أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ايقاعات بصرية / 4














المزيد.....

ايقاعات بصرية / 4


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 08:14
المحور: الادب والفن
    


فنٌّ لن ينطفئ

​في "النجيبية"، حيث تنكسر حدة الريح عند أسوار معهد الفنون الجميلة، لم يكن المشهد مجرد قاعة لتدريس الفن، بل كان قلعةً أخيرة من الطين والأمل، تشبه شمعةً بصرية تقاتل ريحاً عاتية. كانت القذائف تسقط في محيط المكان، فترتجف لها جدران البصرة القديمة، وتئنّ معها "الشناشيل" التي أتعبتها السنون، بينما كان الغبار العالق في الهواء يختنق برائحة التربنتين، وكأن "شط العرب" قرر أن يرسل ضبابه ممتزجاً بدخان المعارك. في المرسم، كان الطلبة يمسكون فراشيهم كما يمسك النخيل جذور الأرض؛ بإصرارٍ لا يلين، فما كانت اللوحات مجرد قماش، بل صارت مرايا لواقعٍ يغلي، حيث استُعير الأحمر من شمس البصرة الغارقة في شطها، والأسود من ليل "العشار" حين يلفه الصمت.
​وسط هذا الصخب الجنائزي، كانت "نورس"، ابنة "المعقل"، ترسم وجه أمٍّ تجلس عند ضفة النهر، عيناها غائرتان كجرحٍ في نخلةٍ أصابتها شظية، ترسم بريشةٍ ترقص رقصة "الهيوة" الحزينة على القماش. وعلى مقربةٍ منها، كان "زيد"، القادم من أزقة "كوت الحجاج" المثقلة بالحكايات، يحتضن عوده كأنه طفلٌ يتيم، يداعب الأوتار بمقام "اللامي" ليواجه به قسوة الحديد. وبينما كان الركام يتساقط، التفتت إليه "نورس" والخوف يغزو ملامحها السّمراء، هامسةً: "أما زال للوتر صوتٌ يا زيد، والقذائف تملأ الأفق؟". فأجابها وهو ينظر نحو نخلاتٍ محترقة خلف النافذة: "يا نورس، إن خرس العود، سيغني الشط، وإن انكسرت الريشة، سنرسم بدمائنا على السعف؛ فنحن أبناء السياب، والجوع والموت لا يقتلان فينا القصيدة".
​حينها، سقطت قذيفةٌ بترت زجاج القاعة، وتناثرت الشظايا كالمطر الأسود، لكن أحداً لم يبرح مكانه؛ بل غطى "زيد" عوده بقميصه، واحتضنت "نورس" لوحتها بجسدها، في مشهدٍ تراجيدي يبرهن أن الحرب قد تهدم الجدار، لكنها تعجز عن كسر اللون. لقد ظل المعهد واقفاً كمنارةٍ وسط بحرٍ هائج، يهمس في أذن التاريخ بأن الفن هو المعركة التي لا تُهزم، وبأن رذاذ الطين على ثياب هؤلاء الطلبة أطهر من كل غبار المعارك. ففي البصرة، إذا احترق الجدار، رُسِمَ على رماده بماء الشط، وإذا صمتت المدافع، سيظل صوت الأوتار يصدح من تحت الأنقاض، فالموت في هذه المدينة مجرد فصلٍ عابر، أما الجمال.. فإنه "المقام" الذي لا ينتهي.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أيقاعات بصرية / 3
- ايقاعات بصرية / 2
- أيقاعات بصرية / 1
- حين صار التراب مسافة
- بين الفاتورة والإيصال
- مرايا العتمة
- قالٌ وقيل في زقاق بغدادي
- الهِبة
- عقاربُ البيتِ الواقفة
- خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة
- خلف الباب الازرق / 6
- خلف الباب الازرق / 5
- خلف الباب الازرق / 4
- خلف الباب الازرق /3
- خلف الباب الازرق / 2
- خلف الباب الازرق / 1
- ما لا يدرس في الجامعة / 7 الاخيرة
- ما لا يدرس في الجامعة / 6
- ما لا يدرس في الجامعة / 5
- ما لا يدرس في الجامعة / 4


المزيد.....




- السجادة الحمراء.. استُخدمت لأول مرة قبل حفل جوائز الأوسكار ب ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...
- بلاغة الحجاج في مرايا السياسة: قراءة في كتاب الدكتور علي الم ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...
- احتلال فلسطين ووقائع القمع والدمار الذى لحق بغزة فى رواية جد ...
- قلة الأعمال الكبرى وتخمة الحلقات القصيرة.. نقيب الفنانين يحذ ...
- -فتح- تنتقد غياب التمثيل الفلسطيني وحضور إسرائيل في اجتماع - ...
- غفران طحان: لم أتخيل أن تصل روايتي لرفوف المكتبات السورية
- مقامات الهمذاني والحريري.. قصة فن أبهر الأدباء على امتداد أل ...
- الشيخ المقرئ جعفر هاشم.. -بصمة نابلس الصوتية-


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ايقاعات بصرية / 4