أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - قد لا يقتل نهري دجلة والفرات بالجفاف… بل بخطاب العجز.؟














المزيد.....

قد لا يقتل نهري دجلة والفرات بالجفاف… بل بخطاب العجز.؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 20:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا تُختزل أزمة المياه في العراق في تراجع الإيرادات المائية أو سياسات دول المنبع فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى مستوى أعمق يتمثل في كيفية تفكير الدولة والمجتمع بالماء، واللغة التي يُدار بها هذا الملف داخل الخطاب الرسمي والإعلامي والنخبوي. فالأزمات الكبرى لا تُدار بالهندسة وحدها، بل بالوعي الذي يسبقها أو يتآكل قبلها. من منظور أكاديمي، يمكن مقاربة الحالة العراقية عبر ثلاثة مفاهيم مترابطة: الأمن المائي، الحوكمة المائية، والخطاب السلطوي. وهي مفاهيم لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تشكل منظومة تفسيرية تفسر لماذا تحولت أزمة قابلة للإدارة إلى حالة شبه مزمنة.
الأمن المائي: من مفهوم سيادي إلى سردية قَلِقة يُعرَّف الأمن المائي بأنه قدرة الدولة على ضمان إتاحة المياه الكافية، والنوعية المقبولة، بشكل مستدام، لدعم حياة السكان والأنشطة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي. غير أن الخطاب السائد في العراق نقل هذا المفهوم من كونه مسؤولية سيادية قابلة للتخطيط إلى كونه حالة قلق دائم تُدار بالاستجابة لا بالاستباق. حين يُقدَّم الجفاف بوصفه قدرًا، وتُختزل المشكلة في الخارج فقط، يفقد الأمن المائي بعده السياسي الداخلي، ويتحول من ملف سياسات عامة إلى خطاب تبريري يهيئ المجتمع للتكيف مع التراجع بدل مقاومته.
تقوم الحوكمة المائية الحديثة على مبادئ الشفافية، وتكامل القطاعات، والمشاركة المجتمعية، وكفاءة الاستخدام، وربط القرار بالمعرفة العلمية. لكن في الحالة العراقية، لا تزال إدارة المياه محكومة بمنطق إداري مركزي تقليدي، يُنتج قرارات مجزأة، ويُضعف المساءلة، ويُقصي النقاش العام الجاد. غياب الحوكمة لا يظهر فقط في ضعف البنى التحتية أو ارتفاع الفاقد المائي، بل في طريقة الحديث عن المشكلة نفسها؛ إذ يُستبدل التحليل المؤسسي بلغة إنشائية، ويُستعاض عن الأرقام والدراسات بطمأنة إعلامية أو تحميل شامل للظروف الخارجية.
الخطاب السلطوي لا يعني القمع المباشر دائمًا، بل قد يعمل بهدوء عبر إنتاج لغة تُقنع المجتمع بأن الخيارات محدودة، وأن التفكير خارج الإطار القائم غير واقعي. في الملف المائي، يظهر هذا الخطاب في عبارات من قبيل: (لا حلول حقيقية)، (هذا أقصى ما يمكن)، (العراق دولة متأثرة لا فاعلة).
هذا النمط من الخطاب لا يكسر الجسد المائي للعراق فقط، بل يكسر المعنى: معنى الحق، ومعنى المسؤولية، ومعنى إمكانية التغيير. وهنا تتحول أزمة الإدارة إلى أزمة وعي جمعي، تتطابق فيها صورة الدولة عن نفسها مع صورة العجز التي تنتجها سياساتها.
حين يغيب التنسيق وتتكشف أزمة الحوكمة ويتشظّي الموقف الرسمي للدولة والحكومة العراقية
تتجلى أزمة الحوكمة المائية تتجلى بوضوح في الممارسات الواقعية لا في التحليل النظري فقط. ففي جلسة حوارية عُقدت خلال مؤتمر العراق للطاقة في نهاية شهر كانون الثاني، وجمعت وزير الموارد المائية، ووزير البيئة، والسفير التركي، ومستشار رئيس الوزراء لشؤون المياه، طُرحت حقائق كاشفة عن حجم التشظي المؤسسي في إدارة الملف المائي. أبرز ما كُشف في تلك الجلسة أن الاتفاقية الإطارية مع تركيا بشأن إدارة المياه من قبل شركات تركية لم يُطلع عليها وزير الموارد المائية نفسه، ولم يُدعَ إلى أي اجتماع يتعلق بها، وهو ما يعكس خللًا عميقًا في منطق الدولة ووحدة القرار السيادي في ملف بالغ الحساسية.
في المقابل، حمّل السفير التركي العراق مسؤولية سوء إدارة موارده المائية، وعزا الأزمة إلى التغيرات المناخية، بينما أقرّ وزير البيئة بغياب القوانين المفعّلة لمنع تلوث المياه، واستمرار رمي مياه الصرف الصحي في الأنهار دون معالجة. أما مستشار رئيس الوزراء، فقد تبنّى الموقف التركي، ما أظهر غياب موقف وطني تفاوضي موحد. ويُضاف إلى ذلك أن قانون المجلس الوطني للمياه لا يزال حبيس البرلمان رغم تقديمه منذ سنوات، في وقت تُدار فيه الأزمة دون إطار تشريعي جامع ينسّق بين القطاعات ويمنح القرار المائي غطاءً قانونيًا مؤسسيًا. هذه الوقائع لا تمثل تفاصيل عابرة، بل تُلخّص جوهر الموقف الرسمي الحالي: إدارة مجزأة، خطاب متناقض، وغياب فعلي للحوكمة. النقد العلمي للسياسات المائية ضرورة لا غنى عنها، لكنه يفقد قيمته حين يتحول إلى جلد ذاتي دائم، كما تفقد الإيجابية قيمتها حين تتحول إلى تخدير. المطلوب هو وعي مائي شجاع يعترف بالاختلالات البنيوية دون أن يُحوّلها إلى هوية نهائية.
الوعي المجتمعي والنخبوي يقول إن العراق متأثر مائيًا، لكنه ليس بلا أدوات؛ وأن التحديات الإقليمية حقيقية، لكنها لا تُسقط واجب الإصلاح الداخلي، ولا تُبرر غياب التخطيط، ولا تُلغي مسؤولية تحديث أنماط الاستخدام، وإعادة بناء الموقف التفاوضي على أسس علمية وقانونية.
إن أخطر ما يواجه العراق في ملف المياه ليس شح المورد وحده، بل شح الخطاب القادر على إنتاج حلول. فحين يجف الوعي، تجف السياسات قبل الأنهار. واستعادة الأمن المائي تبدأ من استعادة اللغة التي نخاطب بها أنفسنا ودول التشارك المائي.



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق والمنعطف الهيدرولوجي الجديد يعيدُ هندسة النفوذ في حوض ...
- كيف يفقد العراق روح انهارها بجفاف مياهها قبل أن يفقد البلاد ...
- من تحالف مرونة المياه لعام 2026 في دافوس هل يمكن بناء مرونة ...
- إدارة موارد العراق المائية باستنساخ الطقوس بدل فهم الأسباب.؟
- من نُدرة المياه إلى نُدرة السيادة: العراق والاختلال البنيوي ...
- مقارنة تحليلية في دول الهشاشة السيادية والبيئية - العراق أنم ...
- أمطار لا تنقذ السيادة: لماذا لا يزال العراق غارقًا في أزمة م ...
- الإفلاس المائي في العراق: هل يقود إلى فتح بنوك المياه؟
- عندما تُدار المياه بلا مجتمع: كيف يُقصي العراق نصف خبرته في ...
- البيئة الإقليمية الجديدة… حين تتحول المياه إلى سلاح صامت.؟
- إفلاس بلا إعلان: كيف تكشف الفجوة المائية عن أزمة الدولة في ا ...
- كيف نرسم خارطة الطريق للتحديات المائية والمناخية لضمان مستقب ...
- تغيّر المناخ في العراق: حين تتقاطع الندرة المائية مع استراتي ...
- أزمة المياه في العراق: مشكلة موارد أم فشل حوكمة؟
- الإصلاح الهيكلي لإدارة موارد المياه سيعزز الإدارة المتكاملة ...
- من المحاصصة إلى تكنوقراط إدارة موارد العراق المائية - الإقصا ...
- أزمة المياه في العراق: العقدة الهيكلية تحتاج الى قرارات الإن ...
- تحذير استراتيجي من خبراء العراق: السياسات قصيرة الأمد تهديد ...
- ليكون العام 2026 نموذج جديد في حوضي دجلة والفرات ان يكون الت ...
- حوكمة المياه في العراق تعدُ الركيزة الغائبة في مواجهة التحدي ...


المزيد.....




- استقالة ناشر واشنطن بوست بعد أيام من تسريح ثلث موظفي الصحيفة ...
- لماذا أثار مقترح بإنشاء بنك للأنسجة البشرية والتبرع بالجلد ج ...
- أصفاد وطائرة خاصة: كواليس ترحيل فلسطينيين سرًا من الولايات ا ...
- ماهي اتفاقية خدمات النقل الجوي التي ألغتها الجزائر مع الإمار ...
- من هو جاك لانغ الرئيس المستقيل لمعهد العالم العربي؟
- الجزائر تبدأ إجراءات إلغاء اتفاقية خدمات النقل الجوي مع الإم ...
- نبض أوروبا: هل يصمد رئيس الحكومة البريطاني أمام عاصفة قضية إ ...
- غالانت: نتنياهو كاذب ويطعن جنودنا في ظهورهم
- واشنطن تؤكد استمرار الجهود لتحقيق هدنة بالسودان
- طهران تأمل في مواصلة المفاوضات مع واشنطن.. وتشدد على ثوابتها ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - قد لا يقتل نهري دجلة والفرات بالجفاف… بل بخطاب العجز.؟