أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مَقامَةُ شَغَب ناعِم .















المزيد.....

مَقامَةُ شَغَب ناعِم .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 10:36
المحور: الادب والفن
    


حَدَّثنا الحارثُ بنُ هَمّام قال: شَهِدتُ بَغدادَ في عهدٍ قد تَرادَفَت فيهِ المِحَن , وتَلاطَمَت فيهِ فِتَنُ الزَّمَن , حينَ أضْحى الخَليفةُ غارقاً في لَذّاتِه , ساهياً عن رَعِيَّتِهِ وأزَماتِه , وقد استَحالت مَقاليدُ الحُكمِ إلى نونِ النِّسوَة , وغَدَت (( شَغَبُ )) هي الآمِرَةُ بِلا جَفْوَة , وعن سَطوةِ الجاريةِ وبَسْطِ يَدِ الحاشية , نرى ان (( ناعم )) كانت جاريةً رُوميَّة , ذاتَ نَفسٍ تُواقةٍ وسَطوَةٍ مَحميَّة , جَذبَتِ المعتضِدَ بِجمالِ مَنظَرِها , ثم شَغَلَتْهُ بِشَغَبِ مَخبَرِها , حتى سُمِّيَت بـ (( شَغَب )) , وما كان شَغَبُها لَهواً ولَعِب , بَل كانَ سَعياً لِلمُلكِ والغَلَب , فلَمّا ثَبَتَت أقدامُها في القُصور, واستَقامَ لَها دَهْرُها المَبْتور, جَلَبَت أهْلَها مِن كُلِّ صَوْب , وجَعَلَت لَهُم في كُلِّ مَنْصِبٍ ثَوْب , فعَيَّنَت أخاها (( غَريباً )) قُبالَةَ الجُيوش , وأخْتَها (( خاطفاً )) تَحُكُّ العُروش , وبَلَغَت من الجُرأةِ مَداها , حينَ نَصَبَت ابنةَ أخيها (( أمَّ موسى )) قاضِياً يُبْتَغى جَداها , فكانت أوَّلَ امرأةٍ تَعتلي مَنَصَّةَ القَضاء , في سابِقَةٍ لَم تَعْرِفها الغَبراء.

في ذِكرِ (( ثُمَل )) ومَظالِمِ العَمَل : ولَم تَكْتَفِ بذلكَ (( السَّيدَة )) – كما أُطلِقَ عليها لاحِقاً- بل استَخْلَصَت لِنَفسِها جاريةً تُدعى (( ثُمَل )) , جَعَلَتْها لِلمَظالِمِ مَلاذاً ومُعْتَزَل , فكانت ثُمَلُ تَجلِسُ في الرَّصافةِ كُلَّ جُمعَة , وتَقضي بينَ النّاسِ بِلا رَهْبَةٍ ولا دَمْعَة , وحَوْلَها القُضاةُ والفُقَهاءُ سُجوداً , يَنْظُرونَ حُكْمَها المَنضودا , ومَن غَضِبَت عَليهِ السَّيدَةُ عُزِل , ومَن أرادَ البقاءَ دَفَعَ المالَ وبَذَل , حتى هابَها الكِبار , وخَضَعَ لِتَدبيرِها كُلُّ جَبّار.

في التَّرَفِ الفاحِشِ والبيمارِستان : أما تَرَفُها , فكانَ يَفوقُ الوَصْفَ والحَصْر, تَلْبَسُ الثِّيابَ المَنقوشةَ بِالجَوْهَرِ والتِّبْر, تُجْلَبُ لها مِنَ الهِندِ مُعَطَّرَةً بِالمِسْك , لا يَمَسُّ جَسَدَها بَعْدَ العِطْرِ سِكّ , ونَعْلُها لا يَدومُ لَها إلا عَشْرَةَ أيام , ثم يُنْبَذُ لِتَلْبَسَ غَيْرَهُ بانتِظام , ورغمَ هذا العَبَث , فقد بَنَت بيمارِستاناً لِدَفْعِ الرَّثَث , وأسْنَدَت أَمْرَهُ لـ (( سِنانِ بنِ ثابِت )) الطَّبيب , لِيَكونَ مَشفَىً لِلغَريبِ والقَريب , وحتى لِمَن أصابَهُ الوجدُ والنَّصَب , فكانَ مَشفىً لِلعِشْقِ كما هو لِلصَّخَب.

في انْقِلابِ القَدَرِ وسُوءِ المُنْقَلَب : لكنَّ الأيامَ قُلَّب , ولِكُلِّ شَمْسٍ مَغْرَب , فَبَعدَ صَولاتِها وجَولاتِها , وقَتْلِ ضَرائِرِها وغَريماتِها , دارَت الدَّائرةُ على ابنِها (( المُقتَدِر )) , وقُتِلَ بِسُيوفِ الجُنْدِ في مَشْهَدٍ نَكِر , وتَوَلّى (( القاهِرُ )) العَرشَ بِمَكْر , وهو الذي ما نَسِيَ قَتْلَ أمِّهِ (( فِتنَة )) بِيَدِ شَغَبٍ طَوالَ الدَّهر, فأَمَرَ بِها فَسُحِبَت مِن قَصْرِها المَنير , إلى غَيابةِ السِّجنِ والحَصير, وهُناكَ ذاقَت سُوءَ العَذاب , مِمّا لا يُطِيقُهُ لَبٌّ ولا إهاب , عُلِّقَت مِن قَدَميها في السَّقفِ كالشَّاة , وأُطْعِمَت المِلْحَ حتى غَصَّت بِالحياة , فكانت تَشرَبُ الماءَ فَتَبولُ على وَجْهِها , ويُهانُ قَدْرُها بَعْدَ عِزِّ جَاهِها , وحُلِقَ شَعرُها الجَميل , وبَقِيَت تَعِنُّ تحتَ القَيْدِ الثَّقيل , حتى صادرَ (( القاهِرُ )) كُلَّ نَفيس , وتَرَكَها لِلموتِ والخِزيِ الحَبيس , فماتَت بَعْدَ عِزٍّ دَلّال , ذَليلةً مَهيضةَ الأوصال.

قال الحارثُ بنُ هَمّام: فَعَجِبْتُ لِتَقَلُّبِ الأيامِ بِأهْلِها , وكَيفَ أنَّ مَن بَنى مَجدَهُ على الدِّماء , لم يَجْنِ في الخِتامِ سِوى البَلاء , وللأسْتِغْراق في أَخْبارِ صَاحِبَةِ الرَّواق , قالَ الحارثُ بنُ هَمَّام مُواصِلاً حَدِيثَه: اعلم يا بُنيَّ أنَّ سيرة (( شغب )) لم تكن مجرد حكاية جاريةٍ غلبت مَلكاً , بل كانت مدرسةً في (( سياسة الحريم )) التي أذلّت هيبةَ العَباءةِ والعمامة , ولأزيدنّكَ من أخبارها ما يَشيبُ له الوِلدان , ويتحيّرُ في فهمه ذوو الأذهان , ففي الاستحواذِ العاطفيِّ والتدبيرِ الخَفِيّ : لم يكن سِرُّ شغب في جَمالِها فحسب , بل في (( عنادها الماكر )) , فبينما كانت الجواري يتسابقنَ لإرضاء المعتضد باللين , كانت هي تُواجهه بالخلاف والشَّغب , حتى شَغلت عقله وقلبه بصداعٍ لا يبرأ منه إلا برؤيتها , ولما رُزقت بـ (( جعفر- المقتدر بالله )) , أيقنت أنَّ رَحِمَها هو جِسرُها نحو العرش , فصبرت على هجر الخليفة لها , واعتكفت في (( جناح الحريم )) لا لتُسبّح , بل لِتُدبّر , فكانت عينُها على الوزارة , وأُذنها في ديوان الجند , ويدُها في مطبخ القصر تخلطُ السَّمَّ بالعسل لكل من دنا من قلب الخليفة غيرها.

حين تولى ابنها المقتدر وهو صبيٌّ غرير, لم تكتفِ شغب بالوصاية من وراء الستار, بل رفعت الستار جملةً وتفصيلاً , أنشأت ما يُشبه (( المجلس الأعلى للجواري )) , فكانت (( القهرمانات )) هنَّ الوزراء الحقيقيين, تخيل يا رعاك الله , أنَّ أعظم قادة بني العباس , الذين دوخوا الروم وفتحوا الثغور , كانوا يقفون بباب الجارية (( ثمل )) أو (( أم موسى )) يطلبون شفاعةً أو يخشون نقمة , وثمل القاضية لم يكن جلوسها في الرصافة مجرد زينة , بل كانت تفصل في أعقد المظالم , وكان الفقهاء يتهامسون بالحديث : (( ما أفلح قومٌ ولّوا أمرهم امرأة )) , لكنهم إذا حضروا مجلسها طأطأوا الرؤوس , لأنَّ (( خلف الأكمة ما خلفها )) , ولأنَّ سيف (( شغب )) كان أسبق من فتواهم , ثم أم موسى (( ابنة أخيها )): التي كانت خازنة الأسرار, وميزان العزل والتعيين , حتى لُقبت بـ (( الوزيرة الظل )) .

كانت شغب (( امرأة أعمال )) من الطراز الأول قبل أن يُعرف هذا المصطلح , كانت ذات بصرٍ بالأموال , وحذقٍ بالاستغلال , تدير الضياع بحسن تدبير , وتجبِي القناطير بغير تقصير, وكانت تُدير أوقافاً وضياعاً تدرُّ عليها مليون درهم سنوياً , ولكن , كيف كانت تُنفقها ؟ بذخٌ أسطوري: كانت ثيابها تُنسج في الهند بطلبٍ خاص , لا تُلبس إلا مرة , مشحونةً بالبخور الخام والعنبر الذي يذوب بحرارة جسدها فيفوح كما لا تفوح زهرة , والمستشفى الذي كان مرفقاً ذا مأرب , ظاهره رحمة , وباطنه سطوة: حين بنَت (( بيمارستان السيدة )) , لم يكن محض صدقة لوجه الله , بل كان طِللسماً يجمع بين العلم والسيطرة , فقد أرادت استقطاب أعظم أطباء العصر (( مثل سنان بن ثابت )) ليكونوا تحت يدها , ربما لحاجتها لخبراتهم في (( السموم )) التي اشتهرت بها , أو لضمان ولائهم في علاج (أو إنهاء) من تشاء من رجال الدولة.

وكما بدأ حُكمها بالشَّغب , انتهى بالصَّخب والدماء , إنَّ مأساة شغب الكبرى أنها ربّت (( القاهر بالله )) - ابن ضرتها فتنة التي قتلتها شغب - في حِجرها , وظنت أنَّ المعروف يمحو ثأر الدم , لكن القاهر كان يخبئ تحت ضلوعه ناراً لا تنطفئ , فلما قُتل المقتدر -ابنها- وضاع مُلكها , لم يرحم القاهر شيبتها ولا سابِقَ فضلها (المزعوم , وفي مشهد الختام: تلك السيدة التي كانت لا تطأ قدماها إلا الحرير , عُلقت من عُرقوبيها كما تُعلق الذبيحة , وأُجبرت على شرب الماء المملوح حتى انتفخت أحشاؤها , فصارت تبول على نفسها وهي معلقة , والبول ينحدر على وجهها الذي كان يوماً قبلة الخلافة , فلم يكن القاهر يريد موتها سريعاً , بل أراد (( عصرها )) كالعنب لتُخرج كنوزها المدفونة , فباعت أوقافها , وسلمت (( مستشفاها )) الخاص للدولة , وفقدت كل درهمٍ جمعته من عرق الرعية ودم الوزارة , ثم ماتت بعد أن حُلقت ذؤابتها , فذهبت شغب , وبقيت قصتها غُصةً في حلق التاريخ , وعبرةً لمن ظنَّ أنَّ المُلك يدوم بالدهاء والسموم.

قال الحارثُ بنُ هَمَّام: يا بُني , إنَّ التاريخ لا يرحم مَن نسي أنَّ (( العدل أساس الملك )) , وأنَّ كرسياً يُبنى على أنقاض الجياع , لا بد أن ينهار بصاحبه في بئر الهوان.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مَقَامةُ التَّلَوثِ والآمالِ المَوؤودة .
- المقامة الزهرابية : في رثاء الهوية وانكسار المرآة .
- مقامة الديمقراطية والتقدم: دعوة لتغيير معادلة الحقوق والواجب ...
- مقامة الحب الذي يطرد الموت : بين زوربا و منيف .
- مقامةُ حسنِ البيان.
- مقامة التعابير: بين فظاظة الرفض ورقيّ الاعتذار.
- مقامة القطاة والوأد الممنهج : قراءة في وجع نجاح إبراهيم وتشر ...
- مقامة نقد النقد : الدهشة الثانية حين يولد السؤال من رحم الإب ...
- مقامة الكتاب الناجح : رؤية الأمل في زمن الصراع .
- مقامة وجه الرغيف .
- مقامةُ النوايا في زمن الغفلة .
- مقامة تأبين لليقظة... إهداء إلى صاحبة نعاس .
- مقامة الخيبة والحوار.
- مقامة رمح لا ينكسر: العراق من رماد التحديات إلى فيض الأمل .
- المقامة الموصليّة : زوروني في ذكرى المُلّا واللحن الشجيّ .
- المقامة الهيدرية : في ذمّ التبعية وتبديد الميزانية .
- مقامة القنفذ : سيكولوجية الوخز , لماذا لا يمنحنا قنافذ السيا ...
- مقامة اعتصار الضباب : تقاسيم لنص أنبعاث الطمى .
- مقامَةُ الظِّل .
- مقامة مقهى (أبو رقية) في بعقوبة : وقفةٌ مع الرسالة , وجولةٌ ...


المزيد.....




- قبل عرض -حمدية - هيئة الإعلام تناقش المحددات الفنية والمهنية ...
- الفيلم الكوري -حتى لو اختفى هذا الحب من العالم الليلة-.. الق ...
- فنانون عالميون يقفون مع ألبانيزي: نرفض الضغط على من يكشف إبا ...
- جلود فاخرة وألوان جريئة.. هيفاء وهبي تتألق في كليبها الجديد ...
- بسبب غزة.. القضاء الإيرلندي يبدأ محاكمة فنانة عطلت طائرات أم ...
- -للدفاع عن صورة المكسيك-.. سلمى حايك تنتج فيلما سينمائيا
- لوحة فنية للشاعر السياب بريشة الفنان سلام جبار
- برليناله يشعل نقاشا عالمياً حول دور الفنانين في السياسة
- المثقفون في الثقب الأسود بسبب فضيحة إبستين
- -هل يمكن ترجمة هذا الحب؟-.. نجاح مدوٍ وانقسام حاد في ردود ال ...


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مَقامَةُ شَغَب ناعِم .