أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - حسن صالح الشنكالي - الرسوم الكمركية: بين منطق الحماية واختبار الكفاءة الاقتصادية














المزيد.....

الرسوم الكمركية: بين منطق الحماية واختبار الكفاءة الاقتصادية


حسن صالح الشنكالي
كاتب وباحث تربوي واجتماعي

(Hassan Saleh Murad)


الحوار المتمدن-العدد: 8617 - 2026 / 2 / 13 - 21:38
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


الاقتصاد ليس أداة جباية، بل منظومة توازن دقيق بين الإنتاج والاستهلاك، بين الإيرادات العامة والاستقرار الاجتماعي. وكل قرار مالي كبير، خصوصاً في ملف الرسوم الكمركية، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن أثره الكلي على التضخم، وميزان المدفوعات، وهيكل السوق.

في الآونة الأخيرة، فُرضت الحكومة رسوم كمركية تراوحت بين 50‎%‎ و200‎%‎ على سلع مستوردة متعددة. ظاهرياً، يبدو القرار دفاعاً عن المنتج الوطني وتعزيزاً للإيرادات. لكن من بعض الخبرة التي تعلمتها في دراستي للاقتصاد، فإن أي سياسة حمائية لا تُقاس بنواياها، بل بكفاءة البيئة الإنتاجية التي تستقبلها وهذه البيئة غير متوفرة حالياً.

أولًا: الرسوم والتضخم الكلي
عندما تُفرض رسوم مرتفعة في سوق يفتقر إلى بديل محلي حقيقي، فإن الأثر المباشر هو ارتفاع الأسعار. هذا الارتفاع لا يقتصر على السلعة المستوردة، بل يمتد إلى سلع محلية تستخدمها كمدخل إنتاج، مما يخلق موجة تضخمية متسلسلة .
وفي اقتصاد يعاني أصلاً من محدودية الدخول وثبات الأجور، فإن التضخم يتحول إلى تآكل فعلي في القوة الشرائية. هنا تنتقل كلفة القرار من الموازنة إلى جيب المواطن.

ثانيًا: أثر الرسوم على ميزان المدفوعات
قد يُقال إن الرسوم المرتفعة تقلل الاستيراد، وبالتالي تحسن ميزان المدفوعات. نظرياً، هذا صحيح. لكن عملياً، إذا لم يتوافر بديل محلي، فإن الطلب على السلعة لا يختفي، بل يتحول إلى قنوات غير رسمية عبر التهريب والسوق السوداء.
وفي هذه الحالة:
• لا ينخفض الاستيراد فعلياً، بل ينتقل إلى خارج المنظومة الرسمية.
• لا تتحقق إيرادات كمركية كاملة.
• يتضخم الاقتصاد غير الرسمي على حساب الاقتصاد المنظم.
النتيجة؟ خلل مزدوج: ضغط سعري داخلي، وتسرب مالي خارجي.

ثالثاً: الكفاءة الاقتصادية أم الحماية المؤقتة؟
في النظرية الاقتصادية، تُبرَّر الحماية في إطار ما يُعرف بحماية “الصناعة الناشئة” لكن هذا المبدأ مشروط بثلاثة عناصر:
1. أن تكون الحماية مؤقتة ومحددة بزمن.
2. أن تكون هناك خطة واضحة لرفع كفاءة الإنتاج المحلي.
3. أن تخضع العملية لرقابة تمنع الاحتكار والاستغلال.
إذا غابت هذه الشروط، تتحول الحماية إلى مظلة دائمة لضعف الكفاءة، وتُعاقَب السوق بدل إصلاحها.

رابعاً: العدالة الاجتماعية كمعيار للحكم
من منظور اقتصادي اجتماعي، لا يُقاس نجاح السياسة المالية بزيادة الإيرادات فقط، بل بمدى توزيع أعبائها بعدالة. الرسوم غير المباشرة بطبيعتها تُثقل كاهل ذوي الدخل المحدود أكثر من غيرهم، لأنها لا تراعي الفروق في القدرة على التحمل.
وهنا يظهر التناقض: سياسة يفترض أن تحمي الاقتصاد، لكنها قد تُعمّق فجوة الدخل إذا لم تُصمَّم بعناية.
نحو مقاربة متوازنة
البديل ليس إلغاء الرسوم بالكامل، بل إعادة صياغتها ضمن رؤية إنتاجية واضحة:
• بناء قاعدة صناعية حقيقية قبل فرض الحماية.
• تحفيز الاستثمار عبر الإعفاءات لا العقوبات.
• دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة باعتبارها محرك التشغيل.
• ربط السياسة الكمركية بخطة تشغيل وطنية تقلل البطالة فعلياً.

المعادلة ليست صراعاً بين حماية الاقتصاد وراحة المواطن؛ بل اختبار لقدرة الدولة على الجمع بينهما.
فالرسوم يمكن أن تكون أداة سيادة اقتصادية إذا جاءت في سياق إصلاح شامل، لكنها قد تتحول إلى عبء تضخمي واجتماعي إذا سبقت الإنتاج وافتقرت إلى التخطيط.
وفي النهاية، يبقى الدرس الذي تعلمناه في النظرية ويمتحنه الواقع دائمًا: الاقتصاد القوي لا يُبنى بالحواجز وحدها، بل بالكفاءة، والإنتاج، وعدالة التوزيع. وأي سياسة لا تضع المواطن في قلب معادلتها، ستظل ناقصة مهما حسنت نواياها.



##حسن_صالح_الشنكالي (هاشتاغ)       Hassan_Saleh_Murad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق بين وهم المواجهة وحقيقة الحروب الحديثة
- العراق : انتقال من استبداد الفرد إلى فوضى المحاصصات
- شمال سوريا على صفيح ساخن… قسد بين الضغط والتمدد
- اهلاً بالحكومة السابعة ….
- نزع السلاح: شجاعة وطنية ومسؤولية عراقية
- البرلمان الطلابي: من فكرة تربوية الى ممارسة ديمقراطية داخل ا ...
- من الهروب من التطرف إلى إعادة إنتاجه في أوروبا
- العدالة المؤجَّلة وإعادة إنتاج اللاثقة
- الإيمان كمسار داخلي: دراسة في وحدة التجربة الروحية بين الحلا ...
- العراق بين الصراع الأقليمي وصراعات الداخل
- لماذا لا يحدث التغيير في مدارسنا؟
- حرب الطقس… من القنبلة الذرية إلى التحكم بالمناخ كاداة نفوذ
- جلوس قادة الكُرد في دهوك: هل نحن مقبلون على خارطة جديدة؟
- عراق ما بعد الانتخابات: نتائج بلا أغلبية… ومشهد بلا بوصلة
- غياب المشروع الوطني… العراق بين وهم الوحدة وحقيقة الانقسام
- زهران عمدة نيويورك الجديد خليط متجانس
- هل رجل الدين لازال صمام أمان للمجتمع؟ وكيف تكون نظرته إلى ال ...
- الصدر مجددًا يعلن المقاطعة بين وهم المقاطعة وضرورة المعارضة
- الإيزيديون بين الدستور وواقع الإقصاء الانتخابي
- الانتخابات العراقيّة بين الشكوك والتوافق الإجباريّ


المزيد.....




- وزير المالية الفلسطيني: -انتهت حلول الأرض- والأزمة المالية ت ...
- ونيس في بلا قيود: لا يوجد ترابط بين السياسات الاقتصادية والم ...
- واشنطن ترخص لخمس شركات نفط العودة إلى فنزويلا
- العصر الذهبي لفيتنام.. لماذا تزدهر سياحتها بينما يعاني جيران ...
- المغرب.. إطلاق مشروع إنجاز مصنع لإنتاج أنظمة هبوط الطائرات
- لماذا لا ترتفع قيمة الليرة السورية رغم احتياطي الذهب المتوفر ...
- الرواتب تحرّك الأسواق.. عدن تستقبل رمضان بأسعار مخفضة
- الأزمة المالية العميقة للسلطة الفلسطينية وتحديات البقاء
- تجارة تفكيك السفن في الهند تنتعش بناقلات خاضعة لعقوبات
- عيسى كاظم يخلف سلطان بن سليم على رأس موانئ دبي


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - حسن صالح الشنكالي - الرسوم الكمركية: بين منطق الحماية واختبار الكفاءة الاقتصادية