أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-














المزيد.....

العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 10:06
المحور: الادب والفن
    


في لحظة تتسرب فيها الشمس ببطء عبر نوافذ المستشفى، تتنفس الجدران صمتًا لم يعرفه المكان منذ أيام. هناك، في غرفة تتزين بالبسيط والأبيض، يجلس حميد قاسم، شاعر المدن والأنهار، الشاعر الذي اعتدنا أن نراه يعانق الكلمات قبل أن تخرج على الورق، اليوم يجلس ليعانق الحياة نفسها، بعد أن تجاوز عملية جراحية كبرى، تاركًا وراءه خوفًا عميقًا وقلقًا اختبأ في الزوايا، ليصبح مجرد ذكرى بعيدة.

لقد كان خروج حميد من العملية أشبه بمشهد طبيعي من نهر دجلة حين تهدأ مياهه بعد الفيضان. كل نفس يتنفسه، كل حركة يقوم بها، تبدو وكأنها تعيد ترتيب العالم، وكأن كل شيء من حوله، الأرض، السماء، وحتى أصوات المدينة البعيدة، تتوقف للحظة لتشهد على انتصار الروح على الألم. هو اليوم ليس مجرد شاعر عاد إلى صحته، بل رمز للصمود، للقدرة على التجدد، وللغلبة الصامتة التي تتشكل في أعماق الإنسان حين يواجه مصيره وجهاً لوجه.

العملية الجراحية، بكل ما حملته من توتر وألم، كانت بمثابة اختبار للحياة، اختبار للثقة في الزمن، في الأطباء، وفي الذات. لم يكن الألم وحده ما واجهه حميد، بل مواجهة الاحتمالات، مواجهة الخوف الذي يختبئ في قلب كل إنسان حين يقف أمام المجهول. ومع ذلك، بقي صامتًا، صامدًا، وكأن روحه كانت تعرف أن الشعر الذي يكتبه، وأن الكلمات التي تحمل عبء المدينة والناس والوجوه، تحتاجه حيًّا، تحتاجه حيًّا ليحملها، ليكتبها مرة أخرى على صفحات الواقع.

أصدقاؤه الذين راقبوه من بعيد، كانوا يعرفون أن ما يحدث ليس مجرد نجاح طبي، بل انتصار للحياة على الألم، للروح على الجسد، وللشاعر على خوفه. كل خطوة يخطوها حميد اليوم تحمل في طياتها صدى كلمات لم تُكتب بعد، صدى معاناة تحولت إلى قوة، صدى شعور بالامتنان لكل من كان قريبًا من قلبه، لكل من حمل معه الأمل في أيامٍ مظلمة.

في هذه اللحظات، يظهر حميد شاعرًا للوجود، شاعرًا للجوهر الداخلي لكل نفس، للفرح الذي يأتي بعد حزن طويل، وللضوء الذي يخترق الظلال حين يبدو أن كل شيء ضائع. كان يتحدث بصوت هادئ، قليل الكلمات، لكنها ثقيلة بالمعنى، كما لو أن كل حرف خرج من رحم التجربة ليحمل معنى الحياة ذاته. تحدث عن الوحدة في غرف المستشفى، عن أصوات الأجهزة التي تراقب قلبه، عن صدى خطوات الممرضين الذين يحملون الحياة بين أيديهم، وعن شعوره بالامتنان لكل من كان شاهدًا على معركة الصبر الصامتة التي يخوضها كل إنسان في لحظاته الخاصة.

وفي هذا الصمت، تدرك أن الشعر لم يكن يومًا بعيدًا عن معركة الحياة. الشعر بالنسبة له هو القدرة على تحويل الألم إلى معنى، والخوف إلى نص، والضعف إلى لحظة من الانتصار الصامت. كل ابتسامة اليوم، كل حركة بسيطة، كل كلمة تقولها الشفاه بعد صمت طويل، هي قصيدة بحد ذاتها، نصّ حي يتنفس الحياة ويعيد ترتيب العالم حوله.

الاحتفال بسلامته ليس مجرد فرح، بل هو طقس إنساني عميق، طقس يعيد إلى الأذهان معنى الصبر، الوفاء، والرجاء. إنه اليوم الذي نرى فيه الشعر حيًّا في جسد صاحبه، وفي روح من يجلس بجواره، وفي الكلمات التي ستكتب لاحقًا لتخلّد هذه اللحظة. حميد قاسم اليوم هو الشاهد على أن الشعر يمكن أن يكون علاجًا، وأن الحروف يمكن أن تشفي، وأن القلب حين يتجاوز الألم يكون أكثر قدرة على الحب، على الكتابة، وعلى الحياة.

المدينة، التي كان يتحدث عنها دائمًا في أشعاره، تبدو وكأنها تشاركنا الفرح. نهر دجلة، الذي يمر بالقرب، يعكس أشعة الشمس على مياهه بهدوءٍ بعد العاصفة، وكأنها تبارك عودة شاعرها إلى الحياة. الأشجار، التي تراقب المدينة بصمت، تتحرك في نسيم الصباح وكأنها تهمس بالحياة نفسها: "لقد عاد، وقد عاد ليكتب ما تبقى من قصائدنا، ليحمل معنا الألم والفرح، ليعيد ترتيب الكلمات في العالم".

في هذا النور، كل يوم هو قصيدة جديدة، وكل نفس هو سطر من نصّ لم يكتمل بعد، لكنه يحمل وعود الغد وصفاء الروح وتجدد الحياة. حميد قاسم، في لحظاته الأولى بعد العملية، يعيد للوجود صوته الأصلي، صوته الذي لم يخفت، صوته الذي يروي المدينة، الناس، والأمل المتجدد. لقد علمنا أن الانتصار الحقيقي ليس فقط في النجاة من الألم، بل في القدرة على استقبال الحياة بعده بكل عمقها، بكل جمالها، بكل شعرها.

كل من يراه اليوم يشعر بأن الكلمات قد عجزت عن التعبير عن حجم الامتنان والفرح. ومع ذلك، نعلم أن الشعر، مثل الحياة، لا يحتاج دائمًا إلى لغة واضحة، بل إلى حضور، إلى نبض القلب، إلى روح تتجاوز الألم وتستعيد جمال العالم من جديد. حميد قاسم اليوم هو ذلك النبض، ذلك الحضور، ذلك الضوء الذي يعيد للروح ثقتها بالوجود، ويعيد للشعر مكانه في قلب الحياة.

ومع كل يوم يمر، ومع كل نفس يُستنشق بعد صراع طويل، ندرك أن ما حدث ليس مجرد نجاح طبي، بل ميلاد جديد للشاعر، للإنسان، للحياة نفسها. نحن نحتفل ليس فقط بسلامته، بل بما يمثله: صمود الروح، قوة التجربة، وصدق الشعر الذي ينبع من القلب مباشرة، من أعماق المعاناة إلى قمة الفرح، من الظلام إلى النور.

في غرفة الاستشفاء، وفي ابتسامة حميد، وفي صوته الهادئ، وفي نظرات أصدقائه، هناك تأكيد على أن الحياة، مهما أمعنت في اختبار الإنسان، تعود دائمًا، تعود أقوى، أعمق، وأكثر شعراً. وكل ما حولنا اليوم، من الشمس إلى النهر، من الأشجار إلى صدى خطواته، يهمس بصوت واحد: "لقد عاد حميد قاسم، الشاعر والإنسان، ليكتب لنا الحياة مرة أخرى".



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...
- من الحلم الثوري إلى الانكسار الاجتماعي؛ قراءة في سردية كامل ...
- حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح ...
- التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح ب ...
- مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر ...
- وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية ...
- مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم
- الطبري والحكاية المتقنة: هندسة السرد في التاريخ العربي عند س ...
- مرايا الصمت والعمى: خصائص الخطاب الأدبي لرواية -قارض الأيام- ...
- هل تصدقون أنني لا أعرف اسم الرئيس؟ عن هوس العراقيين بالسلطة ...
- بين ذاتٍ تتأمل وأخرى تسخر: جدلية الوعي الداخلي في فكر صالح ا ...
- جنة السلطة وجنة اللغة: قراءة شعرية في مفارقات كريم جخيور
- حين تتحول زلة اللسان إلى محكمة: بلقيس شرارة والسياب وغضب الف ...
- جدلية التحوّل ورؤية التاريخ في قصيدة المؤرخ والشاعر خالد الس ...
- كريم شغيدل: حين يتحول السؤال إلى معرفة
- القصيدة بوصفها تميمة لغوية ضد وهم الاكتمال؛ قراءة في قصيدة ب ...
- مالك المطلبي ومحمد خضير: قراءة معرفية في سرد المدينة والحلم
- الضوء الذي يعيد كتابة القصيدة؛ قراءة في قصيدة إيمان بلبلي
- أين يقف اليسار العراقي في لحظة العراق الراهنة؟
- سردية الزمن الجميل: قراءة في مقولة نازك الأعرجي


المزيد.....




- -تقليم الورد- في أفتتاح مهرجان برلين السينمائي
- بيان صادر عن تجمع اتحرّك حول فيلم “اللي باقي منك”
- -لهذا كان تشابلن عبقرياً-: قصة فيلم -أضواء المدينة- وأعظم لق ...
- مقتل ممرض مينيابوليس.. مشاهد تناقض -الرواية الرسمية-
- -ترامب سيرحّلك-: نائب ديمقراطي يتعرض لاعتداء باللكم خلال مهر ...
- السيف والقلم.. هل غيرت غزة وظيفة المثقف في العالم؟
- فيلم -هامنت-.. هل وُلد إبداع شكسبير من رحم الفقد والخسارة؟
- يوسف شاهين... أيقونة فنية عكست مخاض العالم عبر مرآة السينما ...
- مهرجان الأفلام بسولوتورن: إدنا بوليتي ضيفة شرف شغلتها قضاي ...
- علي جعفر العلاق للجزيرة نت: غادرت بغداد إلى صنعاء كآخر الناج ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-