أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يحيى القصصية















المزيد.....

بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يحيى القصصية


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 13:33
المحور: الادب والفن
    


في مجموعته القصصية "بيت الهموم"، يقدم الأديب العراقي حسب الله يحيى عالماً سردياً متشعباً يعج بالشخوص والأمكنة والتفاصيل الصغيرة التي تفضي إلى أسئلة كبرى. والمجموعة، التي تحمل إهداءً إلى "من لا سجن لهم"، تستدعي منذ اللحظة الأولى قارئاً واعياً، قارئاً يدرك أن النص الأدبي ليس وعاءً مغلقاً للمعنى، بل مساحة تفاعل مفتوحة، تتشكل فيها الدلالات عبر علاقة جدلية بين ما يقدمه الكاتب وما يحمله المتلقي من آفاق توقع وخبرات حياتية وجمالية. هذا التصور يشكل جوهر نظرية استجابة القارئ التي تؤكد أن المعنى الأدبي لا يكمن في النص وحده، ولا في القارئ وحده، بل في المساحة التفاعلية بينهما. تفتتح المجموعة باقتباسين عميقين: الأول لموريس بلانشو "ما من داع للسجن؛ فنحن نعلم أننا فيه فعلاً"، والثاني لفاضل العزاوي في تأملاته عن "أجمل الأحجار" التي جرفها الطوفان، وأجمل الأطفال الذين لم نسمع صراخهم في الزنزانات. هذه البداية تهيئ القارئ لـ "أفق انتظار" محدد، فهو مقبل على عوالم سردية تتشكل فيها الهموم ككائنات حية، لها ثمارها وأسرارها، كما يخبرنا الكاتب في خاتمته. القارئ هنا ليس متلقياً سلبياً، بل مشاركاً في بناء هذه العوالم، يستحضر تجربته مع الهم والبيت والذاكرة العراقية ليملأ الفجوات التي يتركها النص عمداً.
يعمد حسب الله يحيى إلى توظيف التناص بشكل لافت، سواء مع نصوص أدبية أو مع شخصيات ثقافية كبرى. فإشارته إلى آينشتاين الذي فشل دراسياً ثم أصبح عالم النسبية، ومحمد شكري الذي غادر المدرسة مبكراً ليصير كاتب سيرة عربياً مهماً، وعباس العقاد الذي لم يكمل دراسته الابتدائية، تشكل شبكة دلالية تدعو القارئ إلى إعادة النظر في مفاهيم النجاح والفشل. كما أن استدعاء شخصية دون كيشوت في قصة "فارس من هذا الزمان" عبر شخصية "حاتم الفارس" وعلاقته بـ"أبو كازو" بائع الشاي، يخلق طبقة تأويلية عميقة. القارئ الذي يمتلك رصيداً ثقافياً سيرى في "حاتم الفارس" نموذجاً للعظمة الزائفة، وفي بائع الشاي راوياً شعبياً يعيد إنتاج الأسطورة ليحولها إلى مصدر رزق، في مشهد يعري آليات تشكل البطولات الوهمية في المجتمع. تتنوع في المجموعة الأصوات السردية: صوت السيدة مريم العجوز الوحيدة، صوت المدرس المنفي إلى قرية كردية لا يفهم لغتها، صوت الرجل العجوز الذي يقرر الخروج من عزلته يوماً واحداً، صوت الأم الثكلى "أم زاهد" التي تبحث عن ابنها في حافلة عمومية، وصوت السجين الذي أتقن لعبة الشطرنج لتكون ملاذاً نفسياً وفكرياً. هذا التعدد يفتح أمام القارئ آفاقاً متعددة للتعاطف والفهم. ففي قصة "الدرس الأول"، يجد المدرس نفسه في قرية "كويلان" حيث اللغة حاجز والتواصل تحدٍ. هنا يصبح القارئ شاهداً على عملية تفكيك للتمركز الثقافي، حيث يتحول المفترض أن يكون "معلماً" إلى "متعلم" للغة الكردية. الموقف الساخر الذي ينتهي بتعليم القرويين أكل السمك رغم تحريمه، يكشف كيف تتشكل القناعات وكيف يمكن للتجربة المباشرة أن تهدم اليقينيات. القارئ مدعو هنا لملء الفجوة بين المعرفة النظرية (التحريم) والتجربة العملية (اللذة).
تحضر الأمكنة في "بيت الهموم" بوصفها كائنات حية تتفاعل مع الشخوص وتستدعي استجابات متباينة من القارئ. الحديقة في قصة "عالم السيدة الوحيدة" ليست مجرد فضاء مادي، بل هي امتداد لذات مريم، شجرة التين والجهنمية والعصافير تشكل عالماً حميماً ينهار تدريجياً بفعل تغير المحيط وتهديد الباعة الجائلين وضغوط الجيران. القارئ يتعاطف مع مريم ليس فقط لأنها وحيدة، بل لأن المكان الذي يمثل ذاكرتها وحبها مع زوجها الراحل نعيم يتعرض للاغتصاب اليومي. وفي قصة "فتنة مكان"، يتحول المكان إلى معادل موضوعي للعلاقة العاطفية. السائل والمكان الذي أفتتن به حبيبه، يطرح أسئلة وجودية عن الثبات والتغير: "لا يمكن أن يحدث هذا.. لا يمكن أن أعود إليه.. فالثمرة البهية في أعلى الشجرة، حين تسقط، يسقط معها بهاؤها". هنا يدخل القارئ في حوار مع النص حول إمكانية استعادة المشاعر بعد انطفائها، وهل المكان نفسه الذي شهد بداية الحب قادر على احتضان نهايته؟ تقدم المجموعة أصواتاً مهمشة بعمق: امرأة عجوز تواجه التهميش والإزاحة "عالم السيدة الوحيدة"، أم تبحث عن ابنها الذي اختطفته الحرب أو التيه "لهفة"، شيخ قرية كردية يتمسك بلغته "الدرس الأول"، وأب يكتشف زيف "الرجل الوقور" الذي كان الجميع يجلونه ("الدرس"). هذه الأصوات تخلق عند القارئ ما يسميه فولفغانغ إيزر "الموقف الجمالي" الذي يدفعه لمراجعة تصوراته المسبقة. فعندما يصرخ الأب في وجه الرجل الوقور "لقد أعطيتني ثمن علبة السجائر، ولم أستلم منك خمسة دنانير كما تدعي.. وتريد أن أعيد لك الباقي.. خذ هذا هو الباقي" ثم ينثر النقود في الهواء، لا يكون القارئ أمام مشهد غضب عابر، بل أمام لحظة انكشاف لزيف طويل. الرجل الذي كان مثالاً للتقوى والورع يتحول في لحظة إلى كذاب، والأب "البسيط" الذي كان موضع شك وريبة يتحول إلى صاحب حكمة وبصيرة.
يمارس حسب الله يحيى ما يمكن تسميته بـ"استراتيجية التشويش المتعمد"، حيث يقدم مواقف تدفع القارئ لإعادة النظر في أحكامه الأخلاقية والاجتماعية. ففي قصة "شجرتان ذابلة، وردة عطرة"، العلاقة بين "نور" الشابة و"صفاء" الموظف الكبير تطرح أسئلة معقدة عن الحب والخيانة والسن والفروق الاجتماعية. الحوار الداخلي الذي تجريه نور مع نفسها، وصراعها بين زوجها و"صفاء"، يخلق مساحة استجابية متعددة الاتجاهات. هل هي علاقة حب حقيقية أم مجرد افتتان بالاختلاف؟ هل الشيخوخة حكمة تستحق الاحترام أم مجرد تراجع يهدد الشباب؟ النص لا يقدم إجابات جاهزة، بل يضع القارئ في موضع المحاور الذي يشارك في صياغة المعنى. توظف المجموعة رموزاً متكررة تحمل دلالات مفتوحة. شجرة "الجهنمية" (بأزهارها البنفسجية الجميلة) وشجرة التين والعصافير، كلها عناصر تتكرر في عدة قصص، فتصبح ما يمكن تسميته بـ"الرموز العابرة". ففي قصة "أم زاهد" في خضم الحرب والقصف، تتحول شجرة التين والجهنمية والعصافير إلى شواهد على حياة كانت، ثم إلى أطلال. موت زاهد تحت الأنقاض، وبكاء أمه التي تلمس جسده الطري، يشكل لحظة استجابة عاطفية قصوى. القارئ هنا لا يقرأ خبر موت، بل يشهد تفاصيله الحسية: "تلّمست شيئاً طرياً... زاهد.. أهذا أنت؟ انهض كفاك نوماً... استيقظ، بدأ الفجر يضيء النهار". الأم التي ترفض النطق بكلمة "ميت" تخلق عند القارئ حالة من التوتر العاطفي المدمر، حيث يصبح الصمت أبلغ من الكلام.
يختم حسب الله يحيى مجموعته بكلمة مباشرة للقارئ: "لطفكم قرائي.. شاركوني في البيت المليء بالهموم". هذه الدعوة ليست مجرد لفتة بلاغية، بل هي إعلان عن تصور جمالي يرتكز على المشاركة الوجدانية والفكرية. القارئ في "بيت الهموم" ليس متفرجاً، بل هو ساكن إضافي في هذا البيت، يتنقل بين غرف السرد، يستمع إلى همسات الشخصيات، يملأ فراغات الحكايات بتجاربه الخاصة، ويخرج من المجموعة محملاً بأسئلة أكثر من إجابات. إن راهنية هذه المجموعة تكمن في قدرتها على تحويل "الهم" من حالة فردية خاصة إلى موضوع إنساني عام. فالهموم العراقية التي تطل من النصوص (الحروب، التهجير، الفقر، التهميش، فقدان الأحبة، صراع الأجيال) تتحول عبر اللغة السردية إلى هموم إنسانية قابلة للاستجابة من أي قارئ، في أي مكان وزمان. وهذا هو سر من أسرار القصص العظيمة: قدرتها على جعل الآخر يرى نفسه في مرآة الآخر، ويشعر بأن هموم العالم كلها بيت واحد مشترك. حسب الله يحيى، من خلال هذه المجموعة، لا يكتب قصصاً عن الهموم فحسب، بل يبني عمارة سردية مفتوحة الأبواب، ينتظر أن يسكنها قراؤه، ليكتمل المعنى، وتزدهر الحياة رغم كل شيء.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...
- من الحلم الثوري إلى الانكسار الاجتماعي؛ قراءة في سردية كامل ...
- حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح ...
- التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح ب ...
- مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر ...
- وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية ...
- مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم
- الطبري والحكاية المتقنة: هندسة السرد في التاريخ العربي عند س ...
- مرايا الصمت والعمى: خصائص الخطاب الأدبي لرواية -قارض الأيام- ...
- هل تصدقون أنني لا أعرف اسم الرئيس؟ عن هوس العراقيين بالسلطة ...
- بين ذاتٍ تتأمل وأخرى تسخر: جدلية الوعي الداخلي في فكر صالح ا ...
- جنة السلطة وجنة اللغة: قراءة شعرية في مفارقات كريم جخيور
- حين تتحول زلة اللسان إلى محكمة: بلقيس شرارة والسياب وغضب الف ...
- جدلية التحوّل ورؤية التاريخ في قصيدة المؤرخ والشاعر خالد الس ...
- كريم شغيدل: حين يتحول السؤال إلى معرفة
- القصيدة بوصفها تميمة لغوية ضد وهم الاكتمال؛ قراءة في قصيدة ب ...
- مالك المطلبي ومحمد خضير: قراءة معرفية في سرد المدينة والحلم
- الضوء الذي يعيد كتابة القصيدة؛ قراءة في قصيدة إيمان بلبلي


المزيد.....




- في اليوم العالمي للغة الأم.. مستقبل العربية بعيون أربع خبراء ...
- ثورة موسيقية عربية.. ليريا 3 يمنح جيميناي القدرة على التلحين ...
- بنموسى.. مقرئ سكن ذاكرة المغرب وطرّز القرآن بمزامير الأندلس ...
- السجادة الحمراء.. استُخدمت لأول مرة قبل حفل جوائز الأوسكار ب ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...
- بلاغة الحجاج في مرايا السياسة: قراءة في كتاب الدكتور علي الم ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...
- احتلال فلسطين ووقائع القمع والدمار الذى لحق بغزة فى رواية جد ...
- قلة الأعمال الكبرى وتخمة الحلقات القصيرة.. نقيب الفنانين يحذ ...
- -فتح- تنتقد غياب التمثيل الفلسطيني وحضور إسرائيل في اجتماع - ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يحيى القصصية