|
|
أحجار الشطرنج الصفر: مستهل المغامرة
دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 00:12
المحور:
الادب والفن
1 لقد وجدَ نسرين، فعلاً، في أسوأ حالاتها. كأنما كانت تنتظرُ أن تراه، وذلك قبل أن تدخل في غيبوبةٍ، لن تفيق منها أبداً إلا لكي تسلم الروح. بالرغم من فقدانها التركيز تقريباً، فإنها ميّزت وجوده إلى جانبها. مدّت إليه يداً قلقة، مهزوزة، لتخاطبه في وهن: " الحمد لله أنك لم تسافر إلى بيروت، وإلا كنتَ عدتَ وعلمتَ أنني ميتة ". تلقى دلير في ألمٍ كلامها، الدال على أنها دخلت في بحران الهذيان. فإنّ رحلة بيروت، انقضت منذ حوالي شهرين. وكانوا في المنزل قد أخبروه أنهم أرسلوا في طلب الطبيب، الذي تقع عيادته عند موقف جسر النحّاس. لذلك وقعَ دلير في سوء فهم، لما جاءَ ابن عم نسرين، وكانَ في سنته الثانية بكلية الطب. ابن العم هذا، واسمه " شامل "، كانَ يكنّ لدلير كراهية غير مفهومة. إنه شابٌ يصغره عُمراً بنحو ثلاثة أعوام، شديد الشقرة كالأبرص، ملامحه متناسقة، وقامته الرشيقة مائلة إلى الطول. من وراء النظارة الطبية، كانت تطل عينان عسليتان، لكنهما تشعّان باللؤم. كانَ يبدو دوماً في غاية الأناقة، مضمَّخاً بالعطر الفرنسيّ، شَعره معتنى به للغاية وذقنه حليقة. باختصار، كانَ غندوراً. ويتندرُ أصدقاؤه وأقاربه من جملةٍ، كتبها بقلم الروج على صفحة المرآة في حجرته: " إيري بالنساء إذا لم يحببني ". إلا أنّ علاقته بالجنس الآخر، إتّسمت بشيءٍ من الشذوذ. وإنه لزكَين من أعطى مثلاً على ذلك، بناءً على كونه شاهد عيان. ففي وقتٍ سابق، استأجرت أسرةٌ غريبة، منزلَ المرحوم شمسي آغا. الأب، وكانَ من غرب الحي، عرّفَ عن نفسه بتباهٍ أنه صحفيّ مرموق. أما الأم، فإنها كانت على قرابة بالطبيب عبود، زوج بَسْني الثاني. وكانت ابنتهما البكر، " ناريمان "، قد فاقت فتياتِ الحارة بالحُسن، وأيضاً ما لبثت أن عُرفت بالجسارة والإنطلاق. عن طريق ابن عمه لزكَين، الذي كانَ صديقاً لشقيقها، بدأ شامل في محاولة التقرّب إليها. وكانت ناريمان سعيدة بذلك، بل وراحت تقول لصديقاتها بزهو أنها خطيبة للدكتور فلان. إنما بقيَ ذلك الخطيب الصوريّ مكتفٍ بنثر الدعابات، بالأخص حينَ كانَ يحضرُ لمنزلهم ثملاً؛ وهوَ غالباً ما كانَ كذلك، ما أن يحلّ المساء. لكي تشجّعه على الخطوة المطلوبة، قالت له ناريمان ذات مرة حينَ استقبلته قدّام باب المنزل: " لو أنك تدبّر مكاناً آخر، نجتمع به سوياً بعيداً عن الآخرين، فلا مانع لديّ ". لقد كانت فتاةً مجرّبة، وسهلة المنال إلى حدّ ما. بلبلته الفكرة، وما عتمَ أن نقلها لابن عمّه. هنا اقترحَ عليه لزكَين، أن ينفرد بها في حجرته بالمنزل. ولكنّ شامل ما أن دخلَ معها إلى تلك الحجرة، إلا وهربت جسارته من نافذتها. عقبَ ذلك الموعد الخائب، شاءت ناريمان أن تغيظ مَن اعتبرته شاباً مخنثاً. قالت للزكَين، بحضوره: " هل تسأل ابن خالتك، لو كانَ بمقدوره أن يرسمَ لي لوحة بورتريه؟ في حقيقة الحال، أنا معجبة بدلير، تذكّرني وسامته بآلان ديلون ". ولكن شبيه هذا الممثل الفرنسيّ، لم تصله الدعوة إلا في وقتٍ متأخر. فإنّ شقيقَ ناريمان، قام بقتل الخال شهاب الدين، وذلك على خلفية علاقة شائنة. فما كانَ أسرعه، نزوحُ أسرة القاتل من بيت الإيجار إلى بيتٍ آخر في خارج الحارة. وإذاً ظهرَ ذلك الشاب الرومانسيّ، شامل، أمام سرير ابنة عمه المحتضرة. رمقَ دلير بنظرة عداء، متجاهلاً الردّ على تحيته. على الأثر، حضرَ الطبيبُ، الذي سبقَ له أن قيّمَ بشكلٍ إيجابيّ آخر صورة أشعة لنسرين. أعلن الآنَ دونَ مواربة، حال فحصه للمريضة، أنّ خيراً لها أن تموتَ في المنزل. كانت السيّدة رَمّي موجودة في الحجرة، فما أن سمعت كلامه المبرم إلا وملأت الجوّ صراخاً وعويلاً وندباً. باكياً بحرقة، بدَوره، دفنَ دلير رأسه بين قدميّ طليقته. ثم ساعده لزكَين في النهوض، ومضى برفقته إلى حجرة الإستقبال. بقيا ثمة بضعَ ساعاتٍ، يحيطهما بعضُ أفراد العائلة. لحين أن دخلت شيرين، لتقول قبيل استرسالها بنوبة بكاء: " نسرين أفاقت للتو من الغيبوبة، لكنها ما لبثت أن أسلمت الروح ". عند ذلك، أرسلوا خبراً من جديد للطبيب، لكي يُحرر هذه المرة شهادة الوفاة.
2 أسبوعاً عقبَ دفن نسرين، وإذا بالمنطقة كلها تغدو كأنها أصبحت من زبائن حفار القبور. فبعد محاولة قتل سفيرها في لندن، أعلنت تل أبيب أنّ الوقتَ قد حانَ لطرد منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان. طبولُ الحرب، سرعانَ ما حرّكت دلير، وكانَ آنذاك في حالة حِداد، أدخلته بعزلةٍ عن الجميع. سبقَ له أن حصلَ من المؤسسة على إجازة شهر بدون راتب، وكانَ قد فكّرَ بقضاء جلّها على البحر في مدينة اللاذقية. ثمة، في صُحبة قريبه سينو، كانَ من المفترض أن يستعيدَ ذكريات شهر العسل مع حبيبته نسرين، ربما بهدف محو فكرة وجود جسدها تحت التراب. كونه أقام معرضَ الكاريكاتير في مركز الجبهة الديمقراطية، في عامٍ مضى، فإن دلير تواجدَ ثمة لأجل تقديم أيّ مساعدة ممكنة. إتفاقاً أنّ صديقه رستم كانَ هناك، لنفس الدافع. طلبوا من كلّ منهما، استلامَ دفتر تبرعات لصالح الجبهة. في نفس الوقت، سلّمَ دلير بعض رسومه الجديدة، بهدف نشرها في صحيفة المنظمة. بعد نحو أسبوع، عادَ الصديقان لتسليم التبرعات. عندئذٍ حصلَ دلير على بيان من المنظمة، تضمّنَ نقداً مبطّناً للنظام السوريّ. إذ سبقَ وأعلنت تل أبيب، أنها توصّلت عبرَ مبعوث الولايات المتحدة إلى إتفاقٍ لوقف الأعمال العدائية مع الجيش السوريّ في لبنان. في اليوم التالي، كانَ دلير خارجاً من بيت العمة، أينَ إلتقى مع حفيدها سينو، وكانَ هذا الأخير في إجازة. إذا بشقيق سينو، يُشير إليه من وراء زجاج محلّ المفروشات. ما أن حيّاه دلير، إلا ولوّحَ تمّو بذلك البيان، وهوَ يحرّك حدقتيّ عينيه الضيقتين: " لقد وقعَ بيَد أجهزة الأمن، وهيَ عندها أمرٌ بالقبض على كلّ من يقوم بتوزيعه كائناً من كان " " هل أخبرتهم، أنني مَن سلّمَ هذا البيان لأخيك؟ "، تساءل دلير وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة. لكن تمّو، الذي أدرك ولا ريب مغزى اللمز، ردّ بسرعةٍ ولهوجة: " بل أكّدتُ لأحدهم، أن البيانَ قد رُميَ ليلاً عند باب المحل ". إنه أضحى من الجرأة، والصفاقة، ألا يخفي علاقته بتلك الأجهزة. حياته العائلية، كانت تتقوّضُ بسرعة. ولولا أنّ امرأته غير مرحّب بها في وجود زوجة أبيها، لطلبت الطلاق منذ أمدٍ بعيد. فإنّ تمّو فوق إهماله لعمله، وسهراته يومياً على الكأس مع ندمائه، راحَ يشتبكُ كلّ مرةٍ مع شقيقه الكبير بسبب إطلاقه للنار ليلاً. أما شقيقه الأصغر، سينو، فإنه كانَ محظوظاً لصدور أمر فرزه إلى ميناء اللاذقية، في القسم الخاص بالمركبات العسكرية. أضواءُ السيارات العابرة، لاحت كأنها تنافسُ القمرَ في إنارة هامات أشجار الشوارع، لما ترجّلَ من إحداها دلير وصديقه رستم. كانَ الجو خانقاً في مقرّ المنظمة، بالرغم من أنّ الطقسَ ما فتأ في وقتٍ متأخر من الربيع. وإذا صديقه يضغط على ذراعه، مومئاً لبوستر كبير على حائط الدرج. كانَ البوستر قد اقتبسَ رسماً شهيراً لديلاكروا، " الحرية تقود الشعب "، تضمّنَ نداءً مقتضباً، يدعو إلى التطوّع في المقاومة الفلسطينية لدحر العدوان على لبنان. رمقَ عندئذٍ كلّ منهما الآخرَ، وقد بدا التصميمُ في قسماتهما. بدأ دلير الكلامَ، مخاطباً صديقه، وكانا ما زالا متوقفين عند الدرج: " هلمّ نسأل عن شروط التطوّع " " بحَسَب تجربتي، أنهم لا يطلبون سوى البطاقة الشخصية "، علّقَ رستم مبتسماً. الفقر، سبقَ أن حمله على التطوّع في صفوف منظمة القيادة العامة. كانَ ذلك، قبل أن ينسحب منها كي ينضم إلى ميليشيا كردية، متمركزة في بيروت، تتبعُ حزبَ المدعو صالح ديبة. ثم أنيط برستم، لاحقاً، تهريبُ أدبيات الحزب إلى سورية. وكانَ يقومُ بمهمته في مهارةٍ وجسارة، إلى أن تدبّرَ التنظيمُ نقل أدبياته عن طريق الفلسطينيين. عند ذلك استقر رستم في دمشق، أينَ تقيمُ أسرته في بيت إيجار. كانَ حينئذٍ قد قاربَ العشرين من العُمر، وحصلَ على تأجيل خدمته الإلزامية بمبرر مساعدة الأسرة. بين آونةٍ وأخرى، كانَ يسافرُ إلى شتورا اللبنانية، ليعود منها ويبيعُ المهرّبات في شوارع الشام. بعد نحو خمسة أعوام، ستقترنُ شقيقته نوال من خلّو، ابن عمّة دلير، بالتبنّي؛ وكانت تكبره، بنفس ذلك العدد من السنين.
3 أسوةً برفيقه، أعطيَ دلير يوماً كاملاً لتجهيز نفسه، وذلك قبل أن تقلّهم سيارة إلى معسكر تدريب للجبهة يقعُ في أحد وديان معلولا. كونه في إجازة بالأساس، تطلّبتها حالته النفسية على أثر وفاة حبيبته، فإنّ أحداً لم يزعج عزلته حتى ذلك الوقت. إلا أنه ارتأى إعلامَ الحزب بقراره التطوع في المقاومة الفلسطينية، فاتّجه إلى المكتب الرسميّ، الكائن بالقرب من ساحة الشهبندر. هنالك التقى مع الدكتور " رشوان "، الذي سبقَ أن أعطى شهادة وفاة نسرين. هذا الأخير، لم يتعرّف عليه سوى لما ذكرَ كنيته. في حقيقة الأمر، أنّ الرائد فيّو، كانَ في شبابه مرتبطاً بصداقةٍ وثيقة مع أشخاصٍ من مشارب سياسية مختلفة، وكانَ منهم هذا الطبيب. لقد عُرف الرجلُ، باللقب المُحبب؛ " طبيب الفقراء ". ما كانَ يُعالج أولئك الناس مجاناً، حَسْب، وإنما أيضاً أعفاهم غالباً من تكاليف الدواء، بمنحه لهم من صيدلية العيادة. ذات مرّة، ثارَ على أحدهم لأنه أتى إلى العيادة حاملاً ابنه المريض على ظهره، فنقده ثمن العودة بسيارة أجرة. عمّة الرائد فيّو، كانت من زبائن ذلك الطبيب. إنها بنفسها كانت بمثابة الممرضة لوالدتها، التي قضت السنين العشر الأخيرة من عٌمرها ملتزمة في فراش المرض. العمّة، لم تتآلف كثيراً مع الطبع الناريّ للدكتور رشوان، وأحياناً كانت تعود من عيادته باكية. " الشيعي الكافر! لقد لحقني إلى باب العيادة كي يضربني، لأنني لم أفهم جيداً كنه كلامه عن الدواء "، قالتها ذات مرة لشقيقها الكبير شمسي آغا. مع أنه شيوعيّ، ومن أصلٍ أردنيّ، كانت ثقة أهالي الحي بالدكتور رشوان أكثر من جاره الطبيب، الذي أضاف لقبَ " الحاج " لاسمه وربّى أيضاً لحية ورعة. هذا الأخير، ما عتمَ أن لقيَ مصيراً مجهولاً حينَ تمّ إعتقاله في بداية صدام السلطة مع تنظيم الطليعة، الأصوليّ. وكانَ ردّ عناصر التنظيم مرتجلاً ومنفعلاً، بأن رموا منشوراً أعلنوا فيه وضع جاره، الدكتور رشوان، في قائمة التصفيات. كونهم سبقَ أن اغتالوا أكاديميين ونقابيين، فإنّ التهديد أُخذ على محمل الجدّ. فأرسل الدكتور رشوان إلى موسكو، بحجّة إجراء دورة إيديولوجية، فبقيَ هناك لأكثر من عامين. قبل نحو ثلاثة أشهر، وعقبَ الضربة الأخيرة لذلك التنظيم في مدينة حماة، آبَ الرجلُ إلى الوطن وفتحَ عيادته من جديد. قال الرفيق رشوان لدلير، بنبرةٍ ناصحة متماهية مع الإعجاب: " الحزب، سبقَ أن أرسلَ متطوعين للمقاومة الفلسطينية في مناسباتٍ أخرى. لكنه الآنَ، ما زالَ يدرسُ إمكانية تكرار ذلك على خلفية الإجتياح الإسرائيليّ للبنان. مردّ التأنّي ليسَ التردد، بل مراعاة أن السلطة قد اتفقت مع تل أبيب على إنهاء الأعمال العدائية بينهما في هذه الحرب. فلا ضيرَ أن تنتظرَ بعضَ الوقت " " لقد أعطيتهم كلمتي، وهم يعرفونني بصفتي أيضاً رسام كاريكاتير. فلو نكصتُ عن الذهاب غداً، سيلقي ذلك ظلاً من الشك على شرفي وسمعتي "، ردّ دلير بقوّة. لزمَ الآخرُ الصمتَ هنيهة، فيما كانَ يحدّق بمخاطبه؛ وكأنه ذكّره بموقفٍ ما مع المرحوم الرائد. أخيراً منحه الموافقة، قائلاً باقتضاب: " إذاً ارفعْ اسمَ الحزب بسلوكك وشجاعتك ". ثم استدرك، متسائلاً: " هل فكّرتَ باسمٍ حركيّ، مثلما جرت عليه العادة؟ " " نعم، سأدعى ثمة باسم هفال " " اسمٌ جميل ومعبّر. وهوَ دليلٌ أيضاً على أنك ابنٌ أصيل للرائد فيّو "، قالها الدكتور رشوان فيما مدّ يده لمصافحته.
4 شعرَ دلير براحة البال، عقبَ لقائه مع ممثل الحزب. عندئذٍ تخيّل نفسه شهيداً، يتم تشييعه في جادة الحي من قبل الآلاف من الرفاق وأصدقائهم. طرد من ثم تلك الفكرة الساذجة، واهتمّ بأخرى؛ وهيَ ضرورة أن يُفاتح صديقه مستو بأمر تطوّعه مع الفلسطينيين. إلا أنه استبعدَ أيضاً الفكرة، مقدّراً أن رستم ربما أبلغه: " سيغدو شخصٌ عالة، مثل ثروت، بنظر أولئك الأصدقاء، أكثر أهمية مني؛ هوَ من سبقَ وحاربَ في جبال كردستان "، قالها في نفسه. لكنه في أعماقه، كانَ يُدرك أنه يبالغ بذلك التصوّر. فإنّ أقرب المتعاطفين مع الأحزاب الكردية، هيَ المنظمات الفلسطينية. والعكسُ صائبٌ، بالطبع. بل إنّ مستو وبعض رفاقه، صاروا يميلون شيئاً فشيئاً نحوَ أقصى اليسار، المتمثّل بحزب العمل الشيوعي. ثلة من رفاق ذلك الحزب، شغلوا إحدى حجرات بيت الإيجار. إنه " نصوح "، الطالب في قسم اللغة الإنكليزية، مَن أسكن معه مواطنيه أولئك؛ وغالبيتهم كانوا مطلوبين لأجهزة الأمن أو سبقَ اعتقالهم. كانوا من مدينة السلمية، درّة تاج الرومان في بادية حماة، وغالبية سكانها من معتنقي المذهب الإسماعيلي. يُقال أنّ شاعراً عراقياً، معارضاً، شاءَ أن يلقي قصائده ثمة حال تسلله إلى الأراضي السورية. لكنهم في المدينة، لم يعثروا على مكانٍ يتّسع للجمهور، فأقاموا الأمسية الشعرية في صحن المسجد الكبير. نصوح، اختتم الواقعة على أسماع دلير، بالقول ضاحكاً: " وكانَ الشاعرُ قد اشترط عليهم أن يضعوا دمجانة نبيذ على المنصة أمامه، فراحَ يعبّ منها رشفاتٍ كبيرة في خلال إلقائه قصيدته الطويلة ". نصوح، كانَ بنفسه شاباً طريفاً، يذكرهُ أبناءُ جيله حينَ كانَ في المدرسة يؤدي أغنيات المطرب فهد بلان، مترجماً إياها إلى الإنكليزية. إلا أنه باتَ الآنَ أكثر جدّية، لما انتهت الدولة من تنظيم الطليعة الأصوليّ والتفتت من ثم لقمع ذلك الحزب اليساريّ المتطرف. إنه بنفسه عضوٌ في الحزب الحاكم، أرتبط بعلاقة عاطفية مع ابنة أحد المسئولين من مدينته. دفعاً لشبهة التعاون مع أولئك اليساريين، سيطلبُ منهم لاحقاً بطريقةٍ مهذبة أن يخلوا له الحجرة. في حقيقة الأمر، فإنّ دلير تفهّمَ حينئذٍ مسلكَ ذلك المستأجر، وكانا قد صارا صديقين. فإنه استعاد عندئذٍ امتناعه عن تزويدَ أولئك الشبان بالرسوم الكاريكاتيرية، لنشرها في دورياتهم السرية. إنهم كانوا قد حضروا معرضه الأخير، فوجدوا مع الفنان نقاطاً مشتركة، سياسية وفكرية. ربما أنّ رسام الكاريكاتير، عموماً، يعطي هكذا انطباع كون رسومه تنحو إلى نقدٍ مرير للأوضاع الإجتماعية المزرية، التي يعيش فيها غالبية الشعب. ومن ناحيته، فإن دلير كانَ أكثر جرأة بتناوله موضوعاً محرّماً ( تابو )؛ وهوَ اشتراكُ السلطة مع خصومها الأصوليين في تأجيج الطائفية في البلد. ونسرين الراحلة؟ هل كانت ذكراها من القوّة أن يشعر طليقها بتأنيب الذات، لدرجة أن يكفّر عن موتها المبكر بموته في ساحة الحرب. أكثر ما آلمه، مطاوعته لها في موضوع الطلاق بينما كانت هيَ في حاجةٍ وجودية لوقوفه إلى جانبها حينَ هاجمها وحشُ المرض. حدبه عليها في الأشهر الأخيرة، لاحَ لكثيرين أنه تمثيلٌ وبلا معنى عقبَ قرار الإنفصال. نظرات أسرتها، كانت آنذاك تنفذ فيه كالنصال. حتى لزكَين، بالرغم من التزامه الصمت المطبق، فإنّ بروده كانَ جلياً في تلك الأشهر العصيبة. مثقلاً بالهموم والهواجس، حملته قدماهُ إلى منزل إيجار آخر. رستم، كانَ يقيمُ مع عائلته في قبو عمارةٍ، بنيت إرتجالاً طبقة تلو طبقة. حجرتا نوم، عليهما كانَ أن يتّسعا للعائلة الكبيرة العدد، بينما المنْوَر غدا بمثابة حجرة استقبال ومعيشة. وهوَ ذا دلير يقرعُ الباب الخارجيّ، فتظهر الأمُ بوجهٍ منشرح؛ دلالة على أنها تجهلُ موضوع التطوّع. على الأثر، لما دعاه رستم للدخول، فإن دلير أسرّ له بصوتٍ منخفض: " هلمّ بنا إلى مكتب الجبهة، لأن موعدنا معهم قد اقترب ".
5 في مساء ذلك اليوم، وصلا إلى معسكر الجبهة في بلدة معلولا، التي تعدّ من أهم حصون المسيحية، المتبقية في بلاد الشام. وإنها كنائسها وأديرتها وبيوتها، المنحوتة في الجبل، مَن أعطاها شكل الحصن حقاً، وجعلها في العصر الحديث أحد أهم المواقع السياحية. بالرغم من أن دويّ الحرب أصدى في هذه البلدة، القريبة من الحدود اللبنانية، فإنّ سكانها كانوا يحضّرون للاحتفال بعيد الصليب، المُصاقب لنهاية الصيف. صباحاً، أفاق دلير في فراشه المرتجل، وكانَ خلال الليل قد تزوّد ببطانية أخرى لإحساسه بالبرد في هذه البلدة الجبلية. رفيقه كانَ لا زال نائماً، لما خرجَ هوَ إلى الهواء الطلق، مفارقاً الجوّ المضغوط للحجرة المبنية من الخشب ( البراكية )، والمتّسعة لأربعة أسرّة عسكرية. ثمة في الخارج، تنشّقَ أريجَ الأزهار البرية، المعششة بين الصخور، والذي حمله النسيمُ العليل النقيّ. في المقابل، لم تحظ عيناه سوى برؤية عددٍ قليل من الأشجار؛ وربما ندرتها، يعود إلى هذه الأرض الصخرية. وهيَ ذي منازل البلدة القديمة، تتراءى عن بُعد، مندمجة بالسفح كما لو أنها من صخوره. إنها منازل أنيقة، مبنية من الحجر الأشقر، تنحدر إلى المضيق لتشكل ما يشبه حرف اللام اللاتينيّ. لقد خلت البلدة من المآذن، كونها من لونٍ دينيّ واحد، يتكلّمُ سكانها الآرامية وليسَ العربية. الشمسُ، ما لبثت أشعتها أن انعكست إلى جهته، فأغمضَ عينيه قليلاً. وإذا بيدٍ تربت على كتفه، وصوتُ رستم يتسلل إلى سمعه: " منظرٌ جميل، أليسَ حقاً؟ ". سُعد بوجود رفيقه إلى جانبه، كونه تمنّى قبل قليل أن يشاركه أحدهم في الحديث عن هذا السحر، المحيط بالمعسكر ذي المنشآت القبيحة الشكل. هكذا أخذ دلير يتكلم، وما إنفكّ مأخوذاً بروعة المكان، إلى أن قاطعه رفيقه بالقول: " هيا بنا إلى المغاسل، ومن ثم نقوم بجولةٍ في البلدة ". الإجتماع الصباحيّ، مثلما تمّ الإبلاغ عنه ضمن تعليماتٍ أخرى يومَ أمس، سينعقدُ في ساحة المعسكر بتمام الساعة الثامنة. بعدما عادا من المغاسل، وهما أكثر حيوية، كانَ الوقتُ ما فتأ مبكراً على ذلك الإجتماع. انحدرا بعدئذٍ إلى ساحة البلدة، التي كانت غافية بعدُ. إلا أنهما كانا محظوظين بوجود مقهى، مشرع الأبواب، وكانَ النادلُ الفتيّ قد أشارَ لهما بيده بحركة ترحاب. عند مدخل المقهى، المشكّل نوعاً من الترّاس، تناولا فطوراً دسماً بثمنٍ معقول. لما آبَ إليهما النادل، لصب المزيد من الشاي، قال لهما: " لو أردتما المسير في الفج، فأنا على استعداد لكي أدلكما على مدخله " " وما هوَ هذا الفج؟ "، سأله دلير. لقد كانَ مثل رفيقه، يأتي للمرة الأولى إلى هذه البلدة. أما شقيقتها الكبيرة، صيدنايا، فإنه زارها قبلاً أكثر من مرة. آخر مرة، اشترك برحلةٍ لجمعية الطلبة الأكراد، وكانَ عُمر دلير لا يتجاوز الثالثة عشر. هذه الجمعية، أسسها الحزب اليساريّ، وكانَ ابن عمته، تمّو، مسئولاً آنذاك عن منظمة دمشق ابتسمَ الفتى، وأوضحَ بالقول: " أعني المضيق الشهير، الذي يشق الجبل في الطريق إلى دير مار تقلا ". كأنما على اتفاق، نظرَ كلّ من الرفيقين إلى ساعته. لم يتبقَ وقتٌ كثير للإجتماع الصباحيّ، ففضّلا التجوّل في أزقة البلدة، الكائنة عند السفح. شكرا النادل، ونقداه ثمنَ الوجبة مع البخشيش. سارا إذاً ضمن الوادي، المأهول بالأشجار المثمرة، تحفّه صخورٌ جرداء مثلما حال جبال القلمون بشكلٍ عام. معظم بيوت البلدة تقع على السفح، تبرز منها أبنية الكنائس بصلبانها شديدة اللمعان، كأنها مصبوبة من الفضّة. إلى أن ضاقَ الوقت، فأخذا بتسلق المنحدر مجدداً وصولاً إلى المعسكر.
#دلور_ميقري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أحجار الشطرنج الصفر: غيمة جافة
-
أحجار الشطرنج الصفر: يوم جديد
-
أحجار الشطرنج الصفر: أوديب العصر
-
أحجار الشطرنج الصفر: صداقة وليدة
-
أحجار الشطرنج الصفر: أجيال ماجنة
-
أحجار الشطرنج الصفر: حكايات على الطريق
-
سكة حديدية حتى السماء: الخاتمة
-
سكة حديدية حتى السماء: مرآة جديدة
-
سكة حديدية حتى السماء: كرامة مُخبر
-
سكة حديدية حتى السماء: مكيدة غرام
-
سكة حديدية حتى السماء: بانثيون بشري
-
سكة حديدية حتى السماء: عالم آخر
-
سكة حديدية حتى السماء: القطار المشؤوم
-
سكة حديدية حتى السماء: طبيعة عارية
-
سكة حديدية حتى السماء: خرائب وصروح
-
سكة حديدية حتى السماء: خريطة ممزقة
-
تشريح الذات: الخاتمة
-
تشريح الذات: كانَ ربيعاً أخيراً
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
-
خمسة أسابيع في دمشق 4
المزيد.....
-
كيف رسمت حرب إيران وتهديدات الذكاء الاصطناعي ملامح الليلة ال
...
-
فلسطين في قلب -أوسكار 2026-.. حضور لافت لفيلم -صوت هند رجب-
...
-
على خشبة مارليبون: صراع الحرية والتقاليد في المسرح اليهودي
-
جهاتٌ في خريطة
-
-جمهورية الكلب- من السرد العربي إلى القارئ العالمي
-
الممثلة أناهيد فياض وزوجها يتبرعان بقرنيتي نجلهما الراحل
-
الثقافة سلاحاً.. فلسطين تقاوم بالقلم والذاكرة
-
26 رمضان.. 3 أحداث حولت الخلافة من مصر لإسطنبول
-
مايلز كاتون يتحدث لشبكة CNN عن كواليس دوره في فيلم -Sinners-
...
-
صناع أفلام إيرانيون يتوجهون إلى حفل الأوسكار بينما تعصف الحر
...
المزيد.....
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|