|
|
سكة حديدية حتى السماء: مكيدة غرام
دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 00:48
المحور:
الادب والفن
سَرو، كانت له صلة قرابة بمنيرة، الزوجة الثانية لشهاب الدين. هذا الأخير، أجّر بيته للشاب، كونه اشترى بيتاً جديداً في حي مساكن برزة، المجاور. لقد عادَ إذاً من السعودية بمال وافر، ما عتمَ أن خسرَ جزءاً منه على طاولة القمار. إلا أنّها منيرة، مَن ثارت عليه عندئذٍ: " معك ثروة بينما تدعنا نعيش في بيت إيجار بائس، صالة الضيافة فيه تتحول ليلاً لحجرة نوم ولدينا؟ ". ثم هددت بهجرانه لو لم يرعوِ، فينقلها لبيتٍ جديد. إلا أنها شقيقة ذلك المحتال، رَمّي، مَن سعت لحَمل زوج بَسني على قبول سَرو كمساعدٍ في عيادته. كانَ الشابُ في السنة الخامسة بكلية الطب، وكانَ متفوّقاً في جميع مراحل دراسته. لقد عاملته رَمّي كأحد الأقارب، عقبَ انتقاله للعيش في ظهرانيها. وكانَ هوَ، من ناحيته، قد ميّز غناها من خلال المقارنة بين باب بيتها، المنحوت من شجر فاخر والمزيّن بالمسامير الضخمة والنقوش، وبين باب بيت الإيجار، الخشبيّ المتشقق في أكثر من موضع. السيّدة رَمّي، كانت تحيا حالة نسبية من الإستقرار عقبَ وفاة زوجها، ولم يكن قد تجاوزَ عُمرها آنذاك منتصف الحلقة الثالثة. لم يؤاتها ظرفٌ مناسب، لتحظى بعريس جديد، حال شقيقتها بَسني. ما أثار حنقها مؤخراً، أن يتقدّم لها آخرُ مَن تعدّه رجلاً من الرجال. لقد أحسّت بإهانة بالغة، حينما طلبَ يدَها شخصٌ، يُشار له في الحارة باللقب المَشنوع؛ " قربينة ".. شخصٌ، دميمٌ وعاطل، صوّرَ له غباؤه أنه سينامُ في سرير زوجها الراحل، الضابط المرموق. بل لقد جعلها ترتابُ في مرور الزمن على بشرتها، ما دفعها كل مرةٍ للإستعانة بالمرآة كي تتأكّد من عدم وجود تجاعيد في وجهها، الجميل النَضِر. من ناحية أخرى، دبّ البرود في علاقة دلير بابن خالته. فإنّ لزكَين، وأكثر من مرة، سخرَ من صداقته لشخصٍ بدائيّ مثل قربينة. في حقيقة الحال، أنّ قربينة قد تقدّم للزواج من خالته قبل مصادقته له بعام أو نحوه. وبالتالي، ظنّ دلير أن الأمرَ قد عفا عليه النسيان. بوصفه عاطلاً عن العمل، ثابرَ ذلك الصديق على صلته به. وكانَ قربينة يحضرُ أحياناً للمكتب، أين عمل دلير في خلال الصيف، وكانَ يصطحبُ غالباً سينو. هكذا زيارات، كانت تتم في ساعة الظهيرة أو ليلاً؛ وفي الحالتين، عقبَ مغادرة السيّد جمال الدين. هذا الأخير، عثرَ ذات صباح على زجاجة نبيذ فارغة في أسفل سدّة المجلى، وكانَ دلير قد غفل عنها. بعدما سمعَ تقريعاً من خاله، طلبَ من صديقيه عدم المجيء للمكتب. هكذا إقتصرت اللقاءات على الخروج إلى المدينة بغيَة شرب كأس أو حضور فيلم. إلى أن كانَ يوماً، منحه فيه خاله ثلاث بطاقات دعوة لحضور مسرحية في صالة " الحمراء ". لقد حصلَ الخالُ على البطاقات من أحد أصدقائه، لكن تعذّر عليه الذهاب مع زوجته وابنته، لاتفاق ذلك مع موعدٍ مُسبق لزيارة عائلية. بالطبع، حضرَ دلير المسرحية مع ذينك الصديقين. ولكنّ العرضَ كانَ مضجراً لهما، كونه تاريخياً وعلاوة على ذلك جرى باللغة العربية الفصحى. في أثناء العرض، نبّهه سينو إلى أمرٍ مُشين يقعُ على مقربة منهما: كانَ مقعدُ قربينة إلى جهة الجدار، وكانَ هوَ حينئذٍ يدسّ يده ليلمس شعرَ إمرأة جلست مع زوجها في الصف الأمامي. أكثر من مرة، التفتت المرأة إلى الوراء معبّرة عن السخط. على ذلك، وخشيَة الفضيحة، بادرَ دلير للطلب من المتحرّش أن يتبادلا المقعد. إلا أنّ دلير، ما أسرعَ أن ارتكبَ بدَوره فعلاً شائناً ولا يقل تهوّراً. في حقيقة الأمر، أنها " خجو "، امرأة شقيق قربينة، مَن اعتادت على رمقه بنظرات إفتتان، يشوبها الإبتسام وحتى الغمز أحياناً. ذات يوم، عمدَ صديقه إلى تجديد طلاء حجرةٍ اختصّها لنفسه، عقبَ تسلّمها من مستأجرٍ كانَ يخدم عسكريته في دمشق. كانَ دلير يسندُ السلّم لصديقه، المنهمك في تكليس الجدران والسقف. إذا بإمرأة الأخ، اللعوب، تحضرُ بحجّة متابعة العمل. حينئذٍ راحت تدفع مؤخرتها باتجاه وسط الضيف، فيما كانت تتكلّفُ إبداءَ ملاحظات لشقيق زوجها. إلى أن كانت ليلة، اجتمع فيها دلير مع هذا الأخير بحجرته الجديدة. كانَ الوقتُ متأخراً، وهما يقارعان الكأس على صوت كوكب الشرق. مع تهويم المُضيف، انتبه دلير إلى أنّ المرأة اللعوب تُشير له من وراء النافذة أن يتبعها إلى حجرة المغاسل. ثملاً ودونما تفكير، اندفعَ وراءها إلى ذلك المكان. قابلته بقبلة محمومة، ثم ما أسرعَ أن أنزلت سروالها الداخليّ. بعدئذٍ مكّنته من نفسها وقوفاً، وهيَ مستندة إلى الجدار، وكانت قد حذّرته بالقول: " أياكَ أن تقذف فيّ ولو قطرة واحدة ". بعدما فرغا، اتجهت هيَ لإطفاء نور مصباح حجرة شقيق زوجها. ثم ما لبثت أن لحقت دلير، قبل خروجه من الباب الخارجيّ: " أرأيتَ كيفَ أنّ الوصالَ ممتعٌ، وميسّرٌ أيضاً؟ ".
2 واصلت رَمّي الإهتمامَ بالجار الجديد، الذي كانَ في أيام الجمعة يُدير جهاز المسجّل على أغانٍ كردية، تتغنّى بأساطير العشق. إحدى تلك الأغنيات، تُدعى " زمبيل فروش "؛ تخلّد حكاية شاب فقير، بائع سلال، تعشقه أميرة حسناء، ودأبَ هوَ على التملّص منها، كونه مخلصاً لزوجته. إذاك، كانت رَمّي تضعُ نفسها بمكان الأميرة، معوّلة على حب شاب فقير، لكنه ما فتأ عازباً وله مستقبلٌ زاهر كطبيب. كل مرةٍ حينَ تصعد إلى سطح الدار، كانت تدعوه لأخذ صحن طعام من يدها. كونها من منبتٍ ريفيّ، أشادت على السطح سقالة للحمام وخمّ للدجاج. لقد فعلت ذلك، مباشرةً بعد موت زوجها، الذي سبقَ وسخرَ من فكرتها بشأن تربية الدجاج والحمام، مثلما فعلَ لما أرادت زرع الخضار في حديقة البيت. كانت إذاً كأنما على موعدٍ مع الحبيب، يُصاقب فترة الغداء، الذي يُمنح فيه ثلاث ساعات للطعام والقيلولة قبل العودة مجدداً للعيادة. عندئذٍ تظهر على السطح بكامل زينتها، بعينين رائعتين، مكحّلتين، تنتظرُ ذلك الجار وبيدها صحن الطعام؛ وكلّ مرةٍ صنفٌ جديد، باتت تعتني به أكثر من المعتاد. مع أنها أنجبت خمسة أولاد، فما إنفكّ جسَدُها رشيقاً بل وتلوحُ أجمل من بناتها، اللواتي كنّ كما الدُمى بحُسنهن ورقتهن. إنّ رَمّي بوصفها ابنة ملّاك أراضي مُعتبر، كانت قد حصلت على دراسة متوسّطة في مدرسةٍ تتبع الكنيسة السريانية في بلدتها. ولم تكن تتميّز مظهراً عن زميلاتها المسيحيات، بما أنّ والدها سمحَ لها بالخروج دونَ حجاب. طموحها أن تغدو معلّمة في نفس المدرسة، عليه كانَ أن يتلاشى حالما وافقت الأسرة على زواجها من الضابط الدمشقيّ. على الرغم من إعجابها بالرجل، إلا أنها لم تحصل على السعادة سوى بالإنتقال إلى العاصمة، لتُبهر ثمة بكل ما هوَ أنيقٌ وراقٍ، سواءً التبضّع والتجوال والنزهات أو العلاقات الإجتماعية. أضحت من قراء المجلات الفنية اللبنانية، وتنتقي ملابسها بعدما تطالع كتالوغات الموضة. لحُسن حظها أيضاً، أنّ عقل علو كانَ أكثر إنفتاحاً من صديقه، زوج شقيقتها. ولو أنه كانَ حريصاً على مرافقتها إلى أماكن اللهو والتسلية، كالسينما والمسرح والمعرض، وبقيَ يفعل ذلك حتى بعدما رزقا بالأولاد. مع وفاة الرجل، ازدادت مساحة حريّتها، كما أنها حصلت على دعم ماليّ ومعنويّ من أشقائها الثلاثة، الذين كانوا قد توطّنوا بدَورهم في دمشق. إحدى أولائي الدُمى، على الأقل، انتبهت لما طرأ على الأم من تغيّر، بحيث غدت متلألئة كجوهرةٍ ثمينة. وكانَ على عينيّ نسرين أن تتلألآن بدموع القهر والإحباط، كونها قد وضعت الجار الشاب بموضع الحبيب، وذلك بعدما سَرَت بينهما لغةٌ غير منطوقة ولكنها أكثر فصاحة من الكلام. إلى أن كانَ يوماً، استحالَ فيه على الأم الصعودَ إلى السطح بسبب ارتباطها بموعدٍ عند طبيب الأسنان. تواجدت نسرين عندئذٍ على السطح، دونما حاجةٍ لحيلة سخيفة، كونها على ثقةٍ تقريباً بمشاعر ذلك الجار. وهوَ ذا يظهرُ بدَوره، ليفاجأ بالفتاة منحنية على خمّ الدجاج. ثوبها القصير، كانَ قد إنحسرَ حتى شق ردفيها. ما أسهم بجعله غير هيّابٍ في هكذا موقف، إنما يعودُ لأم الفتاة بالذات. لقد بلغت فيه الجسارة أكثر من مرة، أنه ضمّ تلك السيّدة إلى صدره وأطبق فمه على فمها. حقاً إنها تكلّفت حينئذٍ الإستياء والإنكار، لكنها لم تقطع عنه إمدادات الغداء. على ذلك، جذبَ نسرين إليه وبقيَ ملتصقاً بها رغم محاولتها التملّص. تركها أخيراً تجلس على حافة الخمّ، واستمعَ لما قالته: " أنا في سنّ الزواج، ففي وسعك أن تخطبني منذ الغد " " ولكنني ما زلتُ طالباً؟ "، قالها فيما قلبه يتراقص من الفرح. فأن تعرض نفسها عليه، أجملُ فتاةٍ في الحارة، كانَ فوق ما حلم به. عادت نسرين لتذكّره، بأنها تتكلّم عن الخطبة. ولكنها استدركت، بالقول: " بكل الأحوال، أنا مستعدة حتى للعيش معك في بيت الإيجار والإكتفاء براتبك كمساعد طبيب ". هزّ رأسه بغموض، ثم انحنى عليها ليقبلها من جديد. عند ذلك، قلّدت نسرين المشاهدَ المألوفة في السينما المصرية، لما دفعته بلطف وهيَ تقولُ بنبرة غنج ودلال: " ليسَ الآن، وإنما بعد الخطبة! ". حصافة الرأي، أوعزت لها ألا تنبسَ بكلمة، أو حتى تلميح، بشأن علاقته بالأم.
3 الضربة الموجّهة لها من سَرو، كانت أكثر إيلاماً ولاشك من تلك، التي استهدفتها حينَ استخفّ شخصٌ أمعة بقدْرها وأتى لخطبتها. بل إنها السيّدة رَمّي تخيلت ذلك " القربينة "، وهوَ يغمز بعينه سخريةً بها، لو علمَ بالموضوع. جنونُ الحب وضرامُ الجسد، جعلها تعمى عن حقيقة بسيطة وواضحة؛ وهيَ أنها تكبر ذلك الجار بعشرة أعوام على الأقل، غيرْ أنها أرملة مع خمسة أولاد. بينما نسرين تصغره بعدة أعوام، جميلة ومن عائلة دمشقية وجيهة من ناحية الأب. أول ضحية لغضبتها، كانت مرآة اليد، التي طالما بيّنت لها أن بشرتها صافية بلا أي تجاعيد. عندما ضربتها بسطح الكومدينا، فيما كانت تدمدمُ: " المأفونُ المتسوّل "، جرحت باطنَ كفّها. لقد رجعت من آخر لقاء على السطح، وهيَ مجروحة الكرامة بعمق، بعدما صارحها سَرو عن رأيها لو تقدم بخطبة نسرين. أكثر ما أثارها، بحيث بصقت في وجهه، لما قال على الأثر، مبتسماً بخبث: " مع زواجي بابنتكِ، يخلو لنا الجوّ بدون رقيب! ". مع ذلك، تكلّفت شعورَ الرضا حينَ فاتحتها نسرين بعزم الجار التقدّم لخطبتها: " لقد صادفني أمام موقف الحافلات، فأسرّ لي رغبته في التكلّم معك بهذا الشأن "، قالتها في براءة. كانَ واضحاً، أنّ سَرو لم ينبس ببنت شفة عما حصلَ في السطح من موقفٍ مُخزٍ. في اليوم التالي مباشرةً، حضرَ ذلك المخلوق بسحنةٍ صفيقة مع ابتسامةٍ صفراء. كانَ مرعوباً على الأرجح، لاحتمال أن تبصق عليه مجدداً وتطرده. ولكنها استقبلته بلطف، واستمعت إليه. قالت له، وهيَ تحاول أن تكونَ منشرحة: " من جهتي، لن أجد عريساً لابنتي أفضل منك. ولكن أخوالها لهم الرأيُ الأخير ". أحنى رأسه، تعبيراً عن الشكر. بعدئذٍ، وحينما كانَ بعدُ موجوداً، إنحنت الأمُ بدَورها على رأس نسرين تقبله، علامة على مباركتها. إنها قررت الإنتقامَ من هذا الشخص الخائن، جرياً على المثل المعروف: " الفلاحُ لا ينسى ثأره ". تم إرجاءُ خطبة نسرين، لحين عودة خالها، السيّد جمال الدين، من سفرة عمل في أوربا. لكنّ مساعدَ الطبيب، عوملَ سلفاً كعريس المستقبل. على الأقل من جانب والدتها، التي غضّت النظرَ عن لقاءات الليل، الحميمة. فإنّ سرو، بما تمتعَ به من جسارة وأيضاً بتشجيعٍ من حبيبته، أخذ يتسلل ليلاً إلى حجرتها. وبالغت الأمُ نهاراً في الإحتفاء به، لكي تمضي الخطة حتى خاتمتها المنتظرة ـ كما يأملُ القائدُ من خريطةٍ عسكرية قبيل المعركة. إنها جالسة في الليلة المنتظرة إلى منضدة الزينة، وقد لاحَ في المرآة وجهُ مجرمٍ، شائهٌ، لا تكادُ تعرفه. قبل قليل، أخرجت من مكمنه السريّ، مسدسَ زوجها الراحل، فتأكّدت من أنه مُذخّر بالطلقات القاتلة. بعدئذٍ أطفأت النورَ، وبقيت ترقبُ خِلَل النافذة المفتوحة، جداراً يفصل بيتها عن بيت الإيجار. كانَ الطقسُ حاراً، وقد خلت الدارُ من الذكر الوحيد، الذي رافقَ شيرين وشقيقتيها الصغيرتين إلى رأس العين، لتمضية العطلة الصيفية. أكثر من مرةٍ، تراجعت في نفسها عن تنفيذ المكيدة. بيدَ أنها كانت تنتفضٌ حنقاً، كلما جسّد خيالها ذلك الشخص الكريه بابتسامته الصفراء الوقحة. في الأثناء، كانت تراجعُ الماضي القريب، لما كانت تسمحُ له بإقتحام المكان المحرّم بهدف إرضائه وجعله يقدّرُ كرَمَها. " ولكنه غدر بي في خسّة ولؤم، بأن طلبَ يدَ ابنتي بالذات "، جمجمت بمزيدٍ من الحنق. وفي حقيقة الأمر، أنها كانت ساخطة على نفسها، كونها سلّمت جسدها لذلك المتسوّل: " وإن يكن طالب طب، فإنه من أسرةٍ بائسة كانت تعمل في أراضي أبي بالأجرة الموسمية ". ظلت في تواصل مع مونولوجها الداخليّ، لحين أن تحركت أغصانُ شجرة المشمش. على الأثر، ظهرَ رأسُ الشبح. بقيَ هناك دقيقةً يرصدُ بيتَ حبيبته، لحين أن تأكّد على ما يبدو من الأمان. في أثناء ذلك، كانت رَمّي قد انتقلت بخفّة نحوَ باب حجرتها الموارب كي ترقب الهدف، وفي آنٍ معاً، تكون على استعداد للضربة القادمة. أخيراً، انتقل الشابُ إلى داخل الدار مستعيناً بأفرع الشجرة. تركته يقترب من الحجرة المجاورة، أين تنتظره ابنتها. بقلبٍ مثقل بالغم والفَرَق، توجّست من إحباط نسرين خطّتها حينَ تقدّم شهادة في المحكمة. الغريب، أنها في تلك اللحظة، التي همّت فيها بالمواجهة، تذكّرت " زمبيل فروش "، الذي انتحرَ بإلقاء نفسه من النافذة كلا يخون زوجته. " إذاً، فليمت هذا الخائنُ غير الجدير بحبّي! "، هتفَ داخلها بينما كانت تلقّم المسدسَ وتندفعُ من باب الحجرة. ثم انفجرت ثلاث طلقات، وهوى أرضاً ذلك الشبح.
4 آب السيّد جمال الدين من أوربا، وهوَ يحملُ حقيبة ملأى بأوراق العقود التجارية. لكنه بدلاً أن يشهدَ حفل خطبة نسرين، فوجئ بخبر مقتل الخطيب على يد والدتها. بعدما قابل السيّدة رَمّي مع المحامي، خرجَ هذا الأخيرُ برأيٍ، مفاده أن وضعها القانوني صعباً. لقد جاء في إفادتها أمام التحقيق، أنها أطلقت النار لإعتقادها أنّ لصاً دهم البيت، وكانَ يهم إقتحام حجرة ابنتها: " هذا يعني أنها لم تطلق النارَ دفاعاً عن النفس، كما أنها كان في وسعها الصراخ عوضاً عن إخراج المسدس وتلقيمه "، خلصَ المحامي إلى هذا التقييم المُحبط. بقيت المتهمة في الحبس على ذمّة التحقيق، وبعدئذٍ أحيلت إلى المحكمة. في أثناء ذلك، بذل شقيقها الكبير كل ما في وسعه لجعل الجريمة تبدو دفاعاً عن النفس. بل لقد استعانَ بأكثر من محامٍ، وكلّ منهم له سمعة محترمة. ويلوحُ أن القاضي تأثّر بمرافعات المحامين ومذكّراتهم، التي بيّنت حُسن سيرة السيّدة رَمّي وأنها من أسرة وجهاء وأرملة ضابط مرموق. والأهم، أن كل الدلائل أشارت إلى عدم وجود أي خلافٍ بين المتهمة والقتيل. فضلاً عن سماع المحكمة لشهودٍ، أكّدوا حججَ هيئة الدفاع. فانتهت القضية، أخيراً، بالحكم على المتهمة سنة سجن مع وقف التنفيذ ودفع تعويض لأهل الضحية. لحُسن حظ السيّدة رَمّي، أنّ المحقق سبقَ واقتنعَ بتبرير المحامي عدم سماع إفادة خطيبة الضحية، كونها في حالة نفسية مشوّشة على أثر الحادث. لم يكن المحامي قد جانبَ الصوابَ تماماً. فإنّ نسرين فقدت على الأثر اتزان عقلها المستنير، فأغلقت باب حجرتها على نفسها ونادراً ما كانت تصيبُ شيئاً من الطعام. لقد تبعثرت آمالها، حال مرآة حجرتها، التي تشظت بعدما هشمتها بضربة من كرسي منضدة الزينة. كون الطب النفسي مرفوضا في هذه البيئة، لشبهة الإحالة للجنون، فإن حالتها ازدادت سوءا. لكن خالها الأكبر، كان له الفضل بشفائها؛ هوَ من أنقذ غريمتها، مؤخراً، من تبعة إربتكاب الجريمة. لقد جلبَ للمريضة حبوباً مضادة للكآبة، مما اعتادت امرأته عليها في فتراتٍ وأزمات معينة. لما عاد أشقاؤها من عطلتهم الصيفية في رأس العين، وجدوها مشرقة الوجه وتستعيد وزنها. إلا أنها بقيت تتجنب الإحتكاك بوالدتها، أو حتى التواجد معها بنفس المكان. هذه الأخيرة، عولت على الزمن بأنه كفيلٌ أن يدفن الماضي، الملوث بالغدر والدم. في الأثناء، شرعَ رجلٌ يراقبُ بعينيه الصغيرتين مآلَ قضية القتل، التي خرجت منها بريئةً، السيّدة رَمّي. على الرغم من رفوف المجلدات في مكتبة تمّو، وغالبيتها أدبيات ماركسية، فإنه راحَ يُحلل تلك القضية على طريقة أجاثا كريستي. لم يكن مستبعداً أيضاً، أنه قرأ روايات هذه الكاتبة الإنكليزية، عوضاً أن يفعل ذلك محققُ القضية. لقد أثارَ الموضوع حول زجاجة عرق، وكانَ نديمُهُ شهاب الدين. هذا الأخير، علّق بالقول في غير إهتمام: " ثمة جرائم، بقيت مسجّلة ضد مجهول. مع أنني لستُ في وفاق مع شقيقتي رَمّي، لكنني أستبعدُ أنها دبّرت مقتل خطيب ابنتها " " وأنا أيضاً، بالطبع. لكن المستغرب، أن المحقق غفل عن أخذ إفادة نسرين، كونها الشاهد الوحيد في ليلة الجريمة. ولا أخفيك أن ثمة رائحة سبق أن فاحت في الحارة، يُفهم منها أن السيّدة رَمّي كانت على علاقة مع المغدور. قالوا أنها هيَ من توسّطت لدى الدكتور عبود لتوظيفه في العيادة، مثلما أنها حملتك على تأجير منزلك السابق له "، قالها تمّو وقد برقت عيناه بنذُر غامضة. هزّ الآخرُ رأسَهُ دلالة على الضجر، متمتماً بنبرة غير مبالية: " ليقولوا ما شاء لهم القولُ، فالمحكمة برأتها ". عقبَ ذهاب الضيف، وبالرغم من أنها ساعة متأخرة من الليل، اتصل شهاب الدين مع شقيقته رَمّي كي ينقل لها ما دارَ مع تمّو. ثم خلص للقول: " كانَ ثملاً، لذلك أفلت لسانه بهكذا أقوال. إنه باتَ على صلة وثيقة ببعض ضباط أجهزة الأمن، وقد يهتم أحدهم بإعادة التحقيق لو راقَ له أن يبتزّ شقيقنا جمال الدين ".
5 في اليوم التالي، مرّت السيّدة رَمّي على محل المفروشات، المُدار من لدُن تمّو بعدما استبعدَ شقيقه الكببر من الشراكة. استقبلها مدهوشاً للوهلة الأولى، إلا أنه ما عتمَ أن استعادَ في ذهنه حديث الأمس مع شقيقها. قالت متضاحكة أنها ضجرت من أثاث بيتها، العائد لعصر سلاطين بني عثمان، وترغبُ في استبداله بآخر يمتّ حقاً للقرن العشرين. بعدما عرضَ عليها نماذجَ مصوّرة من الأثاث، إختارت أحدها لصالة الإستقبال: " وأفكّرُ أيضاً بتغيير حجرة نومي، لكنني الآنَ غير ميسورة مادياً " " يا سيّدتي، إعتبري المحل ملكاً لك وأهم شيء عندي هوَ كسب زبونة بمقامك الرفيع " " على فكرة، لِمَ أنتَ ما زالت عازباً بينما تهتم بتأثيث حجرات نوم العرسان؟ "، سألته مبتسمة وهيَ تحدّق فيه بعينيها العميقتيّ السواد والمزججتين بالكحل. شاركها شعورَ المرح، لكنه قبل أن يردّ بادرت هيَ للقول بإغراء: " أيّ عائلة، تتشرّف أن تكون أنتَ صهرها ". وإذا هوَ التقط الإشارة، فسألها عن حال ابنتها نسرين. أجابت وهيَ تنهضُ، مربتة على كفّه بحركةٍ موزونة: " تعالَ لزيارتنا، وعندئذٍ تطمئن بنفسك عليها ". أسبوعٌ على الأثر، وإذا لزكَين يزورُ دلير في بيت الخال، ليبادرَ مغتصباً ضحكة مغيظة حالما جلسَ: " المعتوهة نسرين، أنزلت مستواها من طبيب إلى بائع موبيليا على حافة الإفلاس ". ضيّقَ المُضيف عينيه علامة على الإستفهام، فعاد ابن خالته للتوضيح عابساً هذه المرة: " تصوّر أنها قبلت تمّو، الذي تقدّم لخطبتها. إنه في عُمر والدتنا تقريباً، وفوق ذلك، على رأسه باروكة " " دعنا من العته، ومن الباروكة! "، علّقَ دلير وهوَ ينفخُ حنقاً. لقد فكّرَ في نفسه: " أيعقلُ أن يعدو تمّو، عديلي؟ ". ثم قال بنبرة عتاب، مغيّراً دفّة الحديث: " هل جازَ لك مقاطعة ابن خالتك، دونما أيّ مبرر؟ ". كانَ لزكَين عندئذٍ قد أشعل سيجارة، وراحَ يتأمل دوائر الدخان المنبثقة بهدوء كما حيّة الحاوي. وإذا به يُفاجئ ابن خالته، بالقول كأنما لم يسمع عتابه: " بلى إنها معتوهة، حقاً. تعشقُ شاعراً وفناناً، يكتب لها القصائد المزيّنة بالرسوم ثم تختارُ شخصاً على شاكلة تمّو ". بقيَ دلير صامتاً، يُدير في رأسه ما سمعه. عاد لزكَين للقول، وهوَ يحدجه بنظرةٍ ثابتة: " لقد وقعَ بيدي، ما كنتَ أنت تمدّها به من أشياء تعبّر عن حبّكما. فلا تنظر إليّ، متكلّفاً عدمَ الفهم " " هل عثرتَ على تلك الأشياء في حجرة نسرين؟ " " بالتأكيد لن أعثر عليها في حجرة أمي " " ولكنني لا أظنك فتحتَ معها هكذا موضوع؟ " " بلى فعلتُ ذلك، وعليك أن تقابلها منذ الغد لكي تنقذها من جنونها " " ولكنني أريدُ أن أفهم، أولاً: أزعمت هيَ أنني صاحبُ القصائد؟ " " بالطبع، وإلا لِما أتيت إليك بل كنتُ ذهبتُ لمقابلة نزار قباني! "، قالها لزكَين ضاحكاً. بقيَ دلير واجماً، كأنه لم يسمع الطرفة. لقد استهلّ عندئذٍ بمونولوج داخلي: " عجباً مما أسمعه، كأنني في حلم سريالي. لِمَ تزعم نسرين أنني أكتب لها قصائد مزينة برسومي: هل لأنها ضُبطت وقد سرقت خصوصيات شقيقتها شيرين؟ أم أنها، فعلاً، ما إنفكّت بحالة نفسية سيئة؟ ". أمام نظرة ابن خالته، لم يكن ثمة مهرب من القول باقتضاب: " سأقابلها غداً ". ثم توجّه إليه، بنبرة رجاء: " أكون شاكراً لك، لو أنك أبلغتها أنني أنتظرها في مكتب الخال عند الساعة الثالثة ظهراً ". أومأ لزكَين رأسه دلالة على التفهّم، وقال: " بالطبع سأبلغها ". في تلك الليلة، هجرَ النومُ عينيّ دلير لشدّة قلقه. أصعب ما في الأمر عند مواجهة فتاة مثل نسرين، أنها قد تكون فعلاً هوت في بئر المرض النفسيّ، الذي ظهرت أعراضه عقب مقتل خطيبها، فباتت تتخبط في لجّةٍ بلا قرار. لحُسن الحظ، أنّ صديقه سينو سبقَ ونقل له شطحات من أقوال شقيقه تمّو حينما كانَ ثملاً، ويُفهم منها أن ثمة علاقة سرّية ربطت القتيل بالقاتل؛ وأنّ ذلك كانَ دافعَ الجريمة. بقيَ دلير يُحاول ربط الأمور بعضها ببعض، ليصل إلى هذا الإستنتاج: " إن نسرين ليست حمقاء، بل هيَ من الوعي أنها أدركت مبكراً كيفَ كانَ جمالها يُبهر الرجال. وعلى مرجوح التأويل، أنها بتصرفها الطائش إنما تنتقم من والدتها، وذلك بقبول تمّو زوجاً، لكي تجعلها تعاني مستقبلاً من عذاب الضمير طالما هيَ ابنتها البكر الأثيرة. ولعلها سطت على قصائدي الموجّهة لشقيقتها، تأكيداً للآخرين أنها تتخلّى عن حبٍ قديم لأجل أن ترمي نفسها بين يديّ شخصٍ شائه السيرة مثل خطيبها الجديد. وهيَ رسالة أخرى لوالدتها، لتزيد من تحمّل وزر الخطيئة ". كانَ دلير ما زالَ مستمراً بالعمل في مكتب الخال، كون ذلك لا يتعارض مع دراسته الجامعية. لكنه كانَ يستأذنُ كل مرةٍ، لو أحتاج الأمرُ منه التواجد في بعض المحاضرات أو الإلتزام بدروس التدريب الجامعيّ شبه العسكرية. على ذلك، بقيَ نائماً لساعة متأخرة من النهار ومن ثم توجّه إلى المكتب قبل موعد اللقاء بنحو نصف ساعة. كما هوَ متوقّع، فالمكتب كانَ خالٍ. لقد كانَ قد توصّل إلى قرار يُمكن أن يغيّر حياته أبداً، إن كان خيراً أو شراً: " الآنَ أدركتُ حقاً، أنني كنتُ دوماً أحبّ نسرين وليسَ شقيقتها؛ أن تلك القصائد إنما كانت بشكل ما تخاطب تلك الحبيبة. لعلها ورّطت نفسها بعلاقة مع الراحل سَرو، لمجرد أن ترفع قيمتها كونه طبيب المستقبل. وربما كانت ستفاجئه بفسخ الخطوبة أنّى شاءت، فعجّلت رصاصاتُ الأم هكذا النهاية تلقائياً. فتاة بمثل هذا المزاج المتقلّب، جديرٌ أن يتجنّبها الرجلُ العاقل. إلا أنني مصممٌ على إنقاذها من نفسها، بأن أعرض عليها الزواجَ! ".
#دلور_ميقري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سكة حديدية حتى السماء: بانثيون بشري
-
سكة حديدية حتى السماء: عالم آخر
-
سكة حديدية حتى السماء: القطار المشؤوم
-
سكة حديدية حتى السماء: طبيعة عارية
-
سكة حديدية حتى السماء: خرائب وصروح
-
سكة حديدية حتى السماء: خريطة ممزقة
-
تشريح الذات: الخاتمة
-
تشريح الذات: كانَ ربيعاً أخيراً
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
-
خمسة أسابيع في دمشق 4
-
خمسة أسابيع في دمشق 3
-
خمسة أسابيع في دمشق 2
-
خمسة أسابيع في دمشق
-
المهاجران من المسرح إلى السينما
-
فيلم الطفولة الكردية، المغتالة
-
فيلم اليهودي والضياع الأخير
-
فيلم الكردي وحروب الآخرين
-
مصير أسرة في فيلم سوري
-
تراب الغرباء والتلاعب بالتاريخ
-
الترحال؛ منحوتة للطفولة والمدينة
المزيد.....
-
فنانو ميسان.. حضور لافت في دراما رمضان تمثيلا واخراجا وكتابة
...
-
حكاية مسجد.. -حميدية- بتركيا بناه عبد الحميد الثاني وصممت دا
...
-
معركة الرواية.. هكذا يحاصر الاحتلال القدس إعلاميا
-
القصيدة المحلية وإشكالية شعر المناسبات
-
معرض للمغربي عبد الإله الناصف عن -حيوية إفريقيا وصلابة تراثه
...
-
محمد عبده يقنن مشاركاته الفنية مراعاة لظروفه الصحية
-
علاء رشيد يقدم مسرحية ”كل شيء رائع” والجمهور جزء من الحكاية
...
-
بنين: الاحتفاء بالضفائر الأفريقية.. نوع من المقاومة الثقافية
...
-
في اليوم الدولي للغة الأم.. اليونيسكو تناقش معركة الهوية في
...
-
المفكر الفرنسي جيروم هورتو: غزة تمثل لحظة إنكار تام لجوهر ال
...
المزيد.....
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
المزيد.....
|