أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي















المزيد.....

جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 20:24
المحور: الادب والفن
    


ليس من السهل أن نقف أمام عملٍ بصريٍّ عراقيٍّ ونقول: هذا لا يكتفي بأن يعرض الواقع، بل يعيد تشكيله على هيئة سؤالٍ أخلاقيٍّ وجماليٍّ في آنٍ واحد. غير أن تجربة علي صادق في مشروعه “جوار” تفعل ذلك تحديداً: تجعل من الفيديو القصير مساحةً مكثفةً لقراءة المجتمع العراقي من الداخل، لا بوصفه مجموعة مشكلات، بل بوصفه نسيجاً إنسانياً مشبعاً بالتناقض، والحلم، والوجع اليومي الصامت. جوار” ليس عنواناً محايداً. الكلمة ذاتها تحمل معنى القرب، والتلاصق، والمشاركة القسرية أحياناً في المصير. الجار في المخيال العراقي ليس مجرد ساكنٍ في بيتٍ ملاصق، بل شاهدٌ على حياتك، ومرآةٌ غير معلنة لخيباتك وأفراحك. ومن هذه الفكرة ينطلق علي صادق ليحوّل المشهد الفديوي إلى ما يشبه اعترافاً جماعياً: لقطات صغيرة، عابرة في ظاهرها، لكنها مشحونة بدلالات اجتماعية كثيفة. ما يميز هذه المشاهد أولاً هو اقتصادها في القول، وغناها في الإيحاء. لا نجد خطاباً مباشراً أو شعارات اجتماعية صارخة، بل نواجه لحظة بسيطة: نظرة، حركة يد، صمت طويل، أو جملة قصيرة تُقال في توقيتٍ دقيق. هنا يتجلى ذكاء اللغة البصرية: الكاميرا لا تتجسس على الشخصيات، بل تصادقها. تقف على مسافةٍ إنسانيةٍ تجعل المتلقي يشعر أنه واحد من هؤلاء الجيران، يسمع همسهم، ويرى تفاصيلهم الصغيرة التي لا تُلتقط عادة في نشرات الأخبار ولا في تقارير الواقع.
إن التميز الجمالي في “جوار” يقوم على تحويل اليومي إلى رمز. البائع، السائق، المرأة المتعبة، الشاب الحائر، جميعهم يظهرون لا بوصفهم نماذج جاهزة، بل بوصفهم ذواتٍ كاملة، لكل واحدة منها حكاية غير مكتملة. وهنا يكمن سرّ التأثير: هذه المشاهد لا تشرح المجتمع، بل تتركه يتكلم من خلال أفراده. لا تقول لنا إن هناك فقراً أو قهراً أو تهميشاً، بل تضعنا داخل لحظةٍ من هذه الحالات، فنشعر بها قبل أن نفهمها. من الناحية الفنية، يعتمد علي صادق على بساطة التكوين البصري، لكنه بساطة واعية. الإطار غالباً ضيق، وكأن الكاميرا محاصرة مثل شخصياتها، أو كأنها تريد أن تقول إن الحياة العراقية تُعاش في مساحات محدودة، مادياً ونفسياً. الألوان تميل إلى الواقعية غير المتكلفة، فلا فلترة زائفة ولا جماليات مصطنعة. هذا الاختيار ليس تقنياً فقط، بل أخلاقي أيضاً: إنه احترام لملامح الواقع كما هو، دون تزويق ولا تشويه. أما الصوت، فيلعب دوراً خفياً لكنه حاسم. الضجيج اليومي، أصوات الشارع، الكلام المبتور، كلها عناصر تخلق إحساساً بالمعيش لا بالمُمَثَّل. كأن المشاهد لا تُصوَّر، بل تُلتقط كما تُلتقط الذكريات المفاجئة: دون إعدادٍ مسبق، ودون رغبة في الإبهار. وهذا ما يمنحها صدقها العاطفي، ذلك الصدق الذي “يلامس شغاف القلب بطريقة مدهشة”، لأنه لا يطلب منك أن تتعاطف، بل يضعك في موقع من لا يستطيع إلا أن يتعاطف.
اللافت أيضاً أن “جوار” لا يقع في فخّ البكائية. لا نرى دموعاً مفتعلة ولا نسمع نواحاً خطابياً. الحزن هنا هادئ، ساكن، يشبه حزن البيوت القديمة حين تغلق أبوابها في المساء. وحتى حين يظهر الأمل، فإنه لا يظهر بوصفه خلاصاً كاملاً، بل كوميض صغير في عيون الشخصيات، أو كنبرة صوت تتغير فجأة. هذا التوازن بين الألم والقدرة على الاحتمال هو ما يجعل التجربة إنسانية لا استعراضية. اجتماعياً، ينجح “جوار” في تشخيص ظواهر عراقية معاصرة دون أن يسميها مباشرة: هشاشة العلاقات، ضيق العيش، اختلاط السخرية بالمرارة، ومحاولة النجاة الفردية وسط سياق عام مثقل بالتاريخ والسياسة. لكنه يفعل ذلك عبر قصص صغيرة لا تتورط في التحليل النظري. فالمشهد الواحد قد يكون تعليقاً بصرياً على البطالة، أو على الفقد، أو على العنف الرمزي اليومي، دون أن يتحول إلى درسٍ اجتماعي. إن تميز هذه المشاهد الفديوية يكمن في أنها تعيد للكاميرا وظيفتها الأولى: أن تكون شاهدةً لا قاضية، ومرافقةً لا واعظة. علي صادق لا يقف فوق شخصياته، بل يسير إلى جانبها، ويترك للمتلقي مهمة أن يرى نفسه فيها. وربما هنا تكمن قوة “جوار” الحقيقية: أنه لا يتحدث عن “الآخر” العراقي، بل عن “نحن” العراقيين، بضعفنا وبقدرتنا العنيدة على الاستمرار. في النهاية، يمكن القول إن “جوار” ليس مجرد مشروع بصري، بل ممارسة ثقافية هادئة في زمن الضجيج. إنه يذكّرنا بأن القصة الاجتماعية الكبرى تُروى عبر التفاصيل الصغيرة، وأن الفن حين يقترب من الناس بلا ادعاء، يستطيع أن يصنع دهشته الخاصة. دهشة لا تقوم على الصدمة، بل على التعرف: أن ترى مشهداً فتقول في سرّك: هذا يشبهني… أو يشبه جاري. وحين يحدث ذلك، يكون الفن قد أدى مهمته كاملة: لمس القلب دون أن يجرحه، وفتح العين دون أن يفرض عليها ما ترى.
جملة علي صادق في خاتمة حلقة “المجانين” من مشروعه “جوار” تبدو في ظاهرها تقريرية بسيطة: “المجانين يختفون فجأة، ولا ندري إلى أين؟” لكنها، إذا قُرئت بمنظار الشعرية كما صاغها تزفيتان تودوروف، تتحول من خبرٍ عن واقعة إلى بنية دلالية مكثفة، يتداخل فيها الوصفي مع الرمزي، واللغوي مع الوجودي، لتصير الجملة حدثاً شعرياً لا مجرد خاتمة سردية. وفق تصور تودوروف، تقوم الشعرية على دراسة كيفية اشتغال الخطاب، لا ماذا يقول فقط. أي أن القيمة الشعرية لا تكمن في الموضوع بل في طريقة تنظيمه لغوياً ودلالياً. هنا، تُبنى الجملة على ثلاث وحدات: الفاعل “المجانين”، والفعل “يختفون”، وظرف المفاجأة “فجأة”، ثم الذيل الاستفهامي “ولا ندري إلى أين؟”. هذا التنظيم ليس بريئاً؛ إنه انتقال من اليقين إلى الفراغ، ومن الخبر إلى السؤال. فالشعرية تتولد من هذا الانكسار في بنية المعنى: من جملة خبرية مغلقة إلى سؤال مفتوح على العدم. المجانين” في السياق الاجتماعي العراقي ليسوا مجرد حالة طبية، بل كائنات هامشية، تتحرك في فضاء المدينة بلا حماية ولا اسم. حين يقول “يختفون فجأة”، فهو لا يصف حدثاً مادياً فحسب، بل يشير إلى آلية الإقصاء الاجتماعي نفسها: الاختفاء بوصفه شكلاً من أشكال المحو الرمزي. هنا تتحقق وظيفة شعرية مركزية حسب تودوروف: تحويل الواقعة الاجتماعية إلى علامة لغوية قابلة للتأويل. فالاختفاء ليس انتقالاً في المكان، بل انتقال من الحضور إلى اللاغياب، من المرئي إلى المنسي.
أما عبارة “ولا ندري إلى أين؟” فهي ذروة الشعرية في الجملة. السؤال لا ينتظر جواباً، بل يكرّس العجز المعرفي. إنه سؤال فجيعة لا سؤال معرفة. في منطق تودوروف، هذا النوع من الانفتاح الدلالي يجعل النص غير مكتفٍ بذاته، بل يدفع القارئ أو المشاهد إلى ملء الفراغ التأويلي. إلى أين يذهبون؟ إلى المستشفى؟ إلى السجن؟ إلى المقابر؟ أم إلى اللامكان؟ الجملة لا تحدد، لأنها تريد أن تجعل “اللا تحديد” هو المعنى نفسه. لغة الفجيعة هنا لا تقوم على الصراخ، بل على البرودة المأساوية. لا نسمع “نحن حزينون”، ولا “إنهم يُظلمون”، بل نسمع تقريراً جافاً ينتهي بسؤال معلق. هذه البرودة هي شكل من أشكال الألم المؤجل، الألم الذي لا يجد لغته المباشرة، فيلجأ إلى الصيغة الشعرية. وتبعاً لتودوروف، فإن الشعرية تظهر حين تنزاح اللغة عن وظيفتها الإخبارية إلى وظيفة إيحائية. الجملة لا تُعلمنا بشيء جديد، لكنها تجعلنا نشعر بشيء جديد: شعور الفقد غير المرئي. الأكثر إيلاماً في هذه الجملة أن الفاعل جمع: “المجانين”. أي أننا أمام جماعة تختفي، لا فرداً واحداً. الفجيعة هنا جماعية، لكنها بلا شاهد، بلا سجل، بلا ذاكرة رسمية. إنهم يذوبون في العدم، كما تذوب الكلمات حين لا تُكتب. ومن ثم تصبح الجملة نفسها محاولة أخيرة لإنقاذهم من الاختفاء المطلق: تحويل اختفائهم إلى خطاب. بهذا المعنى، تتحقق شعرية “جوار” في هذه الخاتمة عبر مفارقة قاسية: اللغة تُسجّل ما لا يُسجّل، وتسمّي ما لا اسم له. الجملة قصيرة، لكنها تحمل بنية مأساوية كاملة: حضور هش، اختفاء مفاجئ، وسؤال بلا جواب. وهذا، وفق منطق تودوروف، هو جوهر الشعرية: أن يتحول القول البسيط إلى نظام دلالي يفتح المعنى بدل أن يغلقه. إنها جملة فجيعة لأن ما تفجعه ليس موتاً مؤكداً، بل ضياعاً بلا قبر، واختفاءً بلا أثر، وذاكرةً بلا أرشيف.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...
- من الحلم الثوري إلى الانكسار الاجتماعي؛ قراءة في سردية كامل ...
- حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح ...
- التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح ب ...
- مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر ...
- وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية ...
- مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم
- الطبري والحكاية المتقنة: هندسة السرد في التاريخ العربي عند س ...
- مرايا الصمت والعمى: خصائص الخطاب الأدبي لرواية -قارض الأيام- ...
- هل تصدقون أنني لا أعرف اسم الرئيس؟ عن هوس العراقيين بالسلطة ...
- بين ذاتٍ تتأمل وأخرى تسخر: جدلية الوعي الداخلي في فكر صالح ا ...
- جنة السلطة وجنة اللغة: قراءة شعرية في مفارقات كريم جخيور
- حين تتحول زلة اللسان إلى محكمة: بلقيس شرارة والسياب وغضب الف ...
- جدلية التحوّل ورؤية التاريخ في قصيدة المؤرخ والشاعر خالد الس ...
- كريم شغيدل: حين يتحول السؤال إلى معرفة
- القصيدة بوصفها تميمة لغوية ضد وهم الاكتمال؛ قراءة في قصيدة ب ...
- مالك المطلبي ومحمد خضير: قراءة معرفية في سرد المدينة والحلم
- الضوء الذي يعيد كتابة القصيدة؛ قراءة في قصيدة إيمان بلبلي
- أين يقف اليسار العراقي في لحظة العراق الراهنة؟


المزيد.....




- تقليد متقن لياسر العظمة يذكّر بالجانب الكوميدي للممثل تيم حس ...
- يوسف شاهين.. أيقونة سينمائية جعلت الفن صوتا للحرية والسينما ...
- لماذا يعود أذكى جيل في التاريخ إلى -الهواتف الغبية-؟
- فلسطين تحضر بجرحها وصوتها في قلب معرض الكتاب بالقاهرة
- فواز حداد للجزيرة نت: في الأنظمة الدكتاتورية يصبح الروائي ال ...
- نقل الفنان سامح الصريطي إلى المستشفى إثر إصابته بجلطة دماغية ...
- محمد بن سلمان لـ بزشکيان: لن نسمح باستخدام أجواء أو أراضي ال ...
- الشهقة الأخيرة.. حسن القطراوي يكتب التاريخ السري للألم من قل ...
- خريطة سينمائية سياسية.. افتتاح أفغاني لمهرجان برلين السينمائ ...
- مسارات أدب الرعب في الثقافة العربية من الجن إلى الخيال العلم ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي