أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - هل تصدقون أنني لا أعرف اسم الرئيس؟ عن هوس العراقيين بالسلطة والزعيم














المزيد.....

هل تصدقون أنني لا أعرف اسم الرئيس؟ عن هوس العراقيين بالسلطة والزعيم


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 18:23
المحور: قضايا ثقافية
    


هل تصدقوني لو قلت لكم إنني لا أعرف اسم رئيس جمهوريتنا حتى الآن؟ ليس جهلا سياسيا، ولا هروبا من الشأن العام، بل موقفا واعيا يشبه الامتناع المتعمد عن عبادة الأصنام. في بلد مثل العراق، تتحول الأسماء إلى تمائم، والمناصب إلى هالات قدسية، والوظيفة العامة إلى مقام يتجاوز معناها الخدمي. حين أقول إنني لا أحفظ الاسم، فأنا أحتج على فكرة الاسم حين يبتلع الوظيفة، وعلى الصورة حين تبتلع المعنى. العراقيون مولعون بالسلطة منذ قرون. ليس لأنهم يحبون الحكم بقدر ما يخضعون لسحره. في المخيال الجمعي، الزعيم ليس موظفا بل قدر، ليس عقدا مؤقتا بل مصيرا. لهذا لا يُسأل عن برنامجه بل عن هيبته، ولا يُحاسب على إنجازه بل يُغفر له تقصيره باسم الرمزية. تتحول السياسة إلى مسرح، والجمهور يحفظ أسماء الممثلين وينسى النص. هذا الهوس ليس وليد اليوم. تراكم تاريخي من الدولة الغائبة، والسلطة المتغولة، والحاكم الذي يتقدم على القانون. في مثل هذا السياق، يصبح اسم الرئيس مرادفا للدولة نفسها، وكأن الدولة شخص واحد، وكأن المؤسسات مجرد ديكور. حين تتبدل الأسماء ولا تتبدل الوظائف، يتأكد الوهم أكثر، فنحن نغير الواجهة ونترك البنية كما هي. لكن ما الذي يعنيه منصب الرئيس في دولة حديثة؟ إنه وظيفة خدمية، محددة الصلاحيات، محكومة بالدستور، ومقيدة بالرقابة. هو موظف عام من درجة رفيعة، لا نبي ولا زعيم تاريخي. وجوده يفترض أن يكون هادئا، إداريا، بلا ضجيج. كلما كان اسمه أقل حضورا، كانت الدولة أكثر حضورا. وكلما تضخم الاسم، انكمشت المؤسسة.
في العراق، يحدث العكس. نطالب الرئيس بأن يكون رمزا أبويا، ووسيطا أخلاقيا، وحكما بين الفرقاء، وحارسا للذاكرة. نريده كل شيء إلا ما هو عليه فعلا. وحين يفشل في أداء هذه الأدوار المستحيلة، نغضب، لا لأن الوظيفة لم تُنجز، بل لأن الحلم لم يتحقق. هكذا نُحمّل المنصب أكثر مما يحتمل، ثم نلعنه لأنه لم يصبح أسطورة. أن لا أعرف اسم الرئيس هو تمرين على نزع السحر. محاولة لإعادة المنصب إلى حجمه الطبيعي. هو ليس حدثا يوميا في حياتي، ولا يجب أن يكون. الذي يهمني هو الكهرباء، الماء، التعليم، العدالة، فرص العمل. هذه لا تحتاج إلى أسماء لامعة، بل إلى مؤسسات تعمل. حين تتحسن هذه، سأعرف أن الوظيفة أدت دورها، سواء عرفت الاسم أم لا. الهوس بالأسماء يجعلنا ننسى المسؤولية. نسأل من هو الرئيس ولا نسأل ماذا يفعل. نختلف على الشخص ولا نتفق على القواعد. نرفع صوره ولا نقرأ الدستور. في هذه الحالة، تتحول الديمقراطية إلى سباق شعارات، لا إلى نظام مساءلة. ننتخب الزعيم وننسى أنفسنا كمواطنين.
متى نفهم أن الدولة ليست مسرحا للأبطال، بل ورشة عمل؟ متى ندرك أن الاحترام لا يعني التقديس، وأن المنصب لا يمنح العصمة؟ حين نصل إلى هذه القناعة، سيصبح نسيان الاسم أمرا عاديا، لا فضيحة. سيصبح السؤال الطبيعي ليس من يحكم، بل كيف يُحكم، وبأي أدوات، ولمصلحة من. العراق بحاجة إلى ثورة هادئة في الوعي السياسي. ثورة تعيد تعريف السلطة بوصفها خدمة، لا امتيازا. تعيد تعريف الرئيس بوصفه موظفا، لا قدرا. تعيد تعريف المواطن بوصفه شريكا، لا متفرجا. عندها فقط، سنضحك من دهشتنا القديمة، ونسأل أنفسنا كيف كنا نصدق أن اسم شخص يمكن أن ينقذ وطنا. ربما يأتي يوم أتعمد فيه معرفة اسم الرئيس، لا لأنه يستحق الحفظ، بل لأن المنصب أصبح طبيعيا، عاديا، بلا هالة. يومها سأعرف أن العراق بدأ يتعافى. حتى ذلك الحين، دعوني أتمسك بجهلي المقصود، فهو أحيانا شكل من أشكال الحكمة.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين ذاتٍ تتأمل وأخرى تسخر: جدلية الوعي الداخلي في فكر صالح ا ...
- جنة السلطة وجنة اللغة: قراءة شعرية في مفارقات كريم جخيور
- حين تتحول زلة اللسان إلى محكمة: بلقيس شرارة والسياب وغضب الف ...
- جدلية التحوّل ورؤية التاريخ في قصيدة المؤرخ والشاعر خالد الس ...
- كريم شغيدل: حين يتحول السؤال إلى معرفة
- القصيدة بوصفها تميمة لغوية ضد وهم الاكتمال؛ قراءة في قصيدة ب ...
- مالك المطلبي ومحمد خضير: قراءة معرفية في سرد المدينة والحلم
- الضوء الذي يعيد كتابة القصيدة؛ قراءة في قصيدة إيمان بلبلي
- أين يقف اليسار العراقي في لحظة العراق الراهنة؟
- سردية الزمن الجميل: قراءة في مقولة نازك الأعرجي
- الهوس بالسلالة: كيف تحوّل الماضي إلى خرافة هوية معاصرة؟
- إجلال في الوجدان أكثر من المساندة في الصناديق
- الاقتصادي الدولي نوزاد الهيتي؛ قراءة في سيرة اقتصادي مؤثر
- التاريخ والتأويل
- العالم رهن النظرية
- العرب وتفاعلات السلطة والمجتمع


المزيد.....




- -الشامي- في فيديو طريف من زيارته لأحمد حلمي في مصر
- سكان كرانس مونتانا يشاركون في مسيرة صامتة لضحايا الحريق
- استخدام ترامب لـ-عقيدة مونرو- في فنزويلا قد يشجع دولا أخرى ع ...
- المغرب يلتقي تنزانيا وجنوب أفريقيا تواجه الكاميرون في ثمن نه ...
- العملية الأمريكية في فنزويلا: قراءة في رسائل ترامب
- حظي بتأييد واسع.. هل يقدم مؤتمر الرياض تصورا جديدا لقضية جنو ...
- أردوغان: استمرار حرب روسيا وأوكرانيا يهدد التجارة والملاحة ب ...
- تعرّف على تفاصيل محاكمة مادورو وطبيعة سجنه في نيويورك
- ثغرات بغروك تؤدي إلى ظهور صور لمستخدميه بملابس غير لائقة
- عاجل | وزير الدفاع الفنزويلي: عدد كبير من أفراد الفريق الأمن ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - هل تصدقون أنني لا أعرف اسم الرئيس؟ عن هوس العراقيين بالسلطة والزعيم