أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - أحجار الشطرنج الصفر: قرب اللهيب















المزيد.....


أحجار الشطرنج الصفر: قرب اللهيب


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 00:05
المحور: الادب والفن
    


1
بعد الإجتماع الصباحيّ، رافق دلير صديقه رستم إلى مخزن المهمات، لكي يحصلا على ثياب عسكرية. بحجة عدم وجود ثياب مناسبة، وبما أن ذلك مسموحاً، احتفظا بملابسهما المدنية. لكن الخازن، أبلغهما أن الحذاء الرياضيّ غير صالح للمشي في أرض لبنان، الجبلية الوعرة. أيضاً تجاوزا النصيحة، كونهما ينفران من الحذاء العسكريّ، الثقيل والقبيح المنظر. ثم ما أسرع أن أندمجا في الحياة اليومية للمعسكر، المتمحورة بشكل رئيس على التدريب. فأسهما بحماس في إطلاق النار من بنادق آلية، بالتصويب على أهداف من الكرتون المقوّى على شكلٍ آدميّ. أيضاً جرّبا استعمال المسدس، وأحياناً أطلقا قنابل يدوية من النوع الهجوميّ. في أوقات الراحة، شاركا في اللهو من خلال ألعاب الكرة في الهواء الطلق ولعبة الورق داخل الحجرة. بما أن الجوّ كانَ يميلُ للحرارة ظهراً، عمدا إلى أخذ دوش في الحمّام الكبير، الكائن خلف المغاسل.
بيد أنّ دلير أحسّ أنه ورفيقه في المكان الخطأ، طالما أنهما تطوّعا للقتال في لبنان. لما فاتحا المدرّب بهذا الشأن، تعاطف معهما، بالأخص لأنهما كانا الكرديين الوحيدين في المعسكر. قال لهما، أنّ كلّ ليلةٍ تغادر سيارة من المعسكر إلى داخل الأراضي اللبنانية، مستخدمة طريقاً جبلية يستعملها المهرّبون: " سأتكلّم مع قائد المعسكر، لعله يرضى بضمّكما إلى مجموعةٍ ستنتقل الليلة إلى الطرف الآخر من الحدود ". وكانَ الوقتُ قد مال إلى الغروب، فعكفَ كلّ من الصديقين على فكّ سلاحه الآليّ ( كلاشينكوف )، لأجل تنظيفه بوساطة الشحم. بضع ساعات على الأثر، وكانا مع رفيقيّ الحجرة يلهوان بلعبة الورق، لما تمّ استدعائهما إلى مكتب قائد المعسكر. وكانَ هذا، يُدعى الرفيق " باسل "، وهوَ مسيحيّ من الأردن. كانَ شاباً ثلاثينياً، أشقر الشَعر ويميل إلى البدانة. قال لهما، أنه يُكبر تطوّعهما مع المقاومة وكذلك طلبهما الإنتقال إلى لبنان قبل إنهاء مرحلة التدريب. ثم صافحهما باليد، وطلبَ منهما الإنتظار في الخارج ريثما تحضر السيارة. وكانَ دلير يشعرُ بالضيق كلما نُظرَ إليه ورفيقه بشكلٍ متمايز عن بقية الرفاق، كونهما سوريين وليسا فلسطينيين. بسبب اسميهما الحركيين، صاروا بعدئذٍ يعرفونهما بصفتهما كرديين.
ساعة أخرى، وحضرت سيارة ذات صندوق خلفيّ ( بيكآب )، يقودها فتى لم تكد قد نبتت عارضاه. ثمانية متطوعين، انتقلوا إلى الصندوق، فبدوا ليلاً كالخراف بما أنّ غالبيتهم التحفوا بالبطانيات الداكنة اللون، وذلك درءاً من البرد. ثم تبيّنَ أن سيارة بيضاء، مموّهة بلطخ طينية، من نوع ( رانج روفر )، ستمضي بأثرهم. قال السائقُ، بلكنةٍ فلسطينية أعتاد على سماعها الرفيقان الكرديان: " إنه الرائد تيناوي، وسيكون قائدنا ثمة في لبنان ". لقد تسنّى لدلير رؤية ملامح ذلك الرجل الثلاثينيّ، فانتبه إلى ندب جدري تحتل صفحة وجهه الحنطيّ. ثم أضافَ ذلك الفتى، محدّقاً في الرفيقين: " إنه من مواطنيكم السوريين، من مدينة درعا "
" هذا ليسَ غريباً، فإنّ الأمين العام نفسه هوَ أردنيّ وليسَ فلسطينياً "، علّقَ آخر على كلام ذلك الشاب. ثم انقطعَ الحديث، لما تحرّكت سيارتهم، مطلقة زوبعة من الغبار. فما لبثت أن أخذت باجتياز ذلك الوادي، الذي يتسلل منه المهربون بين البلدين. ما عتمَ أن تبلبل الجميعُ من السرعة المفرطة للسيارة، وأرتفع أكثر من صوت بأنهم لم يتطوّعوا لكي يقضوا في حادث سير. لما خرجت السيارة من الوادي، لاحت على الجانبين أشباحُ الأشجار، فيما بعض القرى تجلّت في العتمة من خلال بصيص أنوار بيوتها. عندئذٍ، راحت سيارة القائد تطلقُ البوقَ تلوَ الآخر. إلا أن استجابَ سائقُ سيارتهم وداسَ على كابح السرعة. على الأثر، دلف الرائدُ من سيارته بطريقةٍ عصبية. فاتجه نحو سائق سيارة البيكآب، صائحاً به وهوَ يصفعه: " أكثر من مرة، أنذرتك بعدم السير بسرعة حفاظاً على أرواح رفاقنا ". كانَ قد أخرجه من السيارة، قابضاً على تلابيبه. بعدما عادَ الرائد إلى مركبته، راحَ بعضُ الرفاق يواسون السائقَ الفتى، الذي كانَ ينشج في صمت. بعد قليل، فيما السيارة تنهبُ الطريقَ، هتف أحدهم وكانَ يستمع للأخبار من خلال جهاز راديو الجيب: " القواتُ الإسرائيلية، تمكّنت من تطويق بيروت بشكلٍ كامل ".

2
كانَ دلير ورستم، وهما في السيارة، ملتصقين جسماً وبعيدين فكراً. عقبَ تأديب السائق، وتخلّيه عن رعونته في السرعة المتهوّرة، أضحى بإمكان دلير التخلّي عن قلق الطريق وإطلاق فكره بعيداً. لقد صمّمَ على شراء مفكّرة، لكي يدوّن فيها إنطباعاته عن المغامرة. كانَ قد قرأ كتابين لتشي غيفارا؛ هما " مذكرات الحرب الثورية " و" يوميات بوليفيا ". لكنه لم يتخيّل نفسَهُ قط، صاحبَ كاريزما قيادية. بل فكره ذهبَ إلى الناحية الأدبية، وكانَ مثاله في ذلك أرنست همنغواي، الذي كتبَ عن الحرب العظمى، رواية " وداعاً للسلاح "، ورواية عن حرب إسبانيا؛ " لمن تقرع الأجراس ". لقد شارك في كلتا الحربين، وكادَ أن يفقد حياته في إحداهما. في المقابل، كانَ فاتراً تلقي دلير أدبَ الحرب السوفييتي، باستثناء العظيمين اللامعين؛ باسترناك وشولوخوف. لكن موضة الشعر، كانت هيَ السائدة في الجيل الجديد. فودّ دلير لو أنه استطاع كتابة نظمٍ، شبيهٍ بقصيدة " بيروت "، التي تحمّسَ لها الشبابُ في عامٍ مضى وتداولوها على شريط كاسيت، بصوت محمود درويش.
وفي تلك الأثناء، كانت السيارة تجتازُ بلداتٍ عدّة، أضواؤها كأنها في زمن العيد لا الحرب. وتمنى دلير لو يعلمُ أسماءَ تلك الحواضر، لكنه تجاوزَ فضوله. لقد أحترمَ عندئذٍ، صمتَ الرفاق. وهوَ صمتٌ، كانَ يهيمنُ عليه هديرُ المركبة، فيجيبه صدىً بعيدٌ من السفوح المشجّرة على أحد جانبيّ الطريق. وكانَ البردُ قارصاً كلما غذّت المركبة سيرها خِلَل هذه المناطق الجبلية، فيشتدّ تماسك رفاق الرحلة بعضهم ببعض وهم ملتحفون بالبطانيات. وعجبَ دلير لأن غالبيتهم قد أغفوا، وراحَ بعضهم يصدرُ غطيطاً طويلاً. إلى أن أفاق أحدهم، وضربَ على بلور السيارة الخلفيّ: " إلى أينَ نتّجه؟ "
" إلى طرابلس "، ردّ السائقُ وهوَ يُطلق بوقَ السيارة لإيقاظ البقية. فما هيَ إلا دقائق أخرى، وانفسحت أمام أعينهم تلك المدينة، التي أرتبطت بالشام اسماً وتاريخاً. كانت أضواؤها ساطعة، وتلوح مذبذبة من بعيد كما لو أنها نورُ شمعةٍ تطلقُ نجوماً من اللهب، مستدقّة. هكذا تجلّت عاصمة الشمال اللبنانيّ، متلألئة كالعروس، محصورة بين الجبال والبحر. فلم تمضِ فترة أخرى إلا ولاحَ المخيّم الفلسطينيّ، ملفوفاً بظلامٍ دامس، كأنه مقبرة. هذه كانت علامة وحيدة للحرب، التي لم تتجاوز بعدُ حدودَ بيروت شمالاً.
بعد وقتٍ قصير، وجدوا أنفسهم في الدور الأول من مقر الجبهة، وكانوا قد استعاضوا عن الكهرباء بأضواء الفوانيس والشموع. ثمة أحضروا لهم العشاءَ، وكانَ مقتصراً على معلّباتٍ، رُسمت عليها الأحرفُ الكيريلية السلافية. لكن الخبز كانَ طازجاً، طيّباً، يشبه بانتفاخه " صمّون " الجيش السوريّ، الذي كانَ دلير قد ألِفه في المعسكرات الجامعية . قال رستم لرفيقه مبتسماً، وهوَ ذو التجربة اللبنانية العريقة: " إنه الخبز الفلسطينيّ، لا يحبّذ الفدائيون غيره ". إلا أن ابتسامته غاضت، لما حضرَ مسئولٌ إلى الحجرة: " عليكم المساعدة في تحميل الذخيرة من السيارات إلى المخزن ". تجاهل الرجلُ وجودَ دلير، ربما لأنه لحظ هزال جسده. غبّ ذهاب رستم مع المجموعة، إذا الحجرةُ تمتلئ برفاقٍ جدد. من شذرات أحاديثهم، بدا واضحاً أنهم مقاتلون قد انسحبوا من الجنوب. رداً على سؤال دلير، قال أحدهم بنبرةٍ يغلب عليها الأسى والقنوط: " الجنوب سقط في ساعاتٍ قليلة، كون القادة تخلوا عن مواقعهم وفرّوا إلى بيروت أو الجبل. لا تصدّق تلك البطولات الزائفة، التي تذاع في الراديو ". لما استشفّ المتحدّثُ لهجةَ دلير، فإنه أضافَ عابساً: " أما السوريون، فإنهم عادةً لا يقاتلون. لقد انسحبوا، بعدما نهبوا الفيلات في طريقهم. وأعني الضباط، وليسَ الجنود المساكين، الذين تُركوا دونَ طعامٍ حتى "
" على حدّ علمي، أنّ الجيش السوريّ غير متواجد في الجنوب؟ "
" نعم، لكنني أتكلمُ عن أمكنة تواجده من الدامور إلى خلدة "، أجابَ الشابُ. ثم ما لبثَ أن زهد بالحديث، فانقلبَ بجسده إلى الجانب الآخر. حينئذٍ تذكّرَ دلير حماسة رفاق الحزب، لما أذاع راديو دمشق خبراً عن معركة دبابات في تلك المنطقة، أدت لخسائر فادحة للعدو. ثم تبارى على شاشة التلفاز، ضباط سرايا الدفاع وضباط الوحدات الخاصة في نسب تلك المعركة لأحد الطرفين. بينما راديو أورشليم، أكّد أن الطيران الإسرائيليّ حيّدَ معظم قدرات الجيش السوريّ في لبنان إن كانت مدرعات أو أنظمة الدفاع الجويّ.

3
عند منتصف الليل تقريباً، عادَ رستم من الخارج، تلوحُ عليه علامات التعب والإرهاق. وجدَ صديقه ما زال يقظاً، فقال له وهوَ يضطجعُ بالقرب منه: " صناديق الذخيرة، قصمت ظهري وأخشى أن تسبب لي الديسك. حسنٌ أنهم أعفوك من مرافقتنا، لأنك كنتَ ستفجّرنا لو أن صندوقاً فيه صواعق أفلت من يدك وسقط أرضاً ". الجملة الأخيرة، قالها وهوَ يُطلق ضحكة فاترة. وكانَ دلير قد جعلَ بطانية تحت رأسه بمكان الوسادة، وغطى نفسه بأخرى. لم يكن الجوّ بارداً، بل يشيع فيه رطوبة البحر. ما لبثَ أن بدأ بالتهويم، ومن ثم تسلل لرقاده حلمٌ انتهى بكابوس.
كانَ في حجرةٍ كأنها استديو، أضيئت بعددٍ من الشمعدانات الفضية، بينما الستائر الأرجوانية اللون قد زيّنت برسوم بابا نويل. شجرة عيد ميلاد، معتدلة الحجم، كانت أيضاً منارة بالشموع. وجدَ نفسه راقداً إلى جانب نسرين على الفراش، بينما مجموعة من الرجال والنساء يدورون أمام الشجرة بحركاتٍ راقصة على أنغام البيانو. راحَ يخفي وجهه خجلاً، فانحسرَ الغطاء عن جسد زوجته العاري. فالتفتت نحوه بنظرة تأنيب، قائلة: " الأفضل أن تنهض وتراقب ابنتنا، لكي لا تؤذي نفسها بالشموع المشتعلة ". أدارَ بصره في القاعة، لحين أن ميّز طفلة شقراء كأنها نسخة عن صورة فوتوغرافية لوالدته حينَ كانت بنفس السنّ. اندفع نحوها وهوَ في لهفةٍ لضمّها إليه، وفي آنٍ معاً، أرتجفت قدماه من فكرة ألا تعرفه بعدما غابَ عنها طويلاً في لبنان المجاور. مع كل خطوة تقرّبه منها، كانت الطفلة تبتعد أكثر. إلى أن وجدَ نفسه في مكانٍ شاهق، مشرفٍ على حديقة الدار، بينما السماء فوقه مهرجانٌ آخر من الأضواء والزينات. وإذا درجٌ ضيق، شديد الإنحدار كالسلّم، وكانَ يقف عند قاعدته. مرتاعاً، استغربَ من عدم وجود درابزين لهذا الدرج، المنحدر إلى الحديقة: " فكيف ابنتي استطاعت النزول إلى الحديقة؟ أو أنها..؟ ".
حينَ استيقظ صباحاً على جلبة الرفاق، هنأ نفسه على أنّ الكابوس دهمه في وقتٍ متأخر. فإنه عادةً يُصاب بالأرق في هكذا حالة، وكانَ من الصعب أن يعود للنوم بسرعة. وكانَ رستم ما إنفكّ في غفوةٍ ثقيلة، بتأثير تعب الليلة الفائتة. الآنَ، صارَ من الممكن تمييز وجوه الرفاق الستة الآخرين، الذين كانوا معه في الرحلة من معسكر معلولا. من خلال متابعته لأحايثهم، فهمَ أن أحدهم هوَ المُشرف على المجموعة. كانَ يُدعى " موسى "؛ شابٌ مربوع القامة، رأسه كبير الحجم. كانَ يتكلم قليلاً، ينتقي مفرداته بدقّة وكأنه يمارس الترجمة إلى لغةٍ أخرى. أما مَن كان يثرثر طوال الوقت، فإنه يُدعى " كارلوس "؛ بمثل سنّ رفيقه، لكنه طويل ورشيق القامة. كلاهما قدم من هافانا، أينَ كان يدرسُ في كلية الطب. كذلك كانَ كلاهما مسيحيّ الديانة، وهما من الأرض المحتلة. ثمة شاب أشقر، مائل إلى البدانة، لحيته مشذبة، كانَ يقيمُ في نيويورك. وكانَ يُدعى " حسان "، يدعمُ حديثه كل مرةٍ بآيات قرآنية. هوَ أيضاً، كان من عرب 48. لاحَ أنه تعرّضَ للمحاكمة، فيما يتعلق بإقامته غير المشروعة في الولايات المتحدة: " قلتُ للقاضي، يا سيّدي، أنا صديقٌ لأمريكا فلا تخسروني لأجل إجراءاتٍ بيروقراطية سفيهة. وقد تعاطف الرجلُ معي، فقرر منحي الإقامة ". شابٌ أسمر، أكبر عُمراً قليلاً، كانَ منتسباً لكلية الطيران الحربي في ليبيا؛ وكانَ يُدعى " سعيد ". تمتنت علاقته مع دلير أكثر من الجميع، كونه ناشطاً في الحزب الشيوعي بقطاع غزة. شابٌ آخر، قادم أيضا من ليبيا، ضخمٌ وأسمر البشرة، أطلق على نفسه لقبَ " التنين الأسود ". كانَ شيعياً من جنوب لبنان. تبجّحَ بالقول، أنه فيما مضى قاتل الفلسطينيين مع حركة أمل: " كانوا من تنظيم القيادة العامة، يُحششون ثم يعتدون على فتياتنا "
" وماذا فعلت بكم القيادة العامة، ثمة في الناعمة؟ "، سأله رستم وكانَ قد أفاقَ منذ بعض الوقت. بعدما عرفَ " التنينُ " أن مخاطبه مقاتلٌ سابق في ذلك التنظيم، حدجه بنظرةٍ شديدة المقت. ثم تكرّمَ على دلير بنفس الشعور، لمجرّد أنه صديقٌ لرستم. رفيقٌ آخر من المجموعة، شاءَ أن يتضامن مع ذلك الشاب اللبنانيّ بما أنهما يمحضان معاً الكراهية لتنظيم القيادة العامة. كانَ يُدعى " جهاد "، شاب قصير وممتلئ القامة، يُكثر من الإستشهاد بأقوال لينين وماركس لدرجة أن يخلطها بأقوال من تفتّق ذهنه. لقد سبقَ أن التقاه دلير في مخيم اليرموك قبيل إقامة معرض الكاريكاتير، وكانَ آنذاك يعرضُ اللوحات على مسئول مكتب الجبهة. وهوَ ذا الشاب، يقول لدلير بابتسامة ودّ: " الرفيق عاصم، مسئول المكتب، انتقل بدَوره إلى لبنان ". باستثناء جهاد، فإنّ بقية الرفاق أتوا من الخارج عن طريق مطار دمشق الدولي.

4
توالى قدوم المزيد من المقاتلين، المنسحبين أمام زحف القوات الإسرائيلية، لدرجة أن غدا مخيم اللاجئين في طرابلس كأنه ملجأ أيتام. في أثناء ذلك، احتدت المناقشات بين مجموعة الرفيق موسى وأولئك المنسحبين، الذين أتهموا ببث الرجفة في معنويات الآخرين. إلا أنّ الأخبار أيّدت وجهة نظر المنسحبين، فما لبث الغزاةُ أن قضموا المزيدَ من البلدات في إقليم الجبل، كذلك كثفوا غاراتهم على بيروت والبقاع.
إلى ذلك، كانَ دلير متضايقاً من جو المدينة الساحلية، الرطب والخانق في هذا الوقت من منتصف حزيران. ومن ناحية أخرى، أصيبَ بالإحباط كونه خاضَ هذه المغامرة وهوَ يعتقد أنها ستقوده إلى المدينة الرمز؛ بيروت. لا غرو أنه لم يتأثّر حينَ علمَ بقرار جديد، مفاجئ، بنقل المجموعة إلى البقاع. هكذا عاد مع الرفاق ليستقل نفس سيارة البيكآب، الشبيهة بامرأة كبيرة العجز. ومن جديد، تعلّقت سيارة الرانج روفر بطرف ثوب الأم تلك. لم يكن دلير قد التقى الرائد تيناوي إلا مرة واحدة، ثمة في طرابلس. استشفَ سلفاً من اسمه، أنه كرديّ، فعلّق بالقول وكأنه يُخاطب شخصاً آخر: " لدينا مجموعة جيدة من الرفاق الكرد، بعضهم من تركيا ".
في هذه المرة، إنطلقت القافلة الصغيرة في وضح النهار، عقبَ تناول أفرادها للغداء، المكوّن كالعادة من المعلبات البلغارية، المسببة الإمساك. لم يتسنّ لدلير حتى النزول إلى مركز مدينة طرابلس، وكانَ يرغبُ في شراء مفكّرة. لكنه فعل ذلك في مدينة شتورة، التي كانت القافلة قد وصلت إليها أولاً وكانَ الوقتُ على مشارف العصر. إحتياطاً من مخاطر الغارات الجوية، طلبَ من المجموعة مساءً أن تتناثر في البساتين، وذلك بعدما تم تزويدها بعدّة النوم. كارلوس، الطريف الطبع، وضعَ فراشه تحت شاحنة عسكرية، قائلاً أنه لا يستطيع النوم والنجومُ تحدّق به. فيما دلير ورستم تجاورا، وتبادلا حديثاً طويلاً قبل أن يتسلل النعاس إلى جفونهما. هذا الأخير، كانَ قد اطمأنَ على سلامة ظهره، وأنه لم يُصب بالديسك المشئوم.
صباحاً أفاق دلير بتأثير الندى، فاجتلى بنظره هذه البساتين العذراء، المليئة بالأشجار المثمرة. عبقُ النباتات والأزهار البرية، أختلط في مشامه بشكلٍ جعله يستعيد ذكريات حديقة الدار، ثمة في منزل جدّه شمسي آغا. مغاسلُ مقر الجبهة، كانت بتصرف الرفاق، وقد عاد منها دلير كي يوقظ رفيق المغامرة. فما لبث كلّ مهما أن راحَ يجتني من أشجار المشمش والخوخ والدراق، التي أضيفت ثمارها إلى الفطور المتواضع، المكوّن من الجبنة والزيتون والشاي. في هذه المرة، استطابوا الخبزَ اللبناني القروي، " المشروح "، وكانَ طازجاً وساخناً. منذئذٍ، باتَ مشهدُ دلير مألوفاً، عرضة لشتّى التعليقات، وهوَ جالسٌ لوحده يخط إنطباعاته في المفكرة الصغيرة ذات اللون الأحمر. لقد تنقلوا، على الأثر، في عدة بلدات بالمنطقة، المحاذية لشتورة. وكانَ منها، سعد نايل، التي حضرَ فيها دلير قبل عامين حفلة للمطرب الكردي، جلوان، وهناك رأى لأول مرة مقاتلي تنظيم ب ك ك، الذين أسدلوا على وجوههم الكوفيات الحمراء. ومنها انتقلوا، على التوالي، إلى بلدات تعنايل وقب الياس وبر الياس. في هذه الأخيرة، تمّ جمعهم في مقر الجبهة: " سيحضر بعد قليل أحد الرفاق المسئولين، لكي يتكلّم عن آخر التطورات الميدانية "، قالوا لهم. وإذا هوَ الرفيق عاصم، وما عتمَ أن تقدّم منه دلير كي يحييه. سأله المسئول، الذي فوجئ بوجوده بين المقاتلين المتطوعين: " هل جو المعركة أفضل إلهاماً لأفكارك الكاريكاتيرية؟ "
" الآنَ دور البندقية، وليسَ ريشة الرسم "، ردّ دلير مبتسماً. لما علمَ بقية الرفاق أنه رسام كاريكاتير ذو تجربة، راحوا يطلبون منه بعدئذٍ أن يخط لوحات بالطبشور على لوحٍ وُجد في قاعة المحاضرات بالمقر. على سبيل المصادفة، أنه رسمَ بيروت على شكل فتاة وهيَ تصبّح على المقاتلين المحاصرين وبيدها زهرة. وإذا بعد بضعة أيام، يظهر في صحيفة " السفير " رسماً لناجي العلي بنفس الفكرة تقريباً. هذا عزز إعجاب الرفاق به. رسمٌ آخر، كانَ قد وُجد في معرضه الشخصيّ، يتعامل مع حرف التاء اللاتينيّ وعليه فتاة تمثل كردستان تركيا وهيَ مصلوبة. أيضاً، ظهرَ في أثناء الحرب هذه، رسمٌ مماثل لناجي وقد جعل حرف التاء اللاتيمي لاسم بيروت وقد علقت به فتاة مصلوبة توحي بالمدينة المحاصرة. وفي عامٍ سابق، اشتركا بفكرة خطى حافية على جثة الرئيس السادات.

5
طوال الأيام الثلاثة، المستمر فيها تواجدُ المجموعة بهذه البلدات، القريبة من الحدود السورية، لم يشهدوا أيّ قصف من لدُن العدو. لكنهم ذات ظهيرة، خرجوا من المقر مع الآخرين كي يتابعوا تحليق طائرة استطلاع إسرائيلية. الرفيق عصام، طمأنهم عندئذٍ بأنّ مجال الطائرة أبعد من هذه المنطقة. هذا النوع من الطائرات المسيّرة، ذات الصوت الرتيب، القريب من " التكتكة "، كانوا يدعونها محلّياً ب " أم كامل "؛ أي على اسم الشخصية الفنية الكوميدية، الشامية.
إلا أنّ الحربَ كانت على كل حال تجري غير بعيدٍ عن قضاء زحلة، أينَ تناثرت تلك البلدات. فكل ساعةٍ، كانت سياراتُ إسعاف عسكرية سورية، تأتي من ناحية الغرب وهيَ متّجهة إلى دمشق، لعلاج الجرحى في مستشفياتها. أقاويلٌ عن نهبٍ واسع لمنازل اللبنانيين المغتربين، يمارسه ضباط ذلك الجيش، وغالبيتهم بالطبع من ريف الساحل، أدخلَ في رقّه تلك السيارات، وأنها تنقلُ المسروقات وليسَ الجرحى. في كل مرةٍ، تم تداول هكذا أقاويل قدّام دلير، فإنه كانَ يشعرُ بالخجل والخزي.
في حقيقة الحال، أنّ المقاتلين الفلسطينيين، ما كانوا أكثر براءة فيما يتعلق بالسرقات. إلا أنها، غالباً، كانت عملاً فردياً وليست ممنهجة. وهيَ ذي مجموعة الرفيق موسى، تعثر على مخزن يحتوي على مئات صناديق من علب بيرة " أمستل " الهولندية، ثمة على طرف بلدة بر إلياس. ربما كانَ اللصوصُ قد أقتحموا المخرن ليلاً، لسرقة أشياء ثمينة، فبقيت أبوابه مشرعة إلى صباح اليوم التالي. أحد الصناديق، رُميَ تحت رجليّ دلير وصديقه رستم، وقد جاءت في وقتٍ مناسب مع هذه الظهيرة الحارّة. لقد ثملَ الجميعُ تقريباً، بما فيهم " التنين الأسود "، المدّعي التديّن، وكانَ يدخلُ أحياناً في مناقشاتٍ فقهية مع الرفيق حسان، المدافع الغيور عن المذهب السنّي. إلا هذا الأخير، فإنه امتنعَ عن الشرب كونه ملتزماً حقاً.
في مساء اليوم الثالث، عاودت سيارة البيكآب تحميل المجموعة؛ في الطريق، هذه المرة، إلى الجبل. قالَ رستم لرفيق المغامرة، مبتسماً: " أنتَ في شوق للمنازلة، فاستعد لها، يا أبا عظام! ", هكذا دأبَ على نعت دلير، سواءً في الشام أو هنا في لبنان. أما هذا الأخير، فإنه نعته ب " الدودة الوحيدة ". سارت السيارة في طريقٍ شبيه بالقوس، من بر إلياس عبرَ مرتفعات ظهر البيدر، وإلى أن حطّت بهم في بلدة صوفر. ما لبثوا أن أجتازوا طريقهم في العتمة، تحيطهم أجمة كثيفة من الأشجار الحرجية، قبل أن تبهرهم أضواءُ فيلا كأنها قصرٌ فخم منيف. من جديد، سيقوا لكي ينصتوا لمحاضرة عن الوضع الراهن. في هذه المرة، أدخلوا إلى صالون باذخ الرياش، جلسَ فيه وحيداً رجلٌ أربعينيّ أشيب، وجهه ملتهب بالحمرة، وسيجارة معلّقة على طرف فمه. فيما بعد، عرفوا أنّ الرجلَ سجنَ لسنوات في الأرض المحتلة، قبل أن يفرج عنه بصفقة تبادل مع جندي إسرائيلي، أسرته منظمة القيادة العامة في جنوب لبنان. هذا المسئول وغيره، لم يكونوا هم أنفسهم على قناعة بكلماتهم عن النصر على العدو. إلا أنها كلمات، شبيهة بدعاء المؤمن الورع، الذي يرفع عينيه إلى السماء؛ وحينما لم تستجب، يردّ عليها بهز كتفه.
حينَ جًمعواً مجدداً في سيارة البيكآب، لتنطلق في العتمة الدامسة، فكّرَ دلير أنها أشبه بسفينة نوح، تحمل أرواحاً قد تخلّصت من آثام العالم، أو هكذا خيّل إليهم؛ أنها تبحث عن جبل جودي، لترسو عليه قبل أن تفرغ شحنتها من روّاد العالم الجديد. لم يكن المرسى، سوى مدينة عاليه، عروس مصائف جبل لبنان. في أوان المراهقة، كانَ دلير يتصفّحَ مجلات فنية لبنانية، تقتنيها والدته أسبوعياً، وفيها كانَ يُذكر في أوان الصيف حفلات هذه البلدة لمطربين محليين مشهورين، مثل فيروز وصباح ووديع الصافي وغيرهم. أما اليوم، فإنّ المدينة " في بوز المدفع "، كونها الثقل الرئيس للحزب الإشتراكي التقدمي، الذي يتزعّمه وليد جنبلاط، المتحالف مع الفلسطينيين ضمن الحركة الوطنية.



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحجار الشطرنج الصفر: مستهل المغامرة
- أحجار الشطرنج الصفر: غيمة جافة
- أحجار الشطرنج الصفر: يوم جديد
- أحجار الشطرنج الصفر: أوديب العصر
- أحجار الشطرنج الصفر: صداقة وليدة
- أحجار الشطرنج الصفر: أجيال ماجنة
- أحجار الشطرنج الصفر: حكايات على الطريق
- سكة حديدية حتى السماء: الخاتمة
- سكة حديدية حتى السماء: مرآة جديدة
- سكة حديدية حتى السماء: كرامة مُخبر
- سكة حديدية حتى السماء: مكيدة غرام
- سكة حديدية حتى السماء: بانثيون بشري
- سكة حديدية حتى السماء: عالم آخر
- سكة حديدية حتى السماء: القطار المشؤوم
- سكة حديدية حتى السماء: طبيعة عارية
- سكة حديدية حتى السماء: خرائب وصروح
- سكة حديدية حتى السماء: خريطة ممزقة
- تشريح الذات: الخاتمة
- تشريح الذات: كانَ ربيعاً أخيراً
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ


المزيد.....




- هل يجب أن تكون الموسيقى صاخبة جدًا لنحرق سعرات أكثر؟
- الليبي محمد الوافي يحصد لقب جائزة كتارا للتلاوة لعام 2026
- الأردن يرمم -ذاكرة الأرض-: مئات الآلاف من وثائق ملكيات الضفة ...
- رحيل سيد نقيب العطاس.. رائد -إسلامية المعرفة- واستعادة الأدب ...
- 28 رمضان.. من ميلاد الأندلس إلى زفاف -أميرة القلوب-
- حفل الأوسكار الـ 98.. إطلالات صنعت اللحظة على السجادة الحمرا ...
- مهرجان أفلام الشباب يفتح الباب أمام جيل جديد من السينمائيين ...
- جوائز الأوسكار 2026.. أبرز لحظات ليلة هوليوود الكبرى
- سر ديوجين.. جديد الشاعر حسين جرود
- كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 إلى منصة دولية ضد الحرب في غزة و ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - أحجار الشطرنج الصفر: قرب اللهيب