إسماعيل نوري الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 21:41
المحور:
الادب والفن
يقدّم نص كامل عبد الرحيم "ق. ق" مادة سردية غنية للتحليل من منظور لوسيان غولدمان، لا بوصفه نصًّا ذاتيًا عن صداقة وخذلان فقط، بل باعتباره بنية دلالية متولدة من وعي جماعي وطبقي يعبر عن مرحلة اجتماعية عراقية مأزومة. هنا، تتبدّى المنهجية الغولدمانية "البنيوية التوليدية" في قدرتها على الربط بين التجربة الفردية للكاتب و"رؤية العالم" الكامنة خلفها، تلك الرؤية التي تشكّلها الطبقة الاجتماعية والمرحلة التاريخية، وتتحقق من خلال بنية النص الجمالية والفكرية. يبدأ النص من لحظة لقاء عابر في أمسية ثقافية، لتفتح ذاكرة السارد أبوابها على زمن طويل من الصداقة الملتبسة بين "كامل و"ق. ق". عبر هذا المنعطف البسيط، يتحول السرد من الواقعة الجزئية إلى شبكة علاقات مركبة بين الماضي والحاضر، بين الرفاق القدامى وخراب الوعي السياسي، بين الطبقة الوسطى التي حلمت بالثورة وانتهت إلى الخيبة، وبين المثقف الذي فقد مرآته التاريخية. هذا التحول الدلالي هو ما يمنح النص طابعه البنيوي المتحرك، ويجعله مرآة للوعي الجمعي الذي عاشته نخبة عراقية يسارية في زمن التحولات العنيفة.
رؤية العالم؛ الوعي الجمعي المأزوم
يُعرّف غولدمان "رؤية العالم" بأنها بنية ذهنية جماعية، تعبّر عن القيم والأحلام والصراعات التي تعيشها طبقة اجتماعية معينة، وتتجسد في العمل الأدبي بوصفه تعبيراً غير مباشر عن هذا الوعي. من هذا المنظور، لا يمكن قراءة نص كامل عبد الرحيم كاعتراف شخصي أو سيرة ذاتية محضة، بل كتمثيل لوعي جماعي عاش التمزق بين الحلم الثوري والانكسار الواقعي. في "ق. ق"، لا يتحدث السارد بضمير الفرد، بل من موقع جيلٍ كامل حملته رياح الشيوعية العراقية، ثم بعثرته عواصف القمع والحروب. فالعلاقة بين "كامل" و"ق" ليست صراعًا بين شخصين، بل بين شكلين من الوعي الطبقي والسياسي: وعي ثوري حالم بالمقاومة والتغيير، ووعي خائف، منسحب، متواطئ مع النظام، أو على الأقل مستسلم لضرورات البقاء. هكذا تتجسد "رؤية العالم" في نص عبد الرحيم كصراع بين وعيين داخل الطبقة الواحدة. إن المثقف العراقي اليساري "كما في النص" يجد نفسه موزعًا بين المثالية الأخلاقية والانكسار العملي، بين صورة الذات القديمة التي حلمت بالتحرر، والواقع الجديد الذي يفرض الخضوع أو النسيان. فالسارد لا يكتب عن "ق" بقدر ما يكتب عن ذاته المزدوجة، عن المرآة التي ترفض أن تعكسه كما كان، وعن جيلٍ كلّما حاول النظر في نفسه، رأى فيها ندوب التاريخ.
الفهم والتفسير؛ من البنية الداخلية إلى التاريخ الاجتماعي
وفقًا لغولدمان، يتمثل "الفهم" في تحليل البنية الداخلية للنص، بينما يعبّر "التفسير" عن ربط تلك البنية ببنية الواقع الاجتماعي الذي أنتجها. وفي نص "ق. ق"، تتجلّى البنية الداخلية في طريقة السرد الاسترجاعي التي تتنقل بين زمنين – زمن اللقاء الحاضر وزمن الصداقة الماضية – لتصنع جدلية بين الذاكرة والتاريخ. فالبنية السردية هنا ليست خطية، بل تتشكل عبر حركة ذهنية تقوم على الاستدعاء والتعليل، إذ تتناسل الذكريات من بعضها في "فتحة بالسقف"، كما يصف السارد، في إشارة رمزية إلى انفتاح اللاوعي الجمعي الذي يعيد ترتيب الماضي في ضوء الحاضر. هذه البنية القائمة على الانكسار الزمني تشي بأن الماضي لم يُحلّ بعد، وأن الصراع الاجتماعي الذي مثّله لم يُغلق. أما على مستوى "التفسير"، فالنص يعكس تهاوي البنية الثورية القديمة أمام صعود النظام السلطوي البعثي، وما تبعه من تبدل في موازين القيم والولاءات. فـــ" ق.ق" الذي كان يومًا رفيقًا ثوريًا، يتحول إلى كاتب في صحف النظام، بينما يبقى السارد وفيًا لذاكرته و"أمه العظيمة"، أي لذاكرة التضحية والعطاء. إن الصداقة التي تفككت بين الرجلين هي في جوهرها انعكاس لتفكك الجماعة السياسية التي جمعتهم، وتحولها من مشروع جماعي إلى عزلات فردية متناحرة. من هنا يمكن القول إن النص يقدّم تفسيرًا أدبيًا، لانهيار البنية الطبقية والسياسية للطبقة الوسطى المثقفة في العراق. فحين تتحول الثورة إلى جهاز، ويتحول الرفاق إلى موظفين في "الثورة" الرسمية، يتحول الأدب نفسه إلى مرثية عن الصداقة الضائعة والذاكرة المبتورة.
البنية الدالة؛ الحكاية كمرآة للوعي
يرى غولدمان أن العمل الأدبي يشكّل "بنية دالة"، أي بنية شاملة ترتبط بالعالم الاجتماعي الذي أفرزها، ولكنها تمتلك استقلالها الجمالي. في نص "ق. ق"، تتجلى هذه البنية في تموج السرد بين الاعتراف الشخصي والحكاية الجماعية، بين الحنين والنقد، بين التهكم والمرارة. تتخذ البنية الدالة شكل حوار متوتر بين "الأنا" و"الآخر"، بين الراوي وصديقه الغائب، وهو توتر يوازي التمزق بين الفرد والجماعة. فالسارد لا يروي وقائع الماضي فحسب، بل يحاورها كما لو كانت كائنًا حيًّا يقاوم التفسير. إن "ق" ليس شخصية سردية فقط، بل رمز لبنية اجتماعية انشقت على ذاتها، مثلما انشقت الطبقة المثقفة بين الولاء للنظام والوفاء للثورة. أما الأم التي تتكرر في السرد بوصفها "الأم العظيمة"، فهي تمثل البنية الأخلاقية الثابتة وسط عالم متقلب. إنها تمثل القيم الجماعية الأولى – الرعاية، التضحية، المشاعية، الحب – التي حاولت الأيديولوجيا السياسية استبدالها بشعارات الثورة والانضباط، فانهار الاثنان معًا. بهذا المعنى، تتحول الأم إلى مركز دلالي يجمع بين الحنين إلى الأصل والخيبة من المستقبل، فيتوازن النص بين البكاء على ما فات، والسخرية مما آل إليه الوعي الجمعي.
التماثل؛ النص كصورة للوعي الجماعي
يركز غولدمان على مفهوم "التماثل" (Homology) الذي يصف العلاقة بين بنية العمل الأدبي والبنية الذهنية للجماعة التي أنتجته. في نص "ق. ق"، يمكننا تبيّن هذا التماثل بوضوح: فالبنية السردية الممزقة، المترددة بين الإدانة والتبرير، تعكس تمامًا وعي جيلٍ عاش الانقسام نفسه بين الالتزام والخذلان. فكما أن المجتمع العراقي في السبعينيات والثمانينيات عاش ازدواجيةً بين الحلم الثوري والمراقبة الأمنية، يعيش السارد الازدواجية ذاتها بين الوفاء والعداء لصديقه القديم. إن العلاقة بين "كامل" و"ق" ليست مجرد حكاية شخصية، بل استعارة كبرى للانقسام البنيوي الذي أصاب الوعي الجمعي العراقي: وعيٌ قائم يعيش تحت ضغط السلطة والخوف، ووعيٌ ممكن يحلم بالتحرر والصدق والمصالحة. ولعل رمزية الحكاية تكمن في غياب "اللقاء الأخير". فالسارد يبحث عن صديقه حتى بعد موته، كما يبحث المثقف عن المعنى الضائع في تاريخٍ متصدع. هذا التماثل بين الشكل والمضمون يجعل النص أقرب إلى "بنية الوعي" منه إلى سرد الواقعة، ويكشف كيف يمكن للأدب أن يحمل في داخله البنية الذهنية لجيله بأكمله.
الوعي القائم والوعي الممكن
يقيم غولدمان تمييزًا جوهريًا بين "الوعي القائم" الذي يعكس الواقع الاجتماعي الراهن، و"الوعي الممكن" الذي يجسد تطلعات الجماعة نحو التغيير. في نص "ق. ق"، يتجسد الوعي القائم في حالة الإحباط والخذلان التي يعيشها السارد: كل ما كان حلمًا صار ذكرى، وكل رفيق صار عابرًا أو خائنًا أو ميتًا. أما الوعي الممكن، فيتمثل في محاولة السارد الدؤوبة لاستعادة المعنى عبر الكتابة نفسها. فكتابة النص ليست مجرد استذكار للماضي، بل محاولة لتوليد وعي جديد من ركام الوعي القديم. إن السارد إذ يسترجع "ق.ق" لا يهدف إلى الإدانة، بل إلى المصالحة مع تاريخٍ جماعيٍ جريح، وإعادة ترميم الوعي الممكن الذي سحقته الهزائم. إن الكتابة هنا فعل توليدي بالمعنى الغولدماني، إذ تنقل التجربة الفردية إلى أفق جماعي رمزي، يحاور فيه الكاتب جيله وتاريخه ومصيره. وبين "الأم العظيمة" التي تمثل الوعي الأخلاقي الأول، و"ق" الذي يمثل الانهيار، و"كامل" الذي يكتب ليُفهم ذاته والعالم، يتشكل مثلث الوعي في النص: من الجذر، إلى الانقسام، إلى البحث عن معنى جديد. في هذا المثلث يمكن قراءة التحول من الوعي القائم إلى الممكن، من الموت الرمزي إلى بعث رمزي عبر الذاكرة والكتابة.
النص كوثيقة جماعية
إن نص "ق. ق" ليس فقط شهادة أدبية عن صداقة مضطربة، بل هو وثيقة بنيوية عن لحظة عراقية كاملة. فكل تفصيل في النص "من مشهد المداهمة الأمنية إلى السخرية من "التعاونية" المنزلية التي أسستها الأم، ومن تفاصيل البذلة المسروقة إلى مراوغة "ق" بين الجبهات" يعكس تمزق الواقع الاجتماعي بين القمع والحميمية، بين الجماعية السياسية والتشظي الفردي. ومن خلال تطبيق مفاهيم غولدمان نرى أن النص لا يُفهم بوصفه سيرة شخصية، بل كبنية دلالية توليدية، تنقل إلينا "رؤية عالم" جيلٍ كامل عاش مأساة التاريخ العراقي الحديث. فـ"كامل عبد الرحيم" هنا لا يكتب عن نفسه، بل عن وعيٍ جمعيٍ مهدور، يتكلم بلسان واحد، ثم يصمت بألف وجع. إن الحوار الطويل بين "الأنا" و"ق" هو في الحقيقة حوار بين الوعي القائم الذي رضخ للهزيمة، والوعي الممكن الذي يحاول استعادة كرامته عبر السرد. وبين هذين الوعيين يتولد النص كبنية حية، تتحرك في جدل دائم بين التجربة الفردية والبنية الاجتماعية، بين الخسارة والبحث عن المعنى. وهكذا تتحقق في "ق. ق" كل مقولات البنيوية التوليدية: فالنص يحمل رؤية عالمٍ جماعية، يُفهم من داخله ويُفسر بالعودة إلى تاريخه الاجتماعي، يشكل بنية دالة تماثل البنية الذهنية لجيله، ويعبّر عن الصراع بين وعيٍ قائمٍ مثقلٍ بالخذلان ووعيٍ ممكنٍ يبحث عن المصالحة. في النهاية، يمكن القول إن كامل عبد الرحيم، من خلال استدعائه لقصة صديقه "ق.ق"، لم يكن يكتب عن الماضي بقدر ما كان يحاكم التاريخ العراقي في ضميره الجمعي. فالنص هو صدى لتجربة جيلٍ آمن بأن الثورة طريق الخلاص، ثم وجد نفسه في صحراء الخيبة، يبحث عن مرآة يرى فيها وجهه، ولا يجد سوى "ق. ق"، رمز الضياع ومرآة الخراب. ولعل هذا ما يجعل "ق. ق" نصًا غولدمانيًا بامتياز: عملٌ أدبي يتجاوز الفردي إلى الجماعي، الذاتي إلى التاريخي، والاعتراف إلى البنية. نصٌ يبرهن أن الأدب، حين يُقرأ في ضوء البنية التوليدية، يصبح أعمق من السيرة، وأصدق من الأيديولوجيا، لأنه يجسد في شكله ومعناه معًا، مأساة الإنسان في عالمٍ فقد توازنه، وما زال يبحث عن وعيٍ ممكن يعيد إليه كرامة المعنى.
#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟