|
|
سكة حديدية حتى السماء: كرامة مُخبر
دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 8630 - 2026 / 2 / 26 - 14:12
المحور:
الادب والفن
1 نسرين، كانت حتى قبل أعوام عدّة من بلوغها العشرين، قد نضج جسمها كإمرأة. أيضاً تعددَ خطّابها، وهيَ رفضتهم الواحدَ تلوَ الآخر. لم يكن ذلك، بسبب رغبتها في مواصلة الدراسة. فإنها لو كانت مجتهدة، فالأمر يعودُ لحدّة ذهنها وأيضاً لتشدّد والدها الراحل. إلى ذلك، كانت بمثابة الأم الثانية لشقيقاتها، تساعدهن في الوظائف المدرسية وتزيّن دفاترهن برسومها الجميلة. كما أنها أعانت والدتها دوماً في مشاغل البيت، لدرجة ألا تعرف أوقات فراغ سوى في عطلات الصيف، التي أعتادت أن تقضيها مع العائلة إما في رأس العين أو في جمرايا. كل تلك الأشياء، كانَ دلير يعرفها حق المعرفة. إلى ذلك، كانَ من عادته التهيّب ممن هم أكبر منه عُمراً، ولو بعامٍ واحد؛ حال ابنة خالته هذه. لا غرو، والحالة تلك، أن يمضي إلى موعده معها بقلبٍ واجف وذهنٍ قلق. فما أن وصل للمكتب، إلا وراح يُخطط بلا هدف رسوماً بوساطة قلم وأوراق معلّمه، المهندس المعماري. على حين فجأة، وجدَ نسرين فوق رأسه. إنه في غمرة مشاغله، لم ينتبه أنها دخلت إلى المكتب بخطى هادئة، كما لو أنه قطّة تتهيأ لكمينٍ ما. جلست على طرف الطاولة، تراقبُ رسومَهُ، فتهدلَ شَعرها العسليّ وأخفى سحنتها البارعة الحُسن. قالت له، وكأنما تتعرّف على رسومه لأول مرة: " لماذا تشوّه الرجالَ بملامح كاريكاتورية، بينما في المقابل تُبرز جمالَ النساء؟ " " لأنّ النساء قلّما مارسن السياسة " " أعني، لِمَ بالضرورة أن تكون النساء جميلات في رسومك؟ " " هل هذا التقييم يخصُّ أيضاً الرسومَ، المزيّنة قصائدي "، قالها ثم استدركَ دونما أن يكمل الجملة. لقد ودّ إضافة: " قصائدي تلك، التي سطوتِ أنتِ عليها ". رفعت رأسها، وما إنفكت خصلة شعر تغطي إحدى عينيها. بقيت تركّز عليه نظرتها لحظاتٍ، قبل أن ترسم ابتسامة غامضة على طرف فمها. إلا أنها انتقلت إلى كرسيّ بجوار المكتب، وراحت تنقرُ بأصابعها على صفحته الصقيلة. قالت، متجاهلة سؤاله: " أردتَ أن نلتقي، وها أنا ذا هنا؟ ". لقد أكتست بفستانٍ ذي ألوان خريفية، وبلا أكمام. جلستها، جعلت الفستانَ ينحسرُ عن فخذَيْن، لا يُمكن رؤية مثيل لهما إلا في التماثيل المرمرية. من ناحيته، كانَ دلير ما فتأ مُشتت الذهن: " اللعنة، إنها بداية سيئة! أظنّ لم يكن من اللائق، التلميحُ إلى موضوع القصائد ". كأنما قرأت ما في ملامحه من كرَب، فكفّت عن حدجه بتلك النظرة الثابتة. كانت ولا شك تعرف طبيعته الحيية، المتناقضة مع طبعها الجريء والمتوثّب. من جديد، شاءت تغييرَ الحديث بالقول: " هل تعلمتَ الرسمَ الهندسي؟ " " لا، أنا أتابعُ معاملاتِ المكتب في الدوائر الرسمية " " هل تحصل على راتب جيّد؟ " " إلى حدّ ما " " والبخشيش من الزبائن؟ " " أرجوكِ، ما هذا الكلام؟ "، قاطعها مستاءً. وضعتْ رجلاً على رجل، ثم أطلقت ضحكة خفيفة وقد احمرّ وجهها: " أعتذرُ، فأنا نطقتُ الكلمة دونما تفكير ". وإذا هوَ إمتلأ بالجسارة، بحيث اتّجه إليها وجلس إلى جانبها. قال لها بقوّة وضراعة في آنٍ معاً، كما لو أزاحَ ثقلاً عن كاهله ناءَ به: " أنا أحببتكِ دائماً، يا نسرين، ولن يُسعدني أن تضيّعي نفسك دونما تبصّر " " وإذاً، أنا لم أسرق تلك القصائد بل كانت موجّهة إليّ؟ "، قالت ذلك وأطلقت من جديد ضحكة خافتة. كانَ حرياً به أن يُدهش من جرأتها، فيتوقّف عن الإندفاع. إلا أنه عادَ للقول، كأنه لم يسمعها: " لستِ فتاة تخطّت سنّ الزواج، ترضى بأيّ رجل يطلبُ يدَها. أليسَ كذلك؟ " " أنا لم أفكّر بالزواج، لا الآنَ ولا من قبل " " ولكن، كيفَ هذا؟ " " أنا أردتُ التسلية، حَسْب، ريثما يأتي الرجلُ المناسب " " لو أنني أعرضُ عليكِ الزواجَ، هل ستعتبرين الأمرَ مُسلياً؟ "، سألها وقد استولت عليه الحيرة. عندئذٍ، أتت بحركة فاقمت من دهشته. لقد أخرجت من حقيبتها خاتمَ خطبة، ذهبيّ: " أريدك أن تضعه في إصبعك؛ فإنه يخصّ خطيبي، الراحل " " ولكن.. " " لا تفسّر الأمرَ بطريقةٍ، تحط من كرامتك "، قالت وهيَ تدسّ الخاتمَ في أصبع يده اليمنى. ثم أضافت، مع بسمةٍ ساخرة على طرف فمها: " لقد أشترته أمي، ولعلها كانت تأملُ أن تضعه بنفسها في يد ذلك المخلوق الأحمق! ".
2 كان هذا اليومُ الحار من مبتدأ الخريف، يومَ عمل. لكنّ نسرين، طلبت منه مرافقتها إلى الحارَة: " أنتَ شئت انقاذي من ذلك الرجل، فلننهِ المهمّة معاً "، قالتها بغموض كمألوف عادتها. سارَ معها وسط المدينة، منتبهاً بزهو إلى نظراتِ حسد الرجال، الذين كانوا يرمقون بإفتتان رفيقته. الضوضاءُ، كأنما كانت قطعة موسيقية تباركهما؛ شأن ما يحصل في الكنيسة بمناسبة الزواج. كانت تتأبط ذراعه، وهيَ بنفسها تلاحظ أيضاً نظرات إعجاب الفتيات بوسامة ابن الخالة، الذي غدا للتو خطيبها. من طرف ساحة عرنوس، ركبا سيارة أجرة. السائق، بحلقت عيناهُ في المرآة بمفاتن نسرين إلى أن وضعت حقيبة اليد عند ركبتيها. علق دلير في نفسه على المشهد المنقضي: " لو أن سلو بمكاني، لطلبَ من السائق التوقف ثم انهالَ عليه باللكمات والركلات ". ومن هذا الباب، طفقَ يفكّرُ في ردة فعل ابن عمته حين يعلمُ بأمر الخطبة، الصورية. المفردة الأخيرة، وجدها الأكثر مناسبة لذلك التصرف، المستحيل على عاقل أن يقبله أو حتى التفكير به: " إلا أنه، هذه المرة، جنونٌ جميل وجديرٌ بفتاة رائعة الجمال مثل نسرين ". عند ساحة شمدين، طلبت نسرين من السائق أن يتحوّل إلى جادّة أسد الدين. وكالعادة، جمجمَ الرجلُ بالقول: " على الجادة، نعم. لكنني لن أصعد بالسيارة في طريق الجبل ". علّقت هيَ على كلامه، بالقول في استياء: " إطمئن، بيتنا على الجادة. لكن عجباً تلبّون طلبَ الزبائن، لو كانوا يقيمون في الجادات العليا من حي المهاجرين، وهيَ لا تقل وعورة؟ " " أنا من جهتي، لا أقبل منهم ذلك حرصاً على موتور سيارتي " " حسناً، أنظر أمامك الآنَ حرصاً على واجهة السيارة! "، قالتها وهيَ تضحك. شاركها الرجلُ شعورَ المرح، معبّراً عن ذلك بإطلاق زعقة من البوق. استمرت السيارة منطلقة عبرَ الجادة، لحين تجاوزها ملجأ الحارة بقليل. لقد طلبت نسرين من السائق التوقفَ أمام محل خطيبها، المفترض. وهيَ ذي في طريقها إلى داخل المحل. دفعَ دلير الأجرة للسائق، ثم بقيَ ينتظرها خارجاً. دقيقة على الأثر، وخرجت فيما كانت تدمدمُ ووجهها كساهُ تعبيرُ اشمئزاز. قالت لدلير، متأبطة ذراعه من جديد: " السكّيرُ المأفون، يهددني بأنّ له كلاماً مع والدتي ". عند ذلك، استعاد دلير في نفسه ما أُخبرَ به على لسان سينو، بأن شقيقه قد تقمّصَ شخصية المحقق، " بوارو "، وفي سبيله لإثارة موضوع مقتل مساعد الطبيب. وها هوَ سينو، في مساء اليوم التالي، يحضر إلى بيت الخال كي يلتقي دلير. بالرغم من الجو المعتدل، فإنه ارتدى سترة جلدية. كانَ شاردَ الذهن، عليه مسوح الحزن. ما أن جلسَ على طرف السرير، إلا وظهرَ خِلَل طيّات السترة جسمٌ معدنيّ ثم اختفى. لاحظ صديقه أنه ليسَ على ما يرام، فاستفهم منه جليّة الأمر. نفخ سينو في سخط، وقال بصوتٍ مرتعش: " النجس الدنس! تصوّر أن يطلبَ مني قتلك بحربة، زوّدني بها " " من تقصد؟ "، هتفَ دلير بشيءٍ من الجزع. فإنها المرة الأولى في حياته، يغدو فيها هدفاً للقتل. عندئذٍ فتحَ الضيفُ سترته، كاشفاً عن الحربة؛ وهيَ على الأرجح، إحدى مخلّفات أبيه من خدمته في سلاح الدرك. بقيَ وجه سينو مكفهّراً، وهوَ يردّ بالقول: " هذا الحديث جرى ليلة أمس، وكانَ تمّو ثملاً وأكثر من مرة خرجَ إلى أرض الديار ليطلق الرصاص في الهواء من مسدسه. قال أنك خدعت خطيبته، أو أقمت علاقة معها.. هكذا فهمتُ من هذيانه وهذره ". ثم استدركَ، ليسأل: " ولكن للحق، هل أنت على علاقة مع ابنة خالتك؟ " " نعم، وقد قررنا الزواجَ " " أنتَ تتزوّج؟ " " نعم، لِمَ لا ؟ " " هل كانت نسرين خطيبته، حقاً؟ " " لا، طلبها للزواج وهيَ رفضته "، اضطر دلير للكذب. لم يفعل ذلك، دفعاً لتهديد يحيق به. فإنه يعلم يقيناً أن سينو يعدّه هوَ الأخ، وليسَ ذلك المخلوق المزيّف. أطرق الضيفُ لحظات، ثم رفع رأسه، ليتكلم من فمٍ مرتجف: " إنه يريدُ ضربَ عصفورين بحجر، ينتقم منك ويتخلّص مني. كأنني على جهل بما يضمره لي، منذ أن تم وضع مخطط جديد للحي مؤخراً. فإنه يبتغي أخذ حصتي من الإرث، حينما تظهر عمارة حديثة بمكان بيتنا. خياله المريض، أوحى له أنني سأعلق على حبل المشنقة ويسطو هوَ على حصّتي. حقاً إننا ستة أشقاء، لكنه من الثقة بالنفس أن يفرض وصايته على الجميع بما في ذلك مَن هم أكبر منه سنّاً " " كن على حذر منه، فإنه بالفعل لن يتورّع عن أيّ تدبيرٍ اجراميّ في سبيل منفعته. أما من ناحيتي، فإنني سأتكلّمُ غداً مع شخصٍ قادر على الدوس على رأس ذلك المأفون "، قالها دلير وهوَ يتصّور خاله الأكبر في خياله.
3 وإذاً، تجمعت خيوط المسألة عند السيّد جمال الدين. لم يكن لديه وقتٌ، يلهيه عن عمله، إلا لو تعلق الأمرُ بالعائلة. على الرغم من أنه على عتبة الستين، لم يفقد قوّته. طوله الفارع، كانَ متناسباً مع رشاقته. وكانَ يهتم أكثر بمظهره، بالأخص حينَ أضحى من كبار رجال الأعمال في دمشق. ولكنه حينَ ينفردُ لوحده في المكتب، كثيراً ما وضع رأسَهُ بين يديه وتنهّدَ بأسى: حالة بشيرة إمرأته، كانت تسوءُ يوماً بعد يوم. إنه ما إنفكّ يحبها ويحترمها، لدرجة أنه ثارَ مرةً على شقيقته المقيمة في البلد، كونها طلبت منه الزواجَ مجدداً. وهيَ ذي شقيقته الأخرى، رَمّي، قدمت إليه كي تبثه مخاوفها ما لو رفضت نسرين ذلك الخطيب، الذي قبلت به في البداية. شعرَ أنها تخفي عنه شيئاً بالغ الأهمية، فلما استجوبها بإصرار فإنها صارحته بخشيتها من تمّو: " زل لسانه فيما كانَ يسكرُ مع شقيقنا شهاب الدين، وإذا هوَ يدّعي أن ثمة إشاعاتٍ عن علاقتي بذلك الشاب المسكين، سَرو " " يا له من نجس، تمّو هذا، وناكر للجميل! لقد قدّمتُ له مساعدة أكثر من مرة، للتخلّص من مآزق أوقع نفسه بها. ثم يأتي الآنَ، لكي يلطخ شرفي بترّهاته "، قاطعها وهوَ يستشيط غضباً. لما اطمأنت هيَ من وقوف شقيقها الكبير معه، تحوّلت لتشكو له ابنتها نسرين: " إنها تخرجُ من مطب، لتقع في آخر. والآن، اتفقت مع دلير على الزواج، فتبادلا خاتميّ الخطبة دونَ حساب لأحد لا أم ولا خال " " دلير، ابن شقيقتنا؟ " " نعم، من سيكون إذاً "، قالتها وهيَ تضمّ يديها بحركة تعبّر عن العجز. بقيَ شقيقها يفكّرُ برهة، ثم تمتمَ بنبرة متهكّمة: " من حُسن الحظ أنّ نسرين لم تكن أستاذة جامعة، وإلا كانت كل سنة قد خطبت لأحد طلابها " " نعم ما زال طالباً، وليسَ بقدرته إسكان ابنتي في منزلٍ مناسب. ربما هوَ من أقنعها، أن يقيما بعد الزواج في بيت الإيجار بجوارنا. والبيتُ ضيقٌ رَثّ، هذا دونَ حساب نزوات صاحبه السكّير " " سأتكلّمُ مع دلير اليوم، حالما يعود إلى المكتب "، قال ذلك ببعض الصرامة. ثم نهضَ واقفاً، علامة على أنه مشغولٌ بأعماله. كونها مشغولة الفكر أيضاً، رفعت صينية القهوة دونما وعي وأرادت أن تعيدها للمطبخ. قال لها شقيقها: " دعيها للفرّاش، ورافقتك السلامة ". عقبَ ذهابها بنحو نصف ساعة، رجعَ دلير إلى المكتب. قالت له أميلي، مضفية الإهتمام على الخبر: " خالك أوصاني أن تبقى في صالة الإنتظار، لأنه يودّ التكلّم معك ". فلم تمضِ إلا دقائق قليلة، وطلبه السيّد جمال الدين. كعادة هذا الأخير، بادره بصيغة تصغير: " ماذا دهاك، يا ولد؟ أحقاً خططت للزواج، دونما أن تأخذ رأيي أو حتى تعلمني؟ ". قبل أن يسمع الجوابَ، أردفَ قائلاً: " أنتَ ما زلتَ في سنتك الجامعية الثانية، ونسرين خانم أكبر منك سنّاً. فأي حماقة مشروع زواجكما؟ " " إنها تكبرني بعام واحد. نبيّنا محمد، يا خال، تزوّج بإمرأة تكبره خمسة عشرَ عاماً " " ما شاء الله، أضحى النبيّ قدوته، ربيب ذلك الملحد! "، قالها الخالُ وعلى فمه ابتسامة ساخرة. ثم عادت سحنته تتصلّب، مضيفاً بنبرة أقرب للأمر: " شيرين تصغرك بثلاثة أعوام، وفوق ذلك هيَ أجمل من نسرين وأقل منها حماقة. في إنتظار أن تكبر هيَ وتنال حظاً جيداً من التعليم، تتخرّج أنت من الجامعة ويكون بمقدورك فتحَ بيتٍ. أنا أساساً أكرهُ زواجَ الأقارب، لأنه يُفسد دماء السلالة فضلاً عن أنه يورث البغضاء بين الأهل عند أي مشكلة " " إنني ونسرين على علاقة حب " " أيّ علاقة حب بينكما، وهيَ قد خطبت لنفسها رجلين في غضون شهرين؟ "، قاطعه الخالُ ساخطاً. ثم رفع السماعة ليتكلّم مع السكرتيرة، واضعاً حداً مبرماً للنقاش.
4 في خريف ذلك العام، شهدت البلادُ توترات أمنية عقبَ حادث خطير، عصف بالسلم الأهليّ. ففي شهر حزيران الفائت، أرتكبَ تنظيمُ " الطليعة المقاتلة "، ذو التوجّه الأصوليّ، مجزرة في مدرسن المدفعية بحلب، راحَ ضحيتها عشرات من طلاب الضباط، وكانَ جلّهم من الطائفة العلوية. تبريرُ تلك المجزرة، بحَسَب دعاية التنظيم، أنها ردّ على شيوع التمييز ضد السنّة وخصوصاً في الجيش. مع أن معظم قيادات وأعضاء التنظيم من الأرياف، إلا أنّ المواجهات جرت في المدن. النظام عمدَ عندئذٍ إلى عسكرة المجتمع، فتفاقم الشقاقُ الطائفي مع مرور الوقت. وإنما في تلك الفترة، ظهرَ تنظيمٌ يساريّ باسم " رابطة العمل الشيوعي "، الذي إتهمَ أيضاً النظامَ بالممارسات الطائفية وطالبَ بإسقاطه. لكي يُثبت هذا التنظيم وجوده على الساحة، أخذ بتوزيع المنشورات في الأزقة وحتى تحت أبواب البيوت. ويبدو أنّ أحد المنشورات وصل ليد تمّو، فبادر إلى الإتصال بضابط مخابرات كانَ قد غدا رفيقَ سهراته مؤخراً. لقد نمت في ذهن المُخبر فكرةٌ ياتعة، يثأر من خلالها لكرامته: زعمَ بأنّ المنشور قد سُلّم باليد لشقيقه الأصغر من قبل دلير. في خلفية ذلك التدبير اللئيم، أنّ السيّد جمال الدين، سبقَ واستدعى تمّو إلى مكتبه ووبّخه بقسوة بشأن موضوع شقيقته رَمّي، المعلوم. هذا الأخير، قرر عندئذٍ أن يقلبَ الطاولة على الجميع. ولكن من حُسن حظ دلير، أنّ شريك خاله، الذي ذكرنا في مكانٍ سابق أنه من كبار آمري الأجهزة الأمنية، استبقَ أيّ إجراءٍ حينَ وُضعَ بالصورة. حينئذٍ، نقل الخالُ للآمر بعضَ المعلومات الشخصية، التي فُهمَ منها أنّ تمّو يُحاول الإنتقام من دلير بسبب فشل مشروع الخطبة. طُلبَ تمّو لمراجعة مقر الأمن السياسي، الكائن في منطقة الجبّة. كانَ مبنى المقر ذو واجهة من القرميد الأحمر، وهوَ لونٌ مشئوم بالنسبة لمراجعي المكان. ما لم يكن يدورُ في خلد المخبر، أنّ شقيقه سينو قد سبقه إلى حجرة ضابط التحقيق. شيئاً فشيئاً مع مرور الوقت، لاحَ أنّ تمّو بدأ يفقد رباطة جأشه. لقد حُشرَ في ممشى، يستقبل كل حينٍ عدداً من الموقوفين وعلى هيئة كل منهم آثارُ الضرب. قبل مجيئه حاول عيثاً الإتصال بذلك الصديق، العامل في جهاز أمنيّ آخر. بقيَ إذاً نهبة للقلق إلى أن أدخل أخيراً إلى حجرة التحقيق. دُهشَ تمّو حينَ رأى شريك السيّد جمال الدين يجلسُ إلى يمين المحقق، وكانَ منشغلاً بتصفّح جريدة محلية. بادرَ الضابط لسؤاله عما يعرفه عن النشرة السرية، وكانَ يلوّحُ بها في يده. فأجاب تمّو، مبتلعاً ريقه في صعوبة: " سبقَ لي، ياسيّدي، أن أفدتُ بأن أحد أقاربي قد سلّمها لشقيقي يداً بيد ". هنا، وضع الضابط يده على جرس، ليظهر على الأثر سينو مع أحد الحراس. طلبَ المحققُ من هذا الأخير إعادة إفادته. بالنتيجة، أنّ سينو كرر إنكار نسبة النشرة إليه وقال أنه يراها لأول مرة. الجرسُ رنّ مجدداً، والمحققُ طلب من الحارس أن يسوق تمّو إلى حلّاق الفرع كي يجعل شَعره على الزيرو. وإذا تمّو يُزيل الباروكة عن رأسه، قائلاً بتذلل وتضرّع: " أنا أساساً بلا شَعر، سيّدي! ".
5 ولكن تمّو، الذي تملّصَ من قبضة ضابط المخابرات ذلك اليوم، ما أسرعَ أن أطلق العنان لنفسه من جديد. لاحَ أنه ضمّدَ كرامته بمزيدٍ من مشروب العرَق، بحيث أنه سلا تماماً أمرَ نسرين. حتى أن صُحبته مع خالها، شهاب الدين، تجددت أيضاً. كذلك انتعشت خبرته الأمنية، وذلك بسبب توالي توزيع المنشورات السرية في الحارة. التنظيمُ اليساريّ المتطرف، الذي تعرّضَ لحملة اعتقالات في عامٍ مضى، واصل تحدّي النظام وهذه المرة بكتابة شعارات على الجدران تدعو الشعبَ لإسقاطه. فأصبحَ إعتمادُ أجهزة الأمن على أمثال تمّو، ضرورياً لكشف نشطاء ذلك التنظيم علاوة على الأصوليين الإسلاميين. في هذه الأثناء، استأجرت منزلَ جدّ دلير، عائلةٌ تعود أصولها إلى الجولان المحتل، مكوّنة من أربعة أفراد. لقد اختلطت دماءٌ كردية وشركسية في سلالة هذه العائلة، بحيث أن الأب وولديه كانَ شَعرهم يميل إلى الحُمرة وعيونهم بلون اللازورد الصافي. أما الأم، فإنها من حوران وعلى قرابة بالطبيب عبّود، الذي سهّل لعائلتها موضوع إيجار البيت. الأب، أشاعَ فور استقراره في الحارة أنه صحفيّ. إلا أنّ الأستاذ سعد الدين، كانَ قد عرفه في نفس الجريدة بوصفه عامل صف أحرف الطباعة. إبنة العائلة، واسمها " ناريمان "، كانت بارعة الحُسن حتى لقد بعثت مشاعرَ الغيرة في صدور فتيات الحارة. خلا تقاسيمها المتناسقة، فإنّ نمشاً مُحبباً نبت على وجنتيها وأنفها ـ شأن ذوي الشَعر الأحمر. كذلك تميّزت الفتاةُ بثقةٍ لا حدّ لها بالنفس، وكانت تتحدّى المتحرشين بشتمهم بعباراتٍ بذيئة. مع مرور الأيام، أضحى دلير يُصادف ناريمان في منزل خالته، لارتباطها بصداقةٍ مع البنات. لما اختبرَ طبيعتها الجسورة وكلامها المكشوف، فإنه استعاد تجربته الجنسية الأولى وكانَ آنذاك بسّن لا يتجاوز العاشرة. إذ استأجرت حينئذٍ البيتَ المجاور ( أينَ أقام فيما بعد الشاب التعِس سَرو )، عائلة من ريف الشام. أيضاً تميّزت الابنة بالجمال والطبع الجسور، وكان اسمها " سهير ". كانت تقتحمُ ألعابَ الصبيَة، وتتعاركُ أحياناً مع بعضهم. إلا أنها كانت تخصّ دلير بالودّ، كون والدتيهما تصادقتا سريعاً بحُكم الجوار. وقد شاءت أن تعلّم دلير الصغير ( كانت تكبره بنحو ثلاثة أعوام ) لعبة جديدة كلّ الجدّة بالنسبة إليه. وراء باب بيت الفتاة، كانت ثمة حجرة مرحاض قديم تمّ تحويلها إلى مستودع للنفايات. لم تحظ الحجرة بباب وإنما بستارةٍ من قماش حائل اللون. صارت سهير تجذبُ الصبيّ إلى هذه الحجرة الضيّقة، فتلتصق به لعدة دقائق وهيَ تشدّ وسطها بوسطه. بما أنّ صبيَة آخرين كانوا يحصلون على المتعة في الخرابة المجاورة، فإنّ دلير طلبَ ذات مرة من سهير أن تسمح له بالإلتصاق بمؤخرتها. إلا أنها كانت من الكرَم، أن عرّت الجزء السفليّ من جسدها. عقبَ الفراغ من المضاجعة المرتجلة، قالت له: " لم أشعر بأي شيء، سوى حاجتي للتبرّز ". إلى أن ضبطتهما أم سهير ذات مرةٍ، فهربَ هوَ إلى الزقاق. فانتهت بذلك تجربته الأولى. وهيَ ذي ناريمان، تغشى محل تمّو بهدف إجراء مكالمة هاتفية. بقيَ ينصت إلى كلامها مع أحدهم، فيما كانَ نظره لا يحيد عن مؤخرتها البديعة. عقبَ انتهاء المكالمة، مدّت له يدها بقطعة نقدية. إلا أنه ابتسمَ وقال لها: " أنتِ ابنة صديقي، الصحفي الكبير ". في اليوم التالي، أجرت أيضاً مكالمة أخرى، وكانَ صاحبُ المحل قد أخلى لها المكان هذه المرة وخرجَ لكي يتأمل الجادة. لما أنهت المكالمة، عادَ وقال: " سنستمعُ معاً إلى هذه الأغنية الخلاعية ". وإذا به يُظهر جهاز تسجيل على شكل علبة بيبسي كولا، والذي أعاد كل مكالمة الفتاة مع صديقها. قالت له وعلى شفتيها بسمة إحتقار: " ماذا ستفعل بهذا التسجيل؟ " " سأسمعه لوالدكِ، إلا لو أنك كريمة معي بنفس كرمك مع عشيقك " " إذهبْ وإلعقْ مؤخرةَ والدي! "، أجابته ثم خطت باتجاه مدخل المحل بخطواتها الثابتة.
#دلور_ميقري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سكة حديدية حتى السماء: مكيدة غرام
-
سكة حديدية حتى السماء: بانثيون بشري
-
سكة حديدية حتى السماء: عالم آخر
-
سكة حديدية حتى السماء: القطار المشؤوم
-
سكة حديدية حتى السماء: طبيعة عارية
-
سكة حديدية حتى السماء: خرائب وصروح
-
سكة حديدية حتى السماء: خريطة ممزقة
-
تشريح الذات: الخاتمة
-
تشريح الذات: كانَ ربيعاً أخيراً
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
-
خمسة أسابيع في دمشق 4
-
خمسة أسابيع في دمشق 3
-
خمسة أسابيع في دمشق 2
-
خمسة أسابيع في دمشق
-
المهاجران من المسرح إلى السينما
-
فيلم الطفولة الكردية، المغتالة
-
فيلم اليهودي والضياع الأخير
-
فيلم الكردي وحروب الآخرين
-
مصير أسرة في فيلم سوري
-
تراب الغرباء والتلاعب بالتاريخ
المزيد.....
-
من صوت أم كلثوم لاستعراض شريهان.. رحلة الفوازير من الإذاعة إ
...
-
لحم خنزير على الطاولة.. مسلسل تركي يخسر جمهوره بعد عشاء مثير
...
-
الملوخية.. طبق الملوك الذي يجمع الموائد العربية بين الأصالة
...
-
ألمانيا تستدعي منظمي مهرجان برلين السينمائي بعد اتهامات بالت
...
-
علي البرّاق.. صوت رمضان الغائب الحاضر في كل بيت تونسي
-
9 رمضان.. اليوم الذي أعاد رسم خرائط النفوذ من صقلية إلى إندو
...
-
فرنسا: رشيدة داتي تستقيل من وزارة الثقافة -للتفرغ للانتخابات
...
-
الشاعرة هدى عزّ الدين :نموزج للإنحياز الكامل للكتابة وأسئلته
...
-
طارق كفالة… إدارة هادئة في قلب تحولات BBC الكبرى
-
حكاية مسجد.. -المنارتين- يجمع العبادة والمعرفة في المدينة ال
...
المزيد.....
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
المزيد.....
|