدريس. الخال، سبقَ أن اشترى هذه الشقة، الكائنة في عمارة جدّ دلير لأبيه. ذلك تمّ ببيعه شقة في حي المزة، كانَ قد حصلَ عليها باشتراكه في جمعية سكنية تخصّ إتحاد الصحفيين. أما بيته القديم في الحارة، الذي قضى فيه دلير طفولته وصباه، فإن له حكاية أكثر دراماتيكية. بالمختصر أن " زَرو "، ابن شقيق الأستاذ، كانَ قد حلّ في البيت عقبَ أدائه تمثيلية بارعة تخللتها الدموعُ. ذلك كانَ في بداية الثورة، وكانَ يُقيم آنذاك مع عائلته في ضاحية الحجر الأسوَد، لحين أن استولى عليها الجيش الحر. أقام زَرو، إذاً، نحوَ عامين في بيت العم. بعدئذٍ استغل ظروفَ الحرب، فقام ببيع البيت بناءً على أوراقٍ مزيّفة. وهوَ منذئذٍ يعيشُ في القامشلي، بصفته من كوادر حكومة محلية، يُديرها تنظيمُ ب ك ك. لقد نمت إلى دلير شذراتٌ من أمثال تلك الحكاية القبيحة، مزوّقة بكلمات ابن خالته؛ " لزكَين ". إذ ثابرَ هذا على مراسلته بريدياً، ومن ثم عن طريق الإيميل فالماسنجر. العالمُ، كانَ يتطوّرُ بطريقة مذهلة فيما دسائس الشرق لم تتغيّر إلا نحوَ الأسوأ. وفي الأثناء، كانت دمشق تنهارُ بوصفها أقدم عاصمة في التاريخ. استبدلت تنوّع سكانها، الغنيّ الأثير، بحثالة لاهثة وراء الثروة بأيّ طريقة كانت. وأهم هذه الطرق، الآنَ في زمن الحرب، تمثّلت بخطف الشباب وزجّهم بالمعتقلات ومن ثمّ ابتزاز أسرهم، بآلاف الدولارات أو الذهب، لمجرد إلقاء نظرة عليهم من وراء القضبان أو حتى استلام خبر عن وجودهم أحياءَ بعدُ. لقد شعرَ دلير بالبؤس، الجاثم ثقيلاً على كاهل المدينة ـ كما هَوْلة السندباد. ذلك تجلى له مذ لحظة اجتياز السيارة منعطفَ ساحة الأمويين، ليجدَ حتى الأبنية شاحبة يُجللها سخامُ عوادم المركبات ودخان القصف الزاحف من الريف. فيما على وجوه الأهلين، طبقة لا تريم من غبار الفاقة والذل. الأحياءُ المتمردة، في خلال الأحداث الأخيرة، أضحت في متناول يد أجهزة الأمن، الباطشة. فيما الضواحي، وخاصة الجنوبية، فإنّ الجيش جعلها ركاماً بالقصف المتواصل بكل أنواع الأسلحة الثقيلة. أحياناً كانَ النظامُ رحيماً بسكان تلك المناطق، ففتح ممراتٍ آمنة، لكي يفرّ الناسُ إلى مخيماتٍ أكثر بؤساً أو إلى خارج البلاد. بينما يعتقلُ الشبابَ ويجنّدهم في جيشه بعدما غدت الإنشقاقاتُ تأخذ معها أحياناً كتائبَ كاملة، لتنضم إلى الجيش الحر أو الفصائل الأصولية. أما عن الخال، المُعاني من أشد حالات المرض، فكأنما وقّتَ ساعة رحيله مع قدوم ابن أخته لدمشق. ومن حُسن حظهما كلاهما، أنّ ساعة الإحتضار جمعتهما معاً بعد ثلاثة أيام. بقيت أولاً امرأته معه، في حجرة النوم، ممسكة بيده طوال الوقت. ثم ما لبثت أن دخلت إلى الصالة، وخاطبت دلير بتأثّر شديد: " خالك يطلبك ". جاء إليه وكانَ حينئذٍ يُردد، كما لو أنه في حالة إشراق أو إلهام، نداءَ الأم باللغة الكردية: " يادي .. ياااادي ". جلسَ دلير على طرف سرير المحتضر، وقد استولت عليه الحيرة. فإنها المرة الأولى في حياته، يشهدُ إحتضاراً. ثم قدِمَ لزكَين، ليشهد هذه المناجاة المؤثرة، فيخففُ قليلاً عن ابن خالته. سأله هذا الأخير، وكأنما لتقليل ثقل الموقف: " ألن تحضر والدتك وأمي؟ " " الأفضل ألا تحضرا، كونه لم يرَ الخير منهما في أواخر حياته "، قالها في كرب. ازداد إعجابه بنقاء سريرة لزكَين، الذي كانَ بنظر الجميع مجرّدَ أبلهٍ، مهووساً بالنساء الكبيرات في السنّ. وإنما في نفس اللحظة، فتحَ المحتضرُ عينيه؛ وربما ميّز وجودَ ربيبه، بجانبه على السرير. أومأ إلى ناحية النافذة، وهمسَ بصعوبة: " هواء ". نهضَ دلير إلى النافذة وفتحها، فتدفق نسيمٌ معتدل في هذه الليلة الخريفية. بقيَ ينظرُ إلى الأفق، وكانَ قد غدا ذا خطوط قرمزية. لقد كان ماضيه بمنأى عنه، مثلما هوَ بعده عن ذلك الأفق.
* مستهل الرواية الثانية من رباعية " المسالك والمسارب "..
#دلور_ميقري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سكة حديدية حتى السماء: الخاتمة
-
سكة حديدية حتى السماء: مرآة جديدة
-
سكة حديدية حتى السماء: كرامة مُخبر
-
سكة حديدية حتى السماء: مكيدة غرام
-
سكة حديدية حتى السماء: بانثيون بشري
-
سكة حديدية حتى السماء: عالم آخر
-
سكة حديدية حتى السماء: القطار المشؤوم
-
سكة حديدية حتى السماء: طبيعة عارية
-
سكة حديدية حتى السماء: خرائب وصروح
-
سكة حديدية حتى السماء: خريطة ممزقة
-
تشريح الذات: الخاتمة
-
تشريح الذات: كانَ ربيعاً أخيراً
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
-
خمسة أسابيع في دمشق 4
-
خمسة أسابيع في دمشق 3
-
خمسة أسابيع في دمشق 2
-
خمسة أسابيع في دمشق
-
المهاجران من المسرح إلى السينما
-
فيلم الطفولة الكردية، المغتالة
-
فيلم اليهودي والضياع الأخير
المزيد.....
-
حذف صفحة الفنانة روان الغابة من -ويكيبيديا- بعد تجسيدها شخصي
...
-
بيتر ميمي يعلن عن فيلم تسجيلي يلي الحلقة الأخيرة من -صحاب ال
...
-
رمضان في البحرين.. -النقصة- و-المجالس- جسور تصل الماضي بالحا
...
-
محمد سعيد الحسيني.. حين توشحت ليالي رمضان في البحرين بصوت من
...
-
مـِداد: أنثى الرواية التي خلعت الحجاب
-
أقمار صناعية تكشف دماراً في منشأة نطنز النووية وتناقض في الر
...
-
مديرة مهرجان برلين السينمائي تسعى للاستمرار في منصبها رغم ال
...
-
عودة القصيدة العمودية بالجزائر.. نكوص شعري أم تصحيح وضع؟
-
إطلالات جريئة للنجمات في حفل جوائز الممثلين 2026
-
من بينهم الراحلة كاثرين أوهارا.. أبرز الفائزين بجوائز الممثل
...
المزيد.....
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
المزيد.....
|