إسماعيل نوري الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 14:11
المحور:
الادب والفن
تتشكل رواية "قارض الأيام" للدكتور صالح الرفاعي ككائن سردي حي، يتنفس عبر مسامات اللغة ويُعيد تشكيل الواقع عبر بنية شعرية معقدة، تضعها في قلب التطبيق النظري لمفاهيم خصائص الخطاب الأدبي النقدية، وخاصة تلك التي صاغها تزفتيان تودوروف. فهي لا تروي حدثاً فحسب، بل تُشيد عالماً موازياً، حيث تتحول الكلمات إلى رموز، والشخصيات إلى دوال، والأحداث إلى استعارات كبرى عن الوجود الإنساني في مواجهة آلة السلطة. منذ الوهلة الأولى، يُلفت النص إلى أنه ليس مجرد حكاية عن عرافة عمياء تُستدعى إلى قصر حاكم مستبد. بل هو تشريح لبنى القوة الخفية، ونقاش فلسفي حول طبيعة المعرفة والسلطة، ورحلة داخل دهاليز النفس البشرية وهي تواجه المجهول. هنا، يتجلى التشابك العميق بين عناصر السرد التقليدية والأبعاد الرمزية لــ خصائص الخطاب الأدبي، مما يحوّل الرواية إلى مرآة مُقعرة، لا تعكس الواقع بل تحرّفه وتكثفه لتكشف عن جوهره الخفي. العمى، كمحور مركزي، يتجاوز كونه حالة جسدية ليتحول إلى مفهوم شعري مكثف. فهو من ناحية رمز للحرمان والعزل الذي تفرضه السلطة على رعاياها، بحرمانهم من رؤية الحقائق أو البوح بها. ومن ناحية أخرى، هو استعارة عن نوع آخر من البصيرة، معرفة لا تعتمد على الحواس الظاهرة بل على الحدس والتأمل واللمس. العراقة "ترى" بنور الباطن ما يعجز المبصرون عن إدراكه في وضح النهار. وهذا الانزياح الدلالي " من العمى الجسدي إلى البصيرة الروحية " هو قلب الآلية لــ خصائص الخطاب الأدبي للرواية، حيث يُفقد الشيء معناه المألوف ليكتسب دلالات جديدة أعمق. وبالتوازي، يتحول الصمت من مجرد غياب للكلام إلى لغة قائمة بذاتها، مليئة بالإيحاءات والتهديدات والوعود. صمت القصر هو صمت الهيبة والقهر، وصمت الحارس الأخرس هو صمت القهر المُفْرَض، بينما صمت العراقة في لحظات التأمل هو صمت الحكمة والتأويل. يصبح الصمت هنا حقل قوى دلالية، تختلف بحسب سياقه وشخصية حامله. إنه، كما يُظهر تحليل تودوروف للعلاقات السردية، ليس فراغاً، بل فاعلية سردية تشحذ انتباه القارئ وتدفعه لملء الفراغ بالتأويل.
وفي قلب هذه الشبكة الرمزية، تقف السلطة (المتجسدة في شخصية "العسوف") ليس فقط كقوة سياسية قاهرة، بل كرمز للرغبة الإنسانية الجامحة في السيطرة على المجهول، وتحويل القدر إلى مشروع شخصي. العسوف، رغم كل ما يحيط به من جنود وأبهة، يظهر في أكثر لحظاته إنسانية وهو يرتعب من كوابيسه ويبحث عن طمأنينة لدى امرأة عمياء. هنا تكمن مفارقة خصائص الخطاب الأدبي العظيمة للرواية: الأقوى يظهر أضعف الضعفاء أمام لغز الوجود، والأعمى تصبح رؤيتها الملجأ الأخير للمبصر. السلطة، بهذا المعنى، تُكشف عن عورتها الأساسية: عجزها عن فهم الحياة التي تحكمها، وخوفها الوجودي من المستقبل الذي تحاول ترويضه. ولا ينفصل الغيب، كموضوع رئيسي، عن هذه المعادلة لــ خصائص الخطاب الأدبي. فهو ليس مجرد "طالع" تُقرأه العراقة، بل هو فضاء اللايقين الذي يسبح فيه جميع الشخصيات. البحث عن معرفة المستقبل يصبح استعارة عن القلق الإنساني الأزلي، والحاجة إلى معنى في عالم فوضوي. العراقة هنا هي الوسيط الذي يحوّل هذا القلق الوجودي إلى حوار ملموس، ليس عبر إجابات حاسمة، بل عبر طرح أسئلة أعمق. قراءتها للطالع هي، في جوهرها الشعري، مرآة تعكس مخاوف سائلها أكثر مما تكشف عن أحداث مستقبله. من خلال هذا التشابك المحكم بين العمى كبصيرة، والصمت كخطاب، والسلطة كضعف، والغيب كقلق، تنجح الرواية في خلق ما يمكن تسميته "شعرية اللايقين". إنها لا تقدم عالماً مغلقاً بتأويل واحد، بل تفتح أبواباً متعددة للتأويل. كل لقاء بين العراقة وطالبها، وكل مواجهة مع العسوف، هو نموذج مصغر لعملية التأويل ذاتها: البحث عن معنى في ظلام، وفك شفرات صمت، وقراءة إشارات خفية.
وهكذا، فإن التشكيل الشعري لـ "قارض الأيام" يقوم على عملية تحويل دائمة: تحويل الواقعي إلى رمزي، والمحسوس إلى مجرد، والاجتماعي إلى وجودي. اللغة لا تكتفي بنقل الأحداث، بل تصنع واقعاً جديداً أكثر كثافة ودلالة. القصر يصبح جمجمة، والممرات الطويلة تصبح شريان حياة أو شريان موت، وهمسات الزوار تصبح أصواتاً داخل الضمير الجمعي. هذا الانزياح المستمر هو ما يمنح النص طابعه الشعري، حيث تصبح الاستعارة هي القانون السردي الأساسي. لا تقدم الرواية نفسها كنص سياسي مباشر، ولا كخيال غرائبي منفصل، بل كفن شعري رفيع يحفر في المنطقة الحدودية بين الرمز والواقع. إنها تستخدم أدوات الشعر "التكثيف، الانزياح، الاستعارة، الرمز" لبناء عالم سردي يعيد تعريف العلاقة بين الرائي والمنظور، بين القاهر والمقهور، بين المعرفة والجهل. في هذا العالم، تصبح العراقة العمياء شاعرة حقيقية، لا تقرأ الطالع، بل تُنظم قصيدة الوجود الإنساني الطويلة، قصيدة من بحر الصمت وقافية العمى، موشحة بخوف السلطة من المجهول. وهذا بالتحديد هو الإنجاز الشعري الأكبر للرواية: تحويل السرد إلى تجربة تأويلية، تجعل القارئ شريكاً في فك شفرات العالم المعتم، والنظر عبر عيون من فقدوا البصر ليروا الأعمق.
في تحليله البنيوي، يميّز تزفتيان تودوروف بين "القصة" كسلسلة أحداث مجردة، و"الخطاب" كالقالب الفني الذي تُصاغ من خلاله هذه الأحداث. وتبدو رواية "قارض الأيام" مثالاً حياً على تفاعل هذين المستويين، حيث لا يقتصر دور الخطاب على نقل القصة، بل يصير أداة فاعلة لإنتاج المعنى وخلق عالم روائي مكثّف. فالقصة الأساسية بسيطة ومباشرة: عرّافة عمياء تُستدعى إلى قصر حاكم مستبد (العسوف)، وتتقاطع مساراتها مع شخصيات أخرى كحارس أخرس ومسؤول خائف وشاب ثائر. لكن هذا الهيكل الواقعي لا يكشف عن قلب العمل. الجوهر يكمن في "الخطاب"، في الكيفية التي يُعاد بها تشكيل هذه اللقاءات وتُروى. يتحوّل الخطاب هنا إلى قناة لتيار الوعي الداخلي، خاصة وعي العرّافة العمياء. الأحداث لا تُقدّم كما هي، بل من خلال مرشّح إدراكها الحسّي غير البصري: عبر نسيج المقعد الجلدي البارد، خشونة كف الحارس، رائحة البخور العتيقة، ووقع الأنفاس الخائفة. هذا الانزياح الحسي يُحوّل السرد من وصف خارجي إلى استبطان داخلي. نحن لا نرى القصر، بل "نشعر" به من خلال رهبة الشخصية وارتباكها. وبذلك، يصير الخطاب مساحة لتأويل العالم، وليس مجرد تسجيل له. يتعزّز هذا البعد التأويلي من خلال الصمت، الذي يتحوّل من غياب للكلام إلى لغة سردية رئيسية. صمت الحارس الأخرس ليس فراغاً، بل هو خطاب يُقرأ من خلال ارتعاشة اليد، ثقل الخطوات، أو توتر عضلات الكتف الذي يوجّه العمياء. وصمت القصر هو خطاب من القهر والترقب، يُسمع عبر همسات الرياح في الممرات وصدى النافورة. بهذا، يُصبح الخطاب بنية من الإشارات والتلميحات، تفرض على القارئ أن يكون مشاركاً نشطاً في فك شفرات العالم الروائي، تماماً كما تفعل العرّافة في فكّها لشفرة المستقبل. إن تلاحم القصة والخطاب بهذه الطريقة هو ما يمنح "قارض الأيام" عمقها الشعري، محوّلاً الحدث الواقعي إلى استعارة وجودية عن مواجهة الوعي البشري مع ألغاز السلطة، المعرفة، والمصير.
دور "التحول" السردي في بناء المعنى
يؤكد تودوروف على أهمية "التحول" كوحدة سردية أساسية. في الرواية، لا تقتصر التحولات على الأحداث الخارجية (كزيارات العراقة للقصر أو لقاءاتها بالزوّار)، بل تتجلى في التحولات النفسية والمعرفية للشخصيات. العراقة، رغم عمى البصر، تتحول من قارئة للطالع إلى عاكسة لأزمات المجتمع، ومن أداة يُحاول العسوف توظيفها إلى صوت يكشف هشاشة السلطة. وكذلك الحارس الأخرس، الذي يتحول صمته من عجز إلى قوة، يصبح مرآة لصمت المجتمع الخانع. هذه التحولات لا تُقدم بشكل خطي، بل عبر تقاطعات زمنية وتداخل بين الماضي والحاضر، مما يُعقد البنية السردية ويثري تأويلها. يظهر مفهوم "التماثل" و"التباين" الذي يطرحه تودوروف بوضوح في العلاقة بين العراقة العمياء والحارس الأخرس. كلاهما يعيش في عالم محروم من حاسة أساسية (البصر/ النطق)، لكن هذا الحرمان يتحول إلى مصدر لقوة إدراكية مختلفة. العراقة "ترى" بما لا تُبصره العيون، بينما الأخرس "يتكلم" بلغة الإشارة والصمت. هذا التماثل في الاختلاف يُشكل بنية ثنائية تعكس ازدواجية العالم الروائي: عالم الظاهر (قصر العسوف، السلطة، القوة) وعالم الباطن (الأسرار، المخاوف، الحقائق المكبوتة). من خلال هذه الثنائية، تُقدّم الرواية نقداً لسلطة المعرفة والخطاب، حيث يُصبح الصمت والعمى أداتين لمقاومة خطاب السلطة الأحادي.
الانزياح والتكثيف الرمزي
تتجاوز لغة الرواية وظيفتها الإخبارية لتُؤدي وظيفة شعرية مكثفة، كما يرى تودوروف في تحليله للانزياحات اللغوية. المشاهد لا تُوصف ببساطة، بل تُقدّم عبر استعارات حسية عميقة: قصر العسوف ليس مبنى فحسب، بل هو "صمت رهيب" و"رائحة البخور التي ترافق تراب الأموات". العمى ليس عجزاً جسدياً فقط، بل هو "نور داخلي" و"بصيرة ترى ما لا يُرى". هذه الانزياحات تُحول الواقع إلى عالم رمزي، حيث يصبح الصراع بين العراقة والعسوف صراعاً بين قوتين معرفيتين: قوة الحدس والروح مقابل قوة الهيمنة والخوف. يُظهر تودوروف كيف يُمكن للزمن السردي أن يكون أداة لبناء المعنى. في "قارض الأيام"، يتداخل زمن الحاضر مع ذكريات الماضي وتوقعات المستقبل، خاصة في فصول مثل "جدران الذاكرة". ذاكرة العراقة ليست سجلاً للأحداث فحسب، بل فضاء تتقاطع فيه حكايات النساء، همسات الأجداد، وأسرار الماضي. هذا التداخل الزمني يُعكس أيضاً في بنية الفصول، التي تتناوب بين الحاضر السردي (لقاءات العراقة) واسترجاعات للماضي (قصة الحارس الأخرس، حكاية الفتاة وخطيبها). من خلال هذا التشظي الزمني، تُصبح الرواية استعارة عن ذاكرة جماعية ممزقة، تبحث عن معنى في ظل سلطة تحاول السيطرة على الماضي كما على المستقبل.
الرواية كفضاء شعري للمقاومة والتأويل
تُقدم "قارض الأيام" نموذجاً روائياً يلتقط روح خصائص الخطاب الأدبي التودوروفية، حيث يُصبح السرد مساحة لتفكيك السلطات وتأويل العالم. من خلال بنية معقدة تجمع بين الرمز والواقع، الصمت والكلام، العمى والبصيرة، تنجح الرواية في تحويل القصة البسيطة (عرافة تزور حاكماً) إلى ملحمة إنسانية عن الخوف، الحرية، والبحث عن المعنى. العراقة العمياء ليست مجرد شخصية، بل هي استعارة عن الضمير الإنساني في مواجهة آلات القمع، وحارسها الأخرس هو صورة عن الصمت الذي يحمل في طياته صرخات مكتومة. في النهاية، تُثبت رواية الدكتور صالح الرفاعي أن الأدب، حين يُبنى بعمق شعري، يُصبح مرآة لا تعكس الواقع فحسب، بل تكشف عن طبقاته الخفية، وتفتح أبواب التأويل أمام قارئ يبحث، مثل شخصيات الرواية، عن نور في ظلام العالم.
#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟