أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر جودة















المزيد.....

مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر جودة


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 22:57
المحور: قضايا ثقافية
    


يمكن مقاربة نص فجر جودة بوصفه نصا تمثيليا كثيفا، لا يكتفي بإعادة سرد حكاية تراثية شائعة، بل يعيد شحنها بدلالات سوسيولوجية عميقة تكشف آليات اشتغال السلطة في زمن الحداثة السائلة كما نظّر لها زيغمونت باومان. فالنص لا ينشغل بالحكاية لذاتها، ولا يستثمر طرافتها، بل يحولها إلى مجاز نقدي يعرّي من خلاله أشكال الهيمنة المعاصرة التي لم تعد تمارس عبر الاحتلال الصريح أو القهر المباشر، وإنما عبر أدوات صغيرة، زاحفة، مرنة، تبدو في ظاهرها غير مؤذية، لكنها تحمل في باطنها قدرة هائلة على التفكيك والسيطرة. هنا يتخذ "مسمار جحا" وظيفة رمزية مركبة، تتجاوز حدود الأدب الشعبي، لتصبح استعارة سوسيولوجية عن منطق السلطة في عالم فقد صلابته. في تصور باومان، تمثل الحداثة السائلة مرحلة تاريخية جديدة تميّزت بانحلال البنى الصلبة التي كانت تنظم العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. الدولة لم تعد مركز السلطة الوحيد، والمؤسسات فقدت قدرتها على الضبط، والحدود بين العام والخاص باتت هشّة وقابلة للاختراق. في هذا السياق، لم تعد السلطة في حاجة إلى العنف المباشر، لأنها صارت قادرة على تحقيق غاياتها عبر الإيحاء، والتعويد، والإغراء، وخلق الاعتماد المتبادل غير المتكافئ. وهذا ما يلتقطه نص فجر جودة بذكاء حين يجعل من "مسمار جحا" أداة للهيمنة لا تقل فاعلية عن الجيوش أو القوانين القمعية.
مسمار جحا، في القراءة الباومانية، ليس تفصيلا عرضيا، بل هو تجسيد دقيق لمنطق السلطة السائلة. فهو شيء صغير، محدود، لا يثير الريبة، بل يبدو في لحظة قبوله وكأنه تنازل تافه لا يترتب عليه ثمن حقيقي. غير أن هذا الصغر بالذات هو مصدر قوته. فكما يؤكد باومان، تعمل السلطة الحديثة عبر تفتيت السيطرة إلى وحدات دقيقة يصعب رصدها أو مقاومتها، لأن كل وحدة على حدة لا تبدو خطيرة. المسمار لا يحتل البيت، ولا يلغيه، ولا يعلن نفسه سيدا عليه، لكنه يضمن الحضور الدائم، والحق في الدخول، وفرض الإيقاع، وإرهاق الساكن الأصلي حتى يفقد قدرته على الاعتراض. البيت في النص يتجاوز معناه الحرفي. إنه فضاء رمزي متعدد الطبقات، يشير إلى المجتمع، والدولة، والذاكرة الجمعية، والوعي اليومي، بل وإلى المجال الأخلاقي نفسه. حين يقبل صاحب الدار بالمسمار، فإنه لا يقبل شيئا ماديا فحسب، بل يقرّ بمبدأ الاستثناء. وهذا ما يعده باومان أخطر ما في السلطة السائلة. فالهيمنة لا تبدأ بسلب شامل، بل بقبول استثناء صغير يتم تبريره بالواقعية أو الحكمة أو تجنب الخسائر. غير أن هذا الاستثناء يتحول تدريجيا إلى قاعدة، ومع الزمن يفقد المجتمع قدرته على تمييز الحد الفاصل بين ما هو له وما لم يعد كذلك. هنا تتجلى فكرة "التعوّد على فقدان السيادة" التي يشدد عليها باومان. الحقوق لا تُنتزع دفعة واحدة، لأن الصدمة تولد المقاومة، وإنما تُفرغ من مضمونها عبر سلسلة من التنازلات المتراكمة. في كل مرة، يبدو التنازل معقولا، مؤقتا، قابلا للتحمل، إلى أن يصبح الوضع الجديد هو الوضع الطبيعي، ويغدو الاعتراض عليه ضربا من المثالية أو السذاجة. نص فجر جودة يلتقط هذه الحركة الزمنية بدقة حين يصف زيارات جحا المتكررة، الليلية والنهارية، بوصفها مداهمات اعتيادية تفقد عنصر الصدمة، وتحوّل الإزعاج إلى نمط حياة. ومن زاوية أخرى، يكشف النص عن تحول الطرفة إلى آلية تطبيع. جحا، بوصفه شخصية تراثية، يُستدعى غالبا للاحتفاء بالدهاء والفطنة والقدرة على الإفلات من القواعد. غير أن النص يقلب هذه القراءة المألوفة، ويظهر كيف تتحول الإعجاب بالحيلة إلى قبول ضمني بمنطقها. هنا تلتقي السردية الشعبية مع ما يسميه باومان "اللامبالاة الأخلاقية"، حيث يتم تعليق الحكم القيمي لصالح الإعجاب بالنجاح، أيا كانت وسيلته. نضحك من جحا، لكننا في الوقت نفسه نتطبع مع منطقه، ونبرر لأنفسنا ما كنا نرفضه لو جاء في صورة عنف صريح.
الأخطر في النص هو اتساع مجال المسمار ليشمل المدارس والمقاهي والنوادي ودور العبادة. هذه الإشارة لا تأتي عرضا، بل تعكس فهما عميقا لطبيعة السلطة السائلة التي لا تكتفي بالسيطرة على السياسة، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الفضاء الاجتماعي برمته. السياسة، في عالم باومان، لم تعد شأنا منفصلا، بل أصبحت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، في اللغة، والعلاقات، وأنماط الاستهلاك، وحتى في الأحلام. المسمار هنا يتكاثر، يتخذ أشكالا مختلفة، ويتخفى وراء شعارات متناقضة، لكنه يؤدي الوظيفة نفسها، وهي إبقاء الباب مفتوحا أمام الهيمنة. وعندما ينتقل النص إلى الإحالة على أمثلة دولية، فإنه لا يسقط في المباشرة، بل يدمج المحلي بالعالمي ضمن منطق واحد. فالهيمنة، في منظور باومان، لم تعد تحتاج إلى استعمار كلاسيكي، بل إلى إبقاء المجتمعات في حالة هشاشة دائمة، عبر مسامير متعددة تمنعها من استعادة صلابة القرار. النفط، الأرض، الموارد، ليست سوى نتائج طبيعية لمنظومة بدأت بقبول المسمار، لا بأول دبابة. تنتهي القراءة بنبرة مريرة تتحدث عن الغباء الذي تربى معنا. غير أن هذا الغباء، في المنظور السوسيولوجي، ليس نقصا في المعرفة، بل هو نتاج اجتماعي. إنه ثمرة التكيف مع عالم سائل يكره الصلابة، ويكافئ الانصياع، ويعاقب المقاومة. نبتسم، كما يقول النص، لأن الابتسامة أقل كلفة من المواجهة، ولأن الضحك يمنحنا وهما بالمسافة، في حين أننا في الحقيقة جزء من اللعبة. بهذا المعنى، لا يقدم نص فجر جودة نقدا سياسيا مباشرا، بل تشخيصا سوسيولوجيا دقيقا لبنية الهيمنة في عالم فقد قدرته على قول "لا" منذ اللحظة التي قال فيها "نعم" لمسمار صغير. إنها قراءة تضع القارئ أمام سؤال باوماني جوهري: هل المشكلة في دهاء جحا، أم في استعدادنا الدائم لمنحه المسمار؟
من الحكاية الشعبية إلى البنية السوسيولوجية
النص لا يتعامل مع حكاية جحا بوصفها طريفة بريئة، بل يعيد توظيفها كـ «نموذج اجتماعي متكرر». وهنا نلمس أحد مفاتيح باومان الأساسية: الحكايات ليست بريئة، بل هي مخازن للأنماط السلوكية التي تعيد المجتمعات إنتاجها دون وعي. الابتسامة التي يختم بها النص ليست ضحكا، بل هي ما يسميه باومان «اللامبالاة الأخلاقية»، أي التكيّف النفسي مع الظلم طالما أنه لا يظهر في صورة عنف مباشر. نحن نضحك من جحا، لكننا نتطبع مع منطقه. وهنا تتحول الطرافة إلى أداة تطبيع، ويصبح الذكاء الماكر قيمة عليا تحل محل العدالة أو السيادة. حين يقول النص إن «المسمار دخل بيوتنا وعقولنا وخبزنا وأحلامنا»، فإنه يصف بدقة ما يسميه باومان «تسييل المجالات الحياتية». لم تعد السياسة محصورة في البرلمان أو الدولة، بل تسربت إلى المدرسة، المقهى، النادي الليلي، ودور العبادة. هذا التمدد الأفقي للهيمنة هو جوهر الحداثة السائلة: لا مركز واحد للسلطة، بل شبكة مسامير، كل واحد منها صغير بما يكفي ليبدو غير خطير، وكبير بما يكفي ليضمن النفاذ. الميليشيا، المخدرات، خطاب الأمن القومي، كلها مسامير وظيفية، تتغير أقنعتها لكن وظيفتها واحدة: إبقاء الباب مفتوحا أمام جحا العالمي.
ترامب، فنزويلا، والعراق في منطق باومان
الإحالة إلى ترامب ليست سياسية مباشرة بقدر ما هي سوسيولوجية. فباومان يرى أن القوة في العالم المعاصر لا تحتاج إلى الاحتلال، بل إلى «إبقاء الآخرين في حالة هشاشة دائمة». فنزويلا، والعراق في النص، مثالان على مجتمعات جرى إغراقها بمسامير متعددة تمنعها من استعادة صلابة القرار. النفط، الأرض، السيليكون، ليست غايات بحد ذاتها، بل نتائج طبيعية لمنظومة تسمح للمسمار بالبقاء. ومن هنا تصبح العودة إلى «رعي الإبل في مزرعة جحا» تعبيرا عن الردة التاريخية التي تصيب المجتمعات حين تفقد قدرتها على ضبط شروط التنازل. الخاتمة التي تتحدث عن «الغباء الذي تربى معنا» تنسجم تماما مع تشخيص باومان لانهيار المسؤولية الأخلاقية في المجتمعات السائلة. الغباء هنا ليس نقصا معرفيا، بل هو قبول واع أو شبه واع بمنطق المسمار، لأنه يوفر شعورا زائفا بالأمان. نلعن الغباء، لكننا نعيد إنتاجه، لأن مقاومة المسمار تتطلب صلابة جماعية، في حين أن السيولة تغري بالحلول الفردية، المؤقتة، والضحك بدل الفعل. النص، حين يُقرأ بمنهجية باومان، ليس هجاء سياسيا فحسب، بل تشريحا دقيقا لكيفية عمل السلطة السائلة عبر الرموز الصغيرة. «مسمار جحا» ليس حكاية قديمة، بل بنية متجددة، وكل مجتمع لا يطرح سؤال: لماذا قبلنا المسمار أصلا؟ محكوم بأن يستيقظ يوما ليجد أن البيت لم يعد بيته، وأن جحا لم يكن ذكيا بقدر ما كنا نحن متواطئين مع ذكائه.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية ...
- مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم
- الطبري والحكاية المتقنة: هندسة السرد في التاريخ العربي عند س ...
- مرايا الصمت والعمى: خصائص الخطاب الأدبي لرواية -قارض الأيام- ...
- هل تصدقون أنني لا أعرف اسم الرئيس؟ عن هوس العراقيين بالسلطة ...
- بين ذاتٍ تتأمل وأخرى تسخر: جدلية الوعي الداخلي في فكر صالح ا ...
- جنة السلطة وجنة اللغة: قراءة شعرية في مفارقات كريم جخيور
- حين تتحول زلة اللسان إلى محكمة: بلقيس شرارة والسياب وغضب الف ...
- جدلية التحوّل ورؤية التاريخ في قصيدة المؤرخ والشاعر خالد الس ...
- كريم شغيدل: حين يتحول السؤال إلى معرفة
- القصيدة بوصفها تميمة لغوية ضد وهم الاكتمال؛ قراءة في قصيدة ب ...
- مالك المطلبي ومحمد خضير: قراءة معرفية في سرد المدينة والحلم
- الضوء الذي يعيد كتابة القصيدة؛ قراءة في قصيدة إيمان بلبلي
- أين يقف اليسار العراقي في لحظة العراق الراهنة؟
- سردية الزمن الجميل: قراءة في مقولة نازك الأعرجي
- الهوس بالسلالة: كيف تحوّل الماضي إلى خرافة هوية معاصرة؟
- إجلال في الوجدان أكثر من المساندة في الصناديق
- الاقتصادي الدولي نوزاد الهيتي؛ قراءة في سيرة اقتصادي مؤثر
- التاريخ والتأويل
- العالم رهن النظرية


المزيد.....




- الجيش الأمريكي يعلن مصادرة ناقلة نفطية أخرى في البحر الكاريب ...
- شاهد.. فلسطيني أصم يتعرض للضرب على أيدي مستوطنين إسرائيليين ...
- اسم رضا بهلوي نجل آخر شاه لإيران يعود للواجهة، فمن هو؟
- لماذا أثارت لاعبة تنس مصرية جدلاً عالمياً؟
- روسيا تستخدم صاروخاً باليستياً في هجوم على كييف
- بعد رفض القوات الكردية الانسحاب.. دمشق تمهل -قسد- مجددًا لمغ ...
- وزير خارجية فرنسا: النظام السياسي الأوروبي -في خطر- رغم قوة ...
- أطماع ترامب في غرينلاند تُربك المعادلات الأطلسية لأوروبا
- اشتداد حدة الاحتجاجات في إيران.. ما الحل أمام السلطات؟
- المجالس الكردية في حلب ترفض الانسحاب من المناطق الخاضعة لسيط ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر جودة