أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - على تخوم الغياب














المزيد.....

على تخوم الغياب


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 15:53
المحور: قضايا ثقافية
    


لم أعد أسأل الأطلال عن أحد، فالخراب لا يُجيب، والريح لا تحفظ أسماء العشاق، والبيوت التي هجرتها القلوب لا تعرف كيف تنطق إلا بصدى الفقد. أقف أمام المسافة التي كانت يومًا امرأة، وأمدّ يدي إلى هواءٍ كان يمتلئ بضحكتها، فأجدني ألامس فراغًا يشبهني، فراغًا يتقن ملامحي أكثر مما كنتُ أتقنها أنا.
كنتُ أظن أن الحب وعدٌ مكتوبٌ على صفحة الضوء، فإذا به اختبارٌ يُتلى في عتمة الروح. كنتُ أظنه يقينًا، فإذا به سؤالٌ طويل، وكلما اقتربتُ من جوابه ابتعد أكثر، كأنه أفقٌ خُلق ليعلّمنا الجري لا الوصول.هي لم تكن امرأةً تمشي على الأرض، بل كانت جدلًا بين الضدين؛ صباحًا يتكئ على كتفيّ، وليلًا يتدلى من شعرها. كان وجهها يوقظ فيَّ المعنى، وكان سواد خصلاتها يوقظ فيَّ الشك. في عينيها مرضٌ شفيفٌ يُشفى به القلب، وفي فتور نظرتها يقظةٌ تجعل العاشق يرتجف كأنه يكتشف نفسه للمرة الأولى.
كنتُ إذا ابتسمتْ أشعر أن العالم يغتسل، وإذا صمتتْ شعرتُ أن المدن تُغلق أبوابها. كانت تمشي في داخلي أكثر مما تمشي على الأرض، وكانت إذا نظرتْ إليّ أرتّب فوضاي، كأن نظرتها مرآةٌ أعيد بها ترتيب وجهي وقلقي وخيباتي القديمة.
لكن الحب، يا لهذه الكلمة الثقيلة، ليس صورةً مكتملة كما نتخيل، بل هو انكسارٌ جميل. هو أن ترى الكمال في مَن تُحب، ثم تكتشف أن الكمال فكرةٌ ابتكرها العاشق ليحمي هشاشته. أحببتها حتى صرتُ مرآتها، وحتى صار وجعي دليلًا عليها. وكلما ازددتُ بها امتلاءً، ازددتُ من نفسي فراغًا.أخبرتني مرةً أن الود يكفي، ولم تكن تعرف أن الودّ بلا اقتراب شجرةٌ بلا ظل. الوعدُ الذي لا يُروى بالفعل يصير حجرًا في صدر العاشق، وكل وعدٍ مؤجل هو نوعٌ من الغياب المؤدب. وأنا لم أكن أريد أدب الغياب، كنتُ أريد فوضى الحضور.كنتُ أقاتل لأجلها بلا سيف، وأنتصر لها بلا جيش، وأخسرني في كل معركةٍ صامتة. تعلّمتُ أن السيف قد يلمع ولا يقطع، وأن الكلمات قد تلمع ولا تُحب، وأن القلب حين يُهمل مرةً واحدة يتعلم كيف يبرد إلى الأبد.لم أطلب منها معجزة، طلبتُ فقط أن تكون كما قالت، وأن تقول كما تشعر، وأن لا تجعلني أفسر الصمت كما يفسر العطشان سرابًا. لكن العشق، حين يُقابل بالصدّ، يتحول إلى فلسفةٍ قاسية: يُعلّمك أن الكرامة ليست عدوة الحب، بل حارسته الأخيرة.أنا رجلٌ لا يُجيد الركوع لغير المعنى، ولا يمدّ يده إلا لشيءٍ يؤمن به. تعلمتُ أن الحرّ إذا أطاع خوفه صار عبدًا، وأن من يمدح الفراغ يفرغ، وأن المجد ليس إرثًا بل سعيًا، وأن العاطفة التي لا تجد صدًى تتحول إلى حجرٍ يُصقل القلب حتى يقسو.
لهذا تركتُها تمضي كما يمضي الضوء عند الغروب؛ لا يُلام لأنه اختفى، ولا يُستعاد لأنه أدى مهمته. أحببتها كما يُحب الفيلسوف فكرته الأولى، بحماسة الاكتشاف ومرارة الإدراك. ثم فهمتُ أن بعض النساء يُخلقن ليكنَّ درسًا، لا وطنًا؛ تجربةً، لا إقامةً؛ قصيدةً، لا حياة.
واليوم، كلما تذكرتُها، لا أبكي، بل أبتسم ابتسامة من عرف أن الحب لا يُقاس بالوصل، بل بقدر ما غيّرنا. كانت هي البداية التي كشفت لي حدودي، والخذلان الذي علّمني اسمي، والمرآة التي رأيتُ فيها ضعفي وقوتي معًا.أنا لم أخسرها؛ أنا ربحتُ نفسي. وعلى تخوم الغياب، حيث لا يبقى إلا الصدق، أدركتُ أن أجمل ما في العشق أنه يكسرك لتعرف كيف تُرممك، ويأخذك بعيدًا لتعود أقرب إلى ذاتك.
وهكذا، حين أسأل الآن: هل للأطلال جواب؟أدرك أن الجواب ليس في الخراب، بل في القلب الذي نجا منه، وخرج أكثر صفاءً، وأشدَّ وفاءً لنفسه.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرفوض… حين ينهض المسرح ليحاكم الصمت
- لعنةُ عيدِ الحُبّ
- نعيمة التي لم تعرف ميزانية الانفجار
- امرأة بلا اسم
- من ضفاف دجلة إلى ضفاف التيبر: حين عبرت الثقافة جسور الزمن
- العالَمُ حينَ يلبسُ قناعَه الأسود
- مرآة الخراب
- نوال خان… حين يعود الصوت إلى بغداد حاملاً ذاكرة الغربة ووجع ...
- بين سيادةٍ كانت تُرى في الظلّ، وفوضى تُدار في وضح النهار: تأ ...
- العراق: منارة الإعلام وصوت الأمة الذي لم يخفه أحد..قزم أمام ...
- من الحليب إلى البصل… كيف نُخرّج الخراب بعناية عراقية فائقة.
- من هندسة الانهيار إلى فلسفة الولادة الجديدة
- بين الدولة والوصاية… تأملات في لحظة الاختبار العراقي
- عندما تحكمنا الزواحف… ولا نملك شجاعة الاعتراف
- سادة الفشل المحترمون
- من سيبويه إلى سيب البويه: تطوّر اللغة من المعنى إلى المصلحة
- إيران بين طبول الحرب ومرايا الخديعة
- أقنعة العالم
- «أنا الذي نزف كي لا يكذب»
- خبزُ الانتظار… حين يُقايَض العمرُ بالسيولة


المزيد.....




- لقطات متداولة لـ-مقاتلة الجيل الجديد F-47-.. ما حقيقتها؟
- محمد بن زايد وأردوغان يبحثان علاقات التعاون خلال اتصال هاتفي ...
- نتنياهو يكشف شروطه لأي اتفاق نووي أمريكي-إيراني
- مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي يقرّ إجراءات مثيرة للجدل لتشد ...
- أوكرانيا تعتقل وزيرا سابقا أثناء محاولته مغادرة البلاد
- شوارع موحلة ومتاجر محترقة.. الأوكرانيون يواصلون حياتهم رغم د ...
- صحف عالمية: إيران تلاعب ترمب بـ-سلاحه- ودمشق تقرأ -الثقة- با ...
- أخطر خطوة منذ 1967.. تسوية أراضي الضفة الغربية تمهيدا للضم
- هدنة أفريقية في السودان.. مبادرة إنقاذ أم اختبار جديد لإرادة ...
- تحت مسمى -أراضي دولة-.. تسلسل زمني لاستيلاء إسرائيل على الضف ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - على تخوم الغياب