|
|
أحجار الشطرنج الصفر: الجنة والنار
دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 00:51
المحور:
الادب والفن
1 بمجرد وصول المجموعة إلى عاليه، استقرت في فيلا على طرف الطريق الرئيس. كانت الإضاءة شبه منعدمة في المكان، ما زادَ من وحشته؛ وهوَ أساساً بين أشباح الأشجار، المائلة الرؤوس. وإطفاء الأنوار في خلال الحروب، تقليدٌ قديم، بالٍ، يعود لبداية استخدام الطائرات القتالية. وإن دلير ليذكر حرب عام 1973، وكانَ الناسُ ملزمين أيضاً بصبغ زجاج النوافذ بمسحوق النيلة. وهوَ ذا الآنَ، مع انتقائه زاوية للرقاد في إحدى حجرات الفيلا بالدور الأول، يرجعُ أيضاً بذاكرته إلى أيامٍ هنيئة عاشها مع زوجته الراحلة. لعل طيف الموت، المُدجج بالفولاذ بدلاً من المنجل، والمقترب حثيثاً، جعله أكثر واقعية وأقل رومانسية في خلال استدعائه لتلك الذكريات. نسرين، كانت ابنة مثالية لبيئةٍ محافظة، تُحدد دورَ المرأة في المطبخ وإنجاب الأطفال ورعايتهم والسهر على راحة الزوج. لقد حلمت بقرينٍ، يستحقُ جمالها الأخاذ؛ طبيب أو مهندس أو رجل اعمال ناجح. خطبتها لطبيب المستقبل، الراحل سَرو، انتهت بحادثة دموية. لقد سلّمتها الفاجعة لمتاعب نفسية، لحين أن رسى طموحها على دلير. ومن ناحيته، بعدما أرتوى من رحيق الحب، أحسّ حينئذٍ بالفارق الفكريّ مع امرأته. فلم يكن من الممكن فتحُ نقاشٍ جدّي معها، وهيَ مَن كانت ثقافتها، كوالدتها، محصورة حتى ذلك الوقت بالمجلات الفنية اللبنانية. هكذا تباين في المستوى الثقافي، عوّضه بالخروج من المنزل كلٍ حينٍ، للقاء أصدقاء يُمكن أن يتبادل معهم حديثاً مُجدياً. مع ازدياد شكواها من خروجه اليوميّ، راجعَ نفسه وأدركَ أنه على خطأ. وكانَ بصدد تنفيذ خطةٍ لإعلاء مستوى ثقافة امرأته، لما بترها الحادثُ المشئوم. ليُضْحي بنفسه عقبَ موتها ضحيةً لنوعٍ من أزمة نفسية، تمحورت على تبكيت الذات. وما فاقم ذلك، شعوره أيضاً بشيءٍ من المسئولية عن حالة والدته، المنتهية بإنتحارها. ولعل اندفاعه في هذه المغامرة، هوَ من واردات تلك الأزمة. قبل أن يُسلم عينيه للرقاد، تذكّرَ كلامَ الأم، لما أجبر نفسه ذات مرة على الذهاب إليها في صبيحة يوم عيد: " إذا كنتُ سأجنّ قريباً، فإنّ ذلك نتيجة العدوى من عائلة أبيك ". وكانت هذه إشارة لعمّة الرائد فيّو، التي كانت امرأة عانس، خفيفة العقل، تفانت في خدمة والديها. كانَ صباحاً صيفياً منعشاً، بارداً قليلاً، يليقُ بعاليه، المعلّقة على ذرى الجبال. لكن منظرَ بيروت في الأسفل، كانَ مغلّفاً كله بالضباب. بعد قليل، سينقشع الضبابُ كي يحلّ بمحله دخانُ القنابل. إلا أنّ السكونَ ما فتأ ملازماً المكان، لا يقاطعه سوى تغريدُ الطيور على الأشجار. وكانت مدينة عاليه في الخلف، لا يمكن مشاهدةُ أيّ من تفاصيلها من مكانه، المشرف على الوادي. أشجارُ الصنوبر، الطويلة والرشيقة، كانت تنافسُ أزهارَ البرية في إطلاق أريجٍ مُسكر، يجعلُ المرءَ متيقناً تماماً أنه في جنّةٍ على الأرض. كلّ الجبال هنا مشجّرة، بالنظر لقربها من رطوبة البحر. وإنها جبالٌ، تقاسمتها مكوّناتٌ أثنية عديدة، برز منها تاريخياً الموارنة والدروز. وإنهما تنازعا السيادة هنا، بالرغم من أنّ بلداتهم متجاورة وبعضها مزيجٌ من العنصرين. لاحقاً، سيجري تنبيه المجموعة للسير بحذر، كون الجبل المقابل يذخر بقنّاصةٍ، يتحينون فرصة غفلة الخصم كي يجري تسليمه لملك الموت. إبّان الفطور بنحو ساعة، وكانَ الرفاقُ ملمومين في الصالون، حضرَ رجلٌ تمّ تقديمه على أنه المسئول الجديد للمجموعة. كانَ في نحو الأربعين، بشرته سمراء قاتمة، قامته طويلة ونحيلة. كونه تكلّمَ بلهجةٍ عراقية، فإنّ دلير أفترضَ أنه من أخلاف أولئك العبيد، الذين جلبهم العباسيون من أفريقيا للعمل في ضياعهم؛ ومن ثم قاموا بثورةٍ كبرى، كادت أن تعصف بسلطتهم. الرفيق " سلام " هذا، رمقَ دلير بنظرة تعاطف مع أنهما لم يتبادلا بعدُ حديثاً. كانَ واضحاً، أنه سبقَ وراجعَ بياناتٍ شخصية تخصّ المقاتلين. إنّ معظمَ العراقيين المتطوعين مع المقاومة الفلسطينية، كانوا قد أتوا من صفوف الحزب الشيوعيّ، والعديد منهم سبقَ وحارب مع الأنصار في جبال كردستان.
2 لقد كانت هذه الجنّة من الجمال، أنّ الجميعَ أراد تدميرها مستعيناً بقوى خارجية. الحركة الوطنية، المتمثل فيها قوى يسارية، تمتّ للسنّة والدروز والأرثوذكس والشيعة، تحالفت مع الفلسطينيين. الموارنة، وهم قوى ليبرالية عريقة، استدعوا الإسرائيليين كي يواجهوا أولئك الخصوم. ما لم تدمّره الحربُ الأهلية، المشتعلة منذ سبعة أعوام، أنيط بالأغراب أن يجهزوا عليه أخيراً. وهيَ ذي أفواهُ الجحيم، تفتح على بيروت بعدما أفاقت المدافعُ مع انبلاج الفجر. الدويّ أخذ بالاشتداد عند الظهيرة، يسبقه كل مرةٍ لهيبٌ خاطف كالبرق، فتتحرك الأرضُ تحت قدميّ دلير كما لو بفعل زلزلة. حينئذٍ كان ينتظرُ دورَهُ للدخول إلى الحمّام، وكانَ مزمعاً أيضاً على غسل ملابسه. لما حانَ الوقتُ وأضحى داخل ذلك المكان الأنيق، المزجّج كله بالسيراميك البديع، تناهى إليه هديرُ الطيران الحربيّ. كانَ أمراً مفروغاً منه، أنّ السوريين قد هجروا السماءَ منذ الأيام الأولى للحرب، كما أن دفاعاتهم الجوية قد مُسحت بالكامل. بينما هوَ يغسلُ ثيابه، شعرَ بالندم لأنه لم يجلب حقيبة فيها غيارات مناسبة. على ذلك، خرجَ من الحمّام ووسطه ملفوفٌ بالفوطة، ليعمد إلى نشر ملابسه على حبل غسيل في الحديقة الخلفية، المطلّة على الوادي. لما رآه رستم بهذه الهيئة، الشبيهة بروّاد حمّام السوق، فإنه ضحك وقال: " تعالَ معي إلى القبو ". أدرك دلير كنهَ الدعوة، كون رفيقه قد جلبَ لنفسه من ذلك المكان ملابسَ مستعملة لكنها ما فتأت نظيفة وتلمعُ بالجدّة. ثمة عند مدخل القبو، انتبه دلير لقفلٍ معدنيّ كبير، يتدلّى كالقتيل من مقبض الباب، حطّمته على الأرجح رصاصة بندقية آلية. فالضرورة لها أحكام، بله وفي حالة حرب! الغداء، كانَ هذه المرة من صياغة الرفيق كارلوس، الذي ابتدعَ وجبة من خلائط خضار متنوّعة مع شرائح سمك ناصعة كالفضّة. كذلك وُجدت علبُ مشروب غازيّ، من نوع " سفن آب "، فضلاً عن " دسير " سخيّ من فواكه الصيف. وكانَ دلير يودّ لم أخذ قيلولة بعدَ الغداء، هوَ مَن أفاق مبكراً. لكنهم وزّعوا على المجموعة قائمة نوبات الحراسة، وكانَ نصيبه مع رستم في فترة الظهيرة. للوهلة الأولى، أعتقدا أنهما سيحرسان الفيلا، وذلك قبل أن يُدفع بهما إلى سيارة المعلّم. بعد دقائق من المسير بين منحدر وطرق فرعية، تناهت السيارة إلى منطقة لا تقل رقياً، تراصفت فيها عددٌ من الفيلات. ثم تبيّنَ أنّ إحداها، يخصّ قيادة الجبهة في منطقة الجبل، التي استعملت القبو لمزيدٍ من التمويه والأمان. ضابط مناوب، أفهمَ الرفيقين أن مهمتهما مراقبة الطريق ومنع أيّ سيارةٍ من الوقوف لأيّ سبب كانَ. ففي جميع مراحل الحرب الأهلية، أستخدمت السيارات المفخخة من قبل القوات اللبنانية، التابعة لحزب الكتائب، وقد سبّبت مآسٍ للبشر والحجر على حدّ سواء. كانَ المكانُ مرتفعاً، يُمكن منه مشاهدة جانبٍ من مدينة بحمدون، المجاورة. ربما كانَ دلير قد أمضى ساعة في المناوبة، حينَ استأذن من رفيقه بضرورة ذهابة إلى المغاسل. فيما كانَ ثمة في القبو، إذا بصوت صلية نارية، صادرة من الأعلى. " إياكَ أن تخرج من السيارة وإلا أنت ميتٌ! "، كانَ أحدهم يرددُ هذه الجملة. لما رجع دلير لمكانه، واستلم سلاحه من رستم، عرفَ منه ما يجري. فإنّ أحدهم قدمَ بسيارته، ليتوقف بها عند مقر القيادة. وإذاً، إنطلقت رشقة رصاص أخرى بالقرب من تلك السيارة، كإشارة تحذير. وكانَ السائقُ يصرخُ بلكنةٍ لبنانية، أنه ينتمي للحزب الشيوعيّ وكانَ بصدد اللقاء بأحدهم في الفيلا المجاورة. أخيراً، تقدّم ذلك الضابط المسئول وتأكّد من صحّة كلام الرجل، فطلبَ منه الإبتعاد بالسيارة عن مقر القيادة. إتفاقاً، وفيما كانَ دلير يلتفتُ إلى رستم للتعليق على الحادث، إذا بدويّ إنفجارات متعاقبة تهزّ المكانَ. ملهوجاً من وقع المفاجأة، خيّل لدلير أنّ تلك السيارة مفخخة وقد انفجرت. إلا أنّ رفيقه، ما أسرعَ أن أشارَ إلى ناحية مدينة بحمدون: " الطائرات قصفت ذلك المكان ". في اللخظة التالية، أمكنَ تمييزُ طائرة من نوع " إف 5 "، تقوم بمناورة فوق بحمدون، وكانت تطلقُ بالوناتٍ حرارية بشكلٍ مستمر.
3 موقفٌ شبيه، ملتبسٌ، جرى مع دلير في نفس اليوم ليلاً. كانَ إذاك جالساً في مقصورة حديقة الفيلا، بمقرّ المجموعة المعتاد. راجعَ على ضوء الشمعة ما دوّنه بالمفكّرة في خلال النهار، ولاحظ أنه لم يكن يحتوي على جملةٍ أدبية واحدة. حتى وصف الأماكن، كانَ تصويرياً ويفتقدُ للفن. لكنه عزّى نفسه، بأنه يوماً سيعود إلى حياته الطبيعية، لكي يجعل من هذه المواد الخام رواية ذات حبكة متماسكة. إعجابه بالمؤلفين الكلاسيكيين الروس العظام، جعله يهتم بقراءة ملاحظاتٍ عن طريقة تدوين رواياتهم؛ وأنها تعتمد أيضاً على خامات من سيرتهم الذاتية، وعلى معرفتهم لأشخاص من بيئتهم رجالاً ونساءً. رفعَ رأسه إلى السماء، يتأمّلُ النجومَ وقد خيّل إليه أنها أخذت تتحرك. عجبَ أكثر من ألوانها المبهرة، ومن حجمها الكبير. فيما كانَ يغمضُ عينيه ويفتحهما، لكي يتأكّد من أنه ليسَ في بحران حلم، إذا بصوتٍ قريب يتناهى إلى سمعه: " قنابلٌ مضيئة فوق بيروت! " " بل إنها فوق الجبل، دلالة على أنهم سيهاجمون القوات المشتركة هذه الليلة " " لو كانَ هذا حقاً، لعمّ الإستنفارُ كل القوات مبكراً "، ردّ الصوتُ الآخر. كانَ ذلك موسى ورفيقه كارلوس، وكانا عائدين من الخارج عقبَ إنهائهما نوبة حراسة. بما أن دلير غير مدعو لهكذا نوبة ليلاً، آثرَ أن يذهبَ إلى الفراش. لقد اقتنعَ بالرأي الأخير، بالأخص أنّ الهدوءَ كانَ ما إنفكّ يشملُ المكانَ جميعاً. ثلاثة أيام أمضوا في هذه الفيلا الجميلة، وذلك قبل أن يُحشروا مجدداً في سيارة البيكآب. كانَ ذلك غبّ الإنتهاء من الفطور، وهذه المرة أعلموهم سلفاً أنهم في طريقهم إلى بلدة سوق الغرب، التي هيَ في نفس قضاء عاليه. توغلت السيارة في السير جنوباً، وكانَ الطريق فرعياً لكنه أنيقٌ وتحفّ به العمائر المنيفة. مروا ببعض القرى الصغيرة، وغالبيتها ملتصقة بالسفوح، لحين أن ظهرت البلدة المقصودة، المشكّلة بغالبيتها من فيلات متباعدة، متناثرة بين أشجار الصنوبر، المنبثقة بين الصخور. توقفت السيارةُ أمامَ بناءٍ كالقصر، تناقضت هيئته المهيبة مع كلمات على لوحةٍ كبيرة ثبتت على مدخله؛ " مدرسة السعادة لأبناء شهداء مخيم تل الزعتر ". السائقُ الفتيّ، تولّى كالعادة التعريفَ بالمكان، وذلك قبل أن تدخله المجموعة: " تم إجلاءُ الأطفال من المدرسة، مباشرةً بعيد بدء الإجتياح الإسرائيليّ ". لكن الحافلة الخاصة بالمدرسة، الصفراء اللون وذات الطراز الأمريكيّ، كانت ما زالت متوقفة أمام البناء، مستظلة بأشجار حرجية وارفة. " ننتقلُ من قصر إلى قصر، وكأننا جئنا كي نحاربُ الأشباحَ "، قال دلير لرفيقه رستم. قبل أن يرد هذا الأخير، بادر الرفيق موسى للتعليق قائلاً: " سوق الغرب، هي آخر معاقلنا جنوباً. فالعدو موجودٌ في قرية بشامون، ليسَ بعيداً عنا " " على علمك، هل جرت معارك معه هنا في الجبل؟ " " لا، ولكنه لو تقدّم سنقوم بالتصدي له "، أجابَ موسى. ثم استدركَ بالقول: " ولهذا السبب، أرسلونا إلى هذه البلدة الأمامية ". كالمألوف، تقاسم دلير ورستم حجرةً واحدة، وكانت تقعُ في الدور الأرضيّ. لم يتم بعدُ توزيعُ مهامٍ على المجموعة، ولذلك أقترحَ دلير على رفيقه أن يتجولا قليلاً في البلدة لحين موعد الغداء. خرجا من الفيلا، وقد تنكّب كل منهما سلاحه، وكانت الشمسُ قد بدأت بالسخونة. عند مدخل الفيلا المجاورة، كانَ رجلٌ عجوز قد أقتعد تحت مظلة، ينظر إليهما بطريقةٍ تعبّرُ عن القلق والامتعاض. لما مرا من أمامه وألقيا عليه التحية، أوقفهما كي يقول بلكنةٍ أرمنية: " طائرات الإستطلاع تجوبُ الأجواءَ على مدار الساعة، ولو رصدتكما وأنتما بالسلاح، فليس من المستبعد أن توعز للطائرات الحربية بقصف المنطقة " " اطمئن، عمّاه. لو سمعنا صوتَ أم كامل، فإننا سنختفي حالاً تحت الأشجار "، قال له رستم مبتسماً. هزّ العجوز رأسَهُ، ثم عادَ وجلسَ في مكانه.
4 وإذاً وصلت المجموعة إلى سوق الغرب، لما كانت هذه البلدة قد أصبحت بصفة الخط الأمامي للقوات المشتركة. في إبّان الجولة الأولى لدلير في المنطقة، خيّل إليه أنها مهجورة إلا من ذلك الجار الأرمنيّ العجوز. أيضاً بوقوع البلدة في مكانٍ لا تظهر منه بيروت، انقطعَ المنظرُ اليوميّ لمشهد القصف الكثيف. لكن من بعيد، ظهرت مدافعُ سفن العدو الحربية، وهيَ تطلق النارَ، كما لو كانت رؤوسَ أعواد ثقاب تشتعلُ الواحد بأثر الآخر. لعل هذا الهدوء، المخيّم نوعاً ما على المكان، هوَ مَن جعلَ صوت الرصاصة يصدى بقوة في أرجاء الفيلا. تبيّنَ أنه رستم، مَن أطلق النارَ على القفل الكبير، المترّس بابَ القبو. دقيقة على الأثر، وجاءَ إلى الحجرة كي يطلب من دلير مرافقته. شأن المرة السابقة في فيلا عاليه، قاده إلى القبو لإنتقاء ملابس مناسبة. فإنه لحظَ ولا شك، أن الطبيعة الوعرة للجبل قد هتّكت هندامَ صديقه؛ بما في ذلك، الحذاء الرياضيّ. سأله دلير، بشيءٍ من القلق: " هل ما نفعله هوَ الصوابُ؟ " " طبعاً، يا رجل. هذه ملابس مستعملة، ونحن مقاتلون بحاجةٍ إليها لإرتدائها وليسَ لبيعها "، ردّ رستم. خزائنٌ متراصفة، مصنوعة من خشب الماهاغوني، كانت ذاخرة بملابس صيفية وشتوية. كانت تفوحُ منها رائحة مادة النفتالين، التي تقاوم العث وتطرد الفئران لو وُجدت. ثم إذا رستم يعثر ثمة على كاميرا من نوع التصوير الفوريّ، " بلورايد "، ولحُسن الحظ أنها كانت مزوّدة بفيلم جديد: " سنأخذ في الخارج بعضَ الصوَر، لتخلّد ذكرنا لو أننا استشهدنا "، قالها مبتسماً. ما أن غيّرا ملابسهما القديمة بأخرى أكثر جدّة، إلا وطالعهما وجهُ " التنين الأسود "، المربدّ. حدّقَ بالكاميرا، ثم تمتمَ بنبرةٍ حذرة: " أعتقدُ أنّ هذا عملٌ غير جيّد، وسيُغضب آمرنا لو علمَ به " " لا تحشر نفسك فيما لا يخصّك "، ردّ رستم بجفاء. ثم غادرَ الصديقان القبو، وما لبثا أن خرجا إلى مدخل الفيلا. ثمة، طلبا من الرفيق جهاد، وكانَ مناوباً في الحراسة، أن يلتقط لهما صورة والسلاح بيد كل منهما. بعدئذٍ، حصل دلير على صورة لوحده. بدَوره، أعربَ جهاد عن امتعاضه مما وصفه ب " سلب مقتنيات الفيلا ". ربما هوَ، أو ذلك التنين، مَن وشى بهما فيما بعد للرفيق سلام. لما واجها هذا الأخير، عقبَ الغداء، فإنه نبَرَ بلهجةٍ شديدة: " نحن ضيوفٌ في هذه الفيلا، وعلينا ألا نتبع مسلك الآخرين بل أن نكونَ قدوةً بأخلاقنا الثورية ". لقد كانَ جلياً، أنه قصد ب " الآخرين "، ما يقوم به الجيشُ السوريّ من نهب لممتلكات اللبنانيين. إلا أن الرفيق سلام، كانَ قد توجّه بكلامه تحديداً إلى رستم؛ فيما حدجَ الآخرَ، بنظرةٍ مؤنّبة. على الأثر، توصّل الآمرُ على ما يبدو لقرارٍ على خلفية ذلك الموقف. لقد فصلَ دلير عن صديقه في خلال المناوبات، بأن جعله مساعداً للرفيق سعيد. هذا الأخير، كانَ قد غدا رامي آر بي جي، بينما دلير سيتولّى حمل جعبة القذائف. وكانت أول مناوبة مشتركة لهما على تل صغير، يُشرف على مقر القيادة، ثمة على طرف مدينة عاليه. كانَ الوقتُ ظهراً، وطيرانُ العدو يزيّن السماءَ بالبالونات الحرارية. بعد قليل، إنطلق صاروخٌ من إحدى الطائرات متبوعاً بآخر. كانَ صدى القصف من القوّة، أنّ أغلاق المحلات التجارية، الكائنة خلف الرفيقين، قد أهتزّت بشدّة. قال الرفيق سعيد، غامزاً بعينه: " تَصَوّرْ أن القصفَ كانَ على بحمدون، وكانَ له هذا الوقع هنا ". ثم أضافَ، ضاحكاً: " لو أنّ الصاروخين استهدفا منطقتنا، كنا سنغدو مثل أصابع الكباب المشويّ ". في هذه الأثناء، دلفَ من أعلى التل ثلاثة شبّان مسلحين ببنادق آلية. كانوا بمقتبل العُمر، وعليهم ثياب قاتمة اللون. سألهم سعيد عن تنظيمهم، فردّ أحدهم بأنهم من الحزب الشيوعي اللبناني. عرّفهم عندئذٍ بنفسه: " أنا سعيد، من الحزب الشيوعي في قطاع غزة ". ثم أومأ إلى مساعده: " وهذا الرفيق هفال، من الحزب الشيوعي السوري ". فيما تهللت وجوههم تلقاء المعرفة به، إلا أنهم أظهروا البرودَ بتحيتهم لدلير. كانَ معروفاً، أنّ الحزبين اللبناني والسوري، هما على طرفيّ نقيض سياسياً وفكرياً منذ أعوام عديدة.
5 خلا المناوبات، بقيَ دلير ورستم يقضيان الوقتَ معاً. وكانا قد عقدا صداقة طيّبة مع ذلك العجوز الأرمني، بعدما عرفَ أنهما كرديان من سورية. وقد فاجأهما، بمعرفته اللغة الكردية ولو بشكلٍ مقتصر على المجاملات. كذلك تبيّنَ أنه ثرثار، شأن أقرانه من المتقاعدين. كانَ قد شغلَ وظيفة مدير إحدى المدارس الثانوية في عاليه، وبحَسَب قوله أنه بنى الفيلا على مراحل، طوبة طوبة. امرأته رحلت عن الدنيا منذ زمن بعيد، بينما أولاده الثلاثة يقيمون في الولايات المتحدة: " لدينا جالية أرمنية كبيرة هناك، لكنني رفضتُ الإلتحاق بأولادي حتى بعدما أنفجرت الحربُ الأهلية ". ثم استطردَ، معبّراً عن مشاعره والتي يشاركه فيها أغلبُ المسيحيين: " كنتُ محقاً بعدم السفر، كيلا يعبث السوريون بالفيلا ويسلبون محتوياتها. فالجيش الإسرائيلي، قادمٌ اليوم أو غداً لطردهم نهائياً من الجبل وربما من لبنان كله ". لقد تحدّث بصراحة مع الصديقين، بوصفهما من الكرد لا من السوريين. في يومٍ آخر، تطرّق الرجلُ العجوز لذكريات مؤلمة عن مأساة قومه في تركيا: " أسرتي تنحدرُ من مدينة وان، المترامية بين جبل آرارات العظيم وبحيرتها الكبيرة. لقد عشنا مع الكرد بسلام، طوال آلاف السنين. كنا سادة عليهم في زمن الرومان، ثم أنقلب الحالُ في زمن الساسانيين. أيضاً سيطرنا على المنطقة مع وصول الصليبيين من أوربا، ثم عادت السيادة للكرد أيام صلاح الدين وأخلافه. لكن العثمانيين، في زمن جمعية الإتحاد والترقي، المشنوعة الاسم، هم من دقوا إسفيناً بين الشعبين. في خلال الحرب العظمى، تبادل المتعصبون من الطرفين أعمالاً انتقامية خلّفت الكثيرَ من الضحايا. لقد فقدتُ معظمَ أفراد أسرتي، لكن جيراننا الكرد أخفونا ومن ثم ساعدونا على الهرب إلى مدينة حلب. خشية استيلاء الأتراك على المدينة، تركناها فيما بعد ويممنا شطرنا إلى لبنان ". بدءاً من المساء، كانَ القصفُ يرعوي حتى في ذلك الأفق البحريّ، الذي توطّنت فيه بوارجُ العدو. لكنّ حواضر الجبل بقيت سليمة، لم يُخدش أيّ منها ولو برصاصة. إلا معسكرات في بحمدون، شغلتها عناصرُ جيش التحرير الفلسطيني والوحدات الخاصّة، وكلاهما يتبعان وزارة دفاع دمشق؛ فإنها أضحت أنقاضاً تقريباً. القصفُ ثمة، المنفذ نهاراً من لدُن الطائرات الحربية، كانَ يخلّف ما يُشبه الهزات الأرضية في عالية وسوق الغرب. حرائقُ تلك المعسكرات، بقيت مؤرّثة كأنها بركانٌ ثائر. ليلة اليوم السادس من وجود دلير والمجموعة في سوق الغرب، كانت هيَ الأخيرة. قبل ذلك في خلال النهار، وصلتهم شائعة عن اتفاق بين جنبلاط والإسرائيليين، يقضي بإخلاء الجبل من المقاتلين الغرباء بما فيهم القوات التابعة لحكومة دمشق. نذُر هذه الشائعة، تمثّلت في انسحاب مقاتلين من أماكن التماس إلى الخلف. كانوا من تنظيم القيادة العامة، ملامحهم ولهجاتهم كانت تنبي أنهم من مشارب متباينة. وقد مروا في طريقهم بالبلدة، فتوقفوا أمام الفيلا. أحدهم، وكانَ رجلاً ثلاثينياً، قدّمَ نفسه لمواطنَيْه أنه من حلب. أشعلَ سيجارة حشيش، واستلقى على ظهره وراحَ ينفثُ الدخانَ بحرص. وكانَ ذلك العجوز الأرمنيّ، قد تركَ مكانه الظليل وقدِمَ كي يستعطفَ أولئك المقاتلين: " لو أنكم تخفون أسلحتكم، على الأقل. فطائرة الاستطلاع لا تكف عن الطواف في الجو، وهيَ بمقدورها تمييز حتى علبة بيبسي كولا ". ردّ عليه أحدهم، بنبرةٍ ساخرة: " اطمئن، يا سيّدي، فإننا لا نشربُ سوى الكحول ". كانت ليلة باردة نوعاً ما، كمنَ فيها دلير بموقعٍ أماميّ في نوبة حراسة. رفيقه سعيد، كانَ قد ألقى البطانية على كامل جسده وأغفى. قبل ذلك، جعله يُدقق من خلال منظار حربيّ بتجمع للعدو لا يبعد عن مكان المناوبة بأكثر من خمسمائة متر. في إحدى المرات، هبطت هناك طائرة هليكوبتر ثم ما لبثت أن أقلعت من جديد. تساءل دلير عندئذٍ: " لِمَ لا يطلق المقاتلون النارَ عليها؟ ". ابتسمَ سعيد بمرارة، وردّ بالقول: " الأوامرُ ألا نبدأ بالتحرش بهم ". بعد نحو ساعتين، أيقظ رفيقه كي يأخذ عنه دورَ المناوبة. البردُ كانَ قد حرّك النعاس في جفون دلير، فاستلقى بمكانه ورفعَ الغطاءَ على رأسه، ليتفادى قرصات الناموس. كانَ ما زالَ يهوّم، لما امتدت يدٌ لإيقاظه. وإذا هو الرفيق موسى، قائد المجموعة: " علينا بالتحرك فوراً من المكان، لأنّ أمراً صدرَ بإخلاء الجبل من المقاتلين ". بينما دلير يحاولُ استيعاب كلامه، إذا به يراهُ على هيئة مهرّج سيرك والأضواء تغمره. لكنها كانت قنابل ضوئية، أطلقها العدو فوق كامل الجبل؛ ربما تمهيداً لاجتياحه.
#دلور_ميقري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أحجار الشطرنج الصفر: قرب اللهيب
-
أحجار الشطرنج الصفر: مستهل المغامرة
-
أحجار الشطرنج الصفر: غيمة جافة
-
أحجار الشطرنج الصفر: يوم جديد
-
أحجار الشطرنج الصفر: أوديب العصر
-
أحجار الشطرنج الصفر: صداقة وليدة
-
أحجار الشطرنج الصفر: أجيال ماجنة
-
أحجار الشطرنج الصفر: حكايات على الطريق
-
سكة حديدية حتى السماء: الخاتمة
-
سكة حديدية حتى السماء: مرآة جديدة
-
سكة حديدية حتى السماء: كرامة مُخبر
-
سكة حديدية حتى السماء: مكيدة غرام
-
سكة حديدية حتى السماء: بانثيون بشري
-
سكة حديدية حتى السماء: عالم آخر
-
سكة حديدية حتى السماء: القطار المشؤوم
-
سكة حديدية حتى السماء: طبيعة عارية
-
سكة حديدية حتى السماء: خرائب وصروح
-
سكة حديدية حتى السماء: خريطة ممزقة
-
تشريح الذات: الخاتمة
-
تشريح الذات: كانَ ربيعاً أخيراً
المزيد.....
-
قصة «يا ليلة العيد».. كيف تحولت أغنية سينمائية إلى نشيد خالد
...
-
فيلم لـ-لابوبو- قريبا.. يجمع بين التمثيل الحي والرسوم المتحر
...
-
اختيار الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026
-
اختير رمزا للثقافة العربية.. كيف حول محمد بكري حياته إلى فيل
...
-
من -برشامة- إلى -سفاح التجمع-.. أفلام عيد الفطر في سباق شباك
...
-
مطاردة بانكسي تنتهي بسجلات صادمة لشرطة نيويورك تكشف هويته ال
...
-
جلال برجس يفتش عن معنى الوجود في -نحيل يتلبسه بدين أعرج-
-
من يحمي الكنوز الثقافية في الشرق الأوسط من الحروب؟
-
مدن الأشجار المكتظة
-
30 رمضان.. ذكرى رحيل داهية العرب وحارس السنة وغدر بونابرت
المزيد.....
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
المزيد.....
|