أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح بلا انفعال















المزيد.....

التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح بلا انفعال


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 15:36
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس في هذه الحكاية بطل، ولا ذروة درامية، ولا مؤامرة خلف الستار، ومع ذلك فهي كفيلة بأن تُربك وعينا العربي حتى حدود الصداع المزمن. حكاية قصيرة، باردة، خالية من الصراخ، لا دم فيها ولا شعارات ولا خطب وطنية. زوجة رئيس وزراء الدنمارك تعمل معلمة. نعم تعمل، لا “تتكرّم” بالعمل، ولا “تُزجّ” في وظيفة رمزية لملء الفراغ. تعمل كأي معلمة. تغيب مراراً. يستدعيها مدير المدرسة لاجتماع رسمي لمساءلتها. القانون يسمح بإحضار مرافق شاهد. تُحضر زوجها. زوجها هو رئيس الوزراء. ينتهي الاجتماع بفصل المعلمة من عملها. الصحافة تهاجم رئيس الوزراء لا لأنه فُصلت زوجته، بل لأنه حضر الاجتماع، متهمة إياه بمحاولة الضغط والتأثير. وتنتهي القصة. هنا، تحديداً، تبدأ المرارة. مرارة الضحك الذي لا يخرج. مرارة المقارنة التي لا تحتاج إلى شروح. مرارة السؤال الذي يضرب الرأس كحجر بارد: كيف تتقدم البلدان؟ وكيف نتخلف نحن، لا لأننا لا نعرف الجواب، بل لأننا نرفضه؟ في الثقافة العربية السائدة، هذه القصة لا تُفهم بوصفها ممارسة مؤسسية، بل تُقرأ بوصفها فوضى. كيف يجرؤ مدير مدرسة على استدعاء زوجة رئيس الوزراء؟ كيف يجرؤ على محاسبتها؟ كيف يجرؤ على فصلها؟ والأدهى من ذلك كله، كيف تعمل زوجة رئيس الوزراء أصلاً؟ أي خلل كوني هذا؟ أي عبث في سلم الهيبة؟ أي إهانة للمقام؟ في المخيال العربي، الوظيفة ليست عملاً، بل امتداداً للسلطة. المنصب ليس مسؤولية، بل حصانة. الزوج ليس فرداً، بل ظل دولة. والزوجة ليست مواطنة، بل “حرماً سيادياً” يمشي على قدمين. من هنا، لا تبدو القصة الدنماركية دليلاً على التقدم، بل تبدو في أعيننا فضيحة حضارية. لأن النسق الثقافي الذي يحكم وعينا لا يرى في القانون أداة تنظيم، بل يرى فيه سيفاً يُشهر على الضعفاء فقط. ولا يرى في العمل قيمة، بل يراه درجة في سلم الامتياز. ولا يرى في السلطة وظيفة، بل يراها هوية، تنتقل بالعدوى إلى الأقارب والأصدقاء والسائقين والحراس.
وفق نموذج النقد الثقافي، لا تُقرأ هذه الحكاية كنص واقعي بسيط، بل بوصفها خطاباً مكثفاً، يكشف أنساقاً مضمرة عميقة. النص هنا ليس خبراً صحفياً، بل علامة ثقافية. علامة تقول إن النسق الحاكم في الدنمارك يفصل بين الشخص والمنصب، بينما النسق الحاكم في العالم العربي يدمجهما حتى الذوبان. في الدنمارك، رئيس الوزراء مواطن في البيت، وزوج في المدرسة، ومسؤول في المكتب. في عالمنا، المسؤول مسؤول في السرير، وفي السوق، وفي المدرسة، وفي جنازة الجيران. النسق الثقافي العربي يقوم على مركزية الهيبة. الهيبة هنا ليست احترام القانون، بل الخوف من الشخص. ليست هيبة المؤسسة، بل هيبة الاسم. ولذلك، فإن استدعاء زوجة رئيس الوزراء في ثقافتنا يُعد انتهاكاً للهيبة، لا تطبيقاً للقانون. وفصلها يُعد تحدياً للسلطة، لا نتيجة لسلوك مهني. وحضور الزوج يُعد تدخلاً مشروعاً، لا شبهة ضغط. هنا تنقلب الدلالات. ما هو طبيعي هناك، يُعد شاذاً هنا. وما هو شاذ هناك، يُعد طبيعياً هنا. في تحليل الخطاب، نلاحظ أن اللغة العربية السياسية والاجتماعية مشبعة بتعابير القرابة والامتداد. “ابن فلان”، “زوج فلانة”، “قريب المسؤول”، “محسوب على الجهة”. هذه ليست مجرد كلمات، بل شفرات ثقافية. السيميائيات هنا تكشف أن العلاقة لا تُبنى على الكفاءة، بل على النسب. وأن الخطاب لا يُنتج مواطناً، بل تابعاً. وأن الدولة لا تُرى بوصفها نظاماً، بل بوصفها عائلة كبيرة، رأسها الحاكم، وأطرافها الأقارب.
في القصة الدنماركية، مدير المدرسة ليس بطلاً، ولا ثائراً، ولا مناضلاً. هو مجرد موظف يؤدي واجبه. وهذه هي المفارقة. التقدم لا يحتاج إلى أبطال. يحتاج إلى موظفين مملين، يطبقون اللوائح بلا انفعال. في العالم العربي، نحتاج دائماً إلى بطل، لأن النظام نفسه لا يعمل. نحتاج إلى “شجاع” يجرؤ، لأن الجرأة هنا استثناء، لا قاعدة. بينما هناك، الجرأة غير مرئية، لأنها مدمجة في بنية النظام. ما وراء النص يكشف أكثر. السياق الاجتماعي والسياسي الذي أنتج هذه القصة هو سياق دولة ترى نفسها خادمة للمجتمع، لا مالكة له. ترى في الوظيفة العامة عقداً مؤقتاً، لا تاجاً أبدياً. ترى في الصحافة سلطة رقابة، لا جوقة تصفيق. ولذلك لم ترحم الصحافة رئيس الوزراء. لم تقل له “مسكين، فُصلت زوجتك”. بل قالت له “لماذا حضرت؟”. السؤال ليس أخلاقياً فقط، بل بنيوي. لماذا تخلط بين دورك الخاص ودورك العام؟ لماذا تحمل معك ظل السلطة إلى غرفة لا يجب أن تدخله؟ في المقابل، ما وراء النص العربي يكشف سياقاً ما بعد كولونيالياً مشوهاً. دولة خرجت من الاستعمار، لكنها لم تخرج من منطق السيد. استبدلت المستعمر الأجنبي بمستعمر محلي. احتفظت بهيكل السلطة، وغيرت الوجوه. ولذلك، ظل القانون واجهة، لا ممارسة. وظلت المؤسسات هياكل، لا فاعلين. وظل النقد خيانة، لا ضرورة. التفكيكية هنا تفضح التناقض. نحن نرفع شعارات الدولة الحديثة، لكننا نعيش بعقلية المشيخة. نتحدث عن الدستور، لكننا نحتكم إلى الهاتف. نمجد العمل، لكننا نحتقر العامل. نلعن الواسطة، لكننا نبحث عنها عند أول منعطف. نضحك من القصة الدنماركية، لا لأننا نراها عبثية، بل لأنها تكشف عبثنا نحن.
التحليل النفسي الثقافي يضيف طبقة أخرى من المرارة. هناك خوف عميق من المساواة. المساواة تهدد الامتياز. تهدد الشعور بالتفوق التعويضي الذي بنيناه فوق هشاشتنا. ولذلك نرفض أن تكون زوجة المسؤول معلمة، لأن ذلك يُسقط عنها الهالة. نرفض أن تُحاسب، لأن ذلك يُذكرنا بأننا جميعاً قابلون للمساءلة. نرفض أن يُفصل رئيس الوزراء رمزياً من الصف، لأن ذلك يُعرّي السلطة من قدسيتها الزائفة. الدراسات الثقافية تعلمنا أن الثقافة لا تُنتج فقط في الكتب، بل في الممارسات اليومية. في المدرسة، في المكتب، في الاجتماع. هناك، تُنتج الثقافة عبر تفاصيل صغيرة. اجتماع، محضر، قرار فصل. هنا، تُنتج الثقافة عبر استثناءات دائمة. “هذه حالة خاصة”، “هذا ظرف استثنائي”، “هذا مقام رفيع”. وهكذا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتتحول القاعدة إلى نكتة. هكذا تتقدم البلدان. لا بخطب القادة، بل بمحاضر الاجتماعات. لا بصور الزعماء، بل بقرارات المديرين. لا بتقديس الأشخاص، بل بتعظيم الإجراءات. تتقدم حين يكون القانون أعمى فعلاً، لا شعاراً. حين لا يرى اسم الزوج، بل يرى سجل الغياب. حين لا يسمع لقب رئيس الوزراء، بل يسمع صوت الجرس المدرسي. أما نحن، فنتقدم عكسياً. نتقدم في عدد الشعارات، ونتراجع في عدد المؤسسات الفاعلة. نتقدم في حجم الخطاب، ونتراجع في وزن الممارسة. نتقدم في تقديس الأشخاص، ونتراجع في احترام القواعد. ثم نسأل، ببراءة مصطنعة، لماذا لا نتقدم؟ القصة الدنماركية ليست درساً أخلاقياً، بل مرآة قاسية. مرآة تكشف أن التقدم ليس مسألة موارد، بل مسألة أنساق. ليس مسألة نوايا، بل مسألة بنى. وأن أكثر ما يخيفنا في التقدم، ليس صعوبته، بل بساطته. لأنه يتطلب أن نتخلى عن امتيازاتنا الصغيرة، وعن أوهامنا الكبيرة، وعن فكرة أن بعضنا خُلق ليُحاسَب، وبعضنا خُلق ليُعفى. هكذا تتقدم البلدان. حين يُفصل رئيس الوزراء من صفّ زوجته، لا لأنه أُهين، بل لأن النظام لا يعرف من هو أصلاً. وحين نفهم نحن هذه الجملة، دون ضحك عصبي، ودون تبرير، ودون اتهام، ربما نكون قد خطونا أول خطوة. ليس نحو الدنمارك، بل نحو أنفسنا.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر ...
- وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية ...
- مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم
- الطبري والحكاية المتقنة: هندسة السرد في التاريخ العربي عند س ...
- مرايا الصمت والعمى: خصائص الخطاب الأدبي لرواية -قارض الأيام- ...
- هل تصدقون أنني لا أعرف اسم الرئيس؟ عن هوس العراقيين بالسلطة ...
- بين ذاتٍ تتأمل وأخرى تسخر: جدلية الوعي الداخلي في فكر صالح ا ...
- جنة السلطة وجنة اللغة: قراءة شعرية في مفارقات كريم جخيور
- حين تتحول زلة اللسان إلى محكمة: بلقيس شرارة والسياب وغضب الف ...
- جدلية التحوّل ورؤية التاريخ في قصيدة المؤرخ والشاعر خالد الس ...
- كريم شغيدل: حين يتحول السؤال إلى معرفة
- القصيدة بوصفها تميمة لغوية ضد وهم الاكتمال؛ قراءة في قصيدة ب ...
- مالك المطلبي ومحمد خضير: قراءة معرفية في سرد المدينة والحلم
- الضوء الذي يعيد كتابة القصيدة؛ قراءة في قصيدة إيمان بلبلي
- أين يقف اليسار العراقي في لحظة العراق الراهنة؟
- سردية الزمن الجميل: قراءة في مقولة نازك الأعرجي
- الهوس بالسلالة: كيف تحوّل الماضي إلى خرافة هوية معاصرة؟
- إجلال في الوجدان أكثر من المساندة في الصناديق
- الاقتصادي الدولي نوزاد الهيتي؛ قراءة في سيرة اقتصادي مؤثر
- التاريخ والتأويل


المزيد.....




- خمس سنوات من العمل المتواصل.. رجل يبني بلدة خشبية مصغّرة، كي ...
- شاهد ما فعله متظاهرون أمام فنادق في مينيابوليس اعتقدوا أن عم ...
- ولي عهد إيران السابق يوجه دعوة للقطاعات الرئيسية بالدولة وسط ...
- حقيقة حجم ومدى انتشار مظاهرات إيران التي -قد تفضي لتغيير جوه ...
- السعودية.. الداخلية تعلن تنفيذ -حد الحرابة- في يمني الجنسية ...
- كيف نختار الخبز المناسب لنا؟
- -تم تصويري سراً باستخدام نظارة ذكية، ثم تعرضت للتنمر الإلكتر ...
- الجيش السوري يعلن السيطرة على حي الشيخ مقصود في حلب والقوات ...
- مسلسل طهران : اختراق الموساد للمجتمع الإيراني لم يعد سرّا
- الجزائر - نيجيريا: تابعوا مباشرة مواجهة ربع نهائي كأس الأمم ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح بلا انفعال