أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - بين ذاتٍ تتأمل وأخرى تسخر: جدلية الوعي الداخلي في فكر صالح الرفاعي














المزيد.....

بين ذاتٍ تتأمل وأخرى تسخر: جدلية الوعي الداخلي في فكر صالح الرفاعي


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 18:23
المحور: قضايا ثقافية
    


في العبارة التي صاغها الأستاذ الدكتور صالح الرفاعي "في داخلنا ذات تتأمل وذات أخرى تسخر من ذلك" نواجه خلاصة فكرية مكثفة تختزن تجربة إنسانية طويلة، وتفتح بابا واسعا للتأمل في بنية الوعي الإنساني، وفي التوتر الخلاق بين العقل الذي يسعى إلى الفهم، والنفس التي تميل إلى السخرية بوصفها آلية دفاع أو أداة نقد. ليست هذه العبارة مجرد حكمة عابرة، بل هي ثمرة مسار معرفي وتربوي عاشه مفكر عراقي متخصص في أصول التربية وطرائق التعليم، وقضى الشطر الأكبر من حياته في الاغتراب الكندي، حيث راكم خبرة مزدوجة بين ثقافتين، وأسهم في دعم الجالية العربية، فغدت أفكاره مرآة لوعي فردي وجماعي في آن واحد. الذات المتأملة التي يشير إليها الرفاعي هي تلك القدرة الإنسانية على الوقوف أمام التجربة، لا بوصفها حدثا عابرا، بل كموضوع للفهم والتحليل. التأمل هنا ليس ترفا فكريا، بل فعل تربوي وأخلاقي، يهدف إلى إدراك المعنى، وإعادة ترتيب الخبرة، وتحويل العيش اليومي إلى معرفة. في هذا السياق، يمكن قراءة العبارة من منظور أصول التربية، حيث يصبح التأمل شرطا للتعلم العميق، وأساسا لبناء الإنسان القادر على النقد والمساءلة. فالذات المتأملة هي التي تراجع أفكارها، وتعيد النظر في مسلماتها، ولا تقبل المعرفة الجاهزة دون تمحيص. غير أن الرفاعي لا يكتفي بتمجيد هذه الذات، بل يضع إلى جانبها ذاتا أخرى تسخر من فعل التأمل ذاته. هنا تظهر المفارقة. لماذا يسخر الإنسان من نفسه حين يتأمل؟ هذه السخرية قد تكون تعبيرا عن شك داخلي في جدوى التفكير، أو عن خوف من نتائجه، أو حتى عن وعي حاد بتناقضات الذات. السخرية ليست دائما علامة سطحية أو استخفاف، بل قد تكون شكلا من أشكال النقد الذاتي، ومن آليات التوازن النفسي التي تمنع الغرق في الجدية المفرطة أو في وهم الحكمة المكتملة.
في هذا التوتر بين التأمل والسخرية، تتجلى صورة الإنسان الحديث، الممزق بين رغبة في الفهم، وشك عميق في القدرة على الوصول إلى حقيقة نهائية. وهذا ما يمنح العبارة بعدها الفلسفي. فهي تذكرنا بأن الوعي ليس وحدة صماء، بل حوار داخلي دائم، تتجاور فيه أصوات متعددة، بعضها يسعى إلى المعنى، وبعضها يشكك ويسائل وربما يتهكم. هذا الحوار الداخلي هو ما يجعل الإنسان كائنا تاريخيا وتربويا، يتعلم من خلال الصراع لا من خلال السكون. من زاوية تربوية، يمكن فهم العبارة بوصفها نقدا غير مباشر لأنماط التعليم التي تقتل التأمل أو تحاصره بالسخرية الخارجية قبل أن يولد. الرفاعي، بحكم تخصصه وخبرته الطويلة في التعليم، يدرك أن الطالب الذي لا يتعلم كيف يتأمل، سيظل أسير التلقين. لكنه يدرك أيضا أن التأمل إذا لم يُرافق بوعي نقدي، قد يتحول إلى نوع من الانعزال أو الوهم. هنا تلعب السخرية دورا مزدوجا. فهي قد تكون أداة هدم إذا استُخدمت لإلغاء التفكير، لكنها قد تكون أيضا أداة بناء إذا وُظفت لكشف الزيف ومساءلة الادعاء المعرفي.
الاغتراب الذي عاشه الرفاعي في كندا يضيف بعدا آخر لهذه العبارة. فالمغترب يعيش دائما هذا الانقسام الداخلي. ذات تتأمل تجربتها بين ثقافتين، تحاول أن تفهم ذاتها وهويتها وموقعها في العالم، وذات أخرى تسخر من هذه المحاولات، ربما لأنها تشعر بثقل الأسئلة، أو لأنها خبرت حدود الفهم في عالم معقد. الاغتراب هنا ليس جغرافيا فقط، بل هو حالة ذهنية تجعل الإنسان أكثر وعيا بانقسامه الداخلي، وأكثر حساسية للتوتر بين الجدية والسخرية. كما أن تجربة الرفاعي في دعم أبناء الجالية العربية تكشف جانبا عمليا من هذه الفكرة. فخدمة المجتمع تتطلب ذاتا متأملة، تفهم حاجات الناس وتحدياتهم، لكنها تتطلب أيضا مسافة نقدية تمنع الوقوع في الشعارات أو المثالية الزائدة. السخرية هنا قد تكون شكلا من أشكال الحكمة العملية، التي ترى الواقع كما هو، دون أن تفقد القدرة على الحلم أو الإصلاح. بهذا المعنى، تصبح العبارة تعبيرا عن توازن نادر بين الفكر والعمل، بين المثال والواقع. فلسفيا، يمكن ربط العبارة بتقاليد طويلة في التفكير الإنساني، من الحوار السقراطي الداخلي، إلى التحليل النفسي الذي يرى في الإنسان تعددية أصوات ودوافع. لكن ما يميز صياغة الرفاعي هو بساطتها وكثافتها، وقدرتها على الإمساك بتجربة معاصرة دون تعقيد لغوي. إنها عبارة قادرة على مخاطبة الأكاديمي والمثقف والقارئ العادي، لأنها تنطلق من تجربة مشتركة يعيشها الجميع، حتى وإن لم يسموها بهذا الوضوح.
السخرية في العبارة ليست نقيضا للتأمل، بل قرينه. فكل تأمل عميق يولد قدرا من السخرية، وكل سخرية ذكية تفترض وعيا وتأملا سابقا. المشكلة لا تكمن في وجود السخرية، بل في غياب التوازن بينها وبين التفكير الجاد. حين تطغى السخرية، يتحول الإنسان إلى كائن عدمي يتهكم على كل شيء دون أن يقدم بديلا. وحين يغيب الحس الساخر، يتحول التأمل إلى خطاب ثقيل، منغلق على ذاته، عاجز عن التواصل. في هذا الإطار، يمكن النظر إلى العبارة بوصفها دعوة تربوية وأخلاقية لإدارة هذا الصراع الداخلي بوعي. ليست الغاية القضاء على إحدى الذاتين، بل الاعتراف بهما، وتنظيم العلاقة بينهما. الذات المتأملة تمنحنا العمق والمعنى، والذات الساخرة تمنحنا الخفة والنقد والمسافة. ومن تفاعلهما يولد الإنسان المتوازن، القادر على التفكير دون ادعاء، وعلى النقد دون تهدم. ختاما، تكشف عبارة الأستاذ الدكتور صالح الرفاعي عن عقل تربوي وفلسفي ناضج، استطاع أن يحول تجربته الشخصية والعلمية إلى حكمة عامة. هي عبارة تلخص مسارا من التعليم والاغتراب والعمل المجتمعي، وتقدم رؤية للذات الإنسانية بوصفها فضاء للحوار لا ساحة للحسم. وفي زمن يميل إلى اليقينيات السطحية أو السخرية الفارغة، تذكرنا هذه العبارة بأن إنسانيتنا الحقة تكمن في هذا التوتر الخلاق بين ذات تفكر، وذات تبتسم بسخرية وهي تراقب هذا التفكير، دون أن تنفيه أو تستسلم له.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جنة السلطة وجنة اللغة: قراءة شعرية في مفارقات كريم جخيور
- حين تتحول زلة اللسان إلى محكمة: بلقيس شرارة والسياب وغضب الف ...
- جدلية التحوّل ورؤية التاريخ في قصيدة المؤرخ والشاعر خالد الس ...
- كريم شغيدل: حين يتحول السؤال إلى معرفة
- القصيدة بوصفها تميمة لغوية ضد وهم الاكتمال؛ قراءة في قصيدة ب ...
- مالك المطلبي ومحمد خضير: قراءة معرفية في سرد المدينة والحلم
- الضوء الذي يعيد كتابة القصيدة؛ قراءة في قصيدة إيمان بلبلي
- أين يقف اليسار العراقي في لحظة العراق الراهنة؟
- سردية الزمن الجميل: قراءة في مقولة نازك الأعرجي
- الهوس بالسلالة: كيف تحوّل الماضي إلى خرافة هوية معاصرة؟
- إجلال في الوجدان أكثر من المساندة في الصناديق
- الاقتصادي الدولي نوزاد الهيتي؛ قراءة في سيرة اقتصادي مؤثر
- التاريخ والتأويل
- العالم رهن النظرية
- العرب وتفاعلات السلطة والمجتمع


المزيد.....




- صور الطعام الصيني البريطاني تغزو -تيك توك-.. ما سبب دهشة الأ ...
- بعد فنزويلا.. لماذا باتت غرينلاند على قائمة اهتمامات ترامب؟ ...
- وفاة جاسوس CIA سيىء السمعة بعد خيانة قتلت كثيرًا من الأصول ف ...
- لماذا لا يُمثل تحرك ترامب بغرينلاند أي منطق يتعلق بالأمن الق ...
- مصر.. اكتشاف بقايا مجمّع سكني للرهبان يعود للعصر البيزنطي
- إيران ترى تشابها غير مريح بينما تنهار فنزويلا تحت حكم ترامب ...
- ترامب يدرس -خيارات عدة- بينها -استخدام الجيش-.. غرينلاند تعي ...
- حلب على حافة انفجار جديد: الجيش السوري يعلن مواقع قسد -أهداف ...
- الولايات المتحدة: نيو أورلينز تفتتح موسم الكرنفال بمواكب وتش ...
- فرنسا تلغي 140 رحلة جوية بباريس وأوروبا الغربية تستعد لمزيد ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - بين ذاتٍ تتأمل وأخرى تسخر: جدلية الوعي الداخلي في فكر صالح الرفاعي