أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - أزمة المياه في العراق: مشكلة موارد أم فشل حوكمة؟














المزيد.....

أزمة المياه في العراق: مشكلة موارد أم فشل حوكمة؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 16:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كما عكست الانتخابات العراقية الأخيرة استمرارية النظام السياسي أكثر مما عكست تحولًا ديمقراطيًا حقيقيًا، فإن الواقع المائي في العراق يعكس بدوره استمرارية فشل بنيوي مزمن، لا أزمة طارئة. فإدارة المياه، تمامًا كإدارة السياسة، لا تُدار بوصفها ملفًا سياديًا استراتيجيًا، بل كسوق للصفقات، وتوازنات النفوذ، وتقاسم الريع. في النظام السياسي، تعمل الانتخابات كسوق لتبادل المنافع قصيرة الأجل بدل التنافس البرامجي. وبالمثل، تعمل المنظومة المائية العراقية كسوق إداري-سياسي تُوزَّع المياه لا وفق معايير العدالة والكفاءة، بل وفق النفوذ السياسي والعشائري. تُنشأ المشاريع المائية (سدود، قنوات، محطات ضخ) لا بناءً على دراسات علمية، بل وفق اعتبارات انتخابية أو محاصصة محلية. تتحول المواسم الزراعية إلى مواسم تفاوض سياسي، حيث تُمنح «حصص مائية استثنائية» لإرضاء فئات معينة، على حساب الاستدامة الوطنية. وهكذا، كما يتفاعل المواطن سياسيًا وفق حسابات البقاء، يتفاعل الفلاح مع الموارد المائية بمنطق «احصل اليوم قبل أن ينضب الغد»، ما يعزز الاستنزاف ويقوّض أي إصلاح طويل الأمد. كما تحافظ النخب السياسية على امتيازاتها عبر السيطرة على الموارد العامة، تحافظ نخب الإدارة المائية على مواقعها من خلال مقاومة أي إصلاح مؤسسي حقيقي (دمج المؤسسات، توحيد القرار، الشفافية). تعطيل تحديث القوانين المائية التي تنقل الإدارة من منطق السيطرة إلى منطق الإدارة المتكاملة. إقصاء الخبراء المستقلين لصالح شبكات إدارية مغلقة تعيد إنتاج السياسات نفسها. النتيجة هي نظام مائي مغلق، تمامًا كالنظام السياسي، لا يسمح بدخول أفكار جديدة ولا بقيادات إصلاحية حقيقية. كما أن نسب المشاركة الانتخابية لا تعكس بالضرورة شرعية سياسية حقيقية، فإن الإعلان عن خطط مائية وطنية، أو توقيع مذكرات تفاهم إقليمية، أو إطلاق استراتيجيات حتى 2030 أو 2050، لا يعكس بالضرورة وجود حوكمة مائية فاعلة. فالمجتمع العراقي لا يثق بوعود الدولة حول الأمن المائي، ولا يلمس أثر الخطط على أرض الواقع، ويتعامل مع المياه كمورد آيل للزوال لا كحق عام منظم.
وهذا يفسر تفشي التجاوزات، الحفر العشوائي للآبار، والتوسع الزراعي غير المنضبط، بوصفها أشكالًا من «الانسحاب الاستراتيجي» من التنمية المائية، تمامًا كما يحدث سياسيًا. كما اتسمت الانتخابات بالهدوء الإجرائي دون مضمون إصلاحي، تتسم السياسات المائية بهياكل مؤسسية قائمة شكليًا (وزارات، هيئات، لجان). تشريعات موجودة لكن غير مفعّلة. تقارير رسمية متكررة بلا أثر تنفيذي. في الواقع، تُدار المياه عبر تفاهمات غير مكتوبة بين مراكز نفوذ سياسية، سلطات محلية، مصالح زراعية وتجارية، وليس عبر مؤسسة وطنية موحدة ذات قرار سيادي واضح. كما لم يعد رئيس الوزراء هو صاحب القرار الحقيقي في السياسة، لم تعد وزارة الموارد المائية هي صاحبة القرار الفعلي في ملف المياه. القرار المائي موزع بين مكاتب سياسية عليا، حكومات محلية، ضغوط إقليمية من دول المنبع، واعتبارات أمنية واقتصادية. وبالتالي، لا يهم كثيرًا من يتولى المنصب بقدر ما يهم مدى قدرته على العمل داخل قيود صارمة، واستعداده لعدم المساس بشبكات المصالح القائمة. كما أن السيادة السياسية العراقية مقيدة بالتوازنات الإقليمية، فإن السيادة المائية مرتهنة لسياسات تركيا وإيران في دول المنبع، ضعيفة التمثيل في المفاوضات الدولية، بلا أدوات ضغط قانونية أو اقتصادية فعالة. وتُدار العلاقة المائية الخارجية غالبًا بردود فعل تقنية، لا برؤية سيادية استراتيجية طويلة الأمد. لأن الانتخابات العراقية باتت طقوسًا لإعادة إنتاج النظام القائم، يمكن القول إن السياسات المائية العراقية باتت طقوسًا إدارية لإدارة الندرة، لا أدوات استراتيجية لمنعها. ومن دون إصلاح هيكلي جذري لحوكمة المياه، نقل الحوافز من توزيع الريع المائي إلى كفاءة الاستخدام والمساءلة، توحيد القرار السيادي المائي داخليًا وخارجيًا، سيبقى العراق يعيد إنتاج أزمته المائية، تمامًا كما يعيد إنتاج أزمته السياسية استمرارية بلا تغيير، وإدارة بلا سيادة، وموارد تُستنزف بدل أن تُدار.



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإصلاح الهيكلي لإدارة موارد المياه سيعزز الإدارة المتكاملة ...
- من المحاصصة إلى تكنوقراط إدارة موارد العراق المائية - الإقصا ...
- أزمة المياه في العراق: العقدة الهيكلية تحتاج الى قرارات الإن ...
- تحذير استراتيجي من خبراء العراق: السياسات قصيرة الأمد تهديد ...
- ليكون العام 2026 نموذج جديد في حوضي دجلة والفرات ان يكون الت ...
- حوكمة المياه في العراق تعدُ الركيزة الغائبة في مواجهة التحدي ...
- العراق وبهجة -أمطار اللحظة الأخيرة- التي أنقذت بلاد الرافدين ...
- عراقٌ بلا ماء.. واقعٌ قد لا يُتصور وحلولٌ تصنع المستقبل.؟
- من -بروتوكولات الوعود- إلى -اتفاقيات ملزمة- نحو استراتيجية ا ...
- حوكمة المياه في العراق: من إدارة الأزمة إلى ضرورة البقاء
- من حلول استدامة موارد العراق المائية التحول من إدارة الأزمة ...
- الانتقال من -مذكرات التفاهم- إلى -الاتفاقيات الملزمة- مع دول ...
- رأي خبير: نحو إدارة مائية شفافة ومُتكاملة باعداد تقرير شامل ...
- نحو حوكمة رشيدة للموارد المائية لتحويل التحديات إلى فرص.؟
- لضمان حقوق العراق المائية نرى ضرورة ان يتحول العراق من الجغر ...
- من المتانة إلى المرونة: لماذا يجب على العراق تبني -هندسة الم ...
- هل سيستطيع العراق تحويل دروس السيول والفيضانات من حالة الاست ...
- أنهار العراق: من مهد الحضارة والتناغم إلى تحديات الجفاف والت ...
- التوسع الحضري العشوائي وقرارات استخدام الأراضي في العراق وبُ ...
- من رفوف مكتبات الجامعات إلى التنفيذ كمشاريع تنموية:متى سيترج ...


المزيد.....




- ثنائيّة الأسود والأبيض تتصدّر إطلالات المشاهير على السجّادة ...
- زملط لـCNN: تعريف نتنياهو للشرق الأوسط الجديد هو الهيمنة وال ...
- من سوريا.. ما حقيقة فيديو -هجوم حزب الله على قوات إسرائيلية- ...
- مصدران إسرائيليان: مقتل قائد قوات البحرية في الحرس الثوري ال ...
- رغم العقوبات: شركة ألمانية تعتزم تصنيع عناصر وقود نووي مع مج ...
- أشاد بها ترامب.. الكشف عن -الهدية الكبيرة جدًا- التي قدمتها ...
- لماذا فشل نظام -مقلاع داود- في حماية جنوب إسرائيل من الصواري ...
- إصابة سكان بانفجار منزل إسرائيلي وسط وابل إيراني جديد
- كواليس قرار أمريكي إسرائيلي.. لماذا تُرك بيزشكيان وعراقجي عل ...
- جورجيا ميلوني تعلن تعميق التعاون مع الجزائر بهدف -تعزيز تدفق ...


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - أزمة المياه في العراق: مشكلة موارد أم فشل حوكمة؟