أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - إسماعيل نوري الربيعي - حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح الحمداني














المزيد.....

حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح الحمداني


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 19:54
المحور: كتابات ساخرة
    


لا يقدّم النص الساخر لصالح الحمداني نفسه بوصفه نكتة عابرة أو حكاية طريفة عن جهل طفولي في سبعينيات القرن المنصرم، بل يشتغل، من حيث لا يدّعي، كخطاب ثقافي كثيف الدلالات، يختزن في بنيته السردية البسيطة شبكة معقدة من الأنساق الثقافية المضمرة، المرتبطة بالمعرفة والسلطة والتعليم والإعلام والوعي الجمعي. ومن هنا، فإن مقاربة هذا النص عبر منهجية النقد الثقافي لا تنطلق من السؤال الجمالي، ولا من براعة المفارقة الساخرة وحدها، بل من تفكيك ما يخفيه الضحك من أنساق، وما تقوله السخرية عن البنية الثقافية التي أنتجتها. النقد الثقافي، كما هو معلوم، لا يتعامل مع الأدب باعتباره فعلاً لغوياً معزولاً، بل بوصفه ظاهرة ثقافية متجذرة في سياقاتها الاجتماعية والسياسية، ومن هذا المنظور يغدو نص الحمداني وثيقة ثقافية، لا تقل أهمية عن كونه قطعة أدبية ساخرة. يبدأ النص بجملة مفتاحية: "قبل چانوا اليفتهمون قليلين"، وهي ليست مجرد توصيف زمني، بل تأسيس لنسق ثقافي كامل. فـ"قلة الفهم" هنا لا تُقدَّم كعجز فردي، بل كحالة جمعية، كشرط ثقافي عام، يُدار ويُعاد إنتاجه داخل بنية المجتمع. غير أن المفارقة تكمن في أن هذه القلة المعرفية لا تلغي الحاجة إلى المعرفة، بل تستدعي بديلاً عنها، يتمثل في شخصيات وسيطة مثل "شهاب مدرسة". هنا يظهر النسق الثقافي الأول: نسق المعرفة المشخصنة، حيث لا تُكتسب المعرفة عبر مؤسسات أو نظم تعليمية راسخة، بل عبر أفراد يُمنحون سلطة معرفية رمزية، غالباً دون مساءلة. شهاب مدرسة لا يمتلك معرفة حقيقية، لكنه يمتلك "هالة المعرفة"، وهذه الهالة كافية لإنتاج الطاعة الثقافية، والتسليم بما يقول ، حتى لو جعل بلغاريا عاصمة لواشنطن.
الخطاب الساخر كأداة لكشف الهيمنة
النقد الثقافي ينظر إلى الخطاب لا بوصفه محايداً، بل كأداة إنتاج للمعنى والهيمنة. في هذا النص، تشتغل السخرية بوصفها خطاباً مضاداً، لا يهاجم السلطة السياسية مباشرة، بل يسخر من البنية الثقافية التي تجعل الخطأ مقبولاً، بل مُقنعاً. حين يقول شهاب مدرسة إنه سيعود إلى "الأطلس الكبير وقاموس أكسفورد"، فإن الخطاب هنا يستدعي رموز الحداثة والمعرفة الغربية، لا بوصفها أدوات حقيقية للفهم، بل كعلامات لغوية للهيبة. فالقاموس والأطلس لا يُستعملان، بل يُستعرضان. وهذا ما تكشفه السيميائيات بوضوح: العلامة لا تشير إلى مدلولها، بل إلى سلطة استخدامها. اختيار الحمداني للعامية العراقية ليس اختياراً أسلوبياً فحسب، بل موقفاً ثقافياً. فالعامية هنا ليست لغة الهامش، بل لغة الذاكرة الجمعية، لغة السوق، والدكان، والمدرسة، والراديو. وهي، بهذا المعنى، تكشف أن الأنساق المضمرة لا تعيش في اللغة الفصحى وحدها، بل في التداول اليومي، في النكات، وفي الحكايات الصغيرة. من منظور لساني ثقافي، تتحول العامية إلى أداة فضح، لأنها لا تُجمّل الواقع، ولا تمنحه قناع البلاغة. وحين يقول السارد إن شهاب مدرسة يسميها "الانجليزية مو الانگليزية زعما هو طه حسين"، فإن النص يمارس تفكيكاً ساخراً لنسق الادعاء الثقافي، حيث تُختزل الحداثة في نطق صحيح، لا في فهم عميق. "شهاب مدرسة" ليس معلماً رسمياً، لكنه يمارس سلطة معرفية مطلقة. هذه السلطة لا تستند إلى مؤسسة، بل إلى اعتراف اجتماعي. هنا يكشف النص نسقاً ثقافياً خطيراً: سلطة الجهل المؤسسي غير المعلن. فالمجتمع، حين يعجز عن إنتاج معرفة حقيقية، ينتج بدائل رمزية، تمنح الطمأنينة، ولو كانت زائفة. والأخطر أن هذه السلطة لا تُسائل. فحين يعلن شهاب أن عاصمة واشنطن هي بلغاريا، لا يُقابل بالشك، بل بالذهول والإعجاب. النقد الثقافي هنا يقرأ هذا المشهد بوصفه إعادة إنتاج لعلاقة الهيمنة: من يملك الخطاب، يملك الحقيقة.
الحداثة الزائفة
لا يمكن قراءة النص بمعزل عن سياقه التاريخي. سبعينيات القرن الماضي في العراق كانت مرحلة انتقالية، شهدت توسع التعليم، وانتشار الراديو، وبدايات تشكّل الوعي الإعلامي الجماهيري. غير أن هذا الانتشار لم يكن مصحوباً دائماً بوعي نقدي. وهنا تظهر المفارقة التي يلتقطها الحمداني في خاتمة النص حين يقول: "هسه الدنيا تغيرت، وصاروا اليفتهمون هوايه، لأن كل مواطن صار عنده راديو". هذه الجملة، ظاهرياً، ساخرة، لكنها ثقافياً شديدة القسوة. فهي تفكك وهم التقدم المعرفي، وتكشف نسقاً حداثياً زائفاً، يساوي بين امتلاك الوسيلة وامتلاك الوعي. من منظور ما بعد بنيوي، لا ينتج الإعلام الحقيقة، بل يعيد تدوير الخطاب السائد، ويضخمه. يمكن قراءة النص كتمرين تفكيكي بامتياز. فكل ما يبدو ثابتاً فيه، يتهاوى من الداخل. المدرسة ليست مصدراً للعلم، القاموس ليس ضمانة للفهم، الإعلام ليس مرادفاً للوعي، وحتى الطفولة ليست بريئة تماماً، لأنها تُشكَّل منذ البداية داخل نسق ثقافي مضلل. السخرية هنا لا تهدف إلى الإضحاك فقط، بل إلى إحداث شرخ في اليقين. وهي، بهذا المعنى، تمارس وظيفة النقد الثقافي نفسها، من حيث كشف البنى غير المرئية التي تحكم التفكير والسلوك. تعاهد الأطفال على حفظ عواصم العالم يبدو لحظة وعي، لكنه في القراءة الثقافية يحمل دلالة أعمق. إنه تعبير عن رغبة جماعية في الانتماء إلى المعرفة، لكن عبر الوسيلة نفسها: الحفظ، لا الفهم. هنا يعيد النص إنتاج السؤال المركزي: هل المشكلة في نقص المعلومات، أم في طريقة التعامل معها؟ النقد الثقافي يميل إلى الإجابة الثانية. فالمعرفة، حين تُختزل إلى حفظ أسماء، تتحول إلى طقس ثقافي فارغ، يعيد إنتاج الجهل بأدوات جديدة. في المحصلة، لا يمكن قراءة نص صالح الحمداني بوصفه حكاية مضحكة عن خطأ جغرافي، بل بوصفه خطاباً ثقافياً يفضح أنساقاً عميقة، ما زالت فاعلة حتى اليوم. إنه نص يكشف كيف يُنتج المجتمع أوهامه المعرفية، وكيف تتحول السلطة الرمزية إلى بديل عن الحقيقة، وكيف يصبح الضحك أحياناً آخر أشكال المقاومة. من هنا، فإن قيمة النص لا تكمن في طرافته، بل في قدرته على أن يجعل القارئ يضحك، ثم يتوقف فجأة ليسأل نفسه: كم "بلغاريا" أخرى ما زالت تُقدَّم لنا على أنها عواصم للوعي؟



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح ب ...
- مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر ...
- وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية ...
- مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم
- الطبري والحكاية المتقنة: هندسة السرد في التاريخ العربي عند س ...
- مرايا الصمت والعمى: خصائص الخطاب الأدبي لرواية -قارض الأيام- ...
- هل تصدقون أنني لا أعرف اسم الرئيس؟ عن هوس العراقيين بالسلطة ...
- بين ذاتٍ تتأمل وأخرى تسخر: جدلية الوعي الداخلي في فكر صالح ا ...
- جنة السلطة وجنة اللغة: قراءة شعرية في مفارقات كريم جخيور
- حين تتحول زلة اللسان إلى محكمة: بلقيس شرارة والسياب وغضب الف ...
- جدلية التحوّل ورؤية التاريخ في قصيدة المؤرخ والشاعر خالد الس ...
- كريم شغيدل: حين يتحول السؤال إلى معرفة
- القصيدة بوصفها تميمة لغوية ضد وهم الاكتمال؛ قراءة في قصيدة ب ...
- مالك المطلبي ومحمد خضير: قراءة معرفية في سرد المدينة والحلم
- الضوء الذي يعيد كتابة القصيدة؛ قراءة في قصيدة إيمان بلبلي
- أين يقف اليسار العراقي في لحظة العراق الراهنة؟
- سردية الزمن الجميل: قراءة في مقولة نازك الأعرجي
- الهوس بالسلالة: كيف تحوّل الماضي إلى خرافة هوية معاصرة؟
- إجلال في الوجدان أكثر من المساندة في الصناديق
- الاقتصادي الدولي نوزاد الهيتي؛ قراءة في سيرة اقتصادي مؤثر


المزيد.....




- الفيلم السعودي -رهين-.. فوضى سينمائية تقع في فخ الكوميديا ال ...
- وداعاً -ابن رشد العصر-.. جدل مراد وهبة لن يموت أبداً!
- عالم ما بعد هوليود: كيف تعيد صناعة السينما رسم خريطة التأثير ...
- مارلين بوث تحصد جائزة سيف غباش بانيبال للترجمة الأدبية 2025 ...
- “فيلة وسناجب”: فيلم يكشف صعوبة استرداد الكنوز الأثرية المنهو ...
- غوينيث بالترو تكشف عن فقدانها لدور سينمائي بعد إعلان انفصاله ...
- تطورات الحالة الصحية للفنان المغربي عبد الهادي بلخياط
- وزير الإعلام اللبنانى ينعى نجل الفنانة فيروز
- الممثلة المصرية لقاء سويدان تكشف إصابتها بالعصب السابع على ا ...
- -Paname-.. معرض الفنان التشكيلي الجزائري بلال حمداد يدخل با ...


المزيد.....

- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت
- حرف العين الذي فقأ عيني / د. خالد زغريت
- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - إسماعيل نوري الربيعي - حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح الحمداني