رمضان حمزة محمد
باحث
الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 14:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
اليوم ونحن على عتبة تشكيل حكومة عراقية جديدة، لا يدور الجدل في العراق حول غياب القوانين بقدر ما يدور حول طريقة استخدامها. فالعراق لا يفتقر إلى تشريعات مائية أو استراتيجيات مكتوبة، لكنه يعاني من تحويل القانون من أداة تنظيم وإصلاح إلى أداة إقصاء وتعويم للمسؤولية.
عندما يُطرح قانون وتصدر تعليمات تحت شعار “الإصلاح”، قد يكون الهدف الضمني هو إقصاء فاعل سياسي بعينه. في العراق، تُطرح قوانين المياه، واللجان العليا، والاستراتيجيات الوطنية والدراسة الاستراتيجية للمياه والأراضي "2015- 2035" مثالاً لا حصراً، بينما الهدف العملي غالبًا هو إقصاء السؤال الحقيقي من يتحمّل المسؤولية؟ لان خطر الإقصاء في الحوكمة المائية تتجسد في القوانين الإقصائية التي لا تُضعف الطرف المستهدف فقط، بل تُقوّض النظام السياسي بأكمله. حيث يلاحظ هذا في الواقع المائي منها إقصاء الخبراء المستقلين لصالح الولاءات الإدارية، تهميش المحافظات المتضررة عن مراكز القرار، تحييد المجتمع الأكاديمي والبحثي، وتحويل ملف المياه إلى ملف “تنفيذي شبه مغلق” بدل ان يكون ملف أمن وطني مفتوح للمساءلة وهذه الطريقة تضفي على النظام صيغة قانوني شكلي، لكنه عاجز وظيفيًا. لان السؤال الذي يطرح هل تشريعات المياه تنظم الاستخدام العادل أم تمنح السلطة لمن يملك النفوذ؟ وهل تُدار المياه وفق معايير علمية واضحة؟ أم تُدار عبر استثناءات، وموافقات خاصة، وقرارات طارئة دائمة؟
عندما تتحول إدارة المياه إلى نظام تراخيص فضفاض بدل نظام حقوق وواجبات، يصبح الفشل حتميًا لو كُتبت أفضل القوانين. ولكن لا يجب أن يغيب عن البال بان المؤسسات الضعيفة لا تصنع أمنًا مائيًا لان الرهان على مؤسسات ضعيفة أو مسيّسة لتطبيق قوانين حسّاسة. وهذا بيت الداء في العراق
كأن تكون وزارة بلا سلطة إلزام حقيقية، ولجان مشتركة بلا مساءلة وغياب “ضامن لأمن المياه” كجهة سيادية واحدة وهذه تعطي نتيجة تشبه ما يحذّر منه بان الحكام يحددون النتائج، لا الوقائع الهيدرولوجية. ولكن نعلم جيداً بان الإقصاء لا يصنع شرعية… ولا مياه كما أن الاجراءات الإقصائية لا تمنح شرعية سياسية، لإن السياسات المائية الإقصائية لا تمنح أمنًا مائيًا ولا غذائيًا.
بل على العكس تزيد الفجوة بين الدولة والمجتمع، تغذّي الاحتجاجات المحلية، تضعف الموقف التفاوضي مع دول المنبع، وتحوّل الجفاف من ظاهرة طبيعية إلى أزمة حكم، ولان الخطر الأكبر هو أن الاجراءات الإقصائية تغلق الباب أمام افكار جديدة، أجيال شابة، حركات إصلاح حقيقية مما يؤدي الى إقصاء حلول لا مركزية ذكية، وتعطيل مبادرات المحافظات، وقتل أي تفكير خارج النموذج الإداري التقليدي وهكذا، يُدار ملف المياه بعقلية حماية النظام لا حماية المورد.
ولهذا لا يمكن بناء أمن مائي أو غذائي عبر قوانين تُصاغ لإقصاء الفاعلين، أو لتجميل العجز، أو لإرضاء أطراف خارجية. كما أن محاولة إدارة أزمة المياه في العراق عبر تشريعات بلا مساءلة، وبلا مركز سيادي واضح، وبلا إشراك حقيقي للمجتمع، ستقود إلى فشل مضاعف وتوشك بكوارث لا تحمد عقباه.
#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟