أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم















المزيد.....

مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 15:05
المحور: الادب والفن
    


تتخذ رواية "إعدام رسام" للعراقي سلام إبراهيم موقعاً استثنائياً في سرديات الحرب والعنف السياسي، لا بوصفها شهادة تاريخية فحسب، بل كبنية سردية معقدة تتفكك فيها اليقينيات وتتصادم العبارات دون إمكانية مصالحة. عبر منهجية جان فرانسوا ليوتار، نجد في هذه الرواية مختبراً حياً لتفكيك "السرديات الكبرى" التي حاولت تأطير تجربة الحرب والدكتاتورية والعنف في العراق. الرواية لا تروي قصةً بقدر ما تفتتها إلى شظايا إدراكية، وتحول الصمت إلى لغة موازية للكلام، والغياب إلى حضور طاغ. يُعرِّف ليوتار ما بعد الحداثة بأنها "عدم الثقة تجاه السرديات الكبرى". وفي "إعدام رسام"، تهدم الرواية سرديات الدولة القومية، والشهادة البطولية، والعدالة الثأرية. فالسردية الكبرى للدولة العراقية تحت حكم صدام حسين التي تروي نفسها كحامية للأمة ومنتصر في الحرب تتحول إلى آلة للطحن البشري. المشهد المركزي للساحة التي تجري فيها عمليات الإعدام الجماعي هو المسرح الذي تُعرى فيه هذه السردية، فتكشف عن فراغها الأخلاقي. لكن الرواية لا تقابلها بسردية بديلة (مثل سردية المقاومة البطولية)، بل تقدم وعياً مُجزأً، متشظياً، لا يجد خلاصاً في أي أيديولوجيا كبرى. البطل أو بالأحرى الضحية الذي ينتظر إعدامه، ثم يُعفى عنه في اللحظة الأخيرة، يعيش اللاتأكد كحالة وجودية. إنه لا يفهم سبب تبرئته كما لم يفهم سبب إدانته. النظام القضائي العسكري لا يمثل عدالةً ولا قانوناً، بل لغة منفصلة تماماً عن منطق الإنسانية. هنا تتحول السردية الكبرى للقانون إلى مسخ، إذ يُختزل القانون إلى مجرد تلاوة اتهامات غريبة (سلب، نهب، اغتصاب، قوادة، هروب من الجبهات) تسبق إطلاق الرصاص.
صراع العبارات في مملكة الموت
يُجسد مشهد الإعدام الجماعي في الملعب الرياضي جوهر مفهوم الخلاف الليوتاري؛ صراع بين أطراف لا يمكن تسويته بأي قاعدة حكم مشتركة. الضحايا المُوثقون إلى الأعمدة لا يملكون لغة للاحتجاج، بينما الجلادون يملكون لغة الأوامر والطلقات. لا يوجد حكم مشترك يمكنه التوفيق بين "عبارة" النظرة الأخيرة للأخ "كفاح" وبين "عبارة" الرصاصة. هذا الخلاف لا يُحسم، بل يُختم بالموت. الأخ الأكبر الذي يشهد إعدام شقيقه من بين الحشود، يعيش الخلاف في أعمق مستوياته النفسية ؛ كيف يمكن التعبير عن الفاجعة التي تتجاوز اللغة؟ صرخته التي تتحول إلى "حي... حي يا رب المذبحة" هي محاولة يائسة لترجمة اللامترجم. إنها العبارة التي تتعذر ترجمتها إلى نظام منطقي، لأن النظام المهيمن (نظام الدولة القمعية) لا يعترف إلا بلغة الطاعة والعقاب. تتعدد أنظمة العبارة في الرواية وتتصادم دون إمكانية تكامل؛ عبارة الأمر العسكري ؛ لغة موجزة، قاطعة، لا تقبل النقاش ("أرم..."). عبارة الصمت؛ لغة الغائبين، الموتى، الأحياء الذين تكلس الخوف في حناجرهم. عبارة الذاكرة الحالمة ؛ استحضار طفولة مشتركة، تفاصيل حميمة (رائحة الأخ، ضحكته، رسماته). عبارة الجسد المعذب ؛ لغة الآلام، الرائحة الكريهة للأجساد المكدسة في عربة النقل، الرعشات اللا إرادية. عبارة النص المقدس؛ تلاوة القرآن في السجن، التي تتحول إلى موسيقى موازية للرعب، دون أن تقدم عزاءً حقيقياً. هذه النظم غير قابلة للترجمة الكاملة فيما بينها. فحين يُقرأ القرآن في ساحة الإعدام، تتحول الكلمات المقدسة إلى خلفية سوريالية للجريمة، لا إلى خطاب خلاص. هذا الانزياح يذكرنا بتشكك ليوتار في قدرة أي خطاب (حتى الديني) على تقديم تفسير شامل للعنف.
التأثير كعبارة غير مفهومة ؛ رائحة الأخ الغائب
يقدم ليوتار التأثير كعبارة تحمل متعة أو ألماً، لكنها تفتقر إلى مرسل أو مرجع واضح. في الرواية، الرائحة تصبح التأثير المركزي ؛ رائحة الأخ "كفاح" التي تلاحق البطل في العربة العسكرية، في السجن، في أحلامه. هذه الرائحة ليست مجرد ذكرى، بل هي عبارة جسدية غير قابلة للترجمة إلى كلام. إنها الوجود الغائب الحاضر، الألفة المفقودة، الحب الذي لا يمكن قوله. حتى عندما يكتشف البطل أن المرأة الغامضة التي تظهر له كل صباح هي زوجة أخيه السرية، تتحول رائحة جسدها إلى جسر نحو الغائب. الجسد الأنثوي هنا ليس موضوعاً للرغبة الجنسية فحسب، بل هو ناقل للتأثير الذي يربط بين عالمين؛ عالم الذاكرة الحميمة وعالم الخراب الحاضر. في غياب السرديات الكبرى الموحِّدة، تفرز الرواية سرديات صغيرة متعددة ؛ سردية العلاقة الأخوية السرية بين الراوي وأخيه. سردية الحب المستحيل بين الأخ الغائب وزوجته السرية. سردية الذاكرة الطفولية (البيت، النهر، شجرة السدر). سردية الهرب والتخفي في الأزقة المهجورة. هذه السرديات الصغيرة لا تقدم حلولاً، بل هي مساحات مؤقتة للمعنى في عالم فقد معانيه الكبرى. إنها تشبه جزراً من الذاكرة في محيط من النسيان القسري.
الحداثة وما بعدها ؛ الحرب كفضاء زمني مختلط
ترفض الرواية التسلسل الزمني الخطي (الذي هو من سمات السرديات الكبرى الحداثية). الزمن هنا متشابك، دائري، كابوسي . الحاضر يستحضر الماضي بطريقة هستيرية. مشاهد الإعدام تستدعي تلقائياً مشاهد طفولية، وصورة الأب المحتضر تتداخل مع صورة الأخ المقتول. هذا الاختلال الزمني هو تعبير روائي عن الانهيار الكلي لنظام الحياة. فإذا كانت الحداثة تقدّم الزمن كسهم متجه نحو التقدم، فإن ما بعد الحداثة الليوتارية كما تجسدها الرواية ترى الزمن كفوضى، كحطام زمني حيث تتعايش الأزمنة في لحظة واحدة من الرعب. يرى ليوتار أن دور الفلسفة هو إنتاج أفكار جديدة ، وليس استعادة حقائق مطلقة. الرواية تقوم بهذا الدور الأدبي ؛ فهي لا تقدم "فهمًا" للحرب أو الدكتاتورية، بل تنتج أسئلة جديدة عن طبيعة الشر، عن حدود اللغة، عن إمكانية الحب في زمن الموت. الفكرة المركزية التي تنتجها الرواية هي ؛ العنف السياسي لا يُفهم، بل يُعاش ككابوس متعدد الطبقات . والشخصيات لا "تتطور" بالمعنى الكلاسيكي، بل تتآكل، تتشظى، تفقد تماسكها الهش . الرواية تتشكك حتى في السردية الكبرى للوجود الإنساني نفسه. فالأخ الغائب/المعدم يصبح أكثر حضوراً من الأحياء. اللوحات التي رسمها (النساء العاريات خلف الأسلاك الشائكة) تتحدث بصوت أعلى من أصوات الشخصيات. الغياب هنا ليس فراغاً، بل كياناً ملموساً ، ثقيلاً، مؤلماً. هذا الانزياح بين الحضور والغياب يجعل من الرواية نصاً ما بعد حداثي بامتياز ؛ فالحقيقة ليست في الواقع المرئي، بل في ما يختفي خلفه، في ما لا يُقال، في ما يستحيل قوله.
رواية اللامصالحة
"إعدام رسام" لسلام إبراهيم هي رواية الخلاف اللامحسوم ، رواية السرديات المحطمة ، رواية العبارات المتصارعة دون ترجمة . عبر منهجية ليوتار، نراها لا كرواية عن الحرب العراقية فحسب، بل كاستعارة كبرى عن استحالة التعبير الكلي في وجه العنف المطلق. الرواية ترفض الخلاص، ترفض العزاء، ترفض حتى الفهم الكامل. إنها تقف عند حافة الصمت كأقصى تعبير ممكن. وفي هذا الوقوف، تذكرنا بكلمات ليوتار نفسه ؛ "ما بعد الحداثة ليست موضة جديدة، بل هي إعادة صياغة جذرية لسؤال المعنى في عالم فقد يقينياته". في النهاية، "إعدام رسام" هي رواية ما بعد حداثية لأنها تطرح السؤال الليوتاري الأعمق؛ كيف نحيا؟ وكيف نتكلم؟ وكيف نحب؟ في عالم حيث السرديات الكبرى ماتت ، ولم يبق إلا شظايا الذاكرة، ورائحة الغائبين، وصدى الطلقات في ساحة إعدام لا تنتهي.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطبري والحكاية المتقنة: هندسة السرد في التاريخ العربي عند س ...
- مرايا الصمت والعمى: خصائص الخطاب الأدبي لرواية -قارض الأيام- ...
- هل تصدقون أنني لا أعرف اسم الرئيس؟ عن هوس العراقيين بالسلطة ...
- بين ذاتٍ تتأمل وأخرى تسخر: جدلية الوعي الداخلي في فكر صالح ا ...
- جنة السلطة وجنة اللغة: قراءة شعرية في مفارقات كريم جخيور
- حين تتحول زلة اللسان إلى محكمة: بلقيس شرارة والسياب وغضب الف ...
- جدلية التحوّل ورؤية التاريخ في قصيدة المؤرخ والشاعر خالد الس ...
- كريم شغيدل: حين يتحول السؤال إلى معرفة
- القصيدة بوصفها تميمة لغوية ضد وهم الاكتمال؛ قراءة في قصيدة ب ...
- مالك المطلبي ومحمد خضير: قراءة معرفية في سرد المدينة والحلم
- الضوء الذي يعيد كتابة القصيدة؛ قراءة في قصيدة إيمان بلبلي
- أين يقف اليسار العراقي في لحظة العراق الراهنة؟
- سردية الزمن الجميل: قراءة في مقولة نازك الأعرجي
- الهوس بالسلالة: كيف تحوّل الماضي إلى خرافة هوية معاصرة؟
- إجلال في الوجدان أكثر من المساندة في الصناديق
- الاقتصادي الدولي نوزاد الهيتي؛ قراءة في سيرة اقتصادي مؤثر
- التاريخ والتأويل
- العالم رهن النظرية
- العرب وتفاعلات السلطة والمجتمع


المزيد.....




- تطورات الحالة الصحية للفنان محيي إسماعيل عقب تعرضه لجلطة وغي ...
- جميل عازر... من صانع الهوية إلى إرثٍ لا يُنسى
- المعايير العلمية في لغة الخطاب الإعلامي) في اتحاد الأدباء... ...
- -?ي?ا لا ?يتا-.. بسام كوسا بطل مسرحية جديدة في موسم الرياض
- -متحف لا يُنهب-.. قصة إعادة بناء الذاكرة السودانية في العالم ...
- -أنا ألمس إذا أنا موجود-.. قصص نجاح بالدوحة في اليوم العالمي ...
- حصاد 2025.. أجمل الروايات والكتب التي بقيت راسخة في ذاكرة ال ...
- تاريخ سكك حديد مصر.. مهندس بلجيكي يروي قصة -قطار الشرق الأول ...
- فيديو.. -الحكواتي- المسرح الفلسطيني الوحيد بالقدس
- يا صاحب الطير: فرقة الفنون جعلت خشبة المسرح وطناً حرا..


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم