أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - أحجار الشطرنج الصفر: يوم جديد















المزيد.....


أحجار الشطرنج الصفر: يوم جديد


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 00:47
المحور: الادب والفن
    


1
في العام الأول عقبَ مفتتح عقد الثمانينات، وقعَ حادثٌ أليم لزوجة دلير. لقد كانَ قد وعدها بتجديد أثاث البيت، الذي عبثت به الفئران، المعششة في الحديقة. ولقد بدأت نسرين بتغيير سرير حجرة النوم، الشبيه بأسرّة باشاوات الأفلام الكلاسيكية، فاستبدلته بآخر خالٍ من البهرجة لكنه مريحٌ وعمليّ. كون دلير، في المقابل، غير عمليّ فيما يخصّ التركيب والتصليح، عليه كانَ أن يستعين بابن خالته. حضرَ عندئذٍ لزكَين، وما لبثت أن لحقته شقيقته شيرين. هكذا انهمكوا هم الثلاثة في تركيب السرير، وكانَ مجزأً إلى قطعٍ موضوعة في علب كرتون. استُبعدت نسرين من حجرة النوم، كونها حبلى بطفلها الأول. إلا أنّ الفضول، دفعها لحشر نفسها مجدداً في العمل. وإذا بالأيدي تفلتُ هيكلَ السرير، عقبَ الانتهاء من تركيبه، ليقع على مشطيّ قدميها. لحُسن الحظ أنها كانت منتعلة خفاً منزلياً من البلاستيك الثخين، فجاءت الضربة أقلّ قوّة. لكنّ ذلك أدى إلى نزفٍ داخليّ، ربما من فرط الصدمة، ومن ثم أجهضت لاحقاً في المستشفى. الطبيبُ، وكانَ من الحارة، أسرّ لدلير أنّ ثمة احتمالاً كبيراً بألا تتمكن امرأته من الحبل مرةً أخرى. أخفى عنها الخبرَ، وما عتمَ أن تكلّفَ المرحَ حينَ اجتمع معها في الحجرة، ليخاطبها: " الطبيب، أوصى ألا تدسّي أنفك في أمور لا تعنيكِ ". بيد أنها فيما بعد، أختبرت نفسها عند طبيب آخر، أكّد لها نفس النتيجة. منذئذٍ، باتت أعراض الكآبة تلوحُ عليها. في البيت المجاور، كانتَ والدة دلير تعاني من نفس الأعراض مذ أن افترقت عن زوجها الثاني.
السيّدة رَمّي، تأثّرت كثيراً بالخبر، المنقول على لسان ابنتها. عند ذلك حاولت طمأنة نسرين، بالكلام عن قدرة الرب الأقوى من العلم. إلا أنها استدركت، وقد سلت تلك القدرة: " سأتكلّمُ مع خالكِ جمال الدين، ليتدبّر لكِ منحة طبية للعلاج في روسيا "
" لو كانَ العلاجُ ممكناً هناك، كانَ فعلَ ذلك لإمرأته "، علّقت نسرين في كرَب. وكانت حالة السيّدة " بشيرة "، زوجة الخال، قد دخلت في الفترة الأخيرة طوراً خطيراً. فقد أضحت ضحيّة نوبات هذيان، تخللتها الصراخُ والتشنّج حدّ فقدان الوعي.
قالت السيّدة رَمّي، بنبرةٍ ساهمة: " ذاك مرضٌ نفسيّ، بينما حالتك وضعيّة. أريدكِ أن تحتفظي بقوة إرادتك، وإلا غدوتِ أنتِ الأخرى عرضة للمرض النفسيّ ". بعد قليل، لما أنفردت بصهرها، بثّته مخاوفها: " معاناتها من الكآبة جليّة، وهذه ليست المرة الأولى ". قالت ذلك ثم عضّت على شفتها، وقد أعرضت عن إكمال الجملة. أدرك دلير الأمرَ، كونه بالطبع ألمّ فيما مضى بحكاية خطبة نسرين لمساعد الطبيب، الذي سقط صريعاً برصاص والدتها. لكن هذه الأخيرة، تجاوزت ذلك بأن استطردت: " يا لي من شقيّة! عليّ حملُ همّ ابنتي هذه المرة، بينما أنا أعاني من التفكير بحالة كلّ من شقيقتي وامرأة أخي ".
في اليوم التالي، عادَ المريضة خالها، السيّد جمال الدين. كررَ نفس كلام الأمس على لسان والدتها، بأنه على استعداد لإرسالها إلى موسكو كي تعالج في مستشفياتها الراقية. ثم التفتَ إلى ناحية زوجها، للقول فيما يربتُ على ركبته: " وأنت؟ كيف هيَ نتائجُ امتحاناتك الأخيرة؟ "
" جيدّة. وأنا منذ الآن، أحضّر نفسي للماجستير "
" بمجرّد تخرّجك، لك عندي وظيفة مرموقة في مؤسسة الإسكان العسكريّ "
" أنا سأتخّرجُ من قسم التاريخ، فما شأني بتلك المؤسسة؟ "
" خالك سعد الدين، أيضاً خريج التاريخ. لكنه هجرَ اختصاصه وغدا صحفياً "، ردّ الخال. ثم أضافَ، متمعّناً بابن شقيقته من وراء النظارة الطبية القاتمة: " يلوحُ لي أنك ستتحوّل أنتَ كذلك للصحافة، لأنك موهوبٌ برسم الكاريكاتير؟ "
" إنه مجرد هواية "
" ولكنها هواية خطرة، بالأخص أنك غير منتسب للحزب الحاكم "
" أنا منتسبٌ لحزبٍ، هوَ على علاقة زواج بجبهة الحزب الحاكم "، قالها دلير مبتسماً.

2
طالما حلمَ دلير أن يرزقَ بطفلةٍ، هوَ مَن حملَ ودللَ بنات خالته حينَ كنّ صغيرات. في فترة بدء حمل زوجته، اشترى من المكتبة مجلات أطفال روسية، حكاياتها مترجمة للغة العربية. وكانَ قد تخيّل كل مرةٍ تصفحَ إحداها، أنه يقوم بالقراءة لابنته فيما هيَ تطرحُ عليه أسئلتها الساذجة، وذلك قبل أن يختطفها النعاسُ. في صغره، كانَ بنفسه يختلقُ قصصاً خيالية، وكانَ ماهراً بحبكتها وإيصالها لخواتيم مثيرة. لزكَين، كانَ آنذاك مغرماً بتلك القصص، يستزيده كل يوم على رواية المزيد. مؤخراً، وقبل حادثة طرح امرأته، كانَ شقيقها عنده في المنزل. راحَ يقلّب كتبَ الأطفال تلك، ثم قال لدلير: " لو أنك جمعتَ حكايات الطفولة، التي كنتَ تقصّها عليّ، لغدوتَ كاتباً كبيراً ".
مع توغل امرأته في دهاليز الكآبة، وتحوّلها إلى كائنٍ عاجز تقريباً، أخفى دلير كتبَ الأطفال عنها؛ هيَ مَن أضحت بنفسها في حاجةٍ إليها، لكي تتمكنَ من النوم. لكنها من ناحية أخرى، راحت تختلقُ أوهاماً على خلفية علاقته السابقة بشقيقتها شيرين. منتشية على ما يلوحُ بتلك الأوهام، بدأت في إزعاج زوجها كلّ مرةٍ تواجدت شقيقتها في المنزل. هذه الأخيرة، لم تجد طريقةً للخلاص من هَمْز ولَمْز المريضة، إلا بالإمتناع عن زيارتهم. كذلك من ناحيته، قلل دلير ما أمكن، وجودَهُ في منزل الخالة. مع ذلك، لم ترعوِ المريضة أو تهدأ. لقد أخرجت ذات يوم مراسيلَ الغرام، التي كانَ دلير يبثّ فيها كلماتِ العشق لشقيقتها، مزيّناً إياها برسومات معبّرة. قالت بنزق، فيما كانت تلوّحُ الأوراقَ الملوّنة بوجهه: " هذا هوَ الدليلُ، أنك كنت تحبّ شيرين ". حملقَ مدهوشاً في الأوراق، المكوّمة على الطاولة، والتي كانَ قد نسيَ أمرها تماماً مذ أن غدت خطيبته. قبل أن يُعلّق على كلامها، استطردت هيَ بالقول: " وأنا من جهتي، لم أحب في حياتي سوى سَرو. كما ترى، فإنّ زواجنا باطلٌ من الأساس، لأنه تمّ تركيبه بشكلٍ معكوس "
" وهل أملتِ الآنَ بالزواج من جثّة ذلك الشاب، التعس؟ "، علّقَ على كلامها في شفقةٍ متماهية بالتهكّم. ثم أضافَ، مغيّراً نبرته إلى محاولة المصالحة: " كلّ منّا لديه تجربة في الماضي، لكننا اليومَ نعيشُ تحتَ سقفٍ واحد "
" لن يكون بمقدورك الإستمرار بالحياة معي دونَ أطفال، أنا على ثقة من ذلك سلفاً "
" أنا أحبّ بالطبع الأطفال، ولكن ليسَ بالضرورة أن يكونوا من صلبي "
" هل نتبنّى طفلاً من دار الأيتام، مثلما فعلت عمتك؟ "
" هذا كلامٌ سابق لأوانه، لأن معالجتك ممكنة في الخارج "
" وماذا عن علاج مشاعرنا؟ "
" ماذا تقصدين بذلك؟ "
" الحبّ مفقودٌ بيننا، هذا ما قصدته "
" الحبّ ينمو بالعشرة والتفاهم، إنما المهم أن تجتازي أزمتك النفسية حالياً "، قال ذلك ثم ندمَ على إفلات لسانه موضوعاً يثير استياءها. بقيت تحدق بالأوراق على المنضدة، ثم رفعت رأسها لتقول وعلى طرف فمها ابتسامة غلّ بيّنة: " تجلبُ ليَ حبوباً مضادة للكآبة، بينما أنتَ في حاجةٍ أكثر مني للعلاج النفسيّ. وإلا فأي رجلٍ عاقل يستمر في الحياة مع امرأةٍ، تصرّ على أنها لن تحبّه أبداً؟ ". بالرغم مما يظهر عليها من وهن، ومن شحوب شديد في وجهها، فإنها ربما كانت تسعدُ بجرح مشاعره. لم يشأ التمادي في الجدال، فالطبيب حرصَ على توصيته بمراعاة المريضة: " حبوب الكآبة هذه، لن تعطي نتيجة إيجابية قبل شهر على الأقل ".
عندئذٍ تركها تنتظرُ جوابه، وخرجَ إلى أرض الديار. رذاذٌ خفيف من المطر، كانَ يتساقط في هذا الوقت المبكر من الربيع. ثم تذكّر، فجأةً، أنه يومُ العشرين من آذار. تطامن برأسه إلى ناحية الجبل، الغارق في الظلام، وإذا به يظهرُ متألّقاً بشعلات نيران، مبثوثة على خطٍ مستقيم تقريباً: " إنها ليلة النوروز! "، هتفَ في داخله بحبور. في صباح الغد، سينعقدُ الإحتفالُ في إحدى بلدات الغوطة، فينتقل المحتفلون بالحافلات من الحي إلى ذلك المكان. السلطة، غضّت النظرَ عن هكذا نشاط، للعام الثاني على التوالي؛ هيَ المشغولة بالمواجهات الدامية مع تنظيم الطليعة، الأصوليّ.

3
تحت أشجار الزيتون، المتراصفة بشكلٍ هندسيّ بديع، مدّ أفرادُ العائلة سماطاً طويلاً، وضعوا عليه ما تيسّرَ من مأكولاتٍ وفاكهة ونقل. لزكَين، القليل الإحساس بمشاعر من هم أكبر سنّاً، جلبَ زجاجة عرق " الريّان "، فوضعها بحنوّ في حضنه قبلَ أن يفتحها. ما أن فاحت رائحة اليانسون الحرّيفة، إلا ودمدمت العمة سارة، باستياء: " ما هذا؟ هل نحنُ في خمّارة؟ ". زوجها أطلقَ ضحكة مكتومة، بينما شقيقات المعنيّ استرسلنَ بقهقهة جذلة. هذا فاقمَ من غيظ العمة، فأمرت لزكَين أن يبتعد عن مجلس العائلة لو أراد أن يشربَ المنكر. أكتفى هوَ بالتحرك قليلاً، مُديراً ظهره للوليمة العائلية. بعدما أترعَ كأسين، قدّم أحدهما لابن خالته. هنا نظرت السيّدة سارة إلى ابن أخيها، مضيّقة عينيها: " حتى أنتَ، يا دلير، المفترض أنك عاقلٌ؟ "، خاطبته بصوتٍ منخفض. فما كانَ منه، سوى أن استدارَ بَدوره.
دقائق على الأثر، وحضرَ الخالُ الأكبر بصُحبة شقيقه الأستاذ سعد الدين. حرّك السيّد جمال الدين أصبعه على أنفه، رامقاً مجلسَ الخمرة بنظرة انتقاد. ثم ما لبثَ أن سأل عن كلّ من نسرين والسيّدة بَسْني، مفتقداً وجودهما: " كانَ يتوجّبُ الضغط عليهما كي تحضرا الحفل، فإنه مناسبة تسهم في عودتهما للحياة الإجتماعية ". لكنه غيّرَ الموضوع حالاً، ربما كونه تذكّرَ حالة امرأته. في أثناء ذلك، كانَ الميكروفون ينقلُ خطباً عصماء، جادَ بها ممثلو تنظيماتٍ كردية ويسارية وفلسطينية، ثمة على مسرحٍ مُرتجل. إنقطعت تلك الأصوات حينَ اقتحمت المكانَ عدة شاحنات عسكرية، حملت أفراداً ببدلات مموّهة تشي بتجنيدهم في سرايا الدفاع. راحَ بعضُ أولئك العسكريين يطلقُ الرصاصَ في الهواء، ابتهاجاً واستعراضاً، ما جعلَ أغصان الأشجار تتساقط على رؤوس المدعوين. عريفُ الحفل، وكانَ مستو، تدخلَ أكثرَ من مرةٍ، طالباً إيقاف إطلاق النار. إلا أنّ العناصرَ، ردوا عليه بالمزيد من الرصاص.
بينما كانَ دلير يتكلّمُ مع ابن خالته، الذي شعّ وجهه بالشراب فغدا بلون عُرف الديك، مرّ أحدهم كي يُحيي الأستاذ سعد الدين. فعلَ ذلك، بإنحناء ومبالغة في الإحترام. " شاهر " هذا، عملَ فنياً في إحدى الصحف الرسمية. لقد كانَ من الوجوه المألوفة في بيت الإيجار، يحشرُ نفسه في كل نقاش. وكانَ مستو يُعامله بلطفٍ خاص، كما أنه أرتبط بصداقةٍ وثيقة مع آشتي. إنه شابٌ على حافّة الثلاثين، ضئيلُ القامة للغاية مع حدبةٍ هيّنة، جعلته يُميل كتفه الأيمن حيثما سارَ. وقد كرّمه الخالقُ أيضاً بسحنةٍ كأنما ممسوحة المعالم، ممتقعة على الدوام. وكانَ يمحضُ دلير عداوةً خفيّة، ربما كونه من المعادين بشدّة للماركسية. هذا مع أنه متحمّسٌ لتنظيم ب ك ك، الذي حققَ جماهيرية كبيرة باستضافته، في عام مضى، للفنانٍ الكرديّ الشهير، " جلوان "، وذلك في حفلةٍ ببيروت حضرها مسئولون كبار من الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية.
وهوَ ذا شاهر يُضيّفُ نفسه بنفسه، فيقرفصُ بمقابل مجلسَ الخمرة ليصبّ كأساً. قالَ فيما كانَ يقرضُ المازة، بطريقةٍ تذكّرُ بالفأر: " قائدُ سرايا الدفاع، منحَ العناصرَ الكرد إجازة النوروز. في هذه المناسبة، كانَ أيضاً قد اقترحَ على شقيقه استضافة الفنان جلوان، لكنّ أعضاء مؤثرين في القيادة القطرية حذّروا بأنّ ذلك قد يستفزّ الأتراك "
" ولِمَ الكردُ قد استحقوا، فجأةً، محبة ذلك القائد؟ "، تساءلَ لزكَين وقد زاغت عيناه بتأثير الشراب. هزّ الضيفُ رأسَهُ باهتمام، مطلقاً صأصأة من فمه: " يُقال، أن القائدَ متزوّجٌ من فتاةٍ كردية "
" ويُقال أيضاً، أنّ أسرتهم من أصلٍ كرديّ؛ مثلما بشّرَ الشقيقُ الآخر "، علّقَ دلير متهكّماً. كانَ يقصدُ شقيقَ الرئيس، الأوسط، الذي وجدَ لنفسه دوراً سياسياً عن طريق تأسيس جمعيةٍ هدفت إلى إحياء الخلافة الفاطمية. وإذا لزكَين، يغمزُ ابن خالته بعينه. فهمَ دلير الإشارة، أنها تحذيرٌ من التمادي في مناقشة أمور حسّاسة مع شخصٍ غريب إلى حدّ ما. هذا الأخير، ابتسمَ عندئذٍ وقال لدلير: " إنها حقيقة، يا صديقي. حتى أنّ ثمة مستشرقاً فرنسياً، برهنَ أنّ علويي سورية مستعربون من أصلٍ كرديّ "
" لقد بدأ الحفلُ الفنيّ، وأنا ماضٍ لحضوره عن قرب "، قالها لزكَين قاطعاً النقاشَ.

4
قال مستو، أثناء جلسةٍ جمعته مع صديقه دلير في بيت الإيجار: " ليسَ الكردُ من السذاجة، أن يتوهّموا بأنّ النظامَ البعثيّ قد غيّر نهجه إزائهم. فإنه فوق عنصريته، قد غدا طائفياً. ففي سبيل خلق قاعدة جديدة لسلطته، مرتكزة هذه المرة على الأقليات، سعى إلى كسب الكرد إلى جانبه في معركته المحتدمة مع الأصوليين ". كانَ يعني السياسة الجديدة، المفاجئة، التي سمحت للفرق الفنية الكردية، بالمشاركة في حفلات الجامعة والمركز الثقافي السوفييتي، فضلاً عن مناسبات تحييها المنظمات الفلسطينية والعراقية المُعارضة.
وإنما في تلك الآونة، دُعيَ دلير لإقامة معرض لرسومه الكاريكاتيرية في صالة الجبهة الديمقراطية، الكائنة في مخيّم اليرموك بجنوب دمشق. كانَ إذاك قد توظّف في مؤسسة الإسكان العسكريّ، بوساطة من خاله. هذا الأخير، ما لبث أن استقبله في مكتبه، وذلك قبل افتتاح المعرض بيومين. نظرَ الحالُ باستياء إلى ورقة الدعوة، المرقونة بشكلٍ رديء على الآلة الكاتبة: " كيفَ تريدني أن أحضرَ المعرضَ مع أصدقاءٍ مهمّين، بمثل هكذا ورقة مزرية؟ "، قال لابن شقيقته. وما أسرعَ أن استدعى الفرّاش، فأمره بالذهاب إلى مطبعة في مركز المدينة: " أطلبْ منهم أن ينسخوا من هذه الدعوة مائة كرت، وكلّ منها مذهّبُ الكتابة "
" أتريد أن تدعو مائة تاجر، يا خال، لحضور معرضٍ يُهاجم الطبقة المُستغِلّة؟ "، قالها دلير على سبيل الدعابة. كانَ في المكتب ضيفان، انفجرا عندئذٍ بالضحك. ردّ الخالُ، مقطّباً حاجبيه: " بل سيحضر معي عددٌ قليل من الأصدقاء، وبقيّة الكروت أنتَ وزّعهم بنفسك على جماعتك الثورية ". ثم أردفَ يسأله، عن سير عمله في المؤسسة: " علمتُ أنهم سلّموك مخزنَ أحد الفروع الإنشائية، وأنك تضايقُ رجالَ القطاع الخاص؟ "
" أبداً، أنا أطبّق تعليمات المؤسسة. كل تاجر يحقّ له حمولة واحدة من المواد، أسبوعياً. لكن بعضهم كانوا في زمن المحاسب السابق، يُسمح لهم بتحميل ما شاؤوا "
" فليحملوا ما شاؤوا، بما أنّ القطاع الخاص يُسهم في الإعمار "
" في حقيقة الأمر، أنهم يحصلون على المواد بسعر رخيص ثم يبيعونها بسعر باهظ "
" هذه أيضاً، تجارة. أليسَ أفضل من أن تتراكم الموادُ في مستودعاتكم؟ "، هتفَ الخالُ في ضيق. ثم أشارَ بيده، تعبيراً عن الضجر من الجدال.
مَن سعى لإقامة المعرض، كانَ صديقاً من كرد حلب، تعرّفَ عليه دلير في بيت الإيجار. " صباح " هذا؛ كانَ شاباً صفراوياً، بعيون تنطقُ بالحذر من وراء نظارةٍ طبية سميكة. لقد عُدّ صنوَ آشتي، لناحية النشاط والتنقل من مكان لآخر. لكنّ المفارقة، أنه كانَ يقضي خدمته الإلزامية في دمشق. كيلا يُلقى ظلٌ من الشك حول ذلك، فإنّ صباح قالها بصراحة أنه يُرشي كلّ مرةٍ الضابط المناوب. زيادةً في الأريحية، جلبَ مربّعات من الكرتون، لكي تثبّت الرسومُ الكاريكاتيرية عليها. كذلك قام بدعوة كل من عرفهم من قادة التنظيمات الكردستانية، التركية والعراقية، المتواجدين في دمشق: " أنتَ أول رسام كاريكاتير، يطرحُ المسألة الكردية بطريقةٍ مباشرة "، قالها لدلير مُقرّظاً. في مساء الإفتتاح، دُهشَ مسئولُ المكتب من الحضور الكبير، وما عتمَ أن بلّغ الفنانَ بتمديد فترة المعرض عدة أيامٍ أخرى.
وإنه حاضرٌ في صالة المعرض، بالقرب منه على الطاولة دفتر ملاحظات الزوّار، إذا لزكَين يظهرُ بسحنةٍ تلوحُ فيها علامات مشئومة. انحنى على صهره، ليقول بصوتٍ هامس: " عليك العودة إلى البيت، فإنّ نسرين في حالةٍ سيئة ". تبلبل دلير بشدّة، كون امرأته شكت قبل بضعة أيام من وجع في قدميها بحيث باتت تعرج تقريباً. بادرَ إذاً إلى الإنصراف، فيما أضافَ ابنُ خالته: " الخال سعد الدين، ينتظرنا تحت في سيارته ". وكانَ الخالُ قد حضرَ المعرضَ في يوم الإفتتاح، برفقة رئيس تحرير جريدته وعددٍ آخر من الزملاء.
في خلال الطريق، قال لزكَين بصوتٍ مرتعش: " مشطا قدميها متورّمان بصورةٍ مخيفة، وأخشى أنها الغنغرينا ". لكن الخال هدّأ هكذا مخاوف، رامقاً المتحدثَ بنظرة مؤنّبة من خلال المرآة الصغيرة. بدخولهم إلى المنزل، وجدوا السيّدة رَمّي، ويبدو أنهم اتصلوا بها مبكراً. قالت لدلير، وكأنما هوَ أمرٌ يهمّه من قريب أو بعيد: " زوجي أوصلني، وكانَ في ودّه الإطمئنان على نسرين لولا أنه مناوبٌ الليلة على رأس عمله ". نسرين، كانت مستلقية في السرير، تعرض قدميها لكل من زارها. بالفعل، لحظ الزوجُ أنّ الورمَ كانَ مستفحلاً، فغدت كلّ من القدمين كأنها رغيفُ خبز أخرجَ منفوخاً من الفرن بلونٍ برونزيّ.

5
دخلت نسرين إلى مستشفى عام، كانَ مديره من الحارة. كانَ الطبيبُ من اللطف، أنه خصصَ ممرضتين كي يتناوبان على المريضة طالما هيَ في رعايتهم. في مكتبه، قال الطبيبُ أنها أعراضُ الغنغرينا، وقد شرعوا للفور بإعطاء المريضة مضادات حيوية من خلال الوريد ومن ثم إزالة الأنسجة الميتة. ثم أضافَ بنبرة لوم، قائلاً لدلير: " كانَ من المفترض أن تُعرضَ على طبيبٍ مختص، مباشرةً عقبَ تعرّضها للحادث حتى لو لم يظهر الورم على الفور في القدمين ".
لزكَين كانَ حاضراً في إبّان المحادثة مع الطبيب، فنقل ما سمعه إلى والدته لما آبَ إلى البيت. هذه علّقت عند ذلك، قائلةً: " زوجها كانَ مشغولاً بأصدقائه، لا تكادُ هيَ تراه عقبَ عودته من الوظيفة ". ثم أعولّت، مرددةً: " لو أنهم بتروا قدميّ ابنتي، فإنّ خطيّتها برقبته ". كلامها كانَ قاسٍ، عبّر عن تربيتها الريفية. الابنُ، لاحظ في قلقٍ انتفاخَ بطن والدته. لما تساءل عن الأمر، فإنها أجابت من خلال دموعها: " حتى الآن أخفيتُ أنني حامل، لكي لا يُجرح شعورُ ابنتي، التي أصيبت بالعقم على أثر الحادثة المشئومة "
" وهل أنتِ، أماه، بحاجةٍ إلى مزيدٍ من أولاد؟ "
" نعم، ربما يعوّضني الله بابن يعرفُ معنى المسئولية، أستند إليه عند الحاجة "، ردّت بصريح العبارة. مدفوعاً كالعادة بمشاعر الغيرة، إلتهبَ داخله بالحنق. إلا أنها استدركت، فأوصته أن يتكتّم على موضوع حملها.
وتحققت مخاوفُ الأم، فما هيَ إلا بضعة أيام ونصحَ الأطباءُ بضرورة بتر مشطيّ قدميّ نسرين. عندئذٍ هُرعت الأم إلى السيّد جمال الدين، تتوسّل إليه أن يرسل الابنة إلى الخارج علّها ثمة تتجنّب ذلك العلاج الرهيب. لما راجعَ الخالُ الأطباءَ، أفهموه أنّ أيّ تأخير في البتر، سيفضي إلى انتشار الورم في القدمين. أسقط في يده حينئذٍ، هوَ مَن يعلم أن احراءات الحصول على فيزا المرض ومن ثم تأشيرة السفر، تستغرقُ أياماً. لما أقترحوا عليه التوقيع على الموافقة على عملية البتر، أذعنَ عقبَ ساعةٍ من التردد. لقد خشيَ من رفض الآخرين للعملية، فتفقد نسرين حياتها على الأثر. إلا أنه طلبَ من الأطباء ألا يخبروا المريضة بالعملية، سوى القيام بالتخدير قبيلها.
ردّة فعل المريضة، عقبَ إفاقتها من التخدير وعلمها بعملية البتر، أدهشت الأطباء. فإنّ ملامحَ نسرين ظلّت جامدة، فلم تتحقق عملياً من الأمر. لاحقاً، لما علمَ ذلك من مدير المستشفى، فإنّ دلير صارحه بالقول: " إنها كانت تعاني من كآبة مدمّرة، بعدما علمت أنّ الإجهاض سبّبَ لها العقم. فأيّ أذى آخر يلحق بها، ولو عملية بتر تجعلها شبه معاقة، لم يكن أكثر تأثيراً عليها من تلك المصيبة ". لكنها والدتها، هيَ مَن ملأت المستشفى بالصراخ والعويل والندب، لحين أن جرّها شقيقها سعد الدين إلى الخارج وهيَ شبه منهارة.
شيئاً فشيئاً، استعادت نسرين الوعيَ بالمصيبة الجديدة، وكأنما قد أخرجتها من حالة الكآبة إلى اليأس هذه المرة. كونها ستبقى تحت الملاحظة في المستشفى لوقتٍ يطول أو يقصر، فإنها طلبت من العاملين هناك ألا يدخل عليها أحدٌ خلا أمها وأخوتها. لا غرو أن يُصدم دلير من هكذا موقف، لأنه يعني إتهاماً مباشراً من زوجته أنه سببُ ما حاق بها من كوارث وآلام.
ها هوَ لزكَين، يأتي إليه بخبر جديد من شقيقته المريضة: " إنها تطلبُ الطلاق "، قالها باقتضاب ونبرةٍ كامدة. لم يعلّق دلير بكلمة، كونه قرر أخيراً أن يذهب إلى المستشفى كي يرى امرأته. ثمة صعد إلى الدور الثاني، أين حجرة نسرين، التي انفردت بها بتوصية من المدير. إتفاقاً، أنها كانت عندئذٍ لوحدها وقد أغفت. بقيَ جالساً بالقرب منها، ينصتُ إلى غطيطها الخافت. كانَ قادماً وفي نفسه ثورة، تأججت أكثر في خلال الطريق. إلا أنه هدأ بمجرد رؤيته للمريضة، فاجتاحته الشفقة لدرجة ذرف الدموع. أدركَ الآنَ أنه يُحبها أكثر من أيّ أحد آخر في هذه الدنيا، أكثر حتى من طفلةٍ تمنى لو أنها أنجبتها له.



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحجار الشطرنج الصفر: أوديب العصر
- أحجار الشطرنج الصفر: صداقة وليدة
- أحجار الشطرنج الصفر: أجيال ماجنة
- أحجار الشطرنج الصفر: حكايات على الطريق
- سكة حديدية حتى السماء: الخاتمة
- سكة حديدية حتى السماء: مرآة جديدة
- سكة حديدية حتى السماء: كرامة مُخبر
- سكة حديدية حتى السماء: مكيدة غرام
- سكة حديدية حتى السماء: بانثيون بشري
- سكة حديدية حتى السماء: عالم آخر
- سكة حديدية حتى السماء: القطار المشؤوم
- سكة حديدية حتى السماء: طبيعة عارية
- سكة حديدية حتى السماء: خرائب وصروح
- سكة حديدية حتى السماء: خريطة ممزقة
- تشريح الذات: الخاتمة
- تشريح الذات: كانَ ربيعاً أخيراً
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
- خمسة أسابيع في دمشق 4
- خمسة أسابيع في دمشق 3
- خمسة أسابيع في دمشق 2


المزيد.....




- تمثال لترامب وإبستين بوضعية من فيلم تايتانيك يظهر في واشنطن ...
- -الألكسو- تختار الفنان الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربي ...
- من صوت -البيدوغ- إلى رحلة -الموديك-.. كيف يعيش الإندونيسيون ...
- تحديات التعليم العالي في مرآة كتاب
- الفنان مرتضى حنيص: نشهد تقدما في اعمال الدراما ولدينا مخرجون ...
- موسم جوائز يمكن وصفه بالفوضوي يسبق حفل الأوسكار الـ98
- هرر ذات الـ82 مسجدا.. مدينة إثيوبية يستعد أهلها لرمضان بـ-غس ...
- جيهان الشماشرجي أمام محكمة الجنايات.. القصة الكاملة للاتهاما ...
- معرض الكتاب الدولي في لندن: مساحة خاصة للتلاقح الحضاري
- مع عثمان العمير في -دو?ر ستريت-.. ضياء العزاوي يرمم ذاكرة ال ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - أحجار الشطرنج الصفر: يوم جديد